مقدمة
يقع السودان في شمال شرق أفريقيا، تحدّه من الشرق إثيوبيا وإريتريا ومن الشمال مصر وليبيا ومن الغرب تشاد وجمهورية أفريقيا الوسطى ومن الجنوب دولة جنوب السودان. وهو ثالث أكبر قطر من حيث المساحة في أفريقيا بعد الجزائر والكونغو الديمقراطية والثالث في الوطن العربي بعد الجزائر والسعودية والسادس عشر على نطاق العالم، إذ تبلغ مساحته 1.868,813 كم2. وكان السودان الأكبر مساحة في العالم العربي والأفريقي والعاشر عالميًا بمساحة قدرها 2 مليون كم2 قبل انفصال جنوبه كدولة مستقلة في تموز/يوليو 2011 (دولة جنوب السودان). يطل السودان على البحر الأحمر بساحل يبلغ طوله نحو 720 كم، وهذه الإطلالة جعلته يقع في واحدة من أهم المناطق الجغرافية في العالم هي منطقة القرن الأفريقي التي تشهد تسابقاً عالميًا للسيطرة عليها لأهميتها الإقليمية والعالمية. وإلى جانب الأهمية التي اكتسبها السودان من موقعه الجغرافي ضمن منطقة القرن الأفريقي فهو يتمتع بثروات طبيعية هائلة، ومن أهمها الأراضي الزراعية الواسعة والمياه الوفيرة، إضافة إلى الثروة الحيوانية والبترول واليورانيوم وغير ذلك من المعادن. فهذا الموقع الجغرافي المتميز والزاخر بالثروات والموارد الطبيعية الضخمة جعل السودان يقع تحت طائلة الأطماع الغربية بعامة والولايات المتحدة الأمريكية بخاصة؛ التي تطمح بشدة إلى السيطرة والتحكم في منطقة القرن الأفريقي بصورة تامة، كما تعمل إلى جانب ذلك على إضعاف الوجود الإسلامي في المنطقة الذي تعدّه خطرًا حقيقيًا على أمنها ومصالحها ويعدّ السودان رأس الرمح في هذا الخطر. وفي حقيقة الأمر الولايات المتحدة الأمريكية لا يهمها من يحكم السودان بقدر ما يهمها ما الخطر الذي يمثله ذلك الحاكم الذي تحت إمرته شعب صعب المراس، قوي الإرادة قادر على تصــحيح الأوضاع والوقوف في وجه أي خطر يتهدده، وبخاصة إذا كان هذا الخطر خارجيًا. والمتتبع لمـــسيرة علاقة السودان بالولايات المتحدة يلحظ عدم جديتها في إنشاء علاقة جيدة قائمة على تبادل الاحترام والمصالح المشتركة بين البلدين، بل علاقة قائمة على الابتزاز والاستخبار ومحاولات التـدخل السافر في الشأن الداخلي، والحصار الاقتصادي وتغذية بؤرة الصراعات هـــنا وهـناك سعيًا وراء الإضعاف ومن ثم السيطرة.
أولًا: خلفية تاريخية
أول زيارة لشخصية أمريكية معروفة وشهيرة للخرطوم قام بها الشاعر والدبلوماسي والكاتب الأمريكي جيمس بيارد تيلر الذي أقام في الخرطوم ستة أشهر وألّف كتابًا ضمّ رحلاته وأسهب في وصف السودان وعاصمته الخرطوم، كان ذلك في عام 1851. ومن المحتمل أن الدبلوماسي بيارد تيلر هذا قد لفت الأنظار إلى أهمية السودان، فتمّ فتح القنصلية الأمريكية بعد زيارته الشهيرة للخرطوم. إذًا بدأ الظهور الأمريكي في السودان منذ الحقبة التركية السابقة[2]، حيث أنشأت الولايات المتحدة الأمريكية قنصلية في الخرطوم عام 1865 لمتابعة شؤون رعاياها الذين كانوا ينشطون في أفريقيا. وإلى جانب أولئك الرعايا كان هنالك عدد من الضباط الأمريكيين الذين كانوا يعملون في الجيش المصري أمثال الأميرالاي بودري بك الذي كان أحد ضباط أركان حرب الجيش المصري، ورئيس بعثة الاستكشاف التي جابت الجهات بين النيل والبحر الأحمر، من القاهرة والسويس شمالًا إلى قنا والقصير جنوبًا، وكشفت طرق المواصلات ومناجم المعادن والمحاجر في تلك الجهات، وتبعه الأمريكي الأميرالاي كولوستون في بعثة ثانية كشف بها جهات كردوفان وحقق موقعها ومدنها وطرق المواصلات فيها ووضع خرائط لها، وأمضت البعثتان الأولى والثانية ثلاث سنوات.
أما البعثة الثالثة فكانت برئاسة المهندس الأمريكي ميتشل الذي كشفت بعثته مناجم للذهب في الحمامة شرقي قنا وعرجت على ثغور البحر الأحمر وخليج عدن، كالقصير ومصوع وتاجورة وزيلع وتغلغلت في الداخل وعادت إلى مصوع، وكشفت الجهات الشرقية من الحبشة. وكذلك كان هنالك رعايا الكنيسة الأمريكية الذين كانوا يهتمون بالتبشير في أفريقيا بعامة وفي السودان بخاصة[3]. وفي عام 1885 احتلت القوات الإنكليزية مصر وأصدرت قانون إلغاء القنصليات، وقبل أن يبلّغ القرار لعاذر عبد الملك (القبطي الممثل للقنصلية الأمريكية في الخرطوم) نشبت الثورة المهدية في السودان وقطعت طرق الاتصالات بين مصر والسودان، وبعد اجتياح جيش المهدي للخرطوم قُتل عاذر عبد الملك بيد الثوار الجدد[4]، الأمر الذي ظل عالقًا في العقل الباطني الأمريكي منعكسًا على سياسته تجاه السودان في كل مراحلها إلى اليوم.
بعد نهاية المهــدية تم تأسـيس الكــنيسة الإنجيلية الأمريكية في شمال السودان (في أم درمان) عام 1900 على يد القس صبري حنا، وقد سبقه في ذلك الأب كيفن الذي قدم من مصر عام 1899 متوجهًا إلى جنوب السودان حيث أسس أول محطة تبشيرية في منطقة الدليب هيل بالقرب من ملكال. وخلال الحقبة 1900 – 1948 انتشرت مدارس الكنيسة الإنجيلية الأمريكية في المدن الكبرى في شمال السودان وكانت تدار بواسطة الأقباط المصريين. أما في جنوب السودان فقد أصاب العمل التبشيري للكنيسة الأمريكية نجاحًا عبر محطاتها التي تأسست هناك[5]. وكانت هناك ثلاث مهمات أساسية حددت للقنصلية الأمريكية في الخرطوم وهي: مساعدة وتوجيه السياح الأمريكيين وتوفير الحماية وسبل الراحة لهم؛ حماية المبّشرين الأمريكيين وحماية من دخلوا في الدين المسيحي على يد الجمعيات والمبّشرين الأمريــكيين؛ وتشجــيع التجارة ورجال الأعـــمال الأمريكيين الذين ظهرت لهم شركات تعمل في استيراد الحاصلات السودانية، منهم المستثمر الأمريكي لي هنت الذي ساهم في تأسيس شركة السودان للزراعة التجريبية التي ظهرت في أوائل سنوات الحكم الثنائي (1904)، والتي تحولت فيما بعد إلى الشركة الزراعية السودانية. جاءت هذه المساهمة بعد أن كتب جون لانق قنصل الولايات المتحدة في القاهرة إلى دايفيد ج. هيل مساعد وزير الخارجية الأمريكي في 13 آب/أغسطس 1902، قائلًا: «تسعى حكومة السودان بشدة إلى تطوير الموارد الزراعية في البلاد على أسس أكثر ليبرالية لتشجيع رأس المال والهجرة. وهناك حاجة للأدوات والآليات الزراعية، عليكم القدوم باكراً لتأمين موقعٍ راسخ في أسواق البلاد». هذا النشاط الأمريكي الذي ظاهره الكشوفات العلمية والسياحة والتبشير المسيحي، كان باطنه التغلغل الاستخباراتي الذي وفر للولايات المتحدة الأمريكية الكثير من المعلومات المهمة التي تتعلق بموارد السودان وطبائع سكانه الذين لم تغفل أمريكا يومًا عن صرامتهم وصعوبة مراسهم الذي كان واضحًا جدًا في الثورة المهدية.
تأكد الاهتمام الأمريكي بالسودان بزيارة الرئيس السادس والعشرين للولايات المتحدة الأمريكية ثيودور روزفلت له في عام 1910، وجاء في أخبار زيارته أنه ألقى خطبة عصماء دافع فيها عن الاحتلال الإنكليزي للسودان. وطالب روزفلت السودانيين بأن يكونوا حكماء وأن يخضعوا للاحتلال؛ لأن التحرر منه كثير التكاليف ومخيف. وعرف عن الرئيس ثيودور إيمانه التام واهتمامه بما يحتويه العهد القديم من نصوص التوراة. وفي هذه الزيارة أشاد بالوجود البريطاني على أرض السودان عقب سحق بريطانيا للحركة المهدية فيه، وهو ما مثل إساءة كبيرة لمشاعر أهل السودان الذين استنكروا ذلك بشدة.
وعند نهاية الحرب العالمية الثانية تصاعدت موجة التحرر ونيل الاستقلال من ربقة الاستعمار الأوروبي وعمت الكثير من الأقطار في آسيا وأفريقيا. وقد كان من الطبيعي أن يساعد الاتحاد السوفياتي تلك الحركة التي استهدفت خروج الدول من الهيمنة والنفوذ الغربي بصفة عامة. وفي المقابل تحركت الولايات المتحدة الأمريكية ورمت بكل ثقلها في مواجهة التمدد السوفياتي ومنع وصول نفوذه إلى منطقة الشرق الأوسط بصورة خاصة. وبقيت بلدان العالم بصورة عامة في إطار ما تعارف على تسميته بالحرب الباردة.
إذا كان دخول الكنيسة المشيخية المتحدة الأمريكية للسودان عقب سقوط الدولة المهدية 1899 يمثل الموجة الأولى للاتصال المباشر بين الولايات المتحدة الأمريكية والسودان، فإن مسألة تقرير مصير السودان عقب الحرب العالمية الثانية قد مثلت مدخل الموجة الثانية للتدخل الأمريكي في الشأن السوداني بموجب مبدأ ترومان (1946). فقد قبلت الولايات المتحدة الأمريكية تحمل مسؤوليات الدفاع عن منطقة الشرق الأوسط ضد أي اندفاع سوفياتي نحو المنطقة في ظل اضمحلال نفوذ بريطانيا. وفي عام 1951 توافقت كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وتركيا على تأسيس القيادة العسكرية للشرق الأوسط (الميكوم) على أن يكون مقرها قناة السويس لحمايتها والإعداد للدفاع الإقليمي والمساعدة على إخماد الصراع في المنطقة. وفي 13 تشرين الأول/أكتوبر 1951 تقدم مقترح قيادة الميكوم للقاهرة بغرض الانضمام إليها فتم رفض العرض بسبب الخلافات المصرية – البريطانية الحادة آنذاك حول جلاء القوات البريطانية من قناة السويس والسودان. لاحقًا نشطت الدبلوماسية الأمريكية في تسويق صفقة تتضمن اعتراف بريطانيا بفاروق ملكًا على السودان والجلاء العاجل للقوات البريطانية من مصر مقابل موافقة القاهرة على الانضمام إلى الميكوم. وامتد النشاط الدبلوماسي الأمريكي إلى الخرطوم حيث جرت مشاورات مع القوى السياسية السودانية التي رفضت فكرة التاج المصري على السودان.
أُلغيت فكرة التاج المصري تلقائيًا بمجيء ثورة يوليو 1952 وذهاب الملك فاروق، وقررت القاهرة الاعتراف بحق السودان في تقرير مصيره، وذهبت إلى أكثر من ذلك حين تقدمت بمبادرة لاستفتاء السودانيين حول علاقتهم بمصر وأجريت مفاوضات بين لندن والقاهرة خلال تشرين الثاني/نوفمبر 1952 – شباط/فبراير 1953 لتعديل دستور الحكم الذاتي تمهيدًا لإجراءات عملية تقرير المصير. وهنا وفي إطار الاستعداد آنذاك لوراثة النفوذ البريطاني في المنطقة أرسلت الولايات المتحدة في آذار/مارس 1954 أول مبعوث لها إلى السودان متزامنًا ذلك مع بداية المرحلة الانتقالية في السودان. وكانت الولايات المتحدة آنذاك تضع المسألة السودانية في إطار علاقاتها مع النظام الجديد في مصر، حيث أدت دورًا مؤثرًا في مفاوضات تسوية العلاقات المصرية – البريطانية بعد ثورة يوليو 1952التي عرفت بمفاوضات الجلاء وانتهت إلى توقيع اتفاقية «جمال/هيد».
مارست واشنطن ضغوطًا هائلة على الجانب البريطاني لتقديم تنازلات حتى تم التوقيع اتفاقية الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان في 12 كانون الثاني/يناير 1953، وهي التي تنص على مرحلة انتقال لا تتعدى السنوات الـثلاث يمارس السودانيون فيها الحكم الذاتي من خلال إجراء أول انتخابات عامة في البلاد. ولقد اشتركت الولايات المتحدة الأمريكية بمندوب في اللجنة الدولية التي أشرفت على هذه الانتخابات التي أُجريت في ذاك العام (1953).
بعد فشل جهود الولايات المتحدة الأمريكية في ضم مصر إلى حلف الميكوم وتوجهات الرئيس المصري جمال عبد الناصر القومية وانفتاحه على الكتلة الشرقية طرأ تحول تكتيكي على السياسة الأمريكية تجاه السودان، فبعد أن كانت تضغط واشنطن لضم السودان إلى التاج الملكي المصري مقابل دخول مصر في حلف الشرق الأوسط الكبير المناوئ للكتلة الشرقية، تحولت السياسية الأمريكية إلى دعم استقلال السودان في سبيل محاصرة عبد الناصر ومنع النفوذ السوفياتي من التغلغل إلى عموم أفريقيا جنوب الصحراء. ونصت وثيقة صادرة عن وزارة الخارجية الأمريكية بتاريخ 16 نيسان/أبريل 1955 بعنوان «السياسة الأمريكية تجاه السودان» على أنه لا يوجد للولايات المتحدة الأمريكية في هذه الآونة أي متطلبات استراتيجية محددة تجاه السودان سوى التركيز على إتمام عملية تقرير المصير[6].
ثانيًا: العلاقات السودانية – الأمريكية
1956 – 1989
اعترفت الولايات المتحدة الأمريكية باستقلال السودان في 2 كانون الثاني/يناير 1956 وتم ترفيع مكتب اتصالها في الخرطوم إلى درجة السفارة، ومن ثم تم تسمية لويل بينكرتون سفيرًا أمريكيًا للسودان ابتداءً من 12 نيسان/أبريل 1956، ثم قدم أوراق اعتماده في 17 أيار/مايو 1956 ليصبح أول سفير أمريكي معتمد لدى حكومة السودان. وجاء في صدر خطاب تكليفه الصادر بتاريخ 7 أيار/مايو 1956 أن «الدولة الوليدة في السودان تواجه خيارات حاسمة بالنسبة للولايات المتحدة الأمريكية، فهي إما أن تصبح ذات علاقات وثيقة بالسوفيات وتفتح لهم نافذة التغلغل إلى أفريقيا بأكملها أو تتواصل في علاقاتها الصديقة مع الغرب». وأضاف أن السودان يشغل موقعًا استراتيجيًا كجسر بين العالم العربي وأفريقيا، وعليه فإن توجه السودان بعيدًا من العرب ينطوي على انتكاسة خطيرة للسياسة الأمريكية في الشرق الأدنى وأفريقيا. وحدد الخطاب الأهداف الأمريكية المرحلية تجاه السودان في دعم وصيانة الاستقلال والدفع نحو قيام حكومات مستقرة وصديقة للغرب والولايات المتحدة الأمريكية بصفة خاصة. شملت الأهداف منع السوفيات من التغلغل في السودان وبالتالي حرمانهم العبور إلى داخل أفريقيا. كذلك حدد السفير بينكرتون الأهداف الأمريكية بأن يتم دعم تعاون السودان ومصر في الحالات التي تكون فيها توجهات النظام المصري القائم متماهية مع الأهداف الأمريكية ويتم الدفع بالسودان باتجاه إحباط مخططات مصر في جميع الحالات التي تخدم فيها مصر أهداف السوفيات[7].
من الواضح أن علاقات الولايات المتحدة الأمريكية مع السودان منذ البداية قامت على مصالحها فقط؛ المتمثلة في تلك الحقبة بسياسة احتواء تمدد الاتحاد السوفياتي وحلفائه في المنطقة. وبعد حرب السويس (العدوان الثلاثي البريطاني – الفرنسي – الإسرائيلي على مصر 1956) تفتحت عيون الولايات المتحدة الأمريكية أكثر فأكثر على دول المنطقة وطرح الرئيس الأمريكي داويت أيزنهاور (1952 – 1960) – مشروعًا لمساعدة المنطقة حمل اسمه (مشروع أيزنهاور)[8]. هو مشروع في ظاهره تقديم المساعدات الاقتصادية والفنية إلى دول المنطقة، وفي باطنه يهدف إلى احتواء المد الشيوعي فيها. وتأكيدًا لهذا الاهتمام أوفد أيزنهاور نائبه ريتشارد نيكسون إلى السودان بتاريخ 13 آذار/مارس 1957 في إطار تسويق مبادرة أيزنهاور في أفريقيا ورافقه في تلك الزيارة مندوب المشروع جيمس ريتشارد.
خلال المباحثات الثنائية التي أجريت مع رئيس الوزراء عبد الله بك خليل عرض نيكسون مبادرة المعونة الأمريكية بشقيها الاقتصادي والعسكري، مشددًا على أنه لا توجد شروط لقبولها وهي تستهدف بناء الاستقرار وتحقيق استقلال الدول. وبحسب نيكسون يوجد هدفان لبرنامج أيزنهاور (المعونة)، أولهما تحصين أقطار الشرق الأوسط ضد الخطر الشيوعي، والثاني تقوية البلدان المعنية وإنهاء قابليتها للتغلغل الشيوعي التخريبي. تحفظت الحكومة السودانية (حكومة عبد الله بك خليل) عن بعض بنود مشروع أيزنهاور مخافة المساس باستقلال السودان وسيادته، فأوفدت الولايات المتحدة الأمريكية في 22 نيسان/أبريل 1957 مبعوثها السفير ريتشارد هيل للرد على ملاحظات السودان وبحث تفاصيل انضمام السودان إلى قائمة الدول المستفيدة من برنامج أيزنهاور (المعونة)، لم تسفر الزيارة المذكورة عن اتفاق في خصوص قبول المعونة بسبب مخاوف رسمية وشعبية من دخول السودان في أحلاف إقليمية ودولية. لقد ذيّل السفير ريتشارد تقرير زيارته بالتشديد على التواصل مع الخرطوم في شأن المعونة، لأن السودان – بحسب رأيه – بلد يستحق التودد والتقرب لما يمتاز به من مزايا جيوسياسية. بتاريخ 25 أيلول/سبتمبر 1957 أصدرت الخارجية الأمريكية وثيقة حملت عنوان «الخطة العملياتية للتعامل مع السودان». ورد في ديباحة الخطة المذكورة أن الأهداف العامة للولايات المتحدة الأمريكية في الشرق الأدنى تتلخص في: السيطرة على الموارد والمواقع وحرمان الكتلة الشيوعية الوصول إليها مع خلق حكومات صديقة مستقرة قابلة للحياة مع القدرة على مواجهة أي عدوان شيوعي. وحددت الخطة توجيهات للتعامل مع السودان أبرزها عرض تقديم مساعدات اقتصادية وفنية وعسكرية أسوة بما قامت به الولايات المتحدة الأمريكية مع مصر وإثيوبيا ومن قبلهما لبنان والعراق. على صعيد متصل شهد عام 1958 أولى وقائع الصراع والمواجهة في مسار العلاقات السودانية – الأمريكية، إذ امتنعت الإدارة الأمريكية عن شراء القطن السوداني ومارست نفوذها للضغط على حليفتها بريطانيا للاستعاضة عن شراء القطن السوداني بشراء القطن الأمريكي، وهو ما أحدث أزمة اقتصادية حادة في الاقتصاد السوداني، وفي ذلك رغبة من الإدارة الأمريكية في إقناع رئيس الوزراء السوداني عبد الله بك خليل بتوقيع اتفاقية التعاون الاقتصادي للإنشاء والتعمير التي عرفت بالمعونة الأمريكية، فتفجر الخلاف حول الاتفاقية داخل البرلمان السوداني عندما عرضت للتصويت عليها، فعارضها نواب الحزب الشريك في الائتلاف (حزب الشعب الديمقراطي) الذي عدّها أسلوبًا جديدًا للسيطرة على مقدرات البلاد، وهو ما يحقق أهداف ومصالح الولايات المتحدة الأمريكية. وقد ساندت ذلك الموقف الحملة الشعبية ضد المشروع الأمريكي في السودان وفي المنطقة العربية.
وبسبب تدهور الأوضاع واشتداد الخلاف وعجز المؤسسة البرلمانية السودانية عن القيام بدورها، قام الفريق إبراهيم قائد الجيش وبعض زملائه من كبار الضباط بتسلّم السلطة في البلاد قبل ساعات من موعد اجتماع الجمعية التأسيسية في 17 تشرين الثاني/نوفمبر 1958 [9]. وبعد يوم واحد من تسلُّم الجيش السلطة في السودان أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية عبر سفيرها في الخرطوم اعترافها الرسمي بالوضع الجديد في السودان واستعدادها للتعاون معه. وهذا شاهد آخر يبين أن الولايات المتحدة الأمريكية لا يهمها شكل النظام القائم في الخرطوم (شمولي/ديمقراطي) بقدر ما يهمها تحقيق هذا النظام لرغباتها ولو كان ذلك على حساب شعارات الحرية والديمقراطية التي ترفعها وتنادي به.
في أول اجتماع لمجلس وزراء نظام الفريق عبود؛ قدم وزير الخارجية أحمد خير المحامي مشروع المعونة الأمريكية وأوصى بقبوله مع وجود بعثة المعونة الأمريكية في السودان. وقد تم ذلك، وأصدرت الإدارة الأمريكية بيانًا رحبت فيه بهذه الخطوة، وأصبحت العلاقات «طيبة» بين البلدين إلى درجة أن الولايات المتحدة الأمريكية عرضت تمويل مشاريع تنموية في مقابل إقامة قواعد عسكرية في السودان، إلا أن حكومة الرئيس عبود رفضت ذلك التزامًا بسياسة التوازن والحياد.
إجمالًا يمكن القول إن السياسة الأمريكية نجحت إبان حقبة الرئيس عبود في الحؤول دون مرور دعم الكتلة الشرقية عبر الخرطوم إلى حركات التحرر اليسارية في أفريقيا، غير أنها في المقابل منيت بعدة انتكاسات حين التزم نظام الرئيس عبود مبدأ الحياد الإيجابي وساهم في دعم حركة عدم الانحياز وأقام علاقات دبلوماسية مع الصين ولم يلتزم القطيعة مع الاتحاد السوفياتي. لكن مع ظهور التمرد في جنوب السودان عام 1963 (حركة أنيانيا 1 بقيادة جوزيف لاقو) والتصعيد في الحرب الأهلية هناك، وما صاحب ذلك من إجراءات من طرف حكومة الفريق عبود؛ منها طرد القساوسة من جنوب السودان والتوسع في عملية التعريب، شاب العلاقات السودانية – الأمريكية نوع من الفتور حيث فسرت الحكومة الأمريكية أن ما تقوم به الحكومة السودانية هو سياسة فرض الأسلمة بالقوة على المواطنين في الجنوب. وبعد تنازل الفريق إبراهيم عبود عن السلطة عقب الانتفاضة الشعبية في الحادي والعشرين من تشرين الأول/أكتوبر 1964، حاصرت التظاهرات الشعبية السفارة الأمريكية، وأدى هذا الموقف إلى توتر في العلاقة بين البلدين زال بعد انتخابات 1965، ثم عادت العلاقات إلى طبيعتها. وفي الثالث عشر من نيسان/أبريل 1966 وقعت الحكومة السودانية المنتخبة (حكومة محمد أحمد المحجوب) اتفاق تمديد المعونة الأمريكية سنة إضافية، إلى أن جاء عام 1967بكارثة حرب الأيام الستة، وهنا كان للسودان موقف قوي وحازم قطع فيه العلاقات مع الولايات المتحدة الأمريكية كونها تقف وراء إسرائيل. وفي الخرطوم عقد مؤتمر القمة (مؤتمر اللاءات الثلاث) الذي شكل نقطة التحول الأساسية في مسيرة العرب. فقامت الولايات المتحدة الأمريكية من جانبها بسحب بعثتها الدبلوماسية من الخرطوم وكذلك جميع الخبراء الأمريكيين وأوقفت مساعداتها الاقتصادية والفنية وقطعت الإعانات المالية للمبعوثين السودانيين للدراسة في أمريكا، وخرج السودان من الدائرة الأمريكية وانحاز إلى مصر وجمال عبد الناصر ودول عدم الانحياز وتعاون مع الاتحاد السوفياتي[10].
في بدايات انقلاب مايو 1969وحتى عام 1971كانت علاقات نظام مايو (نظام الرئيس نميري) مع الإدارة الأمريكية سيئة بسبب انحياز النظام إلى المعسكر الشرقي واعترافه بألمانيا الشرقية وتبنّيه سياسات المصادرة والتأميم وتأييده للتيار العربي الاشتراكي المعادي للرأسمالية والإمبريالية؛ وبذلك كان معاديًا للغرب وفي توافق تام مع مصر (عبد الناصر) والاتحاد السوفياتي. لكن بعد فشل المحاولة الانقلابية الشيوعية 1971 (انقلاب هاشم العطا) تغير توجه نظام مايو من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، وقد أثمر هذا التحول مساعدة الغرب عمومًا والولايات المتحدة خصوصًا، مجلس الكنائس العالمي، الإمبراطور هيلاسلاسي على توقيع اتفاقية أديس أبابا التي تم التوصل فيها إلى الحكم الذاتي لجنوب السودان.
بهذا الحدث شهدت العلاقات السودانية – الأمريكية تطورًا لم يكتمل ليصل إلى مرحلة جني الثمار، إذ شهدت الخرطوم في آذار/مارس 1973 حادثة اغتيال السفير الأمريكي (كليو نويل) والمستشار بالسفارة والقائم بالأعمال الأمريكي على أيدي جماعة أيلول الأسود الفلسطينية. فقد أدى هذا الحادث إلى تراجع في العلاقات السودانية – الأمريكية بعد أن سلمت الحكومة السودانية المتهمين لمنظمة التحرير الفلسطينية نتيجة للتطورات المتسارعة في المنطقة والاستقطاب الحاد من جانب المعسكرين الشرقي والغربي. انتبهت الولايات المتحدة لأهمية السودان بعد أن لمست استعداد الرئيس نميري للوقوف مع الرئيس السادات ضد محور عدن – أديس أبابا – طرابلس وضد اتساع دائرة النفوذ الشيوعي في شمال أفريقيا ومنطقة القرن الأفريقي. وفي حزيران/يونيو 1976 زار الرئيس جعفر نميري الولايات المتحدة الأمريكية، بعدها أعلن الرئيس الأمريكي جيرالد فورد أن السودان أصبح مؤهلًا لتلقي التجهيزات العسكرية الأمريكية بهدف تعزيز أمن الولايات المتحدة. انعكس هذا التصريح إيجابًا على العلاقات الاقتصادية والثقافية مع اهتمام أكثر بالقوات المسلحة تدريبًا وتسليحًا، وقوّى صلة النظام الحاكم في الخرطوم بالولايات المتحدة الأمريكية التي عززت في هذه الحقبة وجودها السياسي والأمني والاقتصادي في السودان[11]، غاضّة الطرف كعادتها عن شكل النظام. حصل السودان آنذاك على دعم أمريكي كان الأكبر في أفريقيا جنوب الصحراء، وكان من نتائج توطيد هذه العلاقات دخول شركة شيفرون الأمريكية للاستثمار في مجال النفط في السودان، إضافة إلى تدفق المعونات الأمريكية وصندوق النقد الدولي على السودان في تلك الحقبة. ووصلت العلاقات السودانية – الأمريكية أوج تحــسنها حــينما شارك الرئيس نميري في عملية نقل اليهود الفلاشا إلى إسرائيل في النصف الأول من ثمانينيات القرن العشرين.
بعد ســقوط نـظام الرئيس نميري بانتفاضة 6 نيسان/أبريل 1985 الشعبية التي انحاز فيها الجيش إلى الشعب، وخلال الـمرحلة الانتقالية الـتي ترأسها الفريق أول عبد الرحمن سوار الذهب (رئيس المجلس العسكري الانتقالي) بين نيسان/أبريل 1985 ونيسان/أبريل 1986، انزعجت الحكومة الأمريكية من التقارب الذي حدث بين حكومة الانتفاضة وليبيا وعدّته موجهًا ضدها، وشهدت العلاقات فتورًا واضحًا، وأصدرت الحكومة الأمريكية في شأنه بيانًا أعلنت فيه أن السودان منطقة غير آمنة ونصحت رعاياها في السودان بالعودة مطالبةً الذين ينوون السفر إليه بالامتناع عن ذلك. وإبان حقبة الديمقرطية الثالثة من أيار/مايو 1986 إلى حزيران/يونيو 1989 التي ترأس فيها الصادق المهدي عددًا من الحكومات الائتلافية بين حزبه (حزب الأمة القومي) والحزب الاتحادي الديمقراطي بزعامة محمد عثمان الميرغني وحزب الجبهة الإسلامية بزعامة حسن الترابي، رحبت الولايات المتحدة بعودة الحكم الديمقراطي إلى السودان، لكنها تحفظت عن بعض القضايا مثل قضايا الحرب الأهلية والمعاناة الإنسانية، وانتهاكات حقوق الإنسان والتفرقة العنصرية والأداء الاقتصادي الحكومي غير الرشيد، وأشارت إلى أن مثل هذه القضايا هي التي تقف وراء التدهور الذي أصاب العلاقات بين البلدين، ولكن في حقيقة الأمر كانت واشنطن تسعى للتخلص من الصادق المهدي الذي وطدّ علاقات السودان مع إيران[12]. وفي عام 1988 طبق الرئيس رونالد ريغان أول عقوبات أمريكية على السودان نتيجة لتراكم المتأخرات وعدم سداد الديون والامتثال للإصلاحات الاقتصادية التي وصّى بها البنك الدولي[13]، فواجه السودان صعوبات جمة في دفع فوائد الديون الأمريكية عليه، وفي كانون الثاني/يناير 1989 تم عمليًا وقف أي مظهر من مظاهر العون العسكري والمدني للسودان[14]، باستثناء الإنفاق على عمليات الإغاثة. وشهدت العلاقات السودانية - الأمريكية في تلك الحقبة حالة من الشد والجذب، بعدما تبين أن الديمقراطية لدى الولايات المتحدة الأمريكية تعني الخضوع لتوجيهاتها والانقياد لسياساتها بالكامل.
ثالثًا: العلاقات السودانية – الأمريكية
1989 – 2022
منذ وصول نظام الإنقاذ (نظام عمر البشير) إلى سدة الحكم في 30 حزيران/يونيو 1989 حرصت الولايات المتحدة الأمريكية على انتهاج سياسة الاحتواء والمواجهة، وعليه لم تكن العلاقات السودانية- الأمريكية تتسم بالتوتر أو الاضطراب، حيث سعت واشنطن – كما أسلفنا – إلى التخلص من الصادق المهدي، إلا أنها كانت لا تريد الظهور علانية بمظهر المؤيد لإطاحة النظم الديمقراطية من طريق الانقلابات العسكرية، لهذا لجأت إلى توظيف الأداة الدبلوماسية، بإصدار الإدانات المتكررة للحكومة السودانية بوصفها غير منتخبة، كما جمدت المعونات الإنسانية للاجئين، ناهيك بالمساعدات الاقتصادية؛ متهمةً حكومة البشير بعرقلة عمليات الإغاثة، وعليه اشترطت عودة الديمقراطية إلى السودان واحترام حقوق الإنسان، والعمل من أجل إقرار السلام في الجنوب والدخول في برنامج للإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد الدولي[15].
لم تلبث حالة العداء بين السودان والولايات المتحدة الأمريكية أن تعمقت بسبب توجهات نظام البشير الإسلامية من خلال تحالفه مع الجبهة الإسلامية بقيادة حسن الترابي، ووقوفه في الصف المناوئ للتحالف الدولي الذي قادته الولايات المتحدة ضد الغزو العراقي للكويت عام 1990 ومعاداته للسياسات الأمريكية وحلفائها في المنطقتين العربية والأفريقية. ولشكوك واشنطن بوجود صلة للنظام بالمنظمات الإرهابية أدرجت الولايات المتحدة الأمريكية السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب[16]، وذلك في آب/أغسطس 1993. وتلقائيًا حُرم السودان كل برامج المعونة الأمريكية الزراعية وبرامج دعم السلام والقروض التفضيلية وغيرها، ثم تبع ذلك تقديم مبلغ 20 مليون دولار إلى جيران السودان الثلاثة إثيوبيا وإريتريا وأوغندا لدعم تجهيزاتهم العسكرية في مواجهة السودان بسبب توتر علاقاتهم مع الخرطوم (سياسة شد الأطراف). ثم جاءت محاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995، التي اتُّهم السودان بدعمها، دليلًا يثبت المزاعم الأمريكية حول توجهات نظام الخرطوم الإرهابية. وساندت واشنطن قرار مجلس الأمن فرض عقوبات على السودان. وعندما تراجعت مصر عن فكرة تغليظ العقوبات على السودان التي تتضمن حظرًا للسلاح لخوفها من أن ينعكس ذلك على قدرات الجيش السوداني ويخل بتوازنات الحرب مع متمردي الجيش الشعبي، بدأت بعدها الولايات المتحدة سياسة خشنة تجاه السودان حيث وصلت في عام 1996إلى إغلاق السفارة الأمريكية في الخرطوم ونقل العاملين فيها إلى نيروبي، كما طالبت الخرطوم بتسليم المشتبه في قيامهم بالمحاولة الفاشلة لاغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا عام 1995.
استمر التصعيد العدائي من جانب الولايات المتحدة تجاه السودان حتى بلغ ذروته في عام 1997، حينما فرض الرئيس بيل كلنتون عقوبات اقتصادية شاملة على السودان بقرار تنفيذي[17]، ثم وظّف القرار كوسيلة ضغط على الحكومة السودانية كي تسرع في توقيع اتفاق سلام مع الحركة الشعبية، وذلك هو المفتاح الوحيد لرفع السودان عن قائمة الدول الراعية للإرهاب وإلغاء الحظر الاقتصادي الانفرادي. بلغ عداء واشنطن للنظام في السودان قمته بقصف صواريخ كروز الأمريكية مصنع الشفاء في الخرطوم بحري في آب/أغسطس 1998 بزعم أنه مملوك لأسامة ابن لادن (زعيم تنظيم القاعدة)، وهو زعم اتضح خطأه لاحقًا. لكن التدهور الذي وصل بعلاقات البلدين إلى مرحلة العداء السافر إلى درجة القصف بالصواريخ، يعَدّ تتويجًا لحالة التراجع المستمرة في علاقات البلدين منذ إطاحة حكم النميري، إذ لم تعد واشنطن تنظر إلى السودان كحليف موثوق به في إطار حربها ضد المعسكر الشرقي، ورغم ذلك استمر الاهتمام السياسي المحلي والإعلامي الأمريكي بما يجري في السودان وبخاصة مع تصاعد الحرب الأهلية وتفاقم المعاناة الإنســـانية، الأمر الذي دفع إدارة الرئيس جورج بوش الإبن، إلى إعادة النظر في السياسة المتبعة حيال السودان[18]، بعد أن اتضح فشل سياسة احتواء النظام والضغط على نظام الإنقاذ ولا سيما بعد أن توافرت للنظام قدرات اقتصادية جيدة من جراء استغلاله للنفط.
جاءت الانعطافة الرئيسة في العلاقات السودانية – الأمريكية عند سماح السودان لكل من وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ومكتب التحقيقات الاتحادي بإرسال مبعوثين، بل وفتح مكتب للتحقيق في الوجود الإرهابي الأجنبي على أراضيه. تنبع أهمية هذه الخطوة من أنها أسست لتعاون استخباري بين البلدين قبل خمسة أشهر كاملة على أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001. هنا اتخذت الولايات المتحدة الأمريكية أسلوبًا جديدًا في التعامل مع النظام في الخرطوم (سياسة ترويض النظام) بهدف وقف الحرب الأهلية وتغيير وجهة النظام وتمتين جبهة الحرب ضد الإرهاب ودعم سياسة الطاقة النفطية في مواجهة الصين كون النفط السوداني تم اكتشافه على يد شركة شيفرون الأمريكية التي أنفقت ما يفوق مليار دولار على نشاطها هناك قبل خروجها في عام 1992 [19]. لكن ما إن انتهت مشكلة جنوب السودان بتوقيع اتفاق نيفاشا عام 2005، حتى تسلّمت الولايات المتحدة الأمريكية ملف مشكلة دارفور التي نشبت في 2003 وبدأت في سياستها التصعيدية تجاه الحكومة السودانية واتهامها بانتهاج سياسة الإبادة الجماعية لسكان إقليم دارفور، وعليه، لجأت الإدارة الأمريكية إلى الكثير من الآليات السياسّية والاقتصادية والعسكرية لمواجهة الأزمة، من بينها اتخاذ إجراءات انفرادية لِمحاصرة السودان اقتصاديًا، ففي تشرين الأول/أكتوبر 2006 وقع الرئيس بوش قانون سلام دارفور ومحاسبة السودان، حيث تم بموجبه تشديد العقوبات الاقتصادّية الأمريكية على حكومة السودان، وتجميد أرصدة الحكومة السودانّية أو مسؤوليها، أو الشركات التابعة لها، أو التابعة لحزب المؤتمر الوطني الحاكم في السودان، ومن ثم ركزت الولايات المَّتحدة على ما تسميه الخطة (B) للضغط على حكومة السودان، التي تشمل فرض عقوبات اقتصادية وسياسية[20].
كذلك فرضت الأمم المتحدة عقوباتها على السودان الموحى بها من الولايات المتحدة عامي 2006 و2009، واتهام الرئيس البشير بواسطة المحكمة الجنائية الدولية بارتكاب جرائم ضد الإنسانية في دارفور. شملت العقوبات الأمريكية حجب قروض المؤسسات الدولية عن السودان ومنعه كذلك من السوق الأمريكية، وتجميد أصول الحكومة المالية في أمريكا ومنعها من حق التصرف فيها. ثم بدأ التلويح بجزرة رفع العقوبات للسودان بعد إعمال طويل للعصا عليه عام 2011، في سياق حفزه للتعاطي الإيجابي مع استفتاء جنوب السودان الذي قضت به اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان والحركة الشعبية لتحرير السودان 2005، وتم الاستفتاء بسلام، إلا من تطورين: أولهما توتر العلاقات بين السودان ودولة الجنوب الجديدة، وثانيهما اندلاع الحرب في ما عُرف بـ«المنطقتين» وهما جبال النوبة في وسط غرب البلاد، والنيل الأزرق في شرق وسط البلاد، ونتيجة لهذين التطورين امتنعت الولايات المتحدة عن رفع المقاطعة حتى دعا داعي حرب الإرهاب الإدارة الأمريكية في 2015 إلى إجراء مفاوضات أخرى مع السودان لرفع العقوبات، وتوافقا عام 2016 على خريطة طريق ترفع بها العقوبات عن السودان متى التزم بحرفية الخريطة، وشملت الخريطة أجندة عرفت بـ«المسارات الخمسة»، التزم السودان بأن يحسّن أداءه فيها لنيل مراده[21].
بعد مجيء الإدارة الديمقراطية الجديدة بقيادة الرئيس باراك أوباما في كانون الثاني/يناير 2009 طرأت تطورات مهمة في العلاقات السودانية – الأمريكية حيث تم الإعلان عن الاستراتيجية الأمريكية الجديدة تجاه السودان في تشرين الأول/أكتوبر 2009؛ القائمة: السعي لإنهاء النزاع وانتهاكات حقوق الإنسان وعمليات الإبادة في دارفور، وتطبيق اتفاقية السلام بين الشمال والجنوب من أجل خلق فرصة السلام البعيد الأمد، والعمل على ضمان توفير السودان مأوى للإرهابيين الدوليين[22]. شملت الاستراتيجية الجديدة مزيجًا من الضغوط والحوافز لحث حكومة الخرطوم على إحلال السلام في إقليم دارفور، وتسوية النزاعات مع حكومة جنوب السودان ذات الاستقلال الذاتي والقيام بتعاون أكبر مع الولايات المتحدة الأمريكية في وقف الإرهاب، مقابل رفع التمثيل الدبلوماسي معه، والتلويح برفع اسمه من قائمة الإرهاب، أما في حالة التعارض فإنه سيواجه بمزيد من العقوبات.
بعد عرض أداء السودان في ما طُلب منه؛ قرر الرئيس بارك أوباما عند عتبة الخروج من البيت الأبيض في كانون الثاني/يناير 2017 الرفعَ الجزئي المؤقت للعقوبات عن السودان الذي متى استكمل جوانب نقص مأخوذة عليه، حصل على رفع كامل لها في تموز/يوليو 2017 [23]. غير أن الإدارة الجمهورية الجديدة بقيادة ترامب أرجأت البت في شأن استدامة رفع العقوبات إلى ستة أشهر أخرى، حتى سقط نظام البشير في نيسان/أبريل 2019 عقب ما اصطلح على تسميتها ثورة ديسمبر التي انحاز فيها الجيش إلى الشعب وتألفت حكومة انتقالية برئاسة عبد الله حمدوك، لكن رغم التغير الذي حدث في السودان؛ قرر ترامب في 11 تشرين الأول/أكتوبر 2019 تمديد حالة الطوارئ الوطنية المعلنة ضد السودان منذ عام 1997وكان من المقرر أن ينتهي مفعولها في الثالث من تشرين الثاني/نوفمبر 2019. وبحسب القرار الذي نشره البيت الأبيض: «على الرغم من التطورات الإيجابية الأخيرة في السودان فإن الأزمة التي نشأت عن أفعال وسياسات حكومة السودان (نظام الإنقاذ) والتي أدت إلى إعلان حالة طوارئ وطنية بموجب الأمر التنفيذي (13067) لم تحل بعد». وظل اسم السودان باقيًا في القائمة الأمريكية للدول الراعية للإرهاب، ولم تفلح حكومة حمدوك في إقناع الولايات المتحدة الأمريكية برفع اسم السودان من القائمة بغية رفع العقوبات عنه، حتى انتهجت سياسة الاسترضاء بدفع تعويضات لأسَر ضحايا تفجير السفارتين الأمريكيتين في نيروبي ودار السلام 1998، وضحايا الهجوم على المدمرة الأمريكية يو. إس. إس كول عام 2000 بحجة أن نظام البشير كان وراء هذه الأعمال الإرهابية.
لقد دفعت حكومة حمدوك وذهبت في 25 تشرين الأول/أكتوبر 2021 بسبب ضعفها وصراعات حضانتها السياسية التي فتحت الباب واسعًا أمام التدخل الأجنبي في السودان بصورة لم يسبق لها مثيل، وعلى رأس كل ذلك بالطبع الولايات المتحدة الأمريكية التي عملت على إيقاف كل دعم وأوعزت إلى غيرها من الدول بعدم دعم السودان بحجة أن ما قام به قائد الجيش الذي حل حكومة حمدوك، ودعا القوى المدنية إلى التوافق على حل للأزمة السياسية التي طال أمدها، حتى تكتمل المرحلة الانتقالية المتبقية بإجراء انتخابات حرة ونزية، يعيق التحول الديمقراطي في البلاد. وما إن تفجرت الأزمة الأكرانية في شباط/فبراير 2021 وعاد السودان إلى مغازلة روسيا حتى دفعت الولايات المتحدة الأمريكية بسفير جديد إلى الخرطوم بعد قطيعة دامت أكثر من 25 عامًا، لا لشيء إلا لتحقيق الرغبات الأمريكية التي بات يهددها الخطر الروسي.
رابعًا: استنتاجات وتوصيات
1 – الاستنتاجات
أ – يمثل السودان أهمية استراتيجية كبيرة للولايات المتحدة الأمريكية نظرًا إلى موقعه الجغرافى في منطقة القرن الأفريقي.
ب – الولايات المتحدة الأمريكية غير جادة فى بناء علاقات جيدة وقوية مع السودان ويظهر ذلك من خلال تأرجح علاقاتها معه التي في حقيقتها تبنيها على تحقيق رغباتها هي فقط.
ج – الولايات المتحدة الأمريكية لا تزال تجهل طبيعة الشعب السوداني الذي لا تجدي معه الضغوط، وبخاصة في مسألة تغير قناعاته تجاه أمر معين أو التوافق مع المزاج الأمريكي في شأن من شؤون الحياة، فما تسمعه من بعض النخب السودانية شيء والواقع شيء الآخر.
2 – التوصيات
أ – يمتاز السودان بموارد طبيعية ضخمة، يمكن استغلالها بصورة مثلى من خلال التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية في إطار تبادل المصالح المشتركة.
ب – السودان هو الأقدر على التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة، وعلى واشنطن أن تعي ذلك، وتتعامل معه بما يخدم مصالح البلدين والمنطقة بعيدًا من السياسة الفوقية.
ج – الشعب السوداني شعب مسالم وفي الوقت نفسه هو صعب المراس، وبخاصة عندما يتعلق الأمر بالعزة والكرامة، فعلى الساسة السودانيين أن يكونوا بقامة هذا الشعب حتى يضعوا علاقة السودان مع الولايات المتحدة الأمريكية في إطار التعاطي مع هذا الشعب بصورة تفيد البلدين.
خاتمة
تؤثر عدة عوامل في طبيعة العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكية والسودان، ولعل أبرزها: الإدراك الأمريكي لموقع السودان الاستراتيجي في أفريقيا، حيث يمثّل نقطة انطلاق للسياسة الأمريكية في أفريقيا؛ ولهذا تمارس جماعات المصالح الأمريكية عدة ضغوط على حكومتها تجاه السودان، وفي كل تلك الأحوال تراعي الحكومة الأمريكية مصالح تلك الجهات. كذلك الثروة النفطية السودانية، فالنفط لا يزال يؤدي دورًا مهمًا في صنع السياسة الأمريكية، لهذا تهتم الولايات المتحدة الأمريكية بالسودان حتى يتسنى لها الاستفادة من الثروات السودانية، وبخاصة من النفط. أيضًا استمرار الصراع بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين وروسيا حديثًا، بهدف السيطرة على الموارد والثروات الاقتصادية الهائلة في السودان، ولا سيما الصين التي تتمتع بعلاقات وطيدة مع السودان على الصعيدين الاقتصادي والسياسي، إضافة إلى اتخاذها مواقف معارضة للسياسة الأمريكية تجاه السودان. كل هذا يجعل الولايات المتحدة الأمريكية تسعى لتحسين علاقتها مع السودان حتى يتسنى لها الحفاظ على مصالحها فيه بصورة خاصة، وفي القرن الأفريقي بصورة عامة.
أوراق ذات صلة:
حرب السودان: أوهام الحسم ومرارة الحلول؟
دور العوامل الخارجية في صيرورة ثقافة شعوب السودان: دراسة تحليلية – تاريخية
المصادر:
نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 536 تشرين الأول/أكتوبر 2023.
[1]أحمد سليمان أبكر: باحث في العلوم السياسية – السودان.
[2] Bayard Taylor, Journey to Central Africa (New York. G. P. Putnam and Company, 1854), p. 270.
[3] أحمد الأمين البشير، «تاريخ الوجود الأمريكي في السودان،» مجلة الدراسات السودانية (الخرطوم)، السنة 3، العدد 1 (شباط/فبراير 1971)، ص 14.
[4] ميمونة ميرغني حمزة، حصار وسقوط الخرطوم (الخرطوم: دار جامعة الخرطوم للطباعة والنشر، 1972)، ص 7.
[5] البشير، المصدر نفسه، ص 15.
[6] هيثم عبد الرحمن علي، «السياسية الأمريكية تجاه السودان (1950-2010م)،» التقرير (مركز العلاقات الدولية-الخرطوم)، العدد 4 (آب/أغسطس 2014)، ص 4 -7.
[7] المصدر نفسه، ص 7.
[8] سمير إبراهيم محمد، «سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه السودان،» شؤون عربية، العدد 160 (2014)، ص 188.
[9] علي، «السياسية الأمريكية تجاه السودان (1950-2010م)،» ص 7 -11.
[10] عبد الرحمن أبو خريس، «تاريخ العلاقات السودانية – الأمريكية،» مركز الدراسات الدبلوماسية-وزارة الخارجية-السودان.
[11] علي، «السياسية الأمريكية تجاه السودان (1950-2010م)،» ص 12.
[12] المصدر نفسه، ص 190.
[13] عبد الله علي إبراهيم، «رفع العقوبات عن السودان.. مخاطرة لا مهرب منها،» الجزيرة.نت، 8 تشرين الأول/أكتوبر 2017، <http://rb.gy/mlpd3> (تاريخ التصفح 6 تشرين الأول/أكتوبر 2022).
[14] أبو خريس، «تاريخ العلاقات السودانية الأمريكية».
[15] «الأجندة الأمريكية تجاه السودان،» تقرير – مركز الراصد للدراسات السودانية، 13 أيار/مايو 2009.
[16] Raymond L. Brown [et al.], «American Foreign Policy Toward the Sudan: From Isolation to Engagement – Why the Bush Administration Turned Around U.S. Sudan Policy January 2001– December 2002,» National War College, National Defense University, April 2003, p. 3, <https://apps.dtic.mil/sti/tr/pdf/ADA441626.pdf>.
[17] نصه ما يلي: «وجدت أن السياسات التي اتخذتها حكومة السودان ودعمها المستمر للإرهاب الدولي وجهود زعزعة المنطقة واستقرار الحكومات المجاورة وانتهاك حقوق الإنسان، تمثل تهديدًا غير عادي للأمن القومي والسياسة الخارجية الأمريكية، قررت فرض الحظر التجاري الكامل على الأراضي السودانية وتجميد الأصول الإجمالية».
[18] Brown [et al.], Ibid., p. 6.
[19] السر سيد أحمد، «جذور الاهتمام الأمريكي بالسودان،» الجزيرة.نت، 3 تشرين الأول/أكتوبر 2004، <http://rb.gy/8obe1> (تاريخ التصفح 7 تشرين الأول/أكتوبر 2022).
[20] محمد، «سياسة الولايات المتحدة الأمريكية تجاه السودان،» ص 194.
[21] المسارات هي: التعاون الوثيق مع أمريكا في حرب الإرهاب – ضمان السودان وصول المساعدات الإنسانية لبقاع سودانية – تأمين الاستقرار والسلم في النطاق الإقليمي بالامتناع عن دعم المتمردين على حكومة جنوب السودان – التوقف عن دعم جيش الرب الأوغندي – وقف الحرب في مناطق النزاعات في دارفور والمنطقتين (جنوب كردفان والنيل الأزرق).
[22] Jennifer G. Cooke and J. Stephen Morrison, «The Obama Administration’s Sudan Strategy,» The Center for Strategic and International Studies (CSIS), 21 October 2009, <https://www.csis.org/analysis/obama-administrations-sudan-strategy>.
[23] إبراهيم، «رفع العقوبات عن السودان.. مخاطرة لا مهرب منها».
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



