مقدمة

تتغير حدود حقل السياسي باستمرار وفقًا لتغير الطاقات والقوى التي تتصل بعضها ببعض أو تنفصل طلبًا للغلبة‏[1]، أو الصراع حول الخيرات والسلط والرموز، عبر صور متعددة، صريحة تارة وخفية تارة أخرى‏[2]. فالسياسة هي ضرورة قهرية للحياة الإنسانية، سواء تعلق الأمر بالوجود الفردي أو الاجتماعي، لأن الإنسان لا يعيش مكتفيًا بذاته، لكن معتمدًا على الآخرين، بالنسبة إلى وجوده نفسه، يجب أن يكون ثمة قلق يتعلق بشأن وجود الجميع، من دونه لا يمكن الحياة المشتركة أن تكون ممكنة، فمهمة السياسة وغايتها تتمثل بضمان الحياة بالمعنى الواسع للكلمة‏[3]، ضمن إطار يسمح لكل الفاعلين أن يتكونوا وأن يتصرفوا بحرية‏[4]، وهذه الحرية هي التي تعطي معنى للوجود السياسي نفسه‏[5].

انطلاقًا من ذلك، يصبح السؤال عن ماهية السياسي اليوم، ليس مجرد بحث في أشكاله التقليدية أو مجالات نفوذه، بل في الأسس التي يقوم عليها وجوده، إذ إن التحولات العميقة التي يعرفها عالمنا تفرض إعادة النظر في التصورات المألوفة عن الذات الفاعلة، وفي المعايير التي تمنحها شرعيتها ومكانتها داخل الحقل السياسي، إذ لم يعد ممكنًا الركون إلى التصورات الكلاسيكية التي جعلت من الدولة والسيادة والتمثيل السياسي مرجعيات ثابتة.

على هذا الأساس، تبدو رؤية جاك دَريدا حول الحدود الفاصلة بين الإنسان والحيوان‏[6]، مدخلًا نقديًا يوازي التحولات الراهنة في السياسة، إذ إن التشكيك في «خاصية الإنسان» كاللغة والعقل والوعي يوازي، في المستوى السياسي، التشكيك في مركزية الذات الفاعلة وفي استقرار الموضوع السياسي الكلاسيكي. وكما أن «نظرة الحيوان» تزعزع ثقة الإنسان بذاته، فإن الفعل السياسي داخل الفضاء الرقمي يكشف عن هشاشة التصنيفات التقليدية للفاعلين، ويضع استقلالية الأنا السياسية أمام اختبار وجودي جديد.

في السياق نفسه، يلتقي نقد ميشيل فوكو لمفهوم «السلطة»‏[7]، في الأدبيات السياسية الحديثة، مع أطروحة «ما بعد الإنسانية»؛ فتحليل السلطة قبل فوكو كان مقترنًا بالقانون والسيادة والحكام، من دون أي اهتمام بالطريقة التي تمارَس بها السلطة ماديًّا، ومن دون أي بحث في ذاتيتها وتقنياتها وتكتيكاتها، لذلك نجد أن «فوكو» قد بذل جهودًا كبيرة لإخراج موضوع السلطة من دائرة المحاكمات السياسية والبحث الفلسفي النظري الفجّ، والدفع بها إلى دائرة الواقع المباشر والحدثية الآنية‏[8]، ففي الوقت الذي تشهد «فكرة السياسية» تحولات عميقة بفعل تداخل مجالاتها وظهور فاعلين جدد داخل الفضاء السياسي التقليدي، تظهر تأثيرات جذرية تتجاوز مجرد إعادة تعريف الدولة ضمن أطرها المفاهيمية التقليدية كالسلطة، والسيادة، والمواطنة، أو الديمقراطية‏[9]. وهي أسئلة ربما كانت لها أهميتها وملحاحيتها في أوقات سابقة من القرن العشرين‏[10]، لكن مع التحولات التكنولوجية الراهنة، لم يعد ممكنًا اختزال النقاش السياسي في حدود الدولة – الأمة أو في أنماط السيادة الكلاسيكية، بل بات لزامًا التفكير في أفق جديد، حيث تنصهر الحدود بين الواقعي والافتراضي، وتذوب الثنائية التقليدية بين الإنسان والتقنية، فالذكاء الاصطناعي والرقمنة لا يمثلان مجرد أدوات (محايدة) في يد الإنسان، بل يمثلان قوة فاعلة، تعيد صوغ العلاقة بين الأفراد، وتحول بنية السلطة وممارستها، وتفرض علينا إعادة التفكير في الأسس الأنطولوجية للسياسة نفسها. هنا يظهر سؤال «ما بعد الإنسان» ليس كترف فكري، بل كضرورة نظرية وعملية لمواكبة انتقال الإنسان من كونه الفاعل المركزي في السياسة إلى جزء من شبكة أوسع من الذوات الإنسانية وغير الإنسانية، حيث تتحول الخوارزميات والمنصات الرقمية إلى أطراف شريكة في إنتاج القرار وصناعة الرأي العام.

يدخلنا هذا التحوُّل في مرحلة جديدة أطلق عليها في هذه الدراسة «ديمقراطية ما بعد الإنسان»، حيث يصبح جوهر السؤال السياسي هو: كيف نعيد تعريف مفاهيم السلطة، والمواطنة، والمشاركة، في زمن تتحكم فيه البيانات، وتدار فيه التفاعلات الاجتماعية عبر وسيط رقمي يتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية؟ من هنا، يتحدد السؤال المحوري لهذا المقال على النحو الآتي: كيف ساهمت تحولات الفضاء الرقمي في إعادة تعريف الفعل السياسي ضمن أفق «ما بعد الإنسان»، وما أثر ذلك في مفاهيم المشاركة والديمقراطية في زمن الرقمنة والذكاء الاصطناعي؟ للإجابة عن هذا السؤال، سوف أعتمد على المنهج التحليلي، في إطار حقل العلوم السياسية، بالارتكاز على تحليل المفاهيم وتفكيك النظريات وربطها بالأبعاد الأنطولوجية والسياسية للظاهرة المدروسة. وعليه سنقسم مقالنا إلى أربعة محاور، نناقش في الأول نظرية ما بعد الإنسان وإعادة تعريف الفاعل السياسي داخل الفضاء الرقمي. ونحلل في الثاني أسئلة الوجود الرقمي – الافتراضي وتجاوز الفصل التقليدي بين الإنسان والآلة. أما المحور الثالث، فنخصصه لديناميات المشاركة الرقمية وكيف تتحول التفاعلات الفردية إلى فعل سياسي جمعي، في حين نترك المحور الرابع لنعالج فيه إمكان الانتقال من الديمقراطية الرقمية إلى مفهوم ديمقراطية ما بعد الإنسان، في اتجاه إعادة تعريف الذات السياسية في عصر الرقمنة والذكاء الاصطناعي.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 567 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 567 أيار/مايو 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 567 في أيار/مايو 2026.

عثمان سحبان: باحث في سلك الدكتوراه، كلية العلوم القانونية والاقتصادية
والاجتماعية، جامعة القاضي عياض، مراكش – المغرب.

الصورة من غيتي.

[1] كارل شميت، مفهوم السياسي، ترجمة سومر المير محمود (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2017)، ص 52.

[2] محمد سبيلا، للسياسة بالسياسة في التشريح السياسي، ط 2 (الدار البيضاء: أفريقيا الشرق، 2010)، ص 9.

[3] حنة أرندت، ما السياسة؟، ترجمة وتحقيق زهير الخويلدي وسلمى بالحاج مبروك (الرباط: دار الأمان، 2014)، ص 34.

[4] آلان تورين، نقد الحداثة، ترجمة أنور مغيث (القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة، 1997)، ص 419.

[5] جون ستيوارت ميل، عن الحرية، ترجمة هيثم كامل الزبيدي (عمّان: الأهلية للنشر والتوزيع، 2007)، ص 19.

[6] Jacques Derrida, L’Animal que donc je suis, édition établie et préfacée par Marie-Louise Mallet (Paris: Galilée, 2006), p. 28.

[7] نتحدث عن مفهوم السلطة هنا بوصفها موضوعًا لعلم السياسية، وهي الفكرة نفسها التي يدافع عنها جويدو بارييتي (Guido Parietti) في كتابه حول مفهوم السلطة بالقول إن السلطة هي «أكثر المفاهيم السياسية مركزية»، وأنه «إذا كانت السياسة تعرف بالسلطة، كما هي الحال غالبًا، وكما يؤكد بارييتي أنها كذلك حقًا، فعندئذ إذا لم نفهم السلطة، فلن نفهم السياسة». انظر: Guido Parietti, On the Concept of Power: Possibility, Necessity, Politics (New York: Oxford University Press, 2022), pp. 157-185.

[8] رشيد الحاج صالح، الإنسان في عصر ما بعد الحداثة (الشارقة: دارة الثقافة والإعلام، 2013)، ص 50.

[9] عزمي بشارة، مسألة الدولة: أطروحة في الفلسفة والنظرية والسياقات (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2023)، ص 9.

[10] في وصف حالة الديمقراطية في مواجهة ما بعد الحداثة أو موجة الحداثة الثانية، خلال القرن العشرين، كتبت صحيفة الغارديان: «على ما يبدو، إن الانحدار النهائي هو شارع ذو اتجاه واحد، نهايته المقبرة. نحن نعيش الآن في أوقات «ما بعد الديمقراطية» أو «ما بعد السياسة». إن فكرة السياسة، أو بتعبير أدق الديمقراطية كشكل من أشكال الحكم للشعب، من قبل الشعب، ومن أجل الشعب، كما عبر عنها أبراهام لنكولن ببراعة في خطاب «جيتيسبيرغ»، قد ذبلت في وهج العولمة، والتجريد من الجنسية، ونظرية الاختيار العام، والليبرالية الجديدة، واللامبالاة، والعديد من الأمراض الأخرى». ورد عند: رشيد كديرة، الدولة الإدارية وحدود الديمقراطية: نقد لاهوت الدولة الدستورية الليبرالية كارل شميت مواجها هانس كلسن، تقديم رشيد علمي الإدريسي (المغرب: الأكاديمية المدنية للديمقراطية وحقوق الإنسان، 2024)، ج 1: القياس النظري القراري للدولة الإدارية في السياق الفيدرالي الألماني والأمريكي، ص 13.

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز