المؤلف: مصطفى عبد العزيز مرسي
مراجعة: منى سكرية
الناشر: بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية
سنة النشر: 2022
عدد الصفحات: 368
– 1 –
تدمير سورية وتشريد شعبها – من المسؤول؟ عنوان كتاب الكاتب وسفير مصر السابق في سورية مصطفى عبد العزيز مرسي، ومنه وفيه تتفرّع أسئلته، ويتكثّف التحليل، مفككًا للوقائع الواردة على مدار 368 صفحة (مع الوثائق والمراجع والفهرس)، لنستقرئ من خلالها رؤية سياسية شبه متكاملة ضمّنها مرسي طيّات الأسطر بنفَسٍ عروبيٍّ آسفٍ للنزف العربي.
في المدخل التمهيدي للكتاب بعنوان «حجم النكبة السورية وأبعادها»، تَتَظهّر «اللوعة» القومية بالقول: «إن منطقتنا العربية مركزيّة، لكن أهلها ضعفاء، وهو ما جعل الموقع العربي بثرواته موقعًا مغنطيسيًا جاذبًا للأطماع الخارجية بمختلف أشكالها، وهذا الموقع يعجز أصحابه عن حمايته، والدفاع عنه. وقد استغلت دول الجوار عزلة سورية العربية ودورها المحوري بالنسبة إلى القضايا العربية، لامتلاك حضور فاعل في منطقتا، ولم تتوانَ عن إعلان أطماعها، ونعني كلًا من تركيا و«إسرائيل» المُنضمّتين إلى الولايات المتحدة الشرهة على امتصاص ثروات المنطقة العربية (ص 47).
وعن أبرز أسباب استهداف سورية ودوافعه يتساءل عن سر الصراع المحتدم والمحموم على سورية بهذه الحدّة؟ وما الذي استدعى تدخّل عدة جيوش وميليشيات في الأزمة السورية؟ وما سبب التكالب على هذا البلد؟ ويجيب بالقول: إن الأهمية الجيوسياسية لموقع سورية الجغرافي مردّها أنها تحتل قلب المشرق العربي، وهي ملتقى ثلاث قارات وثلاث حضارات وثلاث ديانات. أما أبرز الأسباب والدوافع فهي في: موقف سورية من السلام مع «إسرائيل»، واستهداف مقومات القوة السورية، و«عدم تنازل الأسد الأب والأسد الإبن عن أي شبر من هضبة الجولان المحتل»، وفي «موقف سورية المعارض للاحتلال الأمريكي للعراق»، حين أصبح تهديد سورية واضحًا حين وقف كولن باول وزير الخارجية الأمريكي عام 2003 أمام لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي مصرّحًا: «إننا نريد إعادة تشكيل المنطقة سياسيًا وفق مصالحنا»، وقد «بدا ذلك واضحًا من خلال الرسالة التحذيرية والمباشرة التي حملها باول إلى الرئيس بشار الأسد في 3 أيار/مايو 2003»، و«وُضعت سورية في دائرة الاستهداف الأمريكية – الإسرائيلية»، وكان (في واحدة منها) «استصدار قرار من مجلس الأمن يحمل الرقم 1559 يطالب سورية بالانسحاب من لبنان إثر اغتيال رئيس وزراء لبنان رفيق الحريري».
ومن أسباب الاستهداف – يضيف – «استمرار تمسك سورية بالفكر القومي العربي»، لذا «شهدت المنطقة العربية حملات ترويجية لمصطلحات مثل «الشرق الأوسط الكبير» أو «الجديد»، (وهو ما ورد على لسان وزيرة خارجية الولايات المتحدة كونداليزا رايس أثناء عدوان إسرائيل على لبنان صيف العام 2006)، و«الفوضى البنّاءة»، أو «الخلّاقة»، إضافة إلى سعي أمريكا إلى «إحداث تصدع في كيان النظام الإقليمي العربي لاستباحة الجغرافية العربية»، كي «لا تتكرر ظاهرة جمال عبد الناصر»، ناهيك بالصراع حول الموقع الجغرافي السوري وحرب الأنابيب، وهكذا «بتنا أمام دخول الطاقة في النزاع الجيوسياسي السوري».
تضمّن الكتاب ثمانية فصول، وعناوين فرعية في كل فصل، وخاتمةً حملت اقتراحاته «حول فرص التسوية السياسية للأزمة السورية».
– 2 –
في الفصل الأول بعنوان «مسيرة بشار الأسد المتعثرة وطريقة تعامله مع الانتفاضة السورية»، أشار مرسي إلى أن «اختيار مبدأ الوراثة لما بعد الرئيس الراحل حافظ الأسد لم يُقِم وزنًا لمدى تقبل الشعب السوري هذا الاختيار، ومدى تحمّله استمرار أساليب الكبت السياسي الطويل الذي استمر ويا للأسف في عهد وريثه بشار الأسد» (ص50)، متوقفًا عند مطالبة «بعض المعارضين بإجراء حوار وطني والقيام بالإصلاحات الجوهرية للنظام» استدراكًا منهم «لسلبيات عملية التوريث»، الذي يرى فيه المؤلف أنه «لو أُخذ فيه (أي بالإصلاحات) لكان مخرجًا للنظام والمعارضة وفتح منذ البداية نافذة على منهج جديد في التعامل مع الشعب السوري، ولكن يا للأسف تم تجاهله، وكان ذلك إحدى الفرص الثمينة الضائعة» (ص 51). وعندما بدأت مراسم تولي بشار الرئاسة تأخذ مسارها الرسمي، شرح «في أول خطاب له المبادئ والأسس التي تحكم سياسته»، وكان «جوهر هذا الخطاب أن التغيير بات ضروريًا ولكنه سيتم بالتدريج»، وقد «نشطت في إثر ذلك المناقشات والحوارات الفكرية في مختلف الأوساط السياسية والاقتصادية»، وبدأ «تيار الإصلاح» يشق طريقه بخطوات محسوبة وحذرة رغم تحفظات الحرس القديم الذي اعتاد طوال عدة عقود أساليب الرقابة الأمنية، فتراجعت عملية الانفتاح خشية تداعياته السلبية في تلك المرحلة على حالة الاستقرار الداخلي، وكان للاحتلال الأمريكي للعراق وإسقاط نظام الرئيس صدام حسين أثرهما في تراجع ما كان يسمى وقتئذ «ربيع دمشق السياسي» (ص 53-54)، معربًا (أي المؤلف) عن اعتقاده «أن هذا الموقف كان خطأً سياسيًا» (ص 54)، الأمر (الذي يشرحه بالتفصيل المؤرخ محمد جمال باروت في كتابه العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح ويربط فيه بين «قضاء نائب الرئيس السوري يومها عبد الحليم خدام والحرس القديم على «ربيع دمشق»، وبين «محاولة انقلاب على النظام وإدخاله بما ينسجم مع الترتيبات الجديدة لإعادة تنظيم الشرق الأوسط»[2].
إضافة إلى ما أورد مرسي من أسباب، فإنه يسأل كيف استولت التنظيمات الإرهابية على مسار الثورة؟ ويقول: «كان بعض القوى الإقليمية وفي مقدمها تركيا يسعى إلى قلب النظام السياسي في سورية، فاحتضن الجيش السوري الحر، كما عقد المؤتمر الأول للمعارضة السورية في مدينة أنطاليا، وهو ما يعطي إشارة إلى التدخل التركي الباكر في مسار الأزمة السورية. وبادرت تلك القوى في مطلع عام 2012 برعاية واشنطن إلى اتخاذ قرار يُعَدّ نقطة تحول خطيرة في مسار الصراع السوري، وهو الاستعانة علنًا بالمنظمات الجهادية والتكفيرية وعلى رأسها «داعش»، إضافة إلى «جبهة النصرة» التي كان يدعمها بعض «الأطراف الخليجية» أيضًا (ص 71). (نشير هنا إلى كتاب بعنوان سورية في مواجهة الحرب الكونية- حقائق ووثائق لمجموعة من الباحثين العرب بإشراف نائبة الرئيس السوري نجاح العطار[3]، ويتضمن واحدة من المقالات بعنوان «الفصائل الإرهابية خلال الحرب على سورية» بقلم العميد الركن المتقاعد تركي حسن، يعرض فيه أسماء هذه الفصائل وأدوارها ومؤسسيها ومعتقداتها وتَوزعها الجغرافي وقاربت في بداياتها الـ 49 فصيلًا[4].
ويختم مرسي الفصل الأول بتأكيد شروحاته قائلًا: «في تقديرنا أن هذه الحرب كانت تُدار في إطار مسلسل الشرق الأوسط الجديد، والفوضى الخلّاقة، وتطويع سورية، وإعادة توجيه مسارها السياسي وشعاراتها في ما يتعلق بالصراع العربي – الإسرائيلي» (ص 73)، ويؤكد «أن لتركيا الشأن الفاعل والأساسي في عسكرة الانتفاضة السورية»، محمّلًا خطأ «الرئيس الراحل حافظ الأسد الذي بقي في السلطة لثلاثة عقود كان يتمثل بتوريث سلطته لأحد أبنائه، وكان مفترضًا أن تكون إحدى أولويات الرئيس بشار أن يُبادر إلى إدخال تغييرات جوهرية ولكن تراجع عن وعوده في الإصلاح وكان هذا خطأً كبيرًا» (ص 79).
– 3 –
وحمل الفصل الثاني عنوان «الدور الأمريكي المؤثّر في مدار الأزمة السورية»، عَرَضَ المؤلف فيه مواقف إدارة الرئيس السابق باراك أوباما من الأزمة السورية، وأبرزها «تَجَنّب التدخل العسكري المباشر»، و«تبنّي أسلوب «القيادة من الخلف» أو «إقليمية الصراعات»، وما تخلل تلك الحقبة من «صفقة الاتفاق النووي مع إيران». وعن تداعيات مواقف إدارة ترامب على مسار الأزمة السورية فقد تجلّت باعترافه بسيادة إسرائيل على هضبة الجولان المحتلة، وانسحابه من الاتفاق النووي مع إيران، «لأن المستهدف الأول في سورية في إطار الأزمة الإيرانية – الأمريكية هو الوجود الإيراني القوي هناك» (ص 115)، ناهيك بالصمت الأمريكي عن التدخل العسكري التركي في شمال سورية.
وكما في تبنّي أوباما لحفاظ أمن «إسرائيل» (وكل الإدارات الأمريكية المتعاقبة)، كانت كذلك سياسة ترامب (وبكل فجاجة)، الذي تمثّل بـ «إطالة أمد الصراع والعمل على تأمين إسرائيل من طريق تركيع سورية». أما حكاية الكيميائي السوري فقد اتُهم النظام السوري باستخدام غاز السارين لكن تبين انكشاف أمريكا بالتواطؤ مع عناصر «داعش» في سورية وهو «ما يفسر مبادرة إسرائيل إلى تهريب جماعة الخوذ البيض بعد انفضاح أمرهم وانكشاف إسرائيل بتهريبهم جوًا إلى الأردن» (ص 120)، وهناك «عدة مؤشرات تشير إلى التواطؤ مع تنظيم داعش» (ص 121)[5]. ويخلص مرسي في هذا الفصل إلى أنه «رغم الفرق في الأداء والمضمون والأسلوب بين إدارة أوباما وإدارة ترامب فإنهما يلتقيان عند الهدف النهائي، وهو السعي إلى إسقاط نظام الرئيس بشار الأسد أو إنهاك نظامه داخليًا، إذ إن كلا الرئيسين كانا في خدمة الأهداف الإسرائيلية، والزعم بأن تدخل الإدارتين الأمريكيتين كان يرمي إلى دعم مطالب الشعب السوري في الحرية كان زعمًا مُضلّلًا. وهذا ما يذكرنا بدعم الرئيس بوش الابن وفريقه من المحافظين الجدد للديمقراطية في العراق بديلًا لنظام الرئيس صدام حسين، وهو ما نفته وزيرة خارجيته كونداليزا رايس في كتاب مذكراتها أسمى مراتب الشرف[6] بقولها إنهم أتوا إلى العراق (احتلوا) ليس لإقامة نظام ديمقراطي وإنما للحفاظ على أمن أمريكا القومي.
– 4 –
تحت عنوان الفصل الثالث «تركيا والتآمر المكشوف على سورية: الدوافع والتداعيات» يشير المؤلف إلى دور تركيا في عسكرة الانتفاضة السورية، ويذكر هنا غرفة العمليات التي أنشئت في هاتاي والتي كانت بمنزلة مركز رئيس لتوفير الدعم اللوجستي للتنظيمات التكفيرية، وشارك في اجتماعاتها ضباط من فرنسا وبريطانيا وأمريكا وقطر وتركيا وآخرون وأحيانًا الإمارات (ص 301). (نشير بدورنا إلى غرفة «الموك» التي أُنشئت للغرض عينه في الأردن)، وإلى مطالبة الرئيس أردوغان خلال لقائه الرئيس الأسد بتعديل حكومي يضمن نفوذًا لحركة الإخوان المسلمين، وهو ما رفضه الأسد» (ص 135)، ويرى أنه «بعد سقوط حكم الإخوان في مصر أصبحت تركيا أشد تصلبًا إزاء خيار إسقاط النظام في سورية، واستخدمت من أجل ذلك كل الوسائل والأدوات وفتحت أبوابها لكل القوى الجهادية والتكفيرية بكل مسمياتها وأنواعها، وفي مقدمها تنظيم داعش وجبهة النصرة وكلاهما كان ضمن تنظيم القاعدة (ص 138)، واصفًا مواقف أردوغان بـ«المراوغة»، (وهو ما بدأ يتكشّف من محاولات التقارب مع الرئيس الأسد، وكأن شيئًا لم يحصل من دوره التدميري لسورية وقبل وقوع الزلزال المدمّر لمناطق في البلدين، وسعيه إلى تعميم النموذج التركي، أي الإخواني في مطلع ما سمي «الربيع العربي»).
-5-
وحمل الفصل الرابع عنوان «تأثير المواقف الإسرائيلية في مسار الأزمة السورية»، وفيه تطرق المؤلف إلى علاقة إسرائيل ببعض التنظيمات المتطرفة على الساحة السورية ومن نماذجها الخوذ البيض، وسعي إسرائيل الحثيث إلى فك ارتباط سورية بإيران، فضلًا عن موقف سورية من عملية السلام مع إسرائيل والرافض لها ولشروطها (موقف الرئيس حافظ الأسد في لقائه مع الرئيس كلينتون في جنيف).
-6-
وعالج الفصل الخامس «الدور الروسي ومعضلة التوفيق بين قوى متصارعة في حيّز ميداني ضيق»، فعَرَض المؤلف خلاله لأسباب وقوف روسيا إلى جانب سورية، وثم التدخل العسكري المباشر، مستقرئًا – استباقيًا – وضع روسيا في سورية وموقف الغرب من ذلك، وهو ما قبل الحرب الروسية – الأوكرانية التي جسّدت حرب الغرب على روسيا الاتحادية) فيلفت مرسي النظر بالقول «من اللافت للانتباه أن القيادة الجديدة استشعرت في المراحل اللاحقة وعن حق بأن الغرب ممثلًا بالولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لن يكتفي بتفكيك الاتحاد السوفياتي بل استمر بتنفيذ مخططه باختراق فضاء ما بعده اقتصاديًا وسياسيًا وهو فضاء يتمثل بالمنظور الروسي الحديقة الجيو – سياسية في روسيا الاتحادية. وعدَّت القيادة الروسية ذلك مخططًا لحصار روسيا وعزلها واستضعافها ومؤشرًا على الاستهانة بها فاستجابت لدعم نظام حليف يؤمن له موطئ قدم في المياه الدافئة التي شكلت هاجسًا لحكام روسيا على مدى التاريخ» (ص 193). إضافة إلى نشر المؤلف ما كشفه السفير الفرنسي السابق ميشال ريمبو من «أن الثورة السورية قد تم التخطيط لها بمساعدة «برنامج سورية الديمقراطية» الذي كانت تموله إحدى الجهات غير الحكومية المرتبطة بالاستخبارات الأمريكية (ص 183). (نشير هنا إلى ما ورد في الكتاب السنوي السابع عشر لـ «تجمُّع الباحثات اللبنانيات» من مقالة الباحث التونسي محمد الحداد يحكي عن مؤتمر أصدقاء سورية بتاريخ 21/2/2012 في تونس برعاية الرئيس يومها المنصف المرزوقي وهو ما كشفته هيلاري كلينتون في كتابها الخيارات الصعبة من أنه مبادرة أمريكية جمعت 60 بلدًا وأنها اتخذت صفة غير رسمية في الكواليس قرار تسليح المعارضة، وأن جزءًا منها كان من المعلوم أنه ينتمي إلى القاعدة). ويرى مرسي أنه بالرغم من أن التدخل العسكري الروسي في سورية قد أدى «إلى تغيير المعادلة التي كانت سائدة قبل ذلك» ، و«أربك الجميع» لكنه – يقول – «يجب أن تؤخذ بالحسبان محدودية هذا الدور فهو ليس دورًا وحيدًا بل هو دور مؤثر لكنه يتأثر أيضًا بأدوار الآخرين كالأدوار الأمريكية والتركية والإيرانية والإسرائيلية (ص 200).
-7-
وتناول الفصل السادس «الدور الإيراني في مسار الأزمة السورية بين ما حققه وما عجز عن تحقيقيه»، ويقول المؤلف: «جاء التدخل العسكري الإيراني في الأزمة السورية الراهنة بِنَاءً على استدعاءٍ سوري رسمي، وهو ما كانت تدافع به كل من إيران وروسيا عن الوجود الإيراني في مواجهة المطالب الإسرائيلية والأمريكية بخروجها من سورية»، فضلًا عن ذلك كانت سورية بتقدير القيادة الإيرانية جبهة متقدمة في محور استراتيجيتها في المنطقة فإذا انهارت يأتي دور «الجبهة الإيرانية»، كما أن «سقوط سورية بالنسبة إلى إيران يعني حصار المقاومة في لبنان وقطع الطريق أمام محور المقاومة الذي يمتد من طهران إلى جنوب لبنان أي حدود إسرائيل في فلسطين المحتلة عام 1948» (ص 206)، واصفًا تحالف إيران-الأسد «بتحالف المصير المشترك»، بعد أن كان «تحالف الضرورة» مع الأسد الأب، نافيًا – أي مرسي – البعد المذهبي لعلاقة الأسد الأب بإيران وهو يرى «أن فيها الكثير من المبالغة»، مستذكرًا حوادث تلك المرحلة، ومنها خروج مصر بتوقيعها اتفاقيات كامب دايفيد، واجتياح «إسرائيل» للبنان 1982، واتفاقية 17 أيار معها (ص 209). وتتميز قراءة مرسي للعلاقة مع إيران بالشفافية وبأنها ذات الطابع الاستراتيجي، فيذكر أن «إيران نجحت حتى الآن في دعم صمود النظام السوري وكان لها الصدارة في ذلك قبل مرحلة التدخل الروسي» (2015)، الأمر الذي «يجعل التعايش الإيراني – الروسي ضرورة لا غنى عنها للنظام السوري»(قراءة تنسحب على العلاقة الإيجابية بين البلدين والتي تبدّت في الحرب الروسية – الأوكرانية).
عن «المواقف العربية من تطورات الأزمة السورية» وهو عنوان الفصل السابع، يبدي المؤلف أسفه بمرارة المستشعر للأخطار على الأمة فيقول: «إن ما تعرضت له سورية وشعبها المثابر لم تتعرض له أي دولة عربية من قبل، ربما باستثناء الحالة العراقية والحالة الفلسطينية، وكان مفترضًا أن تفضي الكارثة السورية إلى موقف عربي موحد ومقاوم للمخطط الذي واجهته، لكن مواقف معظم القوى العربية اتسمت بعدم المبالاة أمام الكارثة التي حلت بالشعب السوري وهي مواقف مؤسفة تؤشر إلى تراجع مفهوم العروبة المستنيرة ونخوتها». ويقول «إن المفارقة المؤلمة أن تُجمَّد عضوية سورية في جامعة الدول العربية وهي دولة مؤسسة لها، وقد تم اتخاذ قرار تجميد العضوية من دون سند قانوني، وجُرِّدت سورية على هذا النحو من الغطاء السياسي العربي. والمفارقة الكبرى أن يتآمر بعض الأطراف العربية على سورية وشعبها». ويعطي تفسيرات لبعض المواقف الخليجية المتخوفة من الانتفاضة السورية وفي مقدمها خشية استمرار تمدد الثورات الاحتجاجية نحو العتبات الخليجية، وتأثير التيارات السلفية في الخليج وبعضها بلغ من القوة والفعالية والتصرف على نحو شبه مستقل في دعم الجماعات السلفية الجهادية التي تغلغلت في الداخل السوري، وهو ما أدى إلى خلل كبير في القوى داخل مجموعات الثورة السورية برمّتها وأسفر عن استقواء العنصر السلفي منها على حساب العناصر المدنية الأخرى (وهو ما أفضت إليه الأمور في شمال سورية). ومن تفسيراته أيضًا للمواقف الخليجية أنها تسعى إلى مواجهة النفوذ والتدخل الإيرانيين في مسار الأزمة السورية، عارضًا للموقف السعودي لتطورات الأزمة السورية، «التي تحولت العلاقات مع سورية في بدايات الثورة من موقف متعاطف لينتهي لاحقًا إلى قطيعة تامة بين الطرفين» (ص 226). أما عن الموقف القَطَري من تطورات الأزمة السورية فقد «تحوّل إلى طرف في الصراعات عبر تمويل عناصر التنظيمات المتطرفة وتسليحها، على نحو ما حدث في سورية، وتحالفها مع تركيا لدعم «جبهة النصرة» وعدد آخر من التنظيمات المتطرفة»، (لقد كان الدور القطري سخيًّا بالدعمين المالي والسياسي واختراقه تشكيلات المعارضات السورية، ولنا أن نستذكر ما كشفه رئيس وزراء قطر حمد بن جاسم حول الخلاف على الصيدة، أي سورية). أما الدور المصري فذكر مرسي أن «القاهرة لم تضع مرحليًا ثقل اهتمامها بالمسألة السورية لانشغالها في ثورتها والتهديد الإرهابي في سيناء آنذاك، ولم تتبنّ رحيل الرئيس بشار الأسد عن السلطة بل دعت لترك الأمور إلى الشعب السوري» (ص 235).
-8-
ثمة أسف شديد بين سطور قلم المؤلف في تفسيره لأسباب تراجع الموقف العربي حيال الأزمة السورية، ومنها تراجع الفكر القومي، وعدم قدرة جامعة الدول العربية على اتخاذ مواقف مساندة ومواقف فاعلة إزاء التهديدات، وانشغال معظم الدول العربية بقضاياها الداخلية، وتزايد تأثير القوى الإقليمية والدولية ضمن مسار الأزمة السورية في الموقف العربي التي لم تكن موحدة. وقد لوحظ بصفة عامة «أن المواقف العربية تجاه الأزمة السورية اتسمت بالانقسام والتباين» (ص 248).
وتتجلّى في الفصل الثامن بعنوان «من المسؤول؟ محاولة لجمع أدلة الاتهام وحيثياتها» كثافة التشريح لأدوار وأسماء المتورطين بتدمير سورية، رافعًا المؤلف إصبعه بالاتهام لكل من: تركيا والمتحالفين معها والولايات المتحدة وإسرائيل ثم بعد ذلك مسؤولية النظام السوري.
و«حول فرص التسوية السياسية للأزمة السورية» كخاتمة للكتاب يقدِّم المؤلف عددًا من الاقتراحات كتصور أولي للخطوات التمهيدية للاقتراب من مدخل التسوية السياسية والقيام بعدد من الخطوات (ص 320)، مجددًا القول «إن استهداف سورية وتشتيت شعبها حصلا في إطار مؤامرة ممنهجة شاركت فيها عدة أطراف إقليمية ودولية»، وأن ما «ارتُكب في حق الشعب السوري من جانب الأطراف الأجنبية التي تآمرت على سورية وشعبها تستوجب المحاكمة أمام المحكمة الجنائية الدولية» (ص 321).
خلاصة
لم يترك السفير مرسي شاردة إلا وتطرّق إليها في كتابه المذكور آنفًا، شارحًا بلغتين دبلوماسية وهذه جزء من ثقافته من جهة، وككاتب يتقصى الحقائق دونما مواربة، وأيضًا كمواطن عربي «يتحرّق» على ما آلت إليه سورية من تدمير. أما تضمينه الوقائع فبدا كمحامٍ ينافح بالحجج الموثّقة ما فعله المتآمرون لتدمير سورية. فالكتاب مُتخم بالمعلومات، والتحليل والقراءة المتأنيّة لحقبة من تاريخ سورية يختصرها مرسي بكلمتين: تدمير سورية.
ففي الكتاب، تنساب الوقائع بلغة سردية لمحطات ولتواريخ ما حصل، من دون أن يكون ما ورد وكأنه أرشفة لأحداث سورية منذ 15/3/2011. مع ملاحظتنا باستباقيته في استقراء تشابك العلاقات والمصالح الدولية والإقليمية، وصعوبات الحلول ما لم تترافق مع توافقات دولية، وحلحلة دولية وعربية، مشددًا على الدور المحوري المصري – السعودي في هذا المجال، وهو ما كان عليه في حقبات مضت، وهو ما بدأنا نلحظه هذه الحقبة، من عودة مصرية إلى سورية دبلوماسيًا وسياسيًا، بانتظار ملامح العودة السعودية إلى العلن.
هل تعبت الأطراف جميعها فتراجعت عن «زخمها» استكمال تدمير سورية، أم أن اتساع التوتر العالمي والحروب المستجدة عملت على تجميد الأوضاع، فأعادت بعض العرب وجامعتهم إلى الرشد؟ (من دون أن يعني ذلك الثقة بقدرتهم على إيجاد الحلول)، أم تبدل النظرة الدولية لمسألة إسقاط النظام (في الكتاب شرح مفصّل لنيات الإسقاط وأسبابه)، أم أن زلزالي الحرب الروسية – الأوكرانية المدفوعة من كل الغرب على روسيا، وزلزال الطبيعة قد أنابا عن آخر المستجدات؟ ليبقى السؤال مدار القلق: إلى متى سيبقى السوريون ينزفون؟ .
رابط الكتاب:
المصادر:
نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 532 في حزيران/يونيو 2023.
[1]منى سكرية: صحافية لبنانية.
[2] محمد جمال باروت، العقد الأخير من تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات،) ص 46.
[3] صادر عن وزارة الثقافة السورية عام 2018.
[4] ص 371 – 420 من الكتاب.
[5] مقالة الباحث الإسرائيلي في مركز موشيه دايان لدراسات الشرق الأوسط نير بومس بعنوان «خوذ بيضاء.. أعلام صفراء.. نهاية حملة «جيرة حسنة»، وتكشف الدور الإسرائيلي في تأمين نقلهم إلى الأردن/منشور بنصه الكامل على موقع 180 بوست الإلكتروني نقلًا عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
[6] صادر عن دار الكتاب العربي.
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



