المؤلف: كريم الأتاسي

مراجعة: علي شكر

الناشر: بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية

سنة النشر: 2022

عدد الصفحات: 528

– 1 – ينطلق كريم الأتاسي في كتابه المعنوَن سوريا قوة الفكرة المشروع الوطني والهندسات الدستورية للأنظمة السياسية؛ الصادر عن مركز دراسات الوحدة العربية، من فكرة محورية تقوم على أنَ «سورية ليست فقط مساحة جغرافية منقوصة تحوَلت إلى دولة، بل كانت منذ البداية فكرة نشأت وتشكلت بعد الانفصال عن الدولة العثمانية عام 1918 على يد الآباء المؤسسين من جميع أنحاء المشرق أو بلاد الشام». يرى الأتاسي أنَ محورية مسار الدولة السورية ارتكزت على المؤتمر السوري العام الذي عُقد في آذار/مارس 1920 وأعلن عن استقلال وقيام المملكة العربية السورية.

فسورية اليوم بكل ما واكبها من متغيرات خلال قرن من الزمن جاءت بعد أن «صاغ الآباء المؤسسون، من دون أن يدركوا ذلك الوقت الخصائص الرئيسية للدولة الوطنية السورية في وثيقة أساسية ومهمة دخلت التاريخ تحت عنوان (برنامج دمشق)».

يقع الكتاب في 528 صفحة، بدأه الكاتب بمقدمة خاصة بالطبعة العربية أضيفت إلى التوطئة والتقديم، وقسم إلى ثمانية فصول توزعت على قسمين، إضافة إلى فصل تمهيدي منفصل.

سعى الكاتب في مقدمة النسخة العربية إلى تبيان ما أطلق عليه «القضايا السورية الخمس الكبرى» التي طبعت التجربة السورية وأعطتها خصائص مسارها السياسي، وتتمثل هذه القضايا بالقضية الفلسطينية، وقضية الجيش، والقضية الاجتماعية، ومسألة الديمقراطية، والهوية السورية. ويخلص في هذه المقدمة إلى أنَ سوريا على الرغم من الانقسامات التي نجمت عن الحرب التي شهدتها منذ عام 2011 أثبتت أنَها دولة وطنية ووحدة سياسية متينة وقوية.

في المقدمة الأساسية للكتاب، يبين الأتاسي أنَ أحد الأسباب التي دفعته إلى تأليف الكتاب كان عدم معرفة السوريين إلا القليل عن دساتيرهم، وأنَ الدراسات في  هذا المضمار كانت قليلة،  وحتى بعض الكتب التدريسية لم تخصص أكثر من 30 صفحة من أصل 721 صفحة عن هذا الأمر. فكان هذا الإنتاج ليؤرخ ويحلل الأنظمة السياسية ودساتيرها والقوانين الانتخابية وقوانين الأحزاب السياسية.

يدرس الكتاب خمسة وعشرين نصًا دستوريًا وضعت في أقل من قرن، ويعود إلى تحديد أسبابها وأصولها ومقاصدها. ويتضح في السياق أنَ جميع الأنظمة السياسية التي تعاقبت، والدساتير ومشاريع الدساتير كانت على توافق تام مع روحية المؤتمر السوري العام. من هنا يمكن فهم التعايش بين مكونات المجتمع السوري في سياق علماني، رفض التقسيم، ورفض الهيمنة الأجنبية، ونبذ أطماع الصهيونية. ثمَ أضيف خلال المسار السياسي العام مسألة العدالة الاجتماعية، والحريات الفردية والجماعية.

عالج الفصل التمهيدي من الكتاب الأوضاع التي مثّلت الأرضية التي نشأت عليها الدول لاحقًا، وهي تمثلت بتحديد المسألة السورية وحملة إبراهيم باشا وضياع فرصة قيام دولة مستقلة، ومن ثمَ يعرض الأتاسي لمرحلة النهضة الفكرية العربية التي جاءت إرهاصاتها خلال القرن التاسع عشر، ومهَدت للمتغيرات التي شهدتها العقود الأولى من القرن العشرين. «كان الوطنيون السوريون واثقين تمامًا عام 1915 من قدرتهم على التحرك في الوقت الملائم وإطلاق ثورة عربية» وفق ما رآه الكاتب. ويخلص الفصل التمهيدي إلى استنتاج أنَ النخب السورية بكل أطيافها كانت تسعى لإقامة لامركزية إدارية تأثرًا بنزعة عربية قومية.

– 2 – جاء القسم الأول بعنوان «الدساتير البرلمانية والأنظمة الليبرالية»، وقسم المؤلف في الفصل الثاني (الملكية السورية) الملكية إلى مرحلتين: الأولى عدّها إمارة بدأت عام 1918، عندما دخل الأمير فيصل إلى سوريا بعد انسحاب القوات العثمانية منها؛ ومن ثمَ المرحلة الثانية التي نجمت عن المؤتمر السوري العام في 8 آذار/مارس 1920 عندما نودي بفيصل ملكًا على سوريا، وانتهت سريعًا في 24 تموز/يوليو عام 1920 خلال معركة ميسلون التي انتهت بدخول القوات الفرنسية دمشق. تميزت هذه المرحلة بفضاء جغرافي وبفكرة سورية. خلال هذه المرحلة، على مستوى النظام السياسي، هيمنت ثلاث مؤسسات تمثلت بالملك، والحكومة العربية في دمشق، والمؤتمر السوري العام. ويتابع هذا الفصل المراحل التي مهدت لقيام الدولة السورية بدءًا بمراسلات حسين – مكماهون (1915-1916)، ثم اتفاقية سايكس – بيكو عام 1916، والثورة العربية الكبرى عام 1917، واتفاقية فيصل – وايزمان عام 1919، واتفاقية فيصل – كليمونصو عام 1919، ثمَ المؤتمر السوري عام 1919، وأخيرًا إعلان دمشق 1920. على هذا النحو وفي ظل الظروف والمعطيات المتسارعة نشأت الدولة السورية، ووضع أول دستور لها عام 1920 الذي عكس – وفق المؤلف - «تفكير الآباء المؤسسين لسورية والعهد الوطني الذي أرادوا تأسيسه بين مواطنيها». أتت معركة ميسلون لتطيح النظام السياسي وتنهي مفاعيل الدستور الذي يوضع وتبدأ مع تلك المعركة مرحلة جديدة من عملية البناء السياسي والدستوري في سوريا.

أما الفصل الثالث (الجمهورية الأولى) فرصد فيه الكاتب النظام السياسي الذي أنشأته الجمعية التأسيسية التي انتخبت عام 1928 في ظل الانتداب الفرنسي وانتهت هذه المرحلة مع انقلاب حسني الزعيم عام 1949 بعد ثلاث سنوات من خروج القوات الفرنسية. تميزت هذه المرحلة في سعي الانتداب الفرنسي إلى التقليل من أهمية العامل الوطني، ويبيّن الأتاسي كيف تحرك السوريون مكافحين وطنيين في سبيل الاستقلال والوحدة بعد أن قسم الانتداب سوريا إلى دويلة حلب، ودويلة جبل الدروز، ودويلة العلويين، ودويلة دمشق. على خلفية الانتداب والتقسيم، وانطلاقًا من المتغيرات التي حصلت منذ بدايات القرن العشرين، حصلت الثورة السورية الكبرى عام 1925 وانتهت عام 1926، وهي دفعت باتجاه وضع دستور للبلاد عام 1928 الذي يعدّه الكاتب «أداةً للتحرر الوطني». وكانت الحقبة ما بين عامَي 1936 و1939 بالنسبة إلى الأتاسي «عصر المؤسسات الوطنية». خسرت خلال هذه المرحلة سوريا بعض أجزاء من أراضيها التي ضُمت إلى تركيا، وشهدت سوريا فيها الحرب العالمية الثانية التي كان لها تأثير كبير لاحقًا في حصول تغيير كبير تمثل بخروج القوات الفرنسية وحصول سوريا على الاستقلال، وانطلاق القضية الفلسطينية التي مثَلت إحدى الخصائص التي أثرت في بناء الدولة السورية.

تناول الفصل الرابع، وهو الأخير من القسم الأول، ما عدّه الكاتب الجمهورية الثانية، وهو يعبّر في هذه التسمية عن النظام الذي نشأ عام 1949 واستمر حتى انقلاب عام 1963، الذي أوصل حزب البعث إلى السلطة. تقسم هذه الحقبة إلى مرحلتين: الأولى امتدت من عام 1949 حتى عام 1954، شهدت فيها سوريا وضع دستور في عام 1950 وهو الذي يعَدّ وفق الاتاسي «الدستور الأم الأكبر أثرًا والأطول عمرًا… يشغل دستور 1950 الذي مهَد للجمهورية الثانية مكانة مرموقة في الذاكرة الجماعية للسوريين»، وحمل تصورًا لسوريا بوصفها جزءًا من مشروع قومي عربي.

تميرت تلك الحقبة بأن أصبح الجيش اللاعب الرئيسي في المشهد، وتبني القضية الفلسطينية، وأسهمت المسألة الاجتماعية في مضاعفة السجالات بين القوى الموجودة، وهي شهدت مرحلة الوحدة مع مصر، والانقلابات، إذ في عام 1949 حصلت ثلاثة انقلابات.

تميزت الجمهورية الثانية بالانقلابات والمؤامرات، ولكنها أقرت بأهمية المسألة الاجتماعية، وساهمت الدساتير المتعددة في إضفاء الشرعية على السلطات أكثر من تنظيمها.

– 3 – عالج القسم الثاني من الكتاب ما سمّاه الكاتب «الدساتير الرئاسية والأنظمة السلطوية»، في الفصل الأول منه وتحت عنوان «الجمهورية الثالثة»، ينطلق الكاتب من دستور عام 1953، الذي أنشأ نظامًا رئاسيًا بدلًا من النظام البرلماني الذي كان معتمدًا.

يبحث الأتاسي في الفصل السادس (الجمهورية الرابعة) في حقبة حكم حزب البعث العربي الاشتراكي التي عرفت ثلاثة دساتير في الأعوام 1964 و1966، و1969، و1971، و1973. تميزت المرحلة بسعي حكام سوريا إلى تغيير النظام والبقاء في السلطة، ويرى الأتاسي أنَه من مميزات انقلاب عام 1963 نشوء حكم جماعي استمر سبع سنوات. تبنى الحزب السمات الرئيسية للمشروع الوطني السوري وهو ما مكنه من الاستمرار في الحكم، وعقد ميثاق اجتماعي غير رسمي مع الشعب. وشهدت هذه المرحلة محاولة وحدة مع العراق ومصر ومن ثمَ محاولة أخرى مع العراق، وأنشطة القيادة القطرية والفيادة القومية لحزب البعث.

شهدت سوريا، من عام 1970 وحتى عام 2000، ما عُرف بالحركة التصحيحية، ويعتقد الكاتب أن استقرار النظام  خلال هذه العقود يرجع إلى قوة النظام أكثر منه إلى التفاعل الرسمي بين المؤسسات.

عنوَن الكاتب الفصل السابع بـ«الدساتير الوحدوية العربية» وركز فيه التحليل على دستور عام 1958، وميثاق 1963، ودستور اتحاد الجمهوريات العربية 1971. وحلل الأتاسي في صفحات هذا الفصل كل تجربة وحدوية وظروف قيامها وعوامل فشلها رابطًا ذلك بمؤشر مشترك يتمثل بغياب أي ربط لها بمبدأ الحرية.

«نحو الجمهورية الخامسة» جاء عنوان الفصل الثامن، وهو ما ربطه المؤلف بدستور عام 2012 الذي وضع على خلفية الحرب التي شهدتها سوريا. فصل هذا البحث مسار المرحلة والتغيرات التي طرأت عليها وعمل المؤلف على تحليل وقائع المرحلة بناءً على العمق التاريخي والدستوري والسياسي لتجربة الدولة السورية ومسار تطورها مشيرًا إلى أنَه «لا ريب أنَ مآل مشروع الآباء المؤسسين هو إحدى القضايا الرئيسية للحرب في سوريا. وعلى مصير هذا المشروع تتوقف طبيعة النظام السياسي وبنيانه الدستوري في سوريه ما بعد الحرب».

يقول المؤلف في الفصل التاسع والأخير (نحو الجمهورية السادسة): «أسمي الجمهورية السادسة النظام السياسي الذي يتعيَن تأسيسه بعد تبني دستور جديد عقب نهاية الحرب في سوريا… يمكن تأريخ انطلاق المسيرة نحو الجمهورية السادسة من بداية عام 2015 حين التَفّ عدد من الأطراف المعارضة حول مشروع مشترك ومواقف أكثر واقعية ترافقت بتحديد نقاط الاتفاق بين الحكومة والمعارضة المعتدلة». يعرّج الكاتب في هذا الفصل على محطات الواقع السوري بكل أوجهه متأسفًا على التجربة وآملًا بتعاون الفرقاء لولادة الجمهورية السادسة.

تنقل خاتمة الكتاب القارئ إلى تأثيرات متغيرات الخارج وأثرها في المراحل الراهنة ويعود في الحصيلة إلى حسبان أنَ مستقبل سوريا وكل المنطقة رهن بما ستؤول إليه القضية الفلسطينية، فمصير سوريا كما كان منذ قيامها لا يزال مرتبطًا بهذه القضية.

للحصول على الكتاب:

سوريا قوة الفكرة: المشروع الوطني والهندسات الدستورية للأنظمة السياسية 

أوراق ذات صلة:

سوريا قوة الفكرة: المشروع الوطني والهندسات الدستورية للأنظمة السياسية 

المصادر:

نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 544 في حزيران/يونيو 2024.

[1]علي شكر: أستاذ العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز