تمهيد

الغاية من هذه الدراسة متعددة الأهداف: أولها وأبرزها، تقديم برهان، قابل للقياس، بأن القيمة الاقتصادية الحقيقية للثروة النفطية الطبيعية المَملوكة أصولها الإنتاجية للدولة، تتحدَّد بمقدار الإنتاج الأمثل للنفط الخام (والغاز مستقبلًا) (ريع صادرات الخام + مصادر الطاقة + مستلزمات الإنتاج في القطاعات كافة) الذي يتناسب مع أهداف التنمية ومتطلباتها في القطاعات الاقتصادية والاجتماعية والبيئية كافة، وليس صحيحًا التقييم تجاريًا بأسعار إيرادات (صادرات) النفط الخام (والغاز مستقبلًا) في السوق العالمية. وكذلك البرهنة أن الزيادة والانخفاض في مستويات الإنتاج الأمثل للثروة النفطية تُحَدِّدُ، وبعلاقة عكسية، أسعار صرف الدينار (الثابت مع الدولار أو مع سلة من العملات أو المرن)، وبالتالي تحديد قيمة الاستيراد والتحويلات الخارجية من الدولار أو العملة الأجنبية[1]. ثانيها، بسبب المِلكية العامة للثروة النفطية، وهيمنة إسهامات «الريع» في النشاط الاقتصادي من خلال تمويل الإنفاق الحكومي والاستيراد المتزايد مع ضآلة الصادرات، تصبح مركزية التخطيط الاقتصادي ضرورة لترشيد استثمار إيرادات (صادرات) النفط الخام (والغاز مستقبلًا). وفي المديين القريب والبعيد، حيث احتمالات انخفاض الطلب العالمي على النفط الخام والغاز ومضاعفة جهود إيجاد بدائل جديدة للطاقة، فإن الإنتاج الأمثل للثروة النفطية «الناضبة» يرتبط بأولويات الاستثمار العام في مشاريع توسيع الطاقات الإنتاجية، والصناعية المتقدمة تكنولوجيًا بخاصة، وإقامة وتطوير مشاريع البنية الأساسية الاقتصادية (المادية) والاجتماعية والبيئية، ولتقليص التباين الخطير في مستويات الدخول وتراكم الثروات بين المواطنين والمحافظات.

وفي أداء مهمة التغيير، تَصحُ مقاربة الواقع الاقتصادي المتردي خلال السنوات 2003 – 2022 مع خيارات تكاليف الفرص «الحلول» البديلة (Opportunity Costs Alternatives) في استثمار الثروة النفطية، حيث التفضيل، وبتبسيط، بين خيارين متناقضين: الأول، يتم تطبيقه حاليًا باستغلال «الريع» وبِهُدى استراتيجية فَرْض التَحَوّل القَسْري والمُفتَعَل نحو اقتصاد السوق والعمل بالسياسات الاقتصادية «الليبرالية الجديدة» بإشراف صندوق النقد الدولي، وفصل السياسة النفطية عن أهداف الاستراتيجية الاقتصادية المستقبلية والسياسات اللازمة لتنفيذها، الذي تتمثل تكلفته بتكريس دوامة الأزمة الاقتصادية المزمنة. وتتركز أهداف هذا الخيار في تجريد الدولة من مسؤولياتها في إدارة الاقتصاد بتحرير نشاط القطاع الخاص وآليات السوق في تعبئة وتوزيع الموارد الاقتصادية وبخصخصة مشاريع القطاع العام والأصول الإنتاجية والموارد العامة، وتحرير الاستيرادات والتحويل الخارجي للعملة، مع تثبيت سعر صرف الدينار مقابل الدولار. ويتم استغلال «الريع» الوفير وكأنه سلعة بلا تكلفة. أما الفرضية الاقتصادية الأساسية التي يستند إليها، فهي أن استغلال «الريع» في تأمين الاستقرار المالي في الموازنة الحكومية السنوية، والإسهام في الاستقرار النقدي بتقييد التضخم، وضمان حرية الاستيراد بموازاة تثبيت سعر صرف الدينار، سيشجع الاستثمار الخاص ويجذب الاستثمار الأجنبي المباشر، بما يؤدي إلى زيادة النمو الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل والإنتاج. في المقابل، يمثل الخيار الثاني «الفرصة» البديلة التي تستهدف استعادة دور الدولة الاقتصادي المركزي باستثمار «الريع» في تمويل مشاريع توسيع الطاقات الإنتاجية القادرة على المنافسة في الأسواق المحلية والخارجية لزيادة النمو الاقتصادي وتقليل الاعتماد على «الريع»، إضافة إلى تمويل إقامة وتطوير مشاريع البنية الأساسية الاقتصادية والاجتماعية والبيئية المنهارة.

بموازاة أهداف واستنتاجات الدراسة، فإن الدلالة «الضمنية» الرئيسية فيها، تخالف الآراء السائدة عن ضرورة زيادة إنتاج النفط الخام والغاز في السوق العالمية. هذا الموضوع – خارج نطاق الدراسة – مهم جدًا، ومثير للجدل وطنيًا، ويحتل أولوية بارزة في سياسة المؤسسات الاقتصادية والمالية الدولية، وشركات النفط، ويتقاطع مع مصالح الدول المتباينة لتبرير الزيادة المستمرة في إنتاج النفط الخام والغاز والتحكم في تجارتها في السوق العالمية، وكما تكشف أزمة الطاقة العالمية الراهنة المقترنة بأزمة المناخ البيئية العالمية. لذلك، فإن تبرير الأولوية المطلقة للإنتاج «الأمثل» للثروة النفطية وتَقييدهُ بدمج السياسة النفطية في الإنتاج والتصنيع والتصدير في أهداف الاستراتيجية والسياسات الاقتصادية الوطنية، يتناقض جذريًا مع الآراء الوطنية والخارجية المحفزة لمواصلة زيادة الإنتاج من النفط الخام و/أو تحديد أسعاره التجارية في السوق العالمية لمصلحة نمو الاقتصادات الخارجية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 530 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 530 نيسان/أبريل 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 530 في نيسان/أبريل 2023.

صبري زاير السعدي: خبير ومستشار اقتصادي عراقي.

الصورة من رويترز.

[1] سبق أن تناولنا موضوع تأثير التغيير في أسعار الصرف الثابتة مقابل الدولار في الاقتصاد العراقي كأحد نماذج التنمية في الاقتصادات النفطية النامية. انظر: صبري زاير السعدي، «الآثار الاقتصادية لتخفيض أسعار الصرف الثابتة في الاقتصاد النفطي النامي،» بحث قُدم إلى: ندوة «السياسات التصحيحية والتنمية في الوطن العربي» المنعقدة في 20-22 شباط/فبراير 1988، المعهد العربي للتخطيط في دولة الكويت، ونشرت أبحاثها في كتاب صدر عن المعهد بعنوان الندوة نفسها، تحرير رمزي زكي (الكويت: دار الرازي، 1989).

 


صبري زاير السعدي

خبير ومستشار اقتصادي عراقي.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز