المؤلف: عبد الإله بلقزيز

مراجعة: محمد رزيق

الناشر: منتدى المعارف، بيروت

سنة النشر: 2021

عدد الصفحات: 318

وصية

«تكَثَّرْ من قَلِيلِكَ؛ تَطَهَّرْ من رَذِيلِكَ؛ ابحثْ عن المدى الرّحب فيك، واخْرُج منكَ كي تعود إليك أبهى. تَعَدَّدْ في واحِدِك وكُنْ أنت وكُنْ سواك، لِتَشُقَّ دربًا ثانيةً إلى القلب أشهى. أنت الآن في بيتك بين الكتب؛ اصنَعْ من البيت كَوْنًا، وأقِمْ في الكون مأوىً؛ فأنتَ حرٌّ في رحابك، وأنت جَمْرُ سؤالك وندى لجوابك، وابحث لنفسكَ في فوضى العبث العَميمِ عن الجدوى» (ص 163).

أولًا: عن اليوميات والتأملات أكتب!

يرغب المرء في الانزواء والاختلاء إلى نفسه بعيدًا من كل ما يُعكّر صفوَ مزاجه. يفعل ذلك، حبًّا وطواعيةً، كي يناجي ذاته، يحاورها أو يراجعها، يثني عليها أو يعاتبها على ما فرّطت فيه؛ فكيف إذا كان هذا الانحباس كُرْهًا وإجبارًا ثم جاء يوافق ما تهفو إليه النفس؟ تلك رغيبة من يُطيل الفكرَ والتأمّلَ في ضروب الحياة ودروبها. من هؤلاء: الكاتب عبد الإله بلقزيز، لا يقرُّ له قرار ولا ترتاح له بال إلّا في خلوته ببيته ومعتكفه بين معشوقاته حتى النخاع، كتبِه وأقلامِه. ومثل هذه البُغْية، لا تستقيم لكل النّاس، يتفرّد بها من روّض النفس عليها منذ زمن بعيد، وأسْلسَ لها العنان، ثمّ أوثقها عن كلّ ما يستهويها ويمارس عليها غواية الحياة. سلوة وسلوى كاتبنا يتلمّظُ طعمَها، وهو العاشق المستفيض في الكلام والحوار في صمت الكلمات وحلكة المداد بعيدًا من كل جعجعة بلا طائل. يقضي سحابة يومه في إدارة الحوار والمناظرة، أو الموازنة والمرافعة بين مَنْ رحلُوا عن هذه الدنيا أو ما زالوا ينتظرون وقد عقلوا عصارة فكرهم واجتهاداتهم داخل كنانيش وقراطيس هي مُؤنس كاتبنا في إقامته الجبرية. انحبس كغيره من مواطنيه ومواطني المسكونة، من جرّاءَ جائحة كورونا التي قوَّضت كلّ الحسابات والخطط محلِّيًّا وكونيًّا، ونصّبت نفسها صاحبة القرار والسيادة. لم ينفع مع فيروس كوفيد – 19 سلطة المخزن ولا غيرها. كمّمتِ الأفواه، وشلّت حركة العباد، واستنزفت الطاقة الإيوائية للمَشفَيات، وفتحت المقابر للوافدين أفواجًا وزرافات. فرض هذا الوباء نظامه على كوكب الأرض، وقصم ظهر الضعفاء وأحنى جباه الأقوياء، لم يفرق بين الصغار والكبار، ولا بين الذكران والنسوان، أو بين الحكّام والمحكومين.

ديدن عبد الإله بلقزيز أن يقضيَ جُلّ يومه عاكفًا في محرابه يقرأ أو يكتب. كتب في السياسة والفلسفة، في التاريخ والدين، في الفكر والآداب. لم يفته أن يدوّن يومياته؛ تلك عادةٌ درج عليها منذ أمدٍ بعيد. ضمّنَ بعضًا من هذه اليوميات/التدوينات في كتاباته الأدبية: ثلاثية النصوص التي تقف على الشاطئ بين الشعري والنثري، وقد «أتت نُتفًا من الذاكرة ابتُني عليها نصٌّ أدبيٌّ عابر للحدود بين النثريِّ والشعريّ» (ص 9).  أو في رواياته المتعددة، أو في ما نشره مستقلًا بحسبانه يوميات ومقامات. وتحت وطأة الحجر الصحي ولزوم البيت، يطلع علينا بعمل أدبي جديد، صدر عن دار منتدى المعارف من العام 2021 تحت عنوان: خلف قضبان كورونا: يوميات – تأملات، والتي «تغطّي يوميات هذا السجن الاضطراري أشهرًا ثلاثةً من الزمن» (ص 9).

سؤالٌ مشروعٌ يخطر على البال: ما اليوميات وأين يمكن موضعتها؟

لا أحد يشكّ في أنّ الشعر هو ديوان العرب. دوّن العربيُّ، من خلاله، تاريخه وحضارته وأيامه بشغف كبير وبعشق قلّ نظيره. ولا أحد يُماري أن ليس هناك أمّة كتبت عن تاريخها كالأمة العربية. دمجت في تصانيفها التاريخية: الواقعي والخيالي، الحقيقي والوهمي، الأسطوري والعجائبي، الممكن وغير الممكن. وأيُّنا لا يتّفق أنّنا نعيش عصر السرديات، عصر الرواية أو ديوان العرب بامتياز كما يحلو لِحنَّا مِينه أن يصف هذا العصر، وما بين الكتابات الأولى والمعاصِرة يتّسع المجال للسرد بكل أشكاله وأجناسه. يغلب جنسٌ على جنسٍ خلال حقبة ما فتخبو جذوة هذا الشكل ليفسح المجال لغيره؛ وإن كنّا اليوم تَبَعًا لغيرنا في هذه الأنماط وغيرها. تأتي اليوميات والمذكرات، وسط هذا الزخم، كإرهاصات وبذور للسيرة الذاتية وموصِلة إليْها.

تتأسّس اليوميات (Diary) على ما يشغل الكاتب من هموم، وما يطرأ في معيوش يومه من وقائع وأحداث؛ وبالتالي فهي تُوفر معطياتٍ دسمةً بوصفها مستودعًا زاخرًا يمكن أن يُكوِّن دعامة أساس، إنْ للسيرة الذاتية (Autobiography)  أو للمذكرات (Memory). وكل هذه الأنماط الأدبية تتلاقى أو تتشاطأ وتتدانى برفق ودَعة؛ إذ لا نكتب عبرها سوى «عواطفنا ومواقفنا الشخصية، نكتب عن فرحتنا وغضبنا، حزننا وسرورنا، آلامنا وأشواقنا، انكساراتنا ونجاحاتنا، أملنا ويأسنا، وأحيانًا نكتب ما نخشى قوله لأسباب موضوعية وشخصية»[2]. هكذا تكون اليوميات مصدرًا للتنفيس عن الذات والتباوح معها؛ وعليه، عُدّت أكثر بعدًا من التخييل، إذ تفتقد البناء الدرامي، وهو أمر طبيعي لِما تتميّز به من تلقائية وعفوية مع ارتفاع منسوب الحميمية فيها والصدق. تحقِّق هذه الصدقيّة وهذه العفوية المتعة والفائدة لدى القارئ؛ وإن كان واضحًا أنَّ الكتابات العربية شحيحة في هذا الجنس الأدبي. يردُّ البعضُ سبب ذلك إلى أنَّ «معظم كتابنا لا يلجؤون إلى هذا النوع من الكتابة وربما يعدّونه مضيعة للوقت والجَهد»[3]. لم يفت عبد الإله بلقزيز أن يدلي بالرأي في شأن يومياته بحسبانها «مزيجًا من تدوين وقائع ومن تأملات في الحياة وآراء وشذرات أدبية»، وبالتالي فـ «التجارب من هذا الجنس لا تعاش دائمًا لأنها ذات نكهة وجودية؛ تتكثّف فيها، في الوعي والشعور، أسئلة الحياة والموت والوجود والذات والعالم والمعنى…» (ص 7).

كما أجده يقف على أمور مهمة وهو يبدي الرأي في يومياته هاته، قبل أن ينشر وقائعها على صفحات الورق. منها: لغة اليوميات التي تم بها بناء شذراتها، إذ يقول: «أتت اليوميات هذه فضاءً لتجاور لغات متعددة: لغة التدوين الكرونولوجي، ولغة الخطاب السياسي، ولغة السرد، ولغة التأمل، ثم اللغة الشعرية» (ص 9). ومنها كذلك المضمون الذي تطرحه، فهو يتخطى الحكي عن اليومي المعتاد إلى إبداء الرأي أو استفزاز القارئ إلى التأمل وإعمال الفكر. «كانت كفّة الشعور والتأمل والرأي والموقف أرجح من كفّة الإفادة الخبرية. ولكن هذا هو معنى اليوميات التي هي، عندي، ليست محض تقاييد تاريخية جافة» (ص 9).

ينضاف إلى المقول السابق أمر آخر شديد الأهمية حين تنهل اليوميات من الذاكرة. لئن كانت اليوميات تقع على التخوم بين الحاضر الذي نعيشه ونرغب في تدوينه، وبين الغائب الذي عشناه؛ ونستحضره للتدوين؛ فإنّها على وجه التحقيق، انتقائية وانتخابية كبستاني ماهر؛ يُسامِر الغائبُ الغائبَ ويلتفت البعيدُ إلى البعيد. فهي تستعيد الذكرى وقد صُفِّيت من الشوائب؛ لكنها تعجز عن استعادة العاطفة السالفة[4]. تُرى لماذا هي الذاكرة انتقائية؟ «وهل ما عشناه هو ما نتذكّره؟ أم أنّه لا سبيل أبدًا لاسترجاع ما عشناه إلّا عبر مصفاة للذاكرة تنحلّ فيها الأحداث، ويُعاد نسجها وفق سياقات التذكّر والنسيان؟»[5]. يقول عبد الإله بلقزيز: «والذاكرة، بطبعها انتقائية: تطمس، تحجُب، تُظلِّل أو تغِمُّ، وقد تظَهِّر من الصور ما قلّ» (ص 94). أحسُب أن هذا يأتي من وجهين اثنيْن؛ الأوّل، بتدخّل منّا. والثاني، أنّها تخذلنا ولا تنقاد بسهولة ونحن نسترجع أيامنا السوالف.

نستحضر الذاكرة ونحن بصدد البحث والتنقيب في الذي راكمْناه من حوادث وطوارئ وتقييدات مرّ عليها وقتٌ، قد يطول أو يقصُر، فلا تطاوعنا باستحضاره أو تُغيِّب عنا دقائقه؛ وقد نُعمل فيها بمحض إرادتنا ورغبتنا مقصّ الرقابة لسبب ما؛ وبخاصة أنّ اليوميات، كما المذكرات والسيرة الذاتية، تتحدث عن الأمل، عن الحب، عن الأدب، عن الخوف، عن الفشل، عن النصر والنجاح، وعن أشياء أخرى توحي بها زمكنة الكتابة؛ «في تعددها تُترجم تعدُّد الحالات النفسية المعيوشة في هاتيك الأيام؛ وهي أيام حَوالِك» (ص 9).

ثانيًا: وداع بعد الرحيل

يأتي هذا المولود الجديد للكاتب عبد الإله بلقزيز ليُؤكّدَ أنه نأَى بنفسه عن الصمت إلى المقروء من الكلام وقد درب نفسه على فقه العزلة. قبل أن يسترسلَ في تقديم يومياته إلى القُرّاء، وَشَّحَها بإهداء رقيق تتخلّله إشارات تُضمِر ما لم تستطع النفس البوح به. أهداه لأخيه، الراحل عن المسكونة هاته، عبد الحق. استوقفَني تلكُؤُهُ في القول كتابة: «إلى ذكرى عبد الحقأخي، وذكرى من قضوْا معه بالوباء». كأنّي بنقط الحذف أمام اسم الأخ تشي بأن الرّجل جَفَّ من صدمة الحدث حين بلغه وحين كتب عنه؛ فقد أبلعه الخبرُ لسانَه، ونشَّف حلقه حُرْقةً من ألمِ الفراق، وهو المتلهِّف لمن يحمل له صوت أخيه، أو يهديه خبرًا عن حاله.

هو تأبين من نوع خاصّ، إذ كان من المظنون ألّا يقول ما قاله في طيّ المتن لو أنّه حضر رحيل الأخ. «رحل أخي من دون أن ألقي النظرة الأخيرة على جثمانه ومن دون أن أحمل نعشه أو أمشي في جنازته» (ص 112). كانت وطأة الفَقْد عليه ثقيلة، ومنسوب الجرح لديه عميق وغائر، يتجرَّع مرارته خلف قضبان كورونا وحيدًا، ليس له سوى الصبر والسلوان في فقدِه. يتجلى ذلك في رهافة الإحساس والمشاعر التي تضَمّنَتْها مرثيته النصية إلى أسرة الفقيد يشكو بثه وحزنه: «ها أنذا مِثلُكنّ – ولكن وحيدًا – أشرب من كأس الفقدان المُرّة وأتجرّع حنظله في صمتٍ، مُتشرنقًا على حزني وقد انعقد لساني وتكلَّم جناني. فما من حيلة لي ولَكُنَّ غير مكابدة الصبر بما يُسطاع به من رباطة الجأش» (ص 113).

رفَع منسوب التأسّي والحسرة على فقد الأخ، المكانة التي كان يحتلّها في نفس عبد الإله الذي يقول: «أخي.. وأنت ترحل عنّي بعيدًا، لا تنسَ – في مثواك – أنني أحببتك، وأنّني عشقت الأرض التي وطأتْها قدماك، والشمس التي لفحت جبينك، والضحكة تغمر محياك. رفيق دربي أنت، ومن يديْك غرفت دروس الحياة، وكبرت لا أعرف أيُّني أنا، أأنا أنا أم أنت لا غير سواك. أبحث عنّي فيك عساني ألقاني، وإن أنا تُهت يكفيني أن ألقاك، يعزّيني فيك أنّي منك كنت، وأنّني من جذعك عود يتدلى كي يظلِّل ذكراك. أتضوّر حزنًا على رحيلك، نعم، لكني في كل حين، يا حبيبي، أراك» (ص 112 و131). إنّه كان عوض الأب مذ رحل والكاتب صغير السن؛ أو تلك الصفات التي كان يتحلّى بها بين أفراد الأسرة. كانت «طيبوبة (الأخ) آسرة، وسخاؤه العاطفي لا محدود. ومع أنه يبدو صارمًا وعنيدًا. فهو مثل الطفل كان: في براءة دخيلته وهشاشة شكيمته» (ص 31). نفس هشّة ورقيقة تتأثر للإنسان حين تحلّ به الفواجع والمنايا من دون أن تكون له يد فيها؛ وعبد الإله ليس إلا عبد الحق حين تستذكر الأسرة أشواطًا من سيرة الوالدة، ولو بعد زمن طويل، «يذرف الدموع الغزار كلما ورد اسم الوالدة» (ص 31).

ثالثًا: ممرّات الخيال وسراديبه

أن تأسر نفسَك أو يتمُّ أسْرك، فتوضع في فضاء ضيِّق أو فسيحٍ، تقبع فيه وقد حدَّ من حريتك وكبح رغباتك؛ فإنّ لذلك نكهة خاصّة ينتقش طعمها في الذاكرة، حلوة كانت هذه النكهة أم مُرّة. تعطيك مثل هذه الحالة من الانجحار من الوقت ما تُعمِل فيه فكرك وعقلك. على وجه التحقيق أن العقل هو المحدّد والفارز للإنسان عن غيره من الأحياء؛ «يعلمك [العقل] أبجدية الواقعية ويُهدئ من روع الجموح فيك. ولكنه – إن لم تتجلّد لحقائقه – قد يصدم توازنك بها. يبدّد خلايا المقاومة فيك، يودي بصبرك أو يتركه عيّانًا. لا مندوحة لك، حينها، من الخيال؛ من هذه الملكة العظيمة التي تُخرج الممكن من المستحيل، تبدل نظام العالم والأشياء وتعيد تركيبه وتأثيثه بحيث يصير أبهى، أخلق بالإقامة فيه واللّواذ به» (ص 68).

أليس الخيال، معتوه البيت أو أحمق الدار كما نعته صاحب «أزهار الشر»، من يردُّ الظاهر خفيًّا والخفيَّ ظاهرًا. أليس الخيال من أهدى كاتبنا نسمات من الحرية، وقد أخرجه من جحرٍ قبعَ فيه طوال الحجر الصحيّ. حجر فرضه وباء فيروس كورونا على البشر؛ إذ أظهر سلطته وجبروته، في تحدٍّ سافرٍ للبشرية بتوظيفه لوسائل الدمار والفتك ما لم يخطر على بال إنسان. من هذه الأسلحة الفتاكة ما أشار إليه الكاتب في يومياته بالقول الصريح: «اليوم، العطسة قنبلة، والحنجرة رشّاش يزخّ الرصاص زخًّا عند السّعال، أما اللعاب فسُمٌّ زعاف ذراف! بدّل فينا الفيروس تبديلًا…» (ص 121).

أجل إنّ جموح خيال الكاتب هو من أخرجه من حال الانزواء المفروض قسرًا على الناس؛ «ولولا الخيال لكانت الحياة جحيمًا لا يطاق. لا شيء مثل الخيال يُيسّر ما تصعَّب، ويُدلّل على النفس ما تعصَّى. ليس في هذا أيّ مذمة للعقل» (ص 68). لم يخرجه إلّا الخيال من محبسه الذي لا يتسع إلّا لبضعة أمتار يقطعها ذهابًا وإيّابًا كلّ يوم ليحصل على مسافة تُحَسّسُه بمزاولة رياضة المشي التي دأب عليها في الهواء الطلق بالفضاءات المجاورة. وأخرجه، كذلك، من زمن حكي هذه اليوميات المقيّدة بتاريخ سردها وتدوينها، إلى زمن أوسع وأفسح يسترجع فيه ذكريات ولّت وما انمحت. زمن ينفلت من جوهره الفيزيقي المرتبط بالمسافة والسرعة؛ إلى زمن يبعثر المشاعر والأحاسيس فما «أطول الزمن وأشدّ وطأته من لحظات الانتظار، تحسبه توقّف أو بات مِبْطاءً، والحال أنه ما توقّف أو بطُؤ، وإنما هو في الشعور كذلك فحسب» (ص 109).

عبر خَوْخات الخيال تستطيع أن تخرج من أقفاص عزلتك، وأن تمزّق وتنفلت من شرانقها وتحلّق فوق سماء الواقع. فلا يطول بك التحليق حتى تعود إلى الواقع الذي بدأ منه التحليق (ص 68). فتجد نفسك تُصغي لنفسك في مناجاة روحية، وقد يساعدك على ذلك صوت دافئ صادق تُحسّه يصدح من الأعماق، ينعتق من آلامك إلى آمالك. يبدّد بعض الغيوم على ناظريِك ويكمِّد بعض الكدمات. «فيروز وحدها، بصوتها السحري، تبلسم الجروح» (ص 100)، تناجي الخالق في استكانة وخشوع كنائسي وهي تردّد: «لكلماتي اصغ يا رب…» وارفع عنا هذا الوباء القاتل، كما ناجته يومًا ما على مسرح بعلبك «لا تهملني لا تنساني».

ليس الخيال حسًّا ولا تمييزًا بالعقل؛ لكنه ينطلق من الحسّ ولا يتقدّم العقل من دون خيال. إنّ العقل يجاور الخيال في كل حياته ويمارس عليه مكرًا عجيبًا، أو كما يقال «يقيس به الواد»؛ إذ لا يتقدّم عنه ولا يسلك طريقًا قبل الخيال. لهذا الأخير ممرات وسراديب يصعب القبض عليه فيها؛ لكونها تتجه في كل اتجاه، وإلى أي اتجاه. وعليه، ينبّه الكاتب المرءَ أن يحتاط من البقاء جاريًا خلف هذا الأحمق بالقول: «ولكن، احذر أن تبقى هناك طويلًا، فللخيال – كما للواقع – ثمنه، وما زاد عن حدّه انقلب إلى ضده» (ص 68).

تظل المجاورة والسجال بين العقل والخيال ما دامت الحياة تنبض بالإبداع والرؤية الثاقبة لمواطن الجمال والبهاء. فليس في الخيال مذمة ولا في العقل حين يسير خلف غريمه، يعبر كل منهما الحقول الإبداعية والفنية وما شابه ذلك؛ بالخيال «يعيد المبدع بناء العالم والأشياء، ويستبدل فيه – رمزيًا – واقعًا بواقع» (ص 233). واقع ينأى عن اليأس والسوداوية، وينتجع من مراعي الأدب الخصبة وبراري التشكيل الموسيقي والفنّي.

المصادر:

نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 539 في كانون الثاني/يناير 2024.

[1]محمد رزيق: باحث من المغرب.

[2]   بولات جان، «فن كتابة اليوميات،» الحوار المتمدن، العدد 2768 (13 أيلول/سبتمبر 2009)، <https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=184494>.

[3]   سعد محمد رحيم، «عن أدب اليوميات،» الحوار المتمدن، العدد 3090 (10 آب/أغسطس 2010)، <https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=225338>.

[4]   محمود درويش، في حضرة الغياب (لندن: رياض الريس للنشر والتوزيع، 2006)، ص 119.

[5]   عبد الكريم الجويطي، المغاربة (رواية)، ط 4 (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2019)، ص 46.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز