المؤلف: نوربير إلياس

ترجمة: محمد المرجان

مراجعة: أمينة زوجي

الناشر: منشورات الخيّام، تطوان، المغرب

سنة النشر: 2023

عدد الصفحات: 134

 

صدرت في مستهل سنة 2023 عن منشورات الخيام، الترجمة العربية لكتاب عزلة المحتضرين: قضايا سوسيولوجية حول الشيخوخة والموت، لعالم الاجتماع الألماني نوربير إلياس، الذي ترجمه السوسيولوجي المغربي محمد المرجان والذي يوضح في تقديمه بأن اختياره لترجمة هذا الكتاب في هذا التوقيت يرجع أساسًا إلى «طبيعة الجائحة التي ألقت بثقلها التراجيدي على كل مكونات المجتمع. إضافة إلى الهلع والخوف من الموت الذي استبد بالبشر». يتميز هذا الكتاب الذي صدر أول مرة سنة 1982، بكونه دراسة قصيرة تمتد على مدار 134 صفحة، تحاول مناقشة السياق الاجتماعي المتغير للموت والاحتضار على مر العصور. وقد استعان عالم الاجتماع نوربير إلياس بمجموعة من المصادر من الأدب والتاريخ لتحليل التمثلات الاجتماعية التي يحملها الأفراد والمجتمعات حول الموت والاحتضار ما بين العصور القديمة والمجتمعات الحديثة، مع التنبيه إلى أن نوربير إلياس يحاول أن ينأى بنفسه عن المفاضلة بين الماضي والحاضر، لأن السؤال الذي يهمه ليس هو الحكم إن كان الماضي أفضل من الحاضر أو العكس في ما يخص العلاقة بالموت والاحتضار، بل معرفة «كيف كانت الأمور، ولماذا كانت على هذا الشكل دون الآخر، ولماذا تغيرت؟» (ص 32).

أولًا: الموت ومظاهر التغير الاجتماعي

يوضح نوربير إلياس أن علاقة الإنسان بالموت شهدت تغييرات كثيرة منذ سنين، ففي الماضي مثلًا كانت مشاهد الموت تكاد تكون مألوفة، وكانت الإعدامات تتم في الساحات العامة، فضلًا عن أن الموت في العصر الروماني كان يمثل جزءًا من الترفيه الذي يشاهده الجميع كبارًا وصغارًا في حلبات الصراع الدموية، وكانت رؤية الجثث المتعفنة أمرًا اعتياديًا. كما كان الناس يتحدثون عن الموت بحرية سواء في المجتمع أو في التعبيرات الشعرية (ص 41). هنا ينبِّه إلياس إلى أننا قد نستهجن في الوقت الحالي طريقة تناول الموت والقبر والديدان في أشعار الحضارات الماضية على غرار الشعر الفكتوري[2]، في سياق الحديث عن الحب والجنس والغزل، إلا أنه يخبرنا أنه لـ«إنصاف أفعال وأعمال الأفراد المنتمين إلى حقب تاريخية أخرى، علينا أولًا أن نكون قادرين على اتخاذ مسافة كبرى اتجاه ذواتنا، واتجاه مرحلتنا الحضارية» (ص 39)، بخلاف ما هو عليه الأمر في العصور المتقدمة التي ازداد فيها «تماهينا مع الآخرين وتعاطفنا مع معاناتهم وموتهم» (ص 13). وفي هذا الإطار يناقش نوربير إلياس كتاب دراسة حول تاريخ الموت في الغرب لمؤلفه فيليب أرياس[3]، وينتقد انطلاقه من فكرة مسبقة مفادها أن الموت، في العصور القديمة أو في العصور الوسطى، كان أكثر هدوءًا وسلامًا مما كان عليه في أيامنا هذه؛ في حين يؤكد إلياس أن الموت كان دائمًا مشكلة للبشر، بخلاف الصورة المثالية التي يرسمها أرياس لنا حول الأزمنة السابقة، ويشير إلى كون الملاحم القروسطية التي استعان بها أرياس هي مجرد «تمثلات نموذجية لحياة الفروسية والأوهام المنتقاة، التي تخبرنا في الغالب على ما ينبغي أن يكون حسب رؤية الشاعر وجمهوره، أكثر مما تخبرنا عن الواقع نفسه» (ص 28). ويشير إلياس إلى أن الكنيسة في القرون الوسطى ساهمت في ترسيخ الخوف من الموت من خلال بلورة فكرة الثواب والعقاب بعد الموت، وهو ما يمكن رصده من خلال مجموعة من اللوحات الفنية التي تظهر مصير الموتى على جدران الكنائس، وبالتالي تأجيج الشعور بالذنب والخوف من العذاب. ويتوقف إلياس أيضًا عند المفارقات التي اتسمت بها العصور الوسطى وهي مفارقة الطيبوبة والقسوة، ومفارقة الإشباع المطلق للرغبات وتبخيس الذات (ص 31).

يتطرق كتاب عزلة المحتضرين إلى أن الموت رغم كونه خاصية مشتركة بين جميع الكائنات، إلا أنه لا يمثل مشكلة إلا إلى البشر الذين يحملون معرفة حول الموت، بمعنى أنهم يتفردون عن باقي الكائنات بكونهم يدركون موتهم الحتمي و«باستطاعتهم التنبؤ بنهايتهم» (ص 14)، ولا يسعهم إلا تخيّل هذا الموت، وهو ما يجعلهم على استعداد لحماية أنفسهم من الأخطار، وهي الوظيفة المركزية بحسب الكاتب التي كانت تضطلع بها الجماعات البشرية بغرض «تحقيق التهدئة في الداخل، ومواجهة التهديد الخارجي» (ص 15)، وقد تمت محاولة ترويض الخوف من الموت من خلال اللجوء إلى مجموعة من الاستراتيجيات؛ فقد كان الناس في القرون الوسطى يحاربون الأمراض والأوبئة باستعمال التمائم والقرابين، فضلًا عن توجيه الاتهامات لمسممي الآبار وللساحرات ولذنوب الأشخاص وخطاياهم، وكانت هذه الاستراتيجيات إحدى الوسائل لتهدئة العقول القلقة والمضطربة أمام غياب المعرفة العلمية حول المرض وأسبابه (ص 113). كما كان يتم اللجوء إلى بعض المعتقدات الدينية الروحية الجماعية، حيث مثلت فكرة وجود حياة أخرى بعد الموت في العصور الوسطى ضمانة لوجود حياة أبدية أمام انتشار الحروب ومختلف أوجه العنف والتعذيب، وهي الفكرة التي يرى نوربير إلياس أنها خفت في بعض المجتمعات المتقدمة حيث «أصبح الإنسان أكثر أمانًا واطمئنانًا، وأكثر حماية ضد الأمراض والموت المفاجئ قياسًا بكل المراحل التاريخية السابقة» (ص 19)، فقد ساهم انتشار السلام داخل المجتمع؛ واحتكار العنف من طرف أجهزة الدولة؛ وتطور الطب في ارتفاع معدل حياة الأفراد مقارنة بالماضي. وبالتالي قل الموت وأصبح مؤجلًا نوعًا ما، بل أصبح المجتمع يوفر القدرة على تخفيف معاناة الموت، ولم تعد فكرة الإيمان بالعالم الآخر لتوفير حماية ميتافيزيقية ضد ضربات القدر حاضرة بقوة إلا لدى الطبقات الاجتماعية الأكثر ضعفًا في السيطرة على أوضاعها الوجودية (ص 20).

يمكن القول هنا إن الدفع بالحضارة إلى تقدم عالمي في مجالات العلوم والتكنولوجيا أدى إلى فهم الموت بوصفه ظاهرة طبيعية، لا ظاهرة خارقة للطبيعة؛ بينما في الماضي كانت الحياة غير آمنة وأقصر، بسبب الأوبئة والمجاعات والحروب التي كانت تمثل «القاعدة وليس الاستثناء» (ص 30)، عندما كانت «تعتبر الاعتداءات الجسدية لأشخاص على الآخرين من الأمور العادية في الحياة الاجتماعية. فكل الرجال بمن فيهم أولئك المنتمون للفئات الغنية، عليهم حمل السلاح عند مقابلة بعضهم البعض» (ص 77).

في هذا الإطار، يمكننا استحضار كتاب إنكار الموت[4] للأنثروبولوجي الأمريكي إرنست بيكر، وهو كتاب صدر قبل كتاب نوربير إلياس بعدة سنوات، ويشير إلى أن المعتقدات الثقافية حول الخلود والحياة الآخرة تساهم في جعل الأفراد قادرين على التغلب على الخوف من الموت، حيث يجادل إرنست بيكر بأن الناس يخلقون أشكالًا مختلفة من الخلود الرمزي لحماية أنفسهم من الخوف من الموت، كاللجوء إلى الدين الذي يَعِد بحياة أخرى، أو القومية التي توفر إحساسًا بالهوية والانتماء إلى شيء أكبر من الذات، كما يناقش أيضًا كيف يسعى الناس إلى الخلود من خلال مساعيهم الإبداعية، مثل كتابة الكتب أو رسم تحف فنية، والتي يمكن أن توفر إرثًا دائمًا.

ثانيًا: استبعاد الموت من الحياة الاجتماعية

يناقش إلياس في هذا الكتاب مسألة إبعاد الاحتضار والموت خارج دائرة الحياة الاجتماعية، من خلال مجموعة من السلوكات، من بينها إخفاء لحظة الاحتضار عن أنظار الأطفال، وهو سلوك مرتبط بحسب إلياس في أيامنا بطابع القلق والانزعاج المتفرد الذي يشعر به الأحياء في حضرة الموتى (ص 42)، كما يشير إلى أن المجتمعات المتقدمة تحاول إقناع الأطفال أن الموتى هم في مكان ما أو أنه يمكنهم رؤيتنا وذلك في محاولة لإخفاء النهايات الحتمية للوجود البشري (ص 63). ويؤكد إلياس أن خوف البالغين من تفسير الموت لأطفالهم على نحوٍ ملموس، يعَدّ من العلامات الدالة على قمع فكرة الموت على المستوى الفردي والمستوى الاجتماعي لأنها توحي بأننا قد نؤذي الأطفال، في حين أنه يرى أن الخطر الحقيقي هو جهلهم بنهاية الحياة البشرية، ففي الماضي حينما كانت الأمور تجري على نحوٍ طبيعي وسلس، كان الأطفال يحضرون ويشهدون على احتضار الأشخاص وموتهم، حينها «كانت الرقابة حول الحياة الاجتماعية أقل تحفظًا سواء في الخطابات أو الأفكار أو الكتابات» (ص 36).

لقد ساهمت التغيرات الحاصلة في طبيعة المجتمعات، في اختفاء خاصية تعوُّد وجود الموتى من حولنا، لهذا أصبح تقبل الموت أكثر صعوبة مما كان عليه الأمر في الماضي، لهذا يمثل موت الآخر هاجسًا لنا، فهناك من يشعر بالخوف من الموت والاحتضار وينظر إليهما وكأنهما مرضان معديان. كما لم يعد الإنسان يستطيع تحمل مشاهدة معاناة الآخر، ولم نعد نعرف ماذا نقول في هذه المناسبات التي «تقتضي التعبير عن التعاطف الضمني والقوي دون فقدان السيطرة على النفس» (ص 42-43)، كما أن الأشكال التقليدية للطقوس والصيغ باتت تبدو قديمة وتقليدية جدًا، حيث أصبحت الأجيال الحالية ترفض صيغ العزاء والمواساة النمطية الموروثة وتعدها تقليدية وآلية، لكن هذه الأجيال بحسب إلياس لم تستطع إنتاج عبارات وصيغ جديدة تعبّر من خلالها عن مشاعر الحزن المرتبط بالموت، فمثلًا «في القرن السابع عشر الميلادي كان من المألوف رؤية منظر الرجال يبكون في الأماكن العمومية وهو ما أصبح نادر الحدوث، بل إن الناس يشعرون بالخجل عند التعبير عن مشاعرهم وانفعالاتهم وأصبح التواصل مع المحتضرين يخضع للروتين المؤسساتي المرتبط بالمستشفيات، وأصبح هذا الروتين وحده الذي يمنح لوضعية الاحتضار شكلها الاجتماعي، لكنه فقير جدًا من ناحية المشاعر ويساهم كثيرًا في عزل المحتضرين» (ص 48).

يشير نوربير إلياس إلى أن القمع في العصر الفيكتوري، أو في مجتمع فيينا كان يرتبط بالجنس أساسًا، حيث كان هناك ضغط قوي وصارم حول الدوافع الجنسية للفتيات والشباب والعزّاب (ص 66)، وهو ما ساهم في ظهور أزمات نفسية ولكن هذا القمع الجنسي، تضاءل أكثر فأكثر مع تحرير الأخلاق، ولم يعد محرمًا الحديث عن العلاقات الجنسية، حتى في وجود الأطفال. أما في خصوص الموت والاحتضار فإن الأمر يبدو مختلفًا حيث «تعزز الشعور بالحرج اتجاههما» (ص 70)، وازدادت مساحة القمع، إذ إن التمثل المتوقع حول العنف والمعاناة التي يمكن أن يخلفها الموت يتسبب في خوف أكبر من المخاطر التي يمكن أن تخلفها الممارسة الجنسية غير المنضبطة. هنا ينبه نوربير إلياس إلى أننا يجب ألّا ننظر إلى الموت كمسألة بيولوجية فقط بل يجب إدراك «التمثل المرتبط بمرحلة الحضارة خاصة، والموقف المتناسب للإنسان تجاه الموت أو الاحتضار، آنذاك سوف يظهر المعنى السوسيولوجي للموت بشكل أكثر وضوحًا» (ص 71).

ومن مظاهر إبعاد الموت عن الحياة الاجتماعية أيضًا، انتقال الاعتناء بالجثة وإعداد القبر وعملية الدفن من أيدي العائلة والأقارب والأصدقاء إلى أيدي اختصاصيين مدفوعي الأجر، لتصبح هناك مؤسسات مقننة خاصة بهذا الأمر. وهنا يعتقد إلياس أنه «ربما تظل ذكرى المتوفين حاضرة في وعي الأحياء، لكن الجثث والمقابر فقدت معانيها كنقطة تتمحور حولها العواطف والمشاعر» (ص 49)، بل أصبح الحديث عن الموت منفرًا ومزعجًا، لهذا تم الحرص على العناية بالمقابر وزخرفتها بالورود وجعلها مكانًا للتأمل والصمت من طرف الفاعلين في هذا المجال.

ثالثًا: تجربة الشيخوخة لدى نوربير إلياس

يتحدث نوربير إلياس في هذا الكتاب من وحي تجربته كرجل مسن، فقد ألف هذا الكتاب وهو في الثمانينيات من عمره، وقبل وفاته ببضع سنين، وبالتالي سمحت له هذه التجربة برصد مجموعة من الملاحظات، فنجده يركز على كيفية تعامل الشباب مع المسنين؛ إذ يرى أنه من الصعب على الشباب واليافعين فهم أوضاع وتجارب كبار السن، إذ يبدو بحسب الكاتب «أن التماهي بين المسنين والأقل سنًا يطرح مشكلة، فالشعور «بأنني يومًا ما سأكون مسنًا» يغيب عنا في بعض الأحيان. نتيجة الانغماس في التمتع العفوي بقدراتنا الخاصة وبسلطة الشباب على المتقدمين سنًا» (ص 105)، أي أن البشر يتصرفون بطريقة أكثر فردية، ويهتمون بمصالحهم الخاصة قبل كل شيء. كما يشير الكاتب إلى أن ما يحدثه تقدم العمر من ضعف وتبعية وارتباك لدى المسنين، يأخذ أحيانًا طابع «النكوص نحو السلوك الطفولي» (ص 106)، الذي قد يكون مقصودًا في بعض الأحيان كآلية دفاعية ضد التجاهل أو سوء المعاملة وفقدان السلطة.

يوضح الكاتب الفرق في ما يخص تجربة الشيخوخة والاحتضار بين المجتمعات القديمة ما قبل الصناعية التي كان أغلبية سكانها يعيشون في القرى على الزراعة وتربية المواشي وبين المجتمعات الصناعية الأكثر تقدمًا، ويرى أن العائلة في الصنف الأول كانت تضطلع برعاية الأشخاص المسنين والمحتضرين، الذين كانوا يفارقون الحياة وسط أقاربهم ومعارفهم بمن فيهم الأطفال. بغضّ النظر عن طبيعة المعاملة التي كانوا يتلقونها هل هي طيبة أم يتخللها بعض العنف أو سوء المعاملة، يرى الكاتب أنه في ذلك الوقت لم تكن عزلة الناس واقعًا مألوفًا باستثناء الرهبان والراهبات في أديرتهم، بينما الأشخاص العاديون فكانوا دائمًا معًا، وكان كلٌّ من الموت والولادة يعدّان حدثين من الحياة الاجتماعية الأقل خصوصية مما هما عليه في أيامنا. أما في المجتمعات الصناعية المتقدمة، فإن كبار السن يعانون العزلة الاجتماعية والعاطفية، فالدولة هي التي تتدخل لتوفير الرعاية بدلًا من العائلة وتعمل على توفير الحماية لهم من العنف الجسدي الظاهر، ولهذا السبب «يتكاثر العديد من المؤسسات لاستقبالهم، من أجل تأمين عيشهم وسط أشخاص لم يتعرفوا على بعضهم من قبل» (ص 110)، بمعنى أن عددًا كبيرًا من المسنين في المجتمعات المتقدمة يفقدون معظم روابطهم الاجتماعية مع أقاربهم وأصدقائهم وجيرانهم حال وصولهم إلى سن الشيخوخة ويفصلون عن الحياة الطبيعية نهائيًا، وهو ما يجعلهم يشعرون أنهم متخلى عنهم. هنا يرى نوربير إلياس أن العزلة الحقيقية هي عندما يشعر الشخص المحتضر رغم كونه ما زال في قيد الحياة أنه لم يعد له أي معنى في نظر المحيطين به. وفي هذا السياق يتحدث عن أشكال أخرى للعزلة، وبخاصة عندما يجد الإنسان نفسه وسط جموع من الناس لا تربطه بهم أية علاقة عاطفية.

يرى نوربير إلياس أن الموت إذا تم بصورة طبيعية فهو لا يكون رهيبًا، ولكن بالطبع هناك فظائع كثيرة تحيط بالموت مثل مسألة ألم الفقد لدى الأحياء أو صورة موت الشباب من دون تحقيق معنى في حياتهم، أو صورة الجياع والبؤساء المنكوبين في مناطق معينة، حيث يشبّه نوربير إلياس الموت بكونه مثل الدخول في حلم، لكن «الأوهام الجماعية والفردية المحيطة بنا، والتي تدفع بمعظمنا خاصة في شيخوخته ليعيش خفية أو علانية في رعب دائم من الموت» (ص 100). وبالتالي يرى أنه من المهم مصادقة الأحياء للمحتضرين الذين يجب أن يشعروا بأنهم لا يمثلون عبئًا ثقيلًا عليهم، لأن القمع الاجتماعي وكظم المشاعر بإخفاء الألم المصاحب للموت والاحتضار والفقد لن يساعدنا، كما لا بد من الكلام على الموت وتجنب تقديمه كلغز أو سر، لأن مصير الجسد البشري هو الفناء في حين ما يستمر بعده هو ما يقدمه لغيره من البشر، وما يظل في ذاكرتهم.

على سبيل الختم

تعَدّ أطروحة نوربير إلياس عن الموت إحدى أهم المساهمات في مجال سوسيولوجيا الموت، ويمكن عدّها كذلك حتى في مجال علم الاجتماع الطبي، وهي تسعى إلى إبراز كيف أن المجتمعات الحديثة قد طورت أنظمة معقدة لإدارة موتاهم والسيطرة عليهم، ويبيِّن أن هذه الأنظمة هي نتيجة عملية حضارية بدأت منذ قرون، ويبدو أن اهتمام إلياس بالتحولات الاجتماعية التي يخضع لها الموت والاحتضار، نابع من كون الفهم يتيح لنا إمكان التعايش مع حقيقة الفناء التي لا مفرّ منها رغم كل ما حققته البشرية من تطورات على مستوى الرعاية الطبية والأمن والاستقرار والتي انعكست بدرجة ما على نوعية الاحتضار.

لكن يبدو أن مجمل التغيرات الاجتماعية التي شهدتها البشرية في هذا المجال، لم تستطع تقليل خوف الإنسان الموت تمامًا، لأنه مهما تأجل فهو واقع أمر، ولا سيما أنه في الوقت الذي نجد فيه البعض يروّج لأمل إمكان الحصول على إكسير الحياة الذي يضمن الشباب والخلود الواقعي يومًا ما، تعود لعنة الحروب والتغيّر المناخي والجوائح والكوارث الطبيعية بقوة لتؤرق مضجع البشرية من جديد، وتضعها عند نقطة الصفر، حيث يصبح الموت عشوائيًا ما يجعل البشرية مرة أخرى أمام مواجهة سؤال تدبير الموت والاحتضار والفقد.

كان لكتاب عزلة المحتضرين: قضايا سوسيولوجية حول الشيخوخة والموت لـعالم الاجتماع نوربير إلياس دور كبير في لفت الانتباه إلى التحولات الاجتماعية التي تحوط علاقة الإنسان بالموت، وفي هذا الإطار نشير إلى أشهر الكتابات التي أعقبته على غرار كتاب الموت من دون بكاء الصادر سنة 1993 للأنثرولوجية الأمريكية نانسي شيبر هيوز، الذي يبحث في معدل وفيات الرضّع المرتفع في البرازيل والممارسات والمعتقدات الثقافية التي تحيط بالموت والحداد، وقد خلصت فيه الكاتبة إلى أن ارتفاع معدل وفيات الرضع أدى إلى التطبيع مع الموت واتباع نهج مختلف للحداد عما كان مألوفًا في المجتمعات الغربية، كما يمكننا الإشارة إلى كتاب سوسيولوجيا الموت: الحياة والموت في المجتمع المعاصر الصادر سنة 2009، للكاتبة جايل كلافانديي، الذي يحاول دراسة التجارب والممارسات المتعلقة بالموت كطقوس الجنائز، والمقابر، والحداد، والموت العنيف، والانتحار وما إلى ذلك، ووضعها في سياقها الاجتماعي والثقافي، كما عملت الكاتبة على دراسة الكيفية التي يتم بها تصوير الموت في وسائل الإعلام والثقافة الشعبية، وكيف يمكن أن يؤثر ذلك في تصورنا للموت، وفي السياق المغربي يمكن استحضار الكتاب الجماعي الوفيات والموت مقاربات تاريخية وأنثروبولوجية، الذي صدر سنة 2017 عن منشورات المعهد الجامعي للبحث العلمي في جامعة محمد الخامس بالرباط، وهو كتاب يضم مجموعة من المقالات، تعتمد على مقاربات متعددة تتوزع بين الطب والإحصاء والتاريخ والأنثروبولوجيا وعلم الاجتماع والآداب.

من هنا يمكننا القول إن معظم الدراسات التي تندرج ضمن حقول العلوم الإنسانية والاجتماعية قد ركزت على السيرورات الاجتماعية والعوامل الثقافية التي تؤثر في كيفية إدراكنا لكل من تجربة الموت والاحتضار، وما يرافقهما من تقاليد وطقوس تعكس الحزن والحداد، إلى جانب دراسة الطرائق المختلفة التي يمكن أن يؤثر بها الموت في الأسرة والمجتمع في سياق سوسيوقتصادي متغير ومتقلب.

المصادر:

نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 539 في كانون الثاني/يناير 2024.

[1]أمينة زوجي: دكتورة في سوسيولوجيا التربية، كلية علوم التربية، جامعة محمد الخامس، الرباط – المغرب.

[2]  الشعر الفكتوري نسبة إلى العصر الفكتوري وهو حقبة حكم ملكة بريطانيا الملكة فكتوريا ما بين 1837 و1901.

[3]   فيليب أرياس (Philippe Ariès) كاتب وصحافي ومؤرخ فرنسي.

[4]     Ernest Becker, Denial of Death (New York: The Free Press, 1973).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز