مقدمة

قد يكون صباح السابع من أكتوبر علامة فارقة في تاريخ الأمة العربية والإسلامية، وربما يكون، أيضًا، علامة فارقة في وجدان الشعوب العربية والإسلامية، وربما اعتقد البعض أن حلم التحرُّر قد بدأ، وشمس الاستقلال التي تبدد ليل فلسطين الطويل قد لاحت أنوارها في الآفاق، لكن التقلبات السريعة وردَّ الفعل العالمي والإسرائيلي، وما تمخض عنه من خسائر بشرية ومادية ألمَّت بغزة جعلت دفقة الحماسة تنطفئ، فكانت القلوب النابضة فرحًا في الأمس منقبضة ألمًا اليوم، الأمر الذي جعل الأقلام البشرية تعيش حالة من الفوضى الخلّاقة التي لا تفضي إلى موقف فكري واحد؛ ذلك أن الفرق المتصارعة تحمل في جعبتها البراهين المستقاة من الواقع على صحة رؤيتها. وإذا ما أردنا أن نحدِّد رؤيتين رئيستين لهذه الصراعات ستكون الأولى ضرورة القيام بمعرفة طوفان الأقصى في حين أن الثانية ترى أن هذه المعركة ما كان يجب أن تحدث نظرًا إلى قلة إمكانيات المقاومة الفلسطينية وعِظم قوة الصهاينة، فكانت هذه الجدلية العنوان الأكثر حضورًا بين المحللين السياسيين، والكتّاب والمفكرين عند الحديث عن معركة طوفان الأقصى من دون أن تُحسم أو يقتنع طرف برأي الآخر.

هنا لا بدّ من الإشارة إلى أننا لا نسعى في هذه القراءة إلى حلّ هذه الجدلية، ولا تقريب وجهات النظر، فذلك أمر يتعذَّر على أيّ مفكر مهما بلغ من العمق الفكري، والقدرة على الإقناع والتأثير، والعلة في ذلك ترجع إلى حقيقة أن كلّ فرقة تنطلق في حكمها ورؤيتها على معركة طوفان الأقصى من موقف أيديولوجي محدد مسبقًا، لذا سنسعى في هذه القراءة إلى عرض الآراء المتعارضة حول معركة طوفان الأقصى ومناقشة الجوانب الإيجابية والسلبية فيها برؤية موضوعية ما استطعنا إلى ذلك سبيلًا.

أولًا: قادة طوفان الأقصى بين الرمزية والفكر

يحمل التنظيم السياسي للأحزاب، والجماعات، والحركات، والدول فكرة التراتبية في الهيكلية الإدارية، والمالية، والدوائر التي تصدر عنها القرارات المهمة والثانوية، لكن تاريخ الصراع بين المقاومة الفلسطينية والاحتلال الصهيوني انطوى على تغيرات في هذه النظرية؛ ذلك أن الحركات المقاومة في بداية نشأتها كانت تعتمد في جوهرها على القرار الأحادي الذي ينفرد به شخص واحد، إذا ما قتل انهارت الحركة وتبعثر التنظيم، وليس هنالك مثال أفضل من استعادة القائد الشهيد «عبد القادر الحسيني»، إذ إن التاريخ يحتفظ بحقيقة انتهاء حركة الجهاد المقدس بعد استشهاده في معركة القسطل، تلك القرية التي دفع دماءه من أجل تحريرها، بوصفها نقطة استراتيجية، وخط دفاع أول عن فلسطين، فلسطين التي ترك المقاومون الفلسطينيون عقدهم القتالية لحظة انتشار خبر استشهاد عبد القادر الحسيني. والأمر الذي يتوقف عنده القارئ باستغراب شديد ترك القسطل من دون حراسة أو خطوط دفاع عنها، القسطل التي كان يرى فيها «الحسيني» خطًا أحمر إذا سقط سقطت فلسطين. وهذا ما حدث فعلًا[1]، ليكون السؤال هنا لماذا اندفع المقاومون الفلسطينيون إلى مكان تشييع جثمان الشهيد الحسيني، ونسوا الأخطار المتربصة بهم؟ إن الإجابة ترجع إلى الهيكلية الفكرية للمقاومة الفلسطينية آنذاك، فقد كان القائد يجسد رمزية تنعقد حولها عقد الاستمرار والانحلال؛ لذلك عندما استشهد الحسيني انفضّ المقاومون وضاعت البوصلة.

لكن هل ينطبق الأمر نفسه على الحركة الجهادية التي قادها «عز الدين القسام»؟ نعم. صحيح أن الحركة آنذاك استمرت بقيادة الشيخ فرحان السعدي، لكنها بالاشتراك مع الجهاد المقدس[2]. ثم إن كتائب القسام لم تعرف، بوصفها جناحًا عسكريًّا لحماس إلا في عام 1991؛ أي بعد ثلاثة وأربعين عامًا من استشهاد الحسيني، ثم إن الفارق الزمني بين اللحظتين يحمل دلالة الفكر المغاير، والرؤى الجديدة التي جعلت الفكر المقاوم الفلسطيني ينتقل من القائد الرمز إلى القائد الفكرة؛ ذلك أن القائد إذا اغتيل استمرت المقاومة ولسان حالها يقول «القائد يخلفه ألف قائد»، الأمر الذي يعني أن المقاومة الفلسطينية تمكنت من التحول من فكرة الجميع لأجل الفرد إلى الفرد من أجل الجميع، محطمة القاعدة الصهيونية الذهبية التي انتصر بها زمنًا طويلًا، وهي إذا أردت أن تنتصر على أمة اصنع لها مثالًا متعاليًا، ثم حطمه، وهذا ما يفسر تركيز الاحتلال في معركة طوفان الأقصى على اغتيال القائد في إثر القائد، وفي كل مرة كانت تعلن أنها اغتالت القيادي الكبير (متبوع باسمه) الذي كان يشغل مركز التنظيم، والتخطيط، والصناعة، فيعتقد المتابع أن المقاومة تلقت ضربة أقرب إلى القاتلة، ثم يعود في كل مرة ينجح فيها باغتيال قائد آخر إلى الأسلوب الإعلامي نفسه، الأسلوب الذي لا يترجم إلى واقع ملموس. ففي السادس عشر من شهر أكتوبر من عام 2024 تمكن الاحتلال من اغتيال يحيى السنوار قائد المكتب السياسي لحركة حماس، ومهندس الطوفان، ومع ذلك استمرت عملية المقاومة الفلسطينية في غزة، ومن قبله القائد محمد الضيف، وغيرهما من القادة العسكريين من دون أن تدخل عمليات كتائب القسام بوتقة السكون، وفي المقابل لم تدخل عمليات الاحتلال النازي بوتقة السكون أيضًا.

وأمام اللاسكون تتضح عقلية متطورة وأخرى متحجرة، فالأخيرة عقلية الاحتلال التي ما زالت تعتقد أن اغتيال القادة يفضي إلى نهاية حركات المقاومة، أما الأولى فهي عقلية المقاوم الفلسطيني التي تعلمت من دروس صراعها الماضية مع الاحتلال، الدروس التي جعلت القائد ينتقل من شرنقة الرمزية إلى آفاق الفكر الذي لا يلغي رمزية القائد المجاهد، بل يحافظ عليها، ويسعى إلى السير على نهجها وتطويرها. هنا، لربما يتجلى أحد أسرار استمرار عمليات المقاومة الفلسطينية في غزة لأكثر من عام ونصف العام على الرغم من ضراوة المعركة، وما رافقها من اغتيالات، وقتل للمديين، وتدمير، وتجويع، وتهجير، ممنهج. فالمقاومة الفلسطينية في غزة على وجه العموم، وكتائب القسام على وجه الخصوص، تمكنوا من قراءة ذاتهم ونقدها قبل أن يتمكنوا من قراءة الآخر الإسرائيلي، رغبة في تفكيك منظومته الفكرية الذي سيفضي لا محالة إلى تفكيك منظومته العسكرية والانتصار عليه، وهنا لا بدّ من أن نسوق سؤالًا مفاده: هل حققت كتائب القسام أهداف معركة طوفان الأقصى فانتصرت؟ هذا ما سنسعى إلى الإجابة عنه في العنوان القادم.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 572 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 572 تشرين الأول/أكتوبر 2026

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 572 في تشرين الأول/أكتوبر 2026.

الصورة من إ.ب.أ (الوكالة الأوروبية للصور الصحفية).

أمين مجد الـمشهور: دكتور في اللغة العربية وآدابها،
اختصاص النقد العربي الحديث.

[1] انظر: عبد الوهاب الكيالي، موسوعة السياسة، 7 ج (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1993)، ج 3، ص 841.

[2] انظر: منصور أحمد أبو كريم، تطور مفهوم المقاومة في الفكر السياسي (القدس: دار الجندي للنشر والتوزيع، 2018)، ص 62.

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز