الهوية الوطنية هي شعور الفرد بانتمائه إلى وطنه، وهي تمتد إلى عدد من المجالات، منها الثقافة والتعليم، حيث ترتبط بأمرين أساسيين هما السلم الأهلي والتحول الديمقراطي، وبالتالي فإن حسم مسألة الهوية الوطنية بات ضرورة وطنية.

تسلّط هذه المقالة الضوء على مسألة الهوية الوطنية الكويتية انطلاقًا مما مرت به دولة الكويت من تغييرات اجتماعية وسياسية ومن أزمات منذ نشأة الدولة حتى يومنا هذا. فما هي الأسس التي تقوم عليها الهوية الوطنية الكويتية؟ وكيف تأثرت الهوية الوطنية الكويتية بالسياق التاريخي لدولة الكويت؟ وبماذا تتمثل أزمة الهوية الكويتية أو ما يعرف بمعضلة الهوية؟ وما هي الحلول المقترحة لتعزيز الهوية الوطنية الكويتية؟ وما هو دور الحكومة ومنظمات المجتمع المدني في تعزيز الهوية الوطنية الكويتية؟

تعتمد هذه المقالة في البحث في هذه الأسئلة المنهج التحليلي والمنهج التاريخي؛ وهي تفترض أن للهوية الوطنية مجموعة من الأسس ترتكز عليها وتدعمها؛ وأن معضلة الهوية الوطنية تكمن بتداخل مجموعة من التحديات الداخلية والخارجية، وهو ما يساهم في إضعاف مقوماتها وتفكيكها. وهي ترى أن هناك ارتباطًا بين تعزيز الهوية الوطنية من جهة وتعزيز القيم الديمقراطية والاهتمام بالتعليم من جهة أخرى؛ وأن التركيز المشترك بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني على الوسائل والاستراتيجيات له الأثر البالغ في تعزيز الهوية الوطنية.

أولًا: مفهوم الهوية الوطنية

عرف ويمر[1] الهوية الوطنية على أنها مجموعة تعابير تخص مجتمع معين، وتشمل كل ما يمنح المجتمع هوية، وتتمثل بالعادات، واللغات، والمعتقدات الدينية، والثقافة، وتختلف من مجتمع إلى آخر، وتنشأ فيما بينهم روابط مواطنة، وانتماء للمكان الذي يعيشون فيه معًا، وهو ما يتيح لهم مشاركة أفكارهم وطقوسهم معًا، ودمجها تحت مسمى الهوية الوطنية.

نشأ مفهوم الهوية الوطنية للربط بين الذات الداخلية الحقيقية للفرد والعالم الخارجي من القواعد والمعايير الاجتماعية، ويمكن القول إن الهوية الوطنية تبدأ بإيمان مشترك بشرعية النظام السياسي للبلد سواء كان ذلك النظام ديمقراطيًا أم لا، حيث يمكن الهوية أن تتجسد من خلال القوانين والدستور الرسمي الذي يختص فقط بالمواطنين المنتمين إلى هذا البلد، فعلى سبيل المثال تعَدّ اللغة أو اللغات لغات الرسمية، أو المنهاج المقرر في المدارس حول ماضي بلدهم وأسس قيامه، جزءًا من الهوية الوطنية[2].

1 –  الهوية الوطنية العربية

يختلف تعريف الهوية الوطنية العربية من دولة إلى أخرى، ولكن من المهم الإشارة إلى أن الهوية الوطنية لجميع البلدان العربية بما فيها دولة الكويت تؤكد القيم العربية والإسلامية،  فهي أساس نشأتها وأسس قيام النظام فيها، وبالنسبة إلى مفهوم الهوية الوطنية العربية بوجه خاص، فإنها ليست مجرد جزء صغير من شخص واحد، إنما هي مجموعة من الخصائص، والقيم، والمبادئ مجتمعة معًا داخل مجتمع متآلف ومتضامن بعضه متمسك ببعض من أجل الحصول على مجموعات سكانية موحدة ومتنوعة[3].

يتألف الوطن العربي من 22 دولة، وأكثر من 400 مليون نسمة، وبالرغم من  الانتشار الجغرافي الواسع،  ووجود ديانات ولغات متعددة، وثقافات مميزة، والكثير من التواريخ الفريدة، فقد تمت المحافظة على هوية وطنية عربية واحدة، لكن تم استخدامها كأداة لتعزيز الفهم المحدود للدين والدولة، الذي فرّق الناس وسبّب الاختلافات العابرة كالعرق، والمحسوبية، والقبلية، والمذهبية، وما زال هناك جهد متواصل من أجل الحفاظ على الطبقات والاختلافات البسيطة داخل دائرة الهوية الوطنية العربية، وما تحمله من أسباب تجمع الأوطان العربية من دون أن تفرقهم الحدود[4].

2 –  ملامح الهوية الوطنية الكويتية وعلاقتها بالهوية الوطنية العربية

إن الهوية الوطنية تتشارك في العناصر الأساسية التي تحدد شخصية وتوجهات الناس وتؤكد حاجاتهم، واهتماماتهم، وأهدافهم المشتركة. وبالتوسع بالتعريف يُنظر إلى الهوية الوطنية العربية على أنها أساس اللغة، وبالنسبة إلى الكثير من العرب تتجاوز الهوية اللغة على نحو واسع لتشمل العرق، والدين، والقبيلة، والتاريخ، والموروث الثقافي، والمصير المشترك، لذلك يمكن وصفها بالعامل الموحِّد بين جميع العرب.

وما إن نرى ملامح الهوية الوطنية الكويتية سنجد أن الدستور الكويتي قد رسم ملامحها بدقة من حيث البقعة الجغرافية في تعريفه للوطن، والإسلام كدين رئيسي في المجتمع الكويتي الذي يستمد منه هويته، واللغة العربية بوصفها لغة القرآن الكريم الذي يوحد الأمة العربية من مشرقها إلى مغربها بوصفها وسيلة للتواصل وأداة للتعبير ورمزًا للهوية الكويتية، وختامًا بالثقافة التي ربطها بتاريخها الإسلامي والعربي كما نصت المادة (12) من الدستور على «أن الدولة تصون التراث الإسلامي والعربي وتسهم في ركب الحضارة الإنسانية».

وإذا أجرينا مقارنة بين كل من الهوية الوطنية العربية والهوية الوطنية الكويتية نجد أن الأخيرة منسجمة مع الواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي العربي، وأن تعزيزها يكون من خلال الاعتراف بالقضايا المصيرية لمواجهتها والوقوف عليها وتحديد المصالح المشتركة التي من شأنها أن تعزز من ارتباط الهوية الوطنية الكويتية بالهوية الوطنية العربية[5].

ينعكس ذلك من خلال جهود الكويت الدبلوماسية المكثّفة، والخطوات المدروسة بدقة لرسم هوية كويت الإنسانية، عنوانها الأبرز التسامح والسلام والحياد الإيجابي، من خلال وضع الشعوب ومصلحة الإنسان بالدرجة الأولى، وانعكاسها بتفاعل مع الشعوب العربية التي خلقت سمعة الكويت الحسنة، وأبرزها دعم القضية الفلسطينية بكل الصور والأشكال[6].

كما ترتبط الهوية الوطنية الكويتية بعدة مفاهيم مثل القومية، وحقوق الإنسان، والديمقراطية، لكي تضمن مكانة المواطن على أساس الجنسية، والجنس، والعمر، وتحترم جميع الأعراق، والثقافات داخل مجتمعها، إضافة إلى منحهم الحريات والحقوق والخدمات في جميع النواحي، إذ إنها تعدّ الشعور والممارسة في الوقت نفسه، وهو ما يزيد من الوعي المدني بين الأفراد وتعاونهم معًا بمختلف أجيالهم، وثقافاتهم، في سبيل دعم وطنهم في شتى المجالات[7].

3 –  الأسس التي تقوم عليها الهوية الوطنية الكويتية

أشار بيغراند[8] إلى أن هناك الكثير من الأسس التي تقوم عليها الهوية الوطنية الكويتية، كاللغة التي يتحدث بها الأفراد، إذ تعد وسيلة تواصل في غاية الأهمية، سواء كانت مكتوبة أو شفهية، توضح وتعبر كثيرًا عن الهوية الوطنية للفرد، إضافة إلى ذلك التنوع الثقافي الجميل، الذي تتمتع فيه دولة الكويت، ويرتبط في الغالب بالمعتقدات الإسلامية، فثقافتها بحد ذاتها تعد هوية وطنية، إذ إنها تدل على وحدة الأفراد بالتراث، والأصل، والتقاليد، والأعراف، وهو ما يرسخ هويتها نقلًا من جيل إلى جيل.

تمتلك دولة الكويت أطول تاريخ حديث للمشاركة السياسية في الشرق الأوسط، إذ تعد واحدة من أولى دول الخليج العربي في تفعيل دور الهوية الوطنية من خلال نظام الديمقراطية. لذلك فإن النضج الديمقراطي لدولة الكويت وتطلعاتها إلى الهوية الوطنية الكويتية راسخة بين الأجيال، إذ يقوم على تعاون الدولة مع مواطنيها، وتطوير وتثبيت الهوية الكويتية من خلال عدة مجالات كالتعليم، والمناهج الوطنية التي تجمع مفردات المواطنة، والهوية الوطنية، وحب الدولة، والشعور بالانتماء، إضافة إلى التعرف إلى ثقافات دولة الكويت، وأصولها، وتاريخها العريق، الذي يعدّ حلقة الوصل بين المواطن وهويته الوطنية، في سبيل تحقيق الاستقرار داخل المجتمع، وتوحيد جميع الفئات داخله[9].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 529 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 529 آذار/مارس 2023

أوراق ذات صلة:

مقاومة التطبيع في الخليج العربي: تجارب البحرين وعُمان وقطر والكويت

المواقع الإخبارية الإلكترونية ودورها في مكافحة الفساد: تجربة دولة الكويت

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 529 في آذار/مارس 2023.

حسين علي الصباغة: كاتب ومؤلف وباحث سياسي.

[1]Andreas Wimmer, «Why Nationalism Works: And Why It Isn’t Going Away,» Foreign Affairs, vol. 98, no. 2 (March – April 2019), p. 27.

[2]         Julian Aichholzer, Sylvia Kritzinger and Carolina Plescia, «National identity profiles and support for the European Union,» European Union Politics, vol. 22, no. 2 (2021), pp. 293 – 315.

[3]         Rahma Al-Mahrooqi and Christopher Denman, «Arab Identity and Literature in Translation: The Politics of Selection and  Representation,» Arab World English Journal (AWEJ), Special Issue on Translation, no. 5 (May 2016).

[4]         Yousef Choueiri, «Arab Nationalism,» in: Josef Meri, ed., The Routledge Handbook of Muslim – Jewish Relations (London: Routledge, 2016), p. 317

[5]  عادل الإبراهيم، «الهوية الوطنية،» الأنباء (الكويت)، 14/1/2015

[6]  فهد القبندي، «هوية كويت الإنسانية.. بين التوازنات والتحولات،» القبس (الكويت)، 14/11/2021.

[7]         Anas Alomaim, «Nation Building in Kuwait 1961 – 1991,» (A Dissertation submitted in partial satisfaction of the requirements for the degree Doctor of Philosophy in Architecture, University of California, Los Angeles, 2016).

[8]         Claire Beaugrand, «Deconstructing Minorities/Majorities in Parliamentary Gulf States (Kuwait and Bahrain),» British Journal of Middle Eastern Studies, vol. 43, no. 2 (2016), pp. 234 – 249.

[9]         Fatiha Dazi – Héni, «How MbS is Rethinking Saudi Nationalism,» Italian Institute for International Political Studies, 13 May 2019, <https://www.ispionline.it/en/publication/how – mbs – rethinking – saudi – nationalism – 23083>.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز