مقدمة[1] 

تحظى أفغانســتان بأهمية اســـتراتيجية منذ القِدم لوقوعها على مفترق طرق في وســط آســـيا وجنوبها؛ وجاء موقعها على طول طريق الحرير ليربطها بثقافات الشرق الأوسط وأجزاء من آسيا. ورغم أنها احتُلت عبر مراحل مختلفة من تاريخها فقد أُطلقت عليها ألقاب مثل «التي لا تقهر» و«مقبرة الإمبراطوريات»[2]. فقد شن البريطانيون – على مدى ثمانين عامًا – الحروب ضد الجيوش الأفغانية، وباءت معظم محاولاتهم بالفشل[3]. لكن مقاومة أفغانستان كلّفتها أثمانًا غالية، حيث حذر البنك الدولي من تردّي الأوضاع الاقتصادية في أفغانستان التي تعدّ واحدةً من أفقر بلدان العالم، وغاب الاستقرار عنها منذ الغزو السوفياتي أواخر سبعينيات القرن العشرين. ويتسم اقتصادها بهشاشته واعتماده على المساعدات والمعونات[4].

عندما بدأ الحديث عن المخطط الأمريكي للانسحاب من أفغانستان كانت موسكو على تواصل مع طالبان تحسبًا لأي سيناريوهات تخص تلك الدولة المتاخمة لدول آسيا الوسطى ذات الأهمية الاستراتيجية لموسكو. لكن تباينت درجات اقتراب الفاعلين الإقليميين الآخرين من الجماعة؛ فقد عملت حكومات باكستان والهند والصين – في الأشهر الأخيرة السابقة على عودة طالبان إلى الحكم في أفغانستان – على تصعيد اتصالاتها الدبلوماسية بطالبان استعدادًا لاحتمال أن تصبح قوة سياسية فاعلة أساسية في البلاد. وتحول هذا الاحتمال إلى حقيقة واقعة حين اجتاحت طالبان العاصمة كابول إيذانًا بمشهد جيوسياسي جديد في المنطقة.

ستتكشف ملامح هذا المشهد الجديد عبر مآلات الصراع في أفغانستان وعلاقات طالبان بجيرانها وبالقوى الإقليمية في المنطقة؛ فوصولها إلى الحكم من جديد لا يعني اكتمال سيطرتها على أنحاء الدولة كافة؛ فالسقوط السريع لكابول لا يعني غيابًا للمعارضة التي ستمثل تحديًا لطالبان إضافة إلى تحدي جماعات متطرفة تنتظر الفرصة لتكثيف أنشطتها في أفغانستان أو لتعود من جديد لتتخذها منطلقًا لأعمالها خارج الدولة. وعلى المستوى الإقليمي تراقب دول الجوار والقوى الإقليمية ما يحدث في أفغانستان. وإن كانت هناك تحليلات ترى الانسحاب الأمريكي خطأً استراتيجيًا وإقرارًا بالفشل في أفغانستان، إلا أن تحليلات أخرى تراه قرارًا مدروسًا سعت واشنطن عبره للتخلي عن مهمة تستنزف مواردها، كما هدفت إلى أن تترك لخصومها في المنطقة – وبخاصةٍ موسكو وبكين – قنابل موقوتة في إمكانها أن تخلق للكرملين المشكلات في آسيا الوسطى ذات الأهمية الكبرى لروسيا، كما يمكنها إفساد مشروعات الصين الاقتصادية بأفغانستان وطرق التجارة التي كانت تسعى بكين لدمج أفغانستان بها. أما الهند التي تدهورت علاقاتها بطالبان بولايتها الأولى وتوطدت علاقتها بحكومات كابول إبان الاحتلال الأمريكي ودعمتها اقتصاديًا، فقد أضحت في وضع بدت فيه أكبر خاسرٍ من انسحاب واشنطن وعودة طالبان إلى الحكم.

تسعى هذه الدراسة للإجابة عن السؤال الرئيس التالي: كيف تكونت استراتيجيات قوى آسيوية كروسيا والصين والهند تجاه أفغانستان منذ الانسحاب الأمريكي؟ فقد أدى الانسحاب إلى تولي طالبان مقاليد الحكم. وهذه الحركة السياسية الإسلامية تدور توصيفاتها حول مصطلحات مثل حركة جهادية، أصولية، متطرفة. لذا كان من المفترض أن يكون للعامل الأيديولوجي دور مؤثر في علاقاتها بالقوى الإقليمية منذ عهدة حكمها الأولى التي بدأت عام 1996 حتى الآن. لكن هل كان ذلك دائمًا افتراضًا صحيحًا أم أن المصالح دفعت الأطراف – بعضها أو جميعها – إلى التحرك نحو التقارب أو الابتعاد؟ تأتي هذه المصالح بسياقات دولية وأخرى إقليمية؛ فعلى المستوى الدولي توصف علاقات الهند – وجارتها باكستان – بالغرب بالعلاقات التعاونية بينما تظهر الصين وروسيا كمنافسين للغرب. وعلى المستوى الإقليمي تظهر أشكال التنافس بين أطراف متعددة كذلك التنافس بين الهند والصين، وكذلك بين الهند وباكستان وإيران.

لذلك يثير السؤال الرئيس أيضًا مجموعة من التساؤلات الفرعية، منها: كيف أدركت تلك القوى التحديات الناشئة أو الفرص المتاحة من الانسحاب الأمريكي؟ ما هي تداعيات وصول طالبان إلى السلطة في أفغانستان على طبيعة العلاقات بين أفغانستان وتلك القوى؟ كيف ستنعكس الأوضاع الجديدة في أفغانستان على الأوضاع الجيوسياسية في منطقة جنوب آسيا؟ كيف تشابهت أو تباينت مواقف تلك القوى تجاه الانسحاب الأمريكي وتولي طالبان الحكم من جديد؟

ما إن اندلعت الحرب الأوكرانية في شباط/فبراير 2022 استغلت طالبان الأسابيع التالية لتوسع من قراراتها بحظر أنشطة كانت تعدّ جزءًا من الحياة الطبيعية للأفغان قبل استيلائها على الحكم في صيف 2021؛ فمارست الحركة حملات القمع ضد وسائل الإعلام والأنشطة الترفيهية والأعياد التقليدية[5]. لكن تلك الحرب في الوقت نفسه حجبت عنها قدرًا مهمًا من المعونات الإنسانية التي تم تعليقها أو تحويلها للتعامل مع التبعات الإنسانية للصراع بأوكرانيا.

تركز هذه الدراسة أيضًا على القوى الآسيوية الأبرز في التعامل مع القضية الأفغانية وهي روسيا والصين والهند، وذلك عبر مدة زمنية تقارب العام منذ الانسحاب الأمريكي في صيف 2021 حتى تموز/ يوليو 2022 الذي شهد اغتيال زعيم القاعدة أيمن الظواهري الذي كرّس التوقعات باستمرار حالة التوتر بين واشنطن وطالبان. لكن ذلك لا ينفي وجود قوى أخرى مهمة كإيران وباكستان؛ فالأولى تختلف أيديولوجيًا مع طالبان، والأخرى لها تاريخ من دعم طالبان وتاريخ أيضًا لتأييد السياسة الأمريكية. لكن هاتين القوتين سيرد ذكرهما عبر الدراسة مع اعتراف بكونهما تستحقان بحثًا منفصلًا؛ فكلتاهما من القوى الإسلامية التي تتأثر تاريخيًا بأوضاع الجارة أفغانستان. تعرض الدراسة مواقف الدول الثلاث؛ روسيا والصين والهند، تباعًا والفرص والتحديات التي أفرزتها تحولات الساحة الأفغانية لهذه القوى. وحينما تبنت الجمعية العامة في آذار/ مارس 2022 قرارًا يطالب روسيا بالتوقف عن استخدام القوة ضد أوكرانيا كانت الصين والهند من بين خمس وثلاثين دولة امتنعت عن التصويت على القرار في إشارة مهمة للعلاقة بين موسكو وكلٍ من بكين ونيودلهي.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 530 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 530 نيسان/أبريل 2023

 

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 530 في نيسان/أبريل 2023.

أحمد عبد الحافظ فواز: أســتاذ مساعد في العلوم السياسية، كلية الاقتصاد والعلوم السياسية – جامعة القاهرة.

[1]  يتوجه الباحث بالشكر للأستاذة الدكتورة نادية مصطفى، أستاذة العلاقات الدولية في كلية الاقتصاد والعلوم السياسية، جامعة القاهرة، على ملاحظاتها المتعمقة التي أثرت الدراسة.

[2]  Devender Sharma, «Dealing with the Taliban: India’s Strategy in Afghanistan after Regime Change,» Modern Diplomacy, 22 August 2021, <https://moderndiplomacy.eu/2021/08/22/dealing-with-the-taliban-indias-strategy-in-afghanistan-after-regime-change/>.

[3]  Scott Savitz, «Lessons from Afghanistan,» The RAND Blog, 3 September 2021,  <https://www.rand.org/blog/2021/09/lessons-from-afghanistan.html>.

[4]  «التجارة بين الهند وأفغانستان متوقفة.. وتوقعات باستئنافها قريباً،» العين الإخبارية، 20/8/2021، <https://al-ain.com/article/trade-india-afghanistan-suspended-expected-resume>.

[5]  لين أودونيل، ««طالبان» تسيطر على أفغانستان والعالم ينشغل بأوكرانيا،» موقع «الجريدة»، 29 آذار/مارس 2022، نقلاً عن مجلة فورين بوليسي، <https://www.aljarida.com/articles/1648486631612239100>.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز