أحيا الفلسطينيون الذكرى 75 للنكبة هذا العام في الوقت الذي يشهد العالم تطورًا كبيرًا على المستوى الاتصالي والتكنولوجي يتمثل بتطبيقات الذكاء الاصطناعي. وفي حين اختارت الشركات العملاقة المطوّرة لبرامج الذكاء الاصطناعي استراحة طوعية حاليًا، انشغل الباحثون في دراسات الذاكرة بالتساؤل عمّا إذا كان الذكاء الاصطناعي سيمثلّ مستقبل الذاكرة الجمعية. سيتناول هذا المقال الإمكانات والاحتمالات التي سيجرّها الذكاء الاصطناعي معه للذاكرة الجمعية الفلسطينية تحديدًا، من خلال النظر إلى أربعة برامج ومشاريع استخدمت الذكاء الاصطناعي في توثيق الذاكرة الجمعية، وهي: مشروع 535,000 Faces أو وجه[1] وهو عبارة عن مبادرة فردية، وموقع «من الأرقام إلى الأسماء»(From Numbers to Names) [2] وبرنامج «أبعاد جديدة للشهادات» (New Dimensions in Testimony)[3] المخصَّصان لتذكّر ضحايا الهولوكوست[4]، وبرنامج غوغل للفنون والثقافة[5] ((Google Arts and Culture، الذي سيتيح لنا النظر في الخطة التي وضعتها الشركات العملاقة الربحية لإدارة الذاكرة الجمعية عبر الذكاء الاصطناعي لتحلّ مكان المتاحف والمؤسسات الأرشيفية.

خلال الأعوام العشرين الفائتة، أتاحت شبكة الإنترنت والمنصات الرقمية أول مرة للفلسطينيين ما كان محظورًا من دونها وهو «التذكّر الجماعي العلني»[6]. خضع هذا التذكّر لديناميات حكمت العلاقة بين الذاكرة والمنصات الرقمية، وخصوصًا أنّ ترحال المتذكرين الفلسطينيين إلى المنصات الرقمية جاء كضرورة ولم يأتِ عبثًا، فحتى يومنا هذا «لا يوجد مكان في «إسرائيل» ولا في البلدان العربية سُمح فيه للفلسطينيين بأن يقيموا متاحف أو صروحًا أو إشهارات عامة تختزن الملامح الجمعية للنكبة»، كما أشار الزبيدي في دراسته عن الترحاليين الرقميين.

ولكن على ما يبدو لن يطول الأمر طويلًا حتى نرى الفلسطينيين يبنون هذه الصروح أو المتاحف باستخدام الذكاء الاصطناعي. وعلى الرغم من أنه لا يوجد حتى الآن برامج ذكاء اصطناعي مخصصة لمعالجة الذاكرة الجمعية للنكبة، فلا شيء يمنع في المستقبل أن تقتصر برامج الذكاء الاصطناعي المخصصة للذاكرة الجمعية حاليًا على جماعات من دون غيرها. لذلك سنركّز على بعض البرامج الموجودة حاليًا لتلمّس ما قد يفتحه عصر الذكاء الاصطناعي من آفاق للذاكرة الجمعية الفلسطينية.

لا شكّ في أنّ أبرز الممارسات الحدادية أو آليات التخليد الغائبة عن المتذكرين الفلسطينيين حتى الفاعلين الرقميين منهم، هو قدرتهم على تذكّر جميع ضحايا النكبة، والمجازر الجماعية التي ارتكبتها العصابات الصهيونية في القرى والمدن الفلسطينية في عام 1948. حتى إنّ الفلسطينيين محرومون وجود مقابر أو شواهد لتخليد ذكرى ضحايا النكبة. على سبيل المثال، بنى الاستعمار الإسرائيلي موقفًا للسيارات على قبور ضحايا مجزرة الطنطورة[7] الذين دفنوا في مقابر جماعية[8].  ولأن الحداد وإحياء ذكرى أو زيارة قبور والشواهد غير متاح حاليًا للفلسطينيين فهذا يحيلنا إلى مشروع «535000 وجه»، الذي أطلقه مات كوروستوف  (Matt Korostoff)  عقب موجة كورونا التي ضربت العالم عام 2020. وقد أتاح هذا المشروع الذي استخدم الذكاء الاصطناعي إعادة تخيّل وجوه أكثر من نصف مليون أمريكي قضوا في العام الأول من انتشار جائحة كورونا، ولأن عدد الضحايا هائل وعصيّ على الإدراك ولم يستطع الكثيرون توديع أحبائهم أو إلقاء نظرة الوداع الأخيرة عليهم أو حتى تكريمهم بدفن لائق، أنشأ الموقع صرحًا لهؤلاء الضحايا كلّهم من دون استثناء، ولكنها ليست صورًا حقيقية لهم بل هي صور تمثيلية أُنشئت بواسطة الذكاء الاصطناعي باستخدام البيانات المتاحة عن الموتى (العمر، العرق، الجنس… إلخ)[9]. أصبح الموقع بمنزلة نصب تذكاري في حيّز عام يتيح المجال أمام المنكوبين أن يحيوا ذكرى موتاهم، ويمكن المتصفح أن يطلع على صور أكثر من نصف مليون وجه، في حين أنّ القائم على هذا الموقع قال إنّ صور هذه الوجوه جاءت لتجيب عن أسئلة منها كيف نحزن على موت أناس لم نرَ وجوههم ولم نعرف أسماءهم أبدًا؟ كيف يمكننا إدراك حجم ما حصل؟ أعتقد أنّ هذه الأسئلة لا تحتاج إلى جهد كبير لتحويلها كي تصبح فلسطينية بامتياز. هل يمكن الفلسطينيين أن يعيدوا إحياء ضحايا النكبة وأن نرى وجوههم؛ حتى أولئك الذين لا توجد لهم صور عائلية، ولكن نعرف عنهم بعض المعلومات الديمغرافية كالأعمار والجنس والعرق. ويمكن أن تتحوّل المعلومات المتوافرة إلى أضرحة وصروح بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي الذي سيتيح للفلسطينيين أكثر كثيرًا مما يشمله التذكر الجماعي العلني. إنّ النظر إلى هذا المشروع لا ترتبط قيمته في قدرات الذكاء الاصطناعي فحسب، بل بقدرات الأفراد أيضًا، إذ إن كوروستوف أنشأ وصمم الموقع بنفسه من دون تلقّي أي تمويل مادي أو تعاون تقني مع أي من المؤسسات، وهو ما يبشّر بأن هذه البرامج لن تكون حكرًا على المؤسسات بل سيكون للفرد وبالتالي للجمهور دور كبير فيها.

أولًا: موت آخر شهود العيان

إن إعادة تذكّر وتمثيل ضحايا النكبة هي إذًا واحد من الإمكانات التي سيتيحها الذكاء الاصطناعي للذاكرة الجمعية الفلسطينية، حيث سيمكّن الفلسطينيين من التعامل مع أكبر مخاوفهم، وهو موت الجيل الأول للنكبة، في الوقت الذي يعدّ التاريخ الشفوي الفلسطيني حول ما حدث في النكبة حتى اليوم المصدر الأهم لذاكرة الفلسطينيين الجمعيّة، وقد وضع الفلسطينيون جهدًا كبيرًا في أرشفة شهادات العيان للجيل الأول للنكبة ونقلها إلى أجيال النكبة المتعاقبة لضمان استمرار انتقال السردية الفلسطينية وعدم زوالها، ولتحدي مقولة الإسرائيليين بأن «الكبار سيموتون والصغار سينسون». ولكن ماذا لو لم يمت الكبار أو الجيل الأول للنكبة؟ بل أكثر من ذلك ماذا لو كان بالإمكان إعادة إحياء شهود العيان للنكبة من خلال الذكاء الاصطناعي، وبالتالي فإنّ أزمة آخر الأحياء من الجيل الأول للنكبة لن تكون هاجسًا بعد اليوم.

مجددًا، لا يوجد حتى كتابة هذه السطور برامج للذكاء الاصطناعي تعيد إحياء الذاكرة الفلسطينية، ولكن في المقابل نرى أن دراسات الذاكرة الخاصة بالهولوكوست قد قطعت شوطًا كبيرًا في هذا المجال، ومعظم الدراسات تشير إلى نشاط تقني، وبحثي وتاريخي، لكلّ مهتم بتاريخ الهولوكست وذاكرتها، على المستوى الفردي وعلى مستوى المؤسسات أيضًا.

ثانيًا: من الأرقام إلى الأسماء

بات استخدام الذكاء الاصطناعي ممكنًا لتزويد المؤسسات والمتاحف بمعلومات جديدة كانت مجهولة سابقًا وتحديث معلوماتها أيضًا. على سبيل المثال، اخترع مهندس البرمجيات دانيال بات (Daniel Patt) برنامجًا لتحديد هوية ضحايا الهولوكوست المجهولي الهوية، عبر الاستعانة ببرنامج ذكاء اصطناعي، وأطلقه تحت اسم «من الأرقام إلى الأسماء» في نيسان/أبريل 2021. يتيح البرنامج للمتصفح استخدامه مجانًا، حيث يمكنه أن يحمّل صورة لفرد من العائلة أو لجدّه وجدته وبعدها يقوم الموقع بالبحث عن وجه الشخص الذي عملت صورته في وجوه الأشخاص الموجودين في نحو نصف مليون صورة، وبعد البحث في ملايين الوجوه في أقل من ثوانٍ معدودة يزود الموقع المتصفح بأكثر 10 صور يعتقد أنّ وجه صاحب الصورة تتطابق معها. وبالفعل استطاع الموقع التعرف إلى إحدى «الناجيات من الهولوكوست» من خلال إيجاد صورة تعود إلى طفولتها، وهي بدورها تعرفت إلى باقي الأشخاص في الصورة التي تعود إلى أيام الطفولة، وقد أعطت القائم على الموقع ومتحف الهولوكوست التذكاري في الولايات المتحدة الأميركية[10] معلومات جديدة للبحث على أساسها، كما أنّ تقنية البحث عن الوجوه لا يعيقها تغيّر العمر كما رأينا في حالة السيدة التي تقدم ذكرها.

ثالثًا: أبعاد جديدة لتقديم الشهادات

يعدّ برنامج «أبعاد جديدة للشهادات» (New Dimensions in Testimony) الذي يستخدم الذكاء الاصطناعي لخلق «شهود افتراضيين» لنقل ذكريات الهولوكوست، أنموذجًا مناسبًا لفهم إمكانات شهود العيان وقدراتهم في عصر الذكاء الاصطناعي. أطلقت مؤسسة Shoah برنامج «أبعاد جديدة لتقديم الشهادات»، بتمويل من أشخاص ومؤسسات يهودية، وقد اعتُمد هذا البرنامج في اثني عشر متحفًا عن الهولوكست حول العالم، وفق ما أعلن على الموقع الإلكتروني. يسمح هذا البرنامج للطلاب وزوار المتاحف أن يتفاعلوا مع هولوغرام يعود إلى أحد الناجين من الهولوكوست وأن يطرحوا عليهم أسئلة مثل: كم كان عمرك عندما بدأت الحرب، وأي أغنية تتذكرها؟ يستطيع هذا الشاهد الافتراضي أن يجيب الأطفال والطلاب عن استفساراتهم وأسئلتهم، وهو غير موجود فعليًا داخل المتحف، بل إنّ شهاداته التي سجلت في فيديوهات مسبقة استخدمت عبر برامج الذكاء الاصطناعي لتقدم شهادة تفاعلية إلى شاهد عيان «أزلي» لا يمكن أن يموت. ولا تنحصر قدرات شاهد العيان في كونه أزليًا ومطلقًا لكن يمكن أن يمتلك ذاكرة أكثر من شخص وأن يجمع ذاكرات شهود عيان كثر في شهادته. وقد تخيل الباحثان غاي بيساش (Guy Pessach) وميشال شور-عوفري(Michal Shur-Ofry)  ما سمّوه شاهد العيان المطلق في دراستهما الصادرة عام 2020 الذي يمكنه أن يقدّم شهادة كاملة عن حرب فيتنام على سبيل المثال، أو يمكن أن يكون هذا الشاهد المطلق هو الرئيس السادس عشر للولايات المتحدة الأمريكية (أبراهام لنكولن افتراضي) الذي يعتمد على أكثر من 40 ألف وثيقة من «أوراق لنكولن» المخزنة في مكتبة الكونغرس كي يجيب عن أسئلة الناس. وأشار بيساش وعوفري إلى أنّ شهود العيان الافتراضيين الذين نراهم عبر تقنية «هولوغرام»(Hologram)  التي تستخدم في بعض المتاحف حاليًا، ستكون قادرة على أن تتفاعل طبيعيًا مع البشر في المستقبل القريب. على سبيل المثال يمكن هؤلاء الشهود الافتراضيين أن يتعلموا التفاعل أو الاستجابة للإشارات الصوتية التي تحدد عمر السائل على سبيل المثال، وتحدد الإجابات وفقًا لذلك.

إذًا ماذا لو خلق الذكاء الاصطناعي شاهد عيان من الجيل الأول للنكبة يحفظ كل الشهادات الشفوية عما قامت به العصابات الصهيونية في المدن والقرى الفلسطينية عام 1948، أو أعاد خلق شهود العيان الذين شهدوا على مجزرة دير ياسين والطنطورة وغيرها، والعائلات التي طردت من غرب مدينة القدس التي تمّ تهويدها بالكامل، فهل يمكن للجدّة في كل بيت فلسطيني أن تبقى حية وتروي حكاية التهجير القسري التي عانتها إلى الأزل؟ في الواقع لا شيء حقيقة يمنع من ذلك، حتى إنّ القائمين على برنامج «أبعاد جديدة للشهادات» أشاروا في تعريفهم للبرنامج على موقعهم الإلكتروني، أنّ البرنامج مصمم أيضًا لشهود العيان وضحايا الإبادات الجماعية الأخرى (إلى جانب الهولوكوست). ولا شيء يمنع في المستقبل الفلسطينيين من تلقف هذه الفرصة واللحاق بالذكاء الاصطناعي للبدء بإعادة خلق الجيل الأول من النكبة.

رابعًا: تحديات «الذاكرة الجمعية» في عصر الذكاء الاصطناعي

تترافق هذه الآفاق التي فتحها الذكاء الاصطناعي للذاكرة الجمعية مع تحديات أوجدها الأخير، أبرزها تحديان اثنان أشارا إليهما[11]: يتمحور الأول حول طبيعة الذاكرة الرقمية كونها ليست سردًا محايدًا للأحداث الماضية، وبالتالي فلأن ذكريات الشهود الافتراضيين ليست كذلك أيضًا. وإنما تعكس هذه الشهادات في الحقيقة السياسة التحريرية التي وضعها القائمون على البرنامج. أمّا التحدي الثاني فيتمثل بقدرة وكلاء الذاكرة الافتراضية والتقنيات الأخرى المستندة إلى الذكاء الاصطناعي على القرصنة أو التلاعب بالذاكرة الجمعية من جانب أطراف ثالثة أو إحداث أعطال فنية قد تضر بصدقية المحتوى الوسيط. حظيت هذه التحديات باهتمام الباحثين بوجه عام، ومن بينهم مايكولا ماخورتيخ[12] الذي أشار إلى وجود أربعة تحديات ستجرها ذاكرة الذكاء الاصطناعي معها، من أبرزها طبيعة النظام الخوارزمي المعقدة والمبهمة التي لا تسمح باكتشاف سوء الأداء أو التلاعب بالذاكرة الجمعية بسهولة، بل إنّ هذه الطبيعة تسهّل التلاعب بالذاكرة من طريق السماح بعرض معلومات غير مترابطة، وغير مسندة إلى مصادر موثوقة، ومهينة لبعض المجتمعات. وأشار ماخورتيخ إلى أنّ بعض هذه المخرجات قد تضلّل المستخدمين وتغيّر منظورهم الخاص بالماضي، كما أنّها تسمح بـ «تضخيم محتوى الإنكار». وقد ناقش ماخورتيخ هذه التحديات وهو يحذّر من أنّ الذاكرة الجمعية ربما تعزز فرص إنكار حدوث الهولوكوست، وهو ما ينطبق أيضًا على إمكان حدوثه للفلسطينيين، ويعزز فرص إنكار نكبتهم أيضًا.

لا تختلف هذه التحديات كثيرًا عما أفرزته موجة المنصات الرقمية، إذ تعرّض المحتوى الفلسطيني للحذف والتضييق من الشركات الكبرى العملاقة المالكة لمنصات التواصل الاجتماعي، فهل يعيد عصر الذكاء الاصطناعي إنتاج التحديات ذاتها للفلسطينيين؟ وهل تواجه الذاكرة الجمعية الفلسطينية التزييف والتضييق نفسه؟ وإذا استطاع الفلسطينيون خلق ذكريات ترحالية في الفضاء الافتراضي ترتحل عبر الفضاء والزمن وتتشابك مع حملات عالمية، وألا تكون ذاكرة متلاعبًا بها كتلك التي تحدّث عنها المفكر الفرنسي بول ريكور (Paul Ricœur) في كتابه الشهير الذاكرة، التاريخ، والنسيان، فما الآليات التي سيطورونها للنجاة بذاكرتهم في حيز الذكاء الاصطناعي.

خامسًا: المؤتمنون على الذاكرة الجمعية
في عصر الذكاء الاصطناعي

اقترح الباحثان بيساش وعوفري إطارًا جديدًا سمّوه «المؤتمنون على الذاكرة» (Memory Fiduciaries) لمواجهة التحديات المذكورة في ما تقدم، إضافة إلى التحديات الأخلاقية المتعلقة باستخدام برامج الذكاء الاصطناعي. وقد استعارا هذا الإطار من إطار مشابه طوّره جاك بالكوين (Jack Balkin) وهو «المؤتمنون على المعلومات» الذي ناقشه خلال دراسته مخاوف الخصوصية التي تتعلق بجمع بيانات شخصية عبر شركات خاصة. وحدد الباحثان مهمات المؤتمنين على الذاكرة بأربع هي: تحديد الروبوت؛ قابلية التفسير؛ توفير أمن بيانات معقول؛ والنزاهة، حيث يجب على المؤتمنين الحرص على توخي الدقة وأن تكون الذاكرة المنتجة متسقة مع الحقائق التاريخية، ولكن هل سينطبق هذا على الحالة الفلسطينية وخصوصًا أن الإطار المقترح يجعل من مشغّلي برامج الذكاء الاصطناعي أنفسهم  مؤتمنين على الذاكرة، انطلاقًا من أنّ علاقتهم بالمستخدم مبنية على الثقة تمامًا كتلك الثقة التي حازتها منصات التواصل الاجتماعي، ولكن على ما يبدو أن هذا الإطار يعطي سلطة أكبر للمشغّلين، ويفترض أنّ الالتزام بالمبادئ الأربعة يؤهل الشركة/الجهة أن تكون مؤتمنة على الذاكرة؟

سادسًا: دور مؤسسات الذاكرة كالمتاحف والمراكز الأرشيفية مقابل الشركات الربحية

يُغفل إطار أو مفهوم «المؤتمنون على الذاكرة» أنّ الجهات المشغلة لبرامج الذكاء الاصطناعي ليست دائمًا منظمات غير ربحية، كالمؤسسات أو المتاحف أو المراكز الأرشيفية. فمع تطور برامج الذكاء الاصطناعي يبدو أنّ تأثير شركات التكنولوجيا الخاصة سيزداد على الذاكرة الجماعية. ويُعدّ برنامج غوغل للفنون والثقافة (Google Arts and Culture) مثالًا على ذلك، حيث يتعاون المعهد مع أكثر من ألف متحف ومؤسسة ثقافية كما يقدّم معارض رقمية حول موضوعات أساسية للذاكرة الجماعية، من سقوط جدار برلين إلى الفصل العنصري.  وهذا ما يحيلنا إلى السؤال عن مستقبل مؤسسات الذاكرة التقليدية، كالمتاحف والأرشيفات والمكتبات الوطنية، وخصوصًا الفلسطينية؟ ما نعرفه حتى اليوم هو أنه على الرغم من الإمكانيات الكبيرة التي ستتيحها برامج الشركات العملاقة للتعامل مع البيانات الأرشيفية والتاريخية الضخمة فإن الثمن سيكون «باهظًا» وفق ما قاله وولف كانستينير[13] إذ إنّ هذه الذاكرة الجمعية ستكون «مصممة لخدمة مصالح أصحابها التجاريين»، ولربما في الحالة الفلسطينية مصممة أيضًا لخدمة الاحتلال الإسرائيلي، ولضمان استمرار سرديته على حساب الرواية الفلسطينية الحقيقية. وفي بحث سريع على هذا الموقع استخدمت كلمة «النكبة» ولم أحصل على أي نتيجة من الموقع، وبحثت عنها في قسم الأحداث التاريخية فوجدت تسع صور فقط وضعت تحت عنوان «1948 حرب العرب-إسرائيل»، كما وجدت مجموعة صغيرة أخرى من الصور تحت عنوان «1947-1948 الحرب الأهلية في فلسطين الانتدابية». في المقابل إذا ما استخدمنا كلمة «هولوكوست» في المكان المخصص للبحث سنحصل على 13 مجموعة من الصور، إضافة إلى قصص ومتاحف ومعارض خاصة بالهولوكوست. فهل هذه أولى مؤشرات المحو في عصر الذكاء الاصطناعي؟.

كتب ذات صلة:

الذاكرة الفلسطينية في الفضاء الرقمي: أشكالها، إشكالياتها، آفاقها

الذكاء الاصطناعي وتثوير موارد السنَّة النبوية

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 537 تشرين الثاني/نوفمبر 2023.

تغريد السميري: طالبة دكتوراه – فلسطين/لبنان.

[1]<http://www.mkorostoff.github.io/hundred-thousand-faces/>.

[2]  <http://www.numberstonames.org>.

[3]  <http://www.sfi.usc.edu/dit>.

[4]     إنّ أي نقاش يتعلق بالاعتراف بالهولوكوست أو إنكار وقوعها يقع خارج إطار هذا المقال، واستعراض برامج الذكاء الاصطناعي التي تستخدمها المؤسسات والمتاحف المعنية بالهولوكوست غرضه فقط معرفة الإمكانات التي تتيحها للذاكرة الجمعية بوجه عام، من دون التدقيق في صحة الشهادات المذكورة أو عدمها.

[5]         <http://www.artsandculture.google.com>.

[6]   صبحي الزبيدي، «ترحاليون رقميون: الأوطان – الأرض والأوطان- الصفحات،» ترجمة عبد الرحيم الشيخ، تبيّن، السنة 9، العدد 33 (2020)، ص 141-161.

[7]  وقعت مجزرة الطنطورة في ليلة 22-23 أيار/مايو 1948، وقد دفن ضحاياها البالغ عددهم نحو 250 فلسطينيًا، بعد إعدامهم في قبر جماعي يقع حاليًا تحت موقف سيارات تابع لما يعرف بـ«شاطئ دور». انظر: «شهادات مروعة عن مجزرة الطنطورة.. هآرتس: أشهر المنتجعات الإسرائيلية تطمر رفات عشرات الفلسطينيين،» الجزيرة.نت، 23 كانون الثاني/يناير 2022، <http://rb.gy/sayjl>. (تم استرجاعه بتاريخ 5 حزيران/يونيو 2023).

[8]   كشف الفيلم الوثائقي «الطنطورة» لمخرجه الإسرائيلي ألون شفارتس معلومات جديدة تفيد أن هناك جهة رسمية أو مدنية إسرائيلية مجهولة حرصت بعد عام من المجزرة على إخفاء الجريمة، وذلك بتفريغها المقبرة الجماعية من رفات الشهداء عام 1949. انظر: المصدر نفسه.

[9]   Matt Korostoff, «535,000 Faces: Comprehending the Death Toll of Covid-19,» <https://mkorostoff.github.io/hundred-thousand-faces/> (Retrieved 11 June 2023).

[10]   توم جيركن، «الذكاء الاصطناعي: كيف تساعد التكنولوجيا في لم شمل الناجين من الهولوكوست من خلال صور الطفولة؟،» بي بي سي عربي، 12 تشرين الثاني/نوفمبر 2022، <https://www.bbc.com/arabic/science-and-tech-63609871> (تم استرجاعه بتاريخ 7 حزيران/يونيو 2023).

[11]   Michal Shur-Ofry and Guy Pessach, ‘Robotic Collective Memory,» Washington University Law Review, vol. 97, no. 3 (2020), pp. 975–1005, <doi:10.2139/ssrn.3364008>.

[12]   Mykola Makhortykh, «Memoriae Ex Machina: How Algorithms Make Us Remember and Forget,» Georgetown Journal of International Affairs, vol. 22, no. 2 (Fall 2022), pp. 180–185, <doi:10.1353/gia.2021.0027>.

[13]   Wulf Kansteiner, «Digital Doping for Historians: Can History, Memory, and Historical Theory Be Rendered Artificially Intelligent?,» History and Theory, vol. 61, no. 4 (2022), pp. 119–133, <doi:10.1111/hith.12282>.


تغريد السميري

باحثة فلسطينية متخصصة في الإعلام ودراسات الذاكرة، حاصلة على دكتوراه في علوم الإعلام والاتصال من الجامعة اللبنانية. تعمل حاليًا كباحثة زائرة في مركز CFR في جامعة يورك - كندا (2025 – 2026)، بحيث تركز أبحاثها على الذاكرة الرقمية وآليات التذكّر في عصر الذكاء الاصطناعي. لها خبرة عملية وأكاديمية في عمل الحقل الإعلامي، إذ عملت كباحثة ومساعدة باحثة في عدد من بحوث الإعلام ودراسات المرأة، وهي منتجة برامج إخبارية، وباحثة في مؤسسة الفكر العربي، كما عملت صحافية مستقلة في عدة صحف لبنانية.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز