أولًا: الإقطاع العتيد

عاشت سورية وبلاد الشّام سيرورة تاريخيّة لولبيّة، أو تطوّرًا ذا إشارات متموّجة غير منتظمة. فعاشت تحت السّيطرة البيزنطيّة عهدًا طويلًا، ثمّ انقضى ذاك العهد وحلّ محلّه الفتحُ العربيّ – الإسلاميّ، الذي سرعان ما تحوّلت فيه دمشق إلى عاصمة الدّولة العربيّة، إلى ما يقرب من قرن من الزّمن؛ شهدت فيه تطوّرًا ونهضة غير مسبوقين في تاريخها المعروف. ثمّ خفّت مكانتها السّياسيّة مع تحوّل مركز الخلافة إلى بغداد وظهور الدّولة العبّاسيّة وانتهاء الحقبة الأمويّة. لكنّ دمشق ظلّت محافظة على مكانتها الحضاريّة وعلى أهمّيتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

واستطاعت أن تحافظ دمشق على مكانتها ومكتسباتها الحضاريّة طوال العهد المملوكيّ. بل اكتسبت فيه أهمّية اجتماعيّة وعلميّة مضافة عمّا كان لها؛ فقد صار الجامع الأمويّ قبلة علميّة، وتكوّنت بيوتات دمشقيّة وأُسر شاميّة ذات مكانة علميّة وأخرى اقتصاديّة ضرب صيتها الآفاق. فتحوّلت دمشق إلى مركز تجاريّ وزراعيّ لا يضاهيه مركز عربيّ آخر، وأصبحت قبلة علميّة خاصّة في علوم الحديث والتّصوّف والتّاريخ، حتّى كادت أن تكون في آخر العهد المملوكيّ العاصمة العلميّة للعالم الإسلاميّ.

وجاء العهد العثمانيّ فحافظت دمشق على سيرها التّطوّريّ التّصاعديّ، اجتماعيًّا واقتصاديًّا، ونمت بيوتات وأُسر جديدة من الإقطاعيّين والتّجّار، وتحوّلت البنية الاجتماعيّة في بلاد الشّام إلى النّظام الزّراعيّ الإقطاعيّ والتّجاريّ الأرستقراطيّ.

ثمّ ظهر وعيٌ عروبيّ قوميّ أخذ يتنامى عند فئات محدودة بين الخاصّة من أهالي دمشق، لكنّه لم يكن يقوى على مواجهة التّوجّه الأرستقراطيّ – الإقطاعيّ صاحب الميول الإسلاميّة المؤمنة بالخلافة العثمانيّة. بيدَ أنّ تنامي الفكر القوميّ التركيّ وسيطرة هذا التّوجّه على مقاليد الحكم في الدّولة العثمانيّة، وتقارب المصالح بين القوميّين العرب والدّول الغربيّة، وهزيمة تركيا في الحرب العالميّة الأولى، كلّ ذلك أدى إلى نهاية الوجود العثماني، ليحلّ محلّه الاستعمار الغربيّ في بلاد الشّام قاطبة، حالها حال بقيّة الأقطار والبلدان العربيّة الأخرى.

ظلّت تلك البيوتات ذات النّفوذ الاقتصادي والعلميّ محافظة على مكانتها. وتمكّن أصحاب التّوجّه العروبيّ من تحريك عصا النّضال السّياسيّ والثوريّ في وجه الاحتلال الفرنسيّ، حراك شاركت فيه بعض الشّخصيّات ذات النّفوذ القديم، لكنّ أغلب المشاركين كانوا من بيوت ذات تكوين وجودي حديث نسبيًّا.

جاءت مرحلة الدّولة القطريّة، التي ظلّ فيها النّفوذ الأقوى بيد شخصيّات تنتمي إلى بيوت الإقطاع والتّجّار. وحين قام حزب البعث بثورته وانقلابه على تلك الأُسَر القديمة، تمكّن من تحجيم نفوذها وتجريدها من معظم ممتلكاتها، متمثّلًا التّجاربَ العربيةَ التي سبقته إلى ذلك في أقطارها. لكنّ النَّفَسَ الإقطاعيّ ظلّ قائمًا، وظلّتِ البنية الاجتماعيّة والحركة الاقتصاديّة تحت النّفوذ الأُسريّ الممتدّ منذ الوجود العثمانيّ.

فقام بعض الضبّاط الذي يعودون لأُسر فلاحيّة فقيرة من تنفيذ انقلاب آخر، تمكّنوا من إزالة نفوذ معظم تلك الأُسر من دون التّعرضّ بشكل مباشر لمكانة تلك البيوتات والأُسَر والشّخصيّات التي تمثّلها. لكنّ هذا النَّفَس الإقطاعيّ القديم الذي كان سائدًا على الحياة السّياسيّة السّوريّة هو الذي زال وانتهى، ليحلّ محلّه نظام سياسيّ جديد، فتح المجال أمام شخصيّات من أُسَر معدومة، لتصبحَ صاحبةَ موقع سياسيّ سياديّ في الدّولة.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 541 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 541 آذار/مارس 2024

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 541 في آذار/مارس 2024.

[1]هيثم علي الصَّدْيان: دكتوراه في اللغة العربيّة وآدابها، تخصّص نقد أدبيّ حديث.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز