مقدمة

قد يصيب الاحتباس الحراري، وذوبان الغطاء الجليدي في القطب الشمالي العرب بأبعد من مجرد ارتفاع مستويات مياه البحر، إذ بات مؤكدًا أن الظاهرة ستكون من العوامل الرئيسية في تحديد مستقبل النقل البحري والممارّ والمضائق البحرية والقنوات ولا سيَّما قناة السويس. كما تصيب الظاهرة الوطن العربي بصورة مباشرة، ولا سيما كتلة البلدان العربية المنتجة للنفط، وستعاني من جرّاء نتائجه البلدان العربية المتوسطية مدنيًا واجتماعيًا وأمنيًا، بسبب ارتفاع مستوى المياه.

يفتح الاحتباس الحراري المزيد من الإمكانات لاستخراج موارد الطاقة من باطن البحر الشمالي في البلدان الصناعية الرئيسية التي تمثل الإطار الوحيد اليوم المهيمن على مستقبل هذه المنطقة.

دخلت ظاهرة الاحتباس الحراري، كأحد العوامل التي تحدد قضايا الأمن منذ منتصف القرن العشرين، وقد فرضت نفسها ضمن التحديات البيئية والاقتصادية على البلدان المتقدمة والنامية، والأمنية تاليًا. تسبب الاحترار العالمي في ارتفاع غير مسبوق في درجة حرارة الأرض، وهو ما أدرجها ضمن المحددات الرئيسية المؤدية إلى العنف والصراعات المسلحة، ووضعته هيئات الأركان الأمريكية والروسية والأوروبية على قائمة التهديدات الاستراتيجية التي ينبغي التفكير في مواجهة نتائجها.

1 – السباق إلى ثروات القطب الشمالي في ظلال الأسلحة النووية

أدت التوترات المتزايدة في الدائرة القطبية الشمالية وذوبان الجليد والأنهار الجليدية في المنطقة إلى إحياء القواعد العسكرية السوفياتية من جانب روسيا والعسكرة التي تشهدها المنطقة النوردية من جانب بلدان كانت تعدّ محايدة، مثل فنلندا والسويد، وأصبحت اليوم مستعدة للانخراط في صفوف دار الحرب لحلف شمال الأطلسي. وليس أدل على التحضير لعالم ما بعد ذوبان الجليد أو تراجعه في شمال الكوكب أكثر من تحوُّل ضواحيه إلى أضخم تجمع للأسلحة النووية قاطبة. وازداد تمركز الصواريخ النووية والبالستية القارية (ICBMs) إضافة إلى القاذفات البعيدة المدى. أما في عصر ما بعد الحرب الباردة وتفكك الاتحاد السوفياتي وعودة روسيا إلى الساحة العالمية تحت قيادة فلاديمير بوتين استعرت وارتفعت مجددًا حدة الصراع بين روسيا والغرب من حرب جورجيا في آب/أغسطس 2008 مرورًا بالاضطرابات في شرق أوكرانيا عام 2014 إلى ضم القرم والتدخل العسكري الروسي في سورية ثم الحرب الدائرة في أوكرانيا اليوم. ضاعفت روسيا قوتها العسكرية النووية في الجزء الخاص بها من المنطقة المرتبط بالقطب الشمالي؛ فخلال المدة 2015-2021 تزايدت 81 بالمئة من قدراتها النووية متمركزة في هذه الجغرافيا[2].

2 – حرارة الاحتباس و«الربيع العربي»؟

لم يتم التوسع بحثًا وتمحيصًا في أثر الاحتباس الحراري في الأمن الاجتماعي العربي، إذ كانت الظاهرة من بين المحددات الرئيسية التي تسببت في اندلاع حرب أهلية في سورية من خلال الجفاف الذي ضرب الشرق السوري وتسبب في نزوح الآلاف نحو المدن وفقدان مئات المزارعين لعملهم بحيث انهارت 75 بالمئة من المزارع ونفق 85 بالمئة من الماشية في غضون خمس سنوات في جفاف كان الأسوأ منذ 900 عام[3]. تعدّ أفريقيا المثال الأبرز الذي يحظى بدراسات عن الموضوع؛ فاثنان من بلدان القارة السمراء، مصر وإثيوبيا، كانا على حافة الحرب بسبب حاجتهما إلى نهر النيل الذي يمكن أن يروي الأحواض الزراعية في مصر لإطعام سكانها وتلبية الحاجات الغذائية للتزايد الديمغرافي فيها، وخصوصًا أن بعض المناطق الزراعية في مصر تضررت بسبب الجفاف ونقص المياه أيضًا. لكن الصراع الذي ربما ينشأ في القطب الشمالي سيكون بين قوى عظمى، ولن ينتج من الجفاف والأسباب الزراعية، بل بسبب موارد الطاقة المخفية تحت طبقات الجليد. تشمل هذه الموارد النفط والغاز والهيدروكربونات والطاقة الحرارية الجوف-أرضية وطاقة المد والجزر[4]، إضافة إلى رغبة شركات المناجم في الحصول على الذهب والنيكل والنحاس والألماس والمعادن الأرضية النادرة، التي يتطلب استخراجها أجهزة ضرورية عالية التقنية[5].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 536 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 536 تشرين الأول/أكتوبر 2023

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 536 تشرين الأول/أكتوبر 2023.

محمد عمار: باحث سابق في مركز دراسات الوحدة العربية.

[2]   Jen Evans, «The History and Future of Arctic State Conflict,» The Arctic Institute Conflict Series, 25 May 2021, <https://bit.ly/3HTbIbG>.

[3]   Francesco Femia and Caitlin Werrell, «Syria: Climate Change, Drought and Social Unrest,» Center for Climate and Security, Council on Strategic Risk, 29 February 2012, < https://bit.ly/3LTnpjt>.

[4]   Kathrin Keil, «The Arctic: A New Region of Conflict?: The Case of Oil and Gas,» Cooperation and Conflict, vol. 49, no. 2 (June 2014), pp. 162-190.

[5]   E. S. Yanishevskya, A. A. Goryachev and N. V. Fokina, «Heap Bioleaching of Copper-Nickel Ores in the Arctic,» IOP Conference Series: Earth and Environmental Science, vol. 666 (2021), doi:10.1088/1755-1315/666/4/042093.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز