مدخل

مثّل هاجس الطابع المدني للدولة، أو بعبارة أخرى إشكالية حدود العلاقة بين الدين والدولة، أهمية بالغة في فكر الحراك المغاربي، حتى برزت كأنها تحمل نوعًا من الجدة في التعاطي معها من طرف الباحثين أو الشعوب المغاربية، لكن الحقيقة أن هذه الظاهرة شبه عامة حيث لازمت مجتمعات أخرى أثناء مراحل تطورها، وإن سلكت اتجاهًا مغايرًا عما هي الحال في المنطقة المغاربية.

فإشكالية مدنية الدولة طرحت مسألة مهمة تتجلى في هوية الدولة الدينية والمدنية، ومن المؤكد أن المسألة قديمة، لكن الحراك المغاربي حينذاك أعاد النقاش العام والجدل حولها، ومنحها زخمًا قويًا وملحًّا بعدما خرجت الجماهير تعبِّر عن ذلك في ساحات التظاهرات، كما أن تصاعد أحزاب الإسلام السياسي في معترك الحياة السياسية الذي تزامن مع الحراك المغاربي، وانتصارها على باقي القوى السياسية الأخرى كما حدث في المغرب وتونس، ساهم في لفت الأنظار نحو هذه التجارب الجديدة، وبخاصة نحو طرق تفكيرها وتعاملها مع مسألة هوية الدولة.

ومن المعلوم أن أطياف المجتمع في كل من دول المغرب الكبير، ما زالت تختلف في تحيزها الفكري والعقائدي إما إلى فصل الدين عن السياسة وإما إلى دمج الشريعة الإسلامية وما تحمله من تشريعات في المجال العام، وإما إلى إيجاد توليفة تضمن توافقًا بين القيم الدينية والمدنية، تترجم إلى صيغ دستورية تتعاطى مع الواقع الفكري والأيديولوجي المختلف من دون نبذ أي طرف من الأطراف. على هذا الأساس، يقتضي التنصيص الدستوري على مصطلح «الدولة المدنية» تمشيًا منسجمًا ومتوافقًا مع الدين والسياسة داخل دول المغرب الكبير، فالقناعات الدينية لا بد لها من التوافق مع القناعات السياسية، فهذا التوافق رهين بوعي مجتمعي مضمونه أن العقيدة الدينية لا يمكن فرضها على الآخرين.  وعليه، لا بد من الإشارة إلى وجود صعوبات وعوائق جمة في أجرأة الطابع المدني والديني للدولة في مصوغات دستورية وتطبيقها في المجال العمومي من جهة، وضرورة توافر حياد ديني للدولة تلتزم من خلاله بحرية المعتقد وبضمان حرية الممارسات الدينية من جهة أخرى.

ولا يخفى أن الدساتير المغاربية بعد الاستقلال اهتمت بالحمولة الدينية في دساتيرها، كما جاهدت في وضع بُعد هوياتي لطبيعة الدولة يأخذ في الحسبان العلاقة بين إسلامية الدولة وحداثتها وموضوعات أخرى لها علاقات بذلك، فالصبغة الإسلامية أو العلمانية للدستور تمنحنا لا محالة قراءة منطقية لفلسفة نظام الحكم ولهوية الدولة، فإما أن يكرِّس التنصيص الدستوري للدين بعدًا صوريًا مدنيًا لتمثلات الدين بالنسبة إلى المجتمع وإما أن تكون له مكانة جوهرية ترسخ الطابع الديني للدولة في دول المغرب العربي الكبير، فهل هناك ما يوحي إلى وجود دلالات دستورية للدولة المدنية بدساتير الحراك؟

أولًا: سؤال الدولة والدين في دساتير دول المغرب العربي

تمايز واختلف منطوق الدساتير المغاربية للدول الثلاث: المغرب والجزائر وتونس حول إشكالية الدين وعلاقته بالدولة، فالتنصيص الدستوري على الدين يرتبط أساسًا بفلسفة نظام الحكم في الدولة وعلاقته بالواقع الاجتماعي والسياسي والثقافي. والملاحظ أن الدين احتل تاريخيًا مكانة مركزية وموقعًا مهمًا في دساتير الدول المغاربية، لكن إشكالية الدين والدستور تبقى شاقة وصعبة في التعبير عنها بصيغة محبوكة تضمن جميع التعارضات الدينية والرؤى المجتمعية.

1 – مكانة الدين في التجربة الدستورية التونسية

في البداية لا بد من الإشارة إلى أن التجربة الدستورية في تونس تعَدّ من أقدم التجارب مقارنة بدساتير بقية دول المغرب العربي، حيث ظهر أول دستور في تونس سنة 1861. لكن الدستور الذي صدر سنة 1959 يُعد الدستور الرئيسي بعد الاستقلال، ورغم أن الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة ذا توجه علماني حاول تجسيد ذلك في المنظومة القانونية للدولة، فهو اختار مبدأ التدرج في أجرأة العلاقة بين الدين والدولة في النص الدستوري، إذ كان بورقيبة، أولًا، يؤمن بأن التغيير في المجتمع باتجاه تحديثه يجب أن يتم تدريجيًا؛ وثانيًا، إن التحديث يكون من طريق تحديث الدين نفسه، وذلك بواسطة السيطرة عليه من طرف الدولة – على عكس النموذج التركي الذي أقصى الدين إلى الحيز الأقصى؛ أما ثالثًا، فإن الدولة يجب أن تكون مغروسة في عاطفة الناس، والدين يؤدي دورًا في ذلك[2].

كان دستور 1959 ينص في مادته الأولى على أن «تونس دولة مستقلة ذات سيادة ودينها الإسلام ولغتها العربية»، كما أن ديباجته استهلت بالبسملة ونصت على التعلق بتعاليم الإسلام، في حين اعتمد دستور 2014 في ديباجته على التمسك بتعاليمه «… تعبيرًا عن تمسك شعبنا بتعاليم الإسلام ومقاصده المتسمة بالتفتح والاعتدال». والملاحظة البسيطة تُظهر أن المشرع الدستوري عوّض عبارة التعلُّق بالتمسُّك، التي هي أقوى دلالة وتعبيرًا حيث إن التمسك يعني في عمقه عدم السماح بالابتعاد من الدين الإسلامي تحت أي إكراه أو وازع.

ولا ريب أن الصراع في الرؤية التوصيفية للدولة التي ترمز إلى الدولة الإسلامية أو العلمانية تجلى في اتجاهين متعارضين، فمن جهة، هناك من يرى أن التنصيص على الدين يمثل فقط توصيفًا خاليًا من أبعاد تؤثر في توجهات الدولة، ومن جهة أخرى، هناك من يدافع عن علمنة الدولة. وقد أثار التنصيص الدستوري على الدين جدالًا كبيرًا في تونس، حيث يرى العلمانيون أن عدم توصيف الدولة بدولة إسلامية يعَدّ مدخلًا لبناء دولة مدنية، في حين يرى ذوو الاتجاهات الإسلامية أن هذا التنصيص هو مجرد توصيف لحالة احتمالين ليس لها أي تأثيرات في التوجهات المدنية للدولة[3]، في حين أن الاتجاه الذي يقوده الرئيس التونسي الحالي يطمح إلى عدم الإشارة إلى أن الدين الإسلامي دين الدولة في الدستور، وهو ما خلق رجَّة فكرية في أوساط المجتمع بكل تلاوينها، ومن هذا المنطلق، خلق التنصيص الدستوري على الدين جدالًا واسعًا في هذا المحتوى الجديد الذي قصده، ففي الأخير يعَدّ ذلك ترجمة صراع فكري حول الهوية الدينية للدولة.

أكثر من ذلك، فقد أجَّج الفصل السادس من دستور عام 2014 السجال بين الأحزاب السياسية لتضمنه عبارة منع الدعوة إلى التكفير، فجاء فيه أن «الدولة راعية للدين، كافلة لحرية المعتقد والضمير وممارسة الشعائر الدينية، ضامنة لحياد المساجد ودور العبادة من توظيف الحزبي، تلتزم الدولة بنشر قيم الاعتدال والتسامح وبحماية المقدسات ومنع النيل منها، كما تلتزم بمنع دعوات التكفير والتحريض على الكراهية والعنف وبالتصدي لها».

وفق المنطلق السابق، فهناك من فسر أن الدولة تشرعن الإلحاد بمنع التكفير والتشجيع على عبادة الأوثان، فمصطلح التكفير في نظرهم ورد مشوبًا باللبس والغموض، وهو ما يستنتج منه أن هناك تضاربًا وتقابلًا مع الأحكام الشرعية للدين، فبالنسبة إليهم فتاوى التكفير جائزة في الشرع، هذا الموقف يتبناه عزوز الشوالي الذي أكد أن إقرار الفصل السادس بمصطلحاته العامة يخالف تعاليم الدين الإسلامي ويتضارب مع الأحكام الشرعية في كتاب الله[4].

كما أن عبارة الدين وحماية المقدسات أثارت بدورها نقاشًا مسهبًا لما تحمل بين ثناياها من تأويلات مشروعة لمصطلح المقدس، فتعريف مفهوم المقدس لا يقتصر على حقل واحد من العلوم يمكن ضبطه وفهمه فيها، وإنما يتصل بعلوم متعددة، وهو ما يجعله عصيًّا وعسيرًا على الإدراك والفهم.

ورغم أن البعض رأى أن بعد المقدس بعد إيجابي، كونه يحيل إلى تقديس المفاهيم الكونية المتعارف عليها كالديمقراطية والحرية وغيرها، إلا أن التنصيص على حماية المقدسات في فصل يتحدث عن الحرية الدينية، خلق تخوفات واستفهامات مشروعة حول إشكالية التأويلات الممكنة.

فظاهرة المقدس في حد ذاتها ظاهرة مركبة ومتشعبة يتداخل فيها الكثير من العلوم الأخرى مثل علم الاجتماع وعلم النفس وعلم الأنثروبولوجيا والتاريخ والأديان، لا يمكن معالجتها انطلاقًا من منهجية وحيدة بل في حقول معرفية عديدة تجعلها خاضعة لمقاربات شتى وزوايا نظر مختلفة، كون المقدس موصولًا بالكثير من الحقول المعرفية جعل منه مسألة عسيرة الإدراك على مستوى التعريف حتى تحول المفهوم إلى إشكال ليست من اليسر تخطّيه[5].

2 – الطابع الديني في الدستور الجزائري

عمل المشرع الدستوري الجزائري على التكريس الدستوري للدين في الكثير من المواد منذ دستور 1963 إلى دستور 2016، فهذا الأخير يحمل في ديباجته عبارات دالة على أن الإسلام دين الدولة: «الجزائر أرض الإسلام». كما أن المادة 2 تذكر بأن «الإسلام دين الدولة»، ولا شك أن هذه المواد حاسمة في تقدير أن الدولة في الجزائر دولة دينية في دستورها، رغم أن المجتمع الجزائري قطع مع مرحلة الإسلام السياسي منذ انتهاء الحرب على جبهة الإنقاذ الإسلامية، وليس هناك أحزاب إسلامية قوية ضغطت من أجل تبني هذا الطرح.

لكن أثناء التعديل الدستوري الأخير تفجَّرت مسألة الدين في التنصيص الدستوري، إذ رفضت أغلب الكيانات الإسلامية مشروع التعديل، وفي هذا السياق، اتهم حزب «جبهة العدالة والتنميــة» واضعي الدستور بالعلمانيين، ثم رأى رئيسه عبد الله جاب الله في بيان أن هذا الدستور وضعه تيار واحد هو التيار العلماني ذو النزعة الاستئصالية[6].

إضافة إلى حزب جبهة العدالة والتنمية، نزعت «حركة مجتمع السلم» التي تعد أكبر حزب إسلامي في الجزائر إلى الدعوة إلى تصويت ضد مشروع تعديل الدستور، وبصريح العبارة أكد ذلك رئيسها عبد الرزاق المقدي قائلًا: «اذهبوا إلى الصندوق وقولوا «لا» لهذه الخروقات التي شتتت هويتكم… التصويت بـ «لا» هو رفض للدستور، وللتيار العلماني»[7]، وعلى غرار ذلك، أعلنت «حركة النهضة» بدورها عن رفض مشروع الدستور كونه يكرس توجهات الأقلية.

وعليه، يتضح من خلال هذه الوقائع أن التوافق حول دستور مدني يرضى عنه أغلب أطياف المجتمع الجزائري ما زال يغيب عن الأطراف المتصارعة، التي تلخصت رؤيتها في رؤية علمانية ترى ضرورة تحييد الدولة عن المجال الديني، في حين تؤكد الرؤية الإسلامية ضرورة تدخل الدولة لحماية الدين الإسلامي والعمل على تشبع الناشئة المجتمعية به.

والواقع أن أهم ما يعترض عليه التيار الإسلامي في الدستور يتجلى في الفقرة الثالثة من المادة 51، وكذلك الفقرة الرابعة من المادة 65، فالأولى تنص على أن «الدولة تحمي المسجد من أي تأثير سياسي أو أيديولوجي» أما الثانية فتكرس الحيادية السياسية والأيديولوجية في المؤسسات التربوية: «الدولة تسهر على ضمان حياد المؤسسات التربوية والحفاظ على طابعها البيداغوجي قصد حمايتها من أي تأثير سياسي أو أيديولوجي».

وبحسب إسلاميي الجزائر، تفتح المادة 51 الباب على مصراعيه لمنع فقهاء المساجد من الحديث عن موضوعات فقهية كالعدل والربا وغيرها، أما المادة 65 فهي بالنسبة إلى التيار الإسلامي تنزع هوية الأمّة عن المدرسة، ولا يمكن لهذه الأخيرة أن تكون حيادية ومفصولة عن هوية المجتمع وثقافته.

تجدر الإشارة هنا إلى أن جمعية العلماء المسلمين تحفظت عن بعض مواد مشروع الدستور، ورأت أن المشروع الجديد للدستور يضع ألغامًا تمس الهوية الوطنية، «وقالت الجمعية في بيان نشرته، إن بعض المواد بمثابة ألغام تمس بالهوية الوطنية ومكانة الإسلام»[8].

وفي قراءتنا للوضع الجزائري في خصوص تقديم مشروع الدستور، نخلص إلى أن القوى الإسلامية حاولت قطع الطريق على توجهات السلطة لتمديد الدستور لتخوفاتهم على علمنة الدولة ومؤسساتها، فموقفهم كان منتظرًا لما يحملون من مطالب بغية الإصلاح الدستوري، فيعتقدون أن الوثيقة الدستورية تعبر حقيقة عن روح التيار العلماني وأفكاره، فيرفضون بتاتًا مساواة الإسلام مع باقي الأديان في تعامل الدولة مع المسجد والمدرسة.

في هذا الاتجاه، وجه جاب الله انتقادًا لاذعًا يسخر فيه من الذين يرون أن من يطالبون بأسلمة الدستور لا يمتون للمواطنة بصلة، فيقول: «الزعم كأنهم يريدون دولة المواطنة، لا دولة المؤمنين، يكشف عن مدى الجهل بالإسلام ومعنى المواطنة؛ فالمواطنة عندهم مضادة للدين ومتعارضة معه، وهذا القول لم يقل به العلماء، لأنهم يعلمون أن المواطنة هي الحقوق التي يكتسبها الفرد باعتباره فردًا في الدولة»[9].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 530 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 530 نيسان/أبريل 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 530 في نيسان/أبريل 2023.

[1]رضوان تاشفين: دكتور في العلوم السياسية من جامعة قاضي عياض، مراكش – المغرب.

[2]  هبة الداودي وبوطيب بن ناصر، «الدين في الدساتير المغاربية: دراسة حالة تونس، الجزائر والمغرب،» مجلة القانون والأعمال (2 تشرين الأول/أكتوبر 2018)، مقال إلكتروني منشور على الموقع الآتي <http://www.droitentreprise.com> (تاريخ زيارة الموقع 29 حزيران/يونيو 2021).

[3]   المصدر نفسه.

[4]  المصدر نفسه.

[5]  آمنة بالناري، «الديني والسياسي وإشكالية الدسترة،» سلسلة ندوات «الديني والسياسي وإشكالية الدولة الحديثة،» مؤمنون بلا حدود، تونس، 2013، ص 129، <https://bit.ly/3YmcZx6>.

[6]  حسام الدين إسلام، «خوفًا على الهوية: إسلاميو الجزائر يحشدون «لا» لتعديل الدستور،» القدس العربي، 7/01/2020،  <https://www.alquds.co.uk>  (تاريخ زيارة الموقع 6 تموز/يوليو 2021).

[7]  المصدر نفسه.

[8]  المصدر نفسه.

[9]  بوعلام غمراسة، «تعديل الدستور الجزائري يفجر جدل «الهوية والدين»،» الشرق الأوسط، 13/6/2020، <https://bit.ly/3kJkjFw> (تاريخ زيارة الموقع 10 تموز/يوليو 2021).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز