أولًا: منهجية البحث والغوص عند ابن خلدون

هناك أقوال كثيرة حول الأسباب التي سمحت لابن خلدون بابتكار علم جديد، ألا وهو علم العمران البشري. يأتي في طليعة تلك الأسباب احتكاكه الواسع والمكثف بالبدو والحضر في المجتمعات العربية الإسلامية وبخاصة في شمال أفريقيا والأندلس ومصر. سنشرح لاحقًا أن هذا القول ضعيف المصداقية لأنه عامل غير كافٍ وحده لتفسير نشأة العلم الجديد لصاحب المقدمة.

من المفيد جدًا في هذا الصدد أن نبحث عمّا قاله ابن خلدون نفسه – إن وُجد – حول هذا الموضوع. يُسرّ المرء في هذا السياق أن ابن خلدون يبوح مباشرة برؤية مختلفة عن ذلك القول الشائع الذي يرى أنها تفسر أسباب ميلاد علمه الجديد لعلم العمران البشري. وهي رؤية لم نعثر على ذكرها في ما قرأنا من كتب وبحوث ومقالات حول صاحب المقدمة. يقول ابن خلدون في هذا الصدد: «واعلم أن الكلام في هذا الغرض مستحدَثُ الصنعة غريب النزعة غزير الفائدة، أعثر عليه البحثُ وأدى إليه الغوصُ»[1]. فهذا القول حمّال لرؤية معرفية/إيبيستيمولوجية بالنسبة إلى استعمال منهجية معيَّنة للنجاح في تأسيس علم جديد. تتمثل هذه الرؤية المعرفية بأن ميدان العلم فسيح جدًا، أي ليس له نهاية أو هو عبارة عن بحر ليس له حدود أو شواطئ.

ثانيًا: إجماع على عدم نهاية آفاق العلم

يُردّد خاصةُ الناس وعامتهم أن ميدان آفاق العلم البشري لا يعرف الحدود. أي أنه نشاط إنساني لا نهاية له. وبالتأكيد، فإن أهل الذكر في رحاب العلم هم أكثر إدراكًا لمعنى هذا القول. إذ هم يُقرّون بذلك نتيجة تجربتهم الخاصة المباشرة وتجارب الآخرين في بحوثهم العلمية. ورغم هذا الإقرار العام في الشرق والغرب والشمال والجنوب بصحة ومصداقية هذا القول فإننا لا نكاد نجد من يطرح السؤال التالي: لماذا ليس للعلوم البشرية حدود؟ بعبارة أخرى، يَقبل جميع الناس فحوى هذا القول كمسلّمة من المسلّمات التي لا ينبغي إثارة أي تساؤل أو شك حول صحتها. ومن ثم، جاء غياب محاولة فهم وتفسير هذه الظاهرة عند الأغلبية الساحقة من العلماء والمثقفين والمتعلمين ناهيك بغيرهم من عامة الناس. وهذا ما تشير إليه قائمة ما يسمى الأسئلة الصعبة التي يطرحها العلماء والمتمثلة بخمسة وعشرين سؤالًا نشرتها المجلة العربية في كُتيّب في عددها 427 لشهر تموز/يوليو 2012. فلا أحد من هؤلاء العلماء طرح سؤالنا: «لماذا ليس للعلوم البشرية حدود؟» كأحد الأسئلة الصعبة التي ينبغي أن يطرحها العلماء والباحثون والمفكرون في كل المجتمعات والحضارات البشرية في القديم والحديث. إذا كان واقع الأمور يؤكد أن العلوم لا حدود أو نهاية لها كما رأينا، فإن ذلك يتطلب مواصلة جهود البحث والغوص في موضوع معيَّن أو أكثر لاستكشاف الجديد دائمًا فيه الذي قد يقود إلى تأسيس علم جديد يتمتع بمواصفات ومعايير مصداقية المنظومة العلمية التي تحتوي أساسًا على فرضيات ومقولات ومفاهيم ونظريات ترشحه لكي يكون علمًا مبتكرًا مختلفًا عن العلوم السابقة في ميدانه وبالتالي يحمل «باردايم» (إطارًا فكريًا) ثوريًا جديدًا بتعبير توماس كون[2].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 540 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 540 شباط/ فبراير 2024

دراسة ذات صلة:

الديمغرافيا التاريخية للمغرب الوسيط من خلال تاريخ ابن خلدون

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 540 في شباط/فبراير 2024.

محمود الذوادي: عالم الاجتماع – تونس.

[1]   أبو زيد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون، مقدمة ابن خلدون (بيروت: دار الكتب العلمية، 1993)، ص 29.

[2]   Thomas S. Kuhn, The Structure of Scientific Revolutions, 4th ed. (Chicago, IL: University of Chicago Press, 2012), pp. 48-52.


بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز