تقديم

إن الهدف من هذا المقال ليس معالجة الإشكاليات التي يطرحها مفهوم العالم في الفلسفة الإسلامية، وإنما التعريف بها وتسليط الضوء عليها. ذلك أن مختلف القضايا التي كانت موضع نقاش في تلك الفلسفة مترابطة فيما بينها، ولها صلة وثيقة بمفهوم العالم. فما المقصود بهذا المفهوم؟

«العالم هو الخلق كله، وقيل ما احتواه بطن الفلك… وجمعه عالَمون، ولا يجمع شيء على فاعل بالواو والنون إلا هذا، وقيل جمع العالم عوالم»[1]، ولقد اتفق المتكلمون على هذا المعنى رغم اختلافهم في العبارات، فالعالم «كل موجود غير الله تعالى»[2] بحسب الرازي. ويعرّفه الباقلاني قائلًا: «العالم محدث وهو عبارة عن كل موجود سوى الله تعالى»[3]. ونجد التعريف نفسه لدى البغدادي والجويني[4]، فهناك إجماع على أن العالم هو كل موجود سوى الله تعالى.

ينص القرآن الكريم على أن العالم مخلوق، ﴿ذَٰلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ﴾[5]، غير أن هذه الأشياء ليست من جنس واحد، بل مختلفة ومتعددة، منها ما يدرَك بالحس، ومنها ما يدرَك بالعقل، ومنها ما لا يدرَك بالحس ولا العقل بل تُعرف بالسمع كالجنة والنار واليوم الآخر. وهذا هو ما يسمى عالم الغيب. وبناء عليه يصعب الحديث عن عالم متجانس، بل هناك عوالم مختلفة ومتعددة تجمعها علاقات ما، أو نفترض على الأقل وجود تلك العلاقات. وما يرجح صحة هذه القول هو عدم ورود كلمة «العالم» في القرآن قط، وعوضًا منها ذكرت كلمة «العالمين» في أكثر من سورة. لكن هل تدل كلمة «العالمين» حقًا على تعدد العوالم واختلافها؟

وردت كلمة «العالمين» في جل الآيات مسبوقة بـ «رب»، والرب «في كلام العرب متصرف على معان، فالسيد المطاع يدعى ربًا، والرجل المصلح للشيء يدعى ربه، والمالك للشيء يدعى ربه»[6]، بمعنى أن رب الشيء هو مالكه أو مصلحه أو من كان محل طاعته، وعليه فأعتقد أن «رب العالمين» لا تدل في القرآن على عالمَي الإنس والجن كما ذهب إلى ذلك أبو منصور الأزهري وابن عباس[7]، وإنما تشمل كل المخلوقات، وخصوصًا أن هناك آيات تفيد هذا الأمر: «رب السماوات والأرض وما بينهما»، «رب العرش العظيم». إضافة إلى ذلك لو كان المقصود بـ «العالمين» عالم الإنس والجن كما يقول ابن عباس، لوردت مثنى: «العالَمَيْن»،  بينما أتت في القرآن في صيغة الجمع.

مهما كانت دلالة العالمين، ومهما تم الاختلاف حولها، فإن الذي لا اختلاف حوله هو عدم ورود «العالم» في القرآن في صيغة المفرد، أي أن العالم عوالم متعددة ومختلفة، منها: المحسوسات والمعقولات والغيبيات. فكيف السبيل إلى معرفة كل قسم من هذه الأقسام؟ وهل معرفته ممكنة؟ وما العلاقة بينها؟ ومتى خلقها الله؟ وكيف خلقها؟ ولمَ قام بخلقها؟

إن تلك الإشكاليات متداخلة يصعب الفصل بينها، لكن بما أن التعبير عن الأفكار لا يستقيم إلا بترتيبها وتنظيمها، سأحاول مقاربة تلك الإشكاليات بحسب مراحل نشأتها، إذ منها ما هو قديم، تناولته الفلسفة اليونانية، ومنها ما هو حديث لم يظهر إلا بظهور القرآن الكريم ومناقشة أفكاره في الوسط الثقافي الإسلامي. وعليه؛ سأخصص القسم الأول من هذا البحث، لمعالجة تصور الأشاعرة لمسألة قدم العالم، فهي قضية قديمة، طرحت منذ الفلسفة اليونانية، وكان للأشاعرة رأي فيها، يتناسبب وتوجههم الفكري العام. بينما سأخصص القسم الثاني لمسألة السببية، ذلك أن تصور الأشاعرة لهذا المبدأ يتقاطع مع مجموعة من الإشكاليات التي أشرنا إليها سابقًا، وبذلك يكون تصور الأشاعرة للسببية مدخلًا للنظر فيها.

قد يقول قائل: إن مسألة السببية بدورها قديمة، فلمَ عديتها شيئًا جديدًا مرتبطًا بظهور القرآن؟

طبعًا مسألة السببية شيء قديم، بل تعدّ أول ما ظهر في الفلسفة اليونانية حينما قال طاليس بأن مبدأ العالم هو الماء، لكن بظهور القرآن ستظهر إشكاليات عقائدية، أهمها: مشاركة الملائكة في الحروب والغزوات، ربط ما هو طبيعي بما هو ميتافيزيقي؛ كربط الموت بالملائكة[8] وغيرها… هذه الأمور التي يعرضها القرآن تتعارض تمامًا مع مبدأ السببية، لذلك أعاد الأشاعرة النظر فيه، وسنرجئ الحديث عن هذا الأمر إلى الشق الثاني من هذا المقال.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 530 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 530 نيسان/أبريل 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 530 في نيسان/أبريل 2023.

مومن عبد العالي: أستاذ الفلسفة بالسلك الثاني التأهيلي،

وطالب باحث بسلك الماجيستر، جامعة ابن طفيل، القنيطرة – المغرب.

[1]   أبو الفضل محمد بن مكرم بن منظور، لسان العرب، 6 ج (القاهرة: دار المعارف، 1989)، ص 3085.

[2]  خديجة حمادي العبد الله، منهج الإمام فخر الدين الرازي بين الأشاعرة والمعتزلة، 2 مج (دمشق؛ بيروت؛ الكويت: النوادر، 2012)، مج 1، ص 590.

[3]  المصدر نفسه.

[4]   المصدر نفسه، ص 590 – 591.

[5]   القرآن الكريم، «سورة الأنعام،» الآية 102.

[6]  أبو جعفر محمد بن جرير الطبري، تفسير الطبري: جامع البيان عن تأويل آي القرآن (بيروت: مؤسسة الرسالة، 1994)، مج 1، ص 62.

[7]  المصدر نفسه، ص 63، وابن منظور، المصدر نفسه، ص 3085.

[8]  هناك مجموعة من الآيات التي تربط الموت بالملائكة، أبرزها: ﴿ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم أخرجوا أنفسكم﴾ [القرآن الكريم، «سورة الأنعام،» الآية 93].


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز