مقدمة

نادرًا ما تُرسم علاقات مباشرة بين المعتقدات الدينية السائدة في دولة ما وصناعة سياستها الخارجية. وحتى في ظل النشاط الديني السياسي الواسع الانتشار في الولايات المتحدة فإن الكثيرين يقللون من أهمية الدين في الخطاب السياسي الأمريكي، بل يطالبون بإهماله في تحليل صنع القرار السياسي بدعوى غياب أي تأثير له، مفضلين التركيز على الشؤون الاستراتيجية والسياسية والاقتصادية. وبالنظر إلى تزايد نفوذ التيار الإنجيلي الصهيوني في الولايات المتحدة الأمريكية، الذي أصبح له تأثير كبير في سياسات الولايات المتحدة تجاه القضية الفلسطينية، حيث ساهم في تعزيز التحالف الأمريكي – الإسرائيلي بصورة غير مسبوقة، وتبنى مواقف مطابقة تقريبًا لمطالب اليمين الإسرائيلي. وقد تحول هذا التيار إلى قوة ضغط داخلية في الولايات المتحدة مستفيدًا من تحالف مصالح بين المحافظين الإنجيليين الذين تحركهم دوافع دينية، واللوبي اليهودي المحكوم بولائه لـ «إسرائيل»، واليمين الأمريكي الساعي لمواجهة النفوذ الليبرالي والديمقراطي. وضم في صفوفه أسماء وازنة في صناعة القرار الأمريكي، كالرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون (1969 – 1974)، والرئيس جيمي كارتر (1977 – 1981)، والرئيس رونالد ريغان (1981 – 19889)، والرئيس جورج بوش الابن (2001 – 2009).

وأزعم أن مساندة الصهيونية المسيحية لـ «إسرائيل» لم تحظَ بالاهتمام الكافي في معظم الدراسات التي حاولت تفسير خصوصية العلاقات الأمريكية – الإسرائيلية، والتي ركزت في معظمها على دور اللوبي اليهودي أو على المصالح الاستراتيجية الأمريكية.

لذا ستقوم هذه الدراسة بتحليل تأثير تيار الصهيونية المسيحية في صناعة السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القضية الفلسطينية لتقييم الكيفية التي تدخلت بها المعتقدات الدينية في قرارات صانعي السياسات الأمريكيين في الماضي وتستمر في ذلك حتى اليوم. ومن أجل ذلك سيتم فحص جذور «الصهيونية المسيحية» وتطورها لفهم كيف تحوَّلت المعتقدات الإنجيلية إلى نشاط سياسي داعم لـ «إسرائيل» من منطلق أن إعادة بناء دولة يهودية في «أرض الميعاد» شرط ضروري ولازم لعودة المسيح المخلِّص.

أولًا: الخلفية النظرية للصهيونية المسيحية

يلاحَظ عند الحديث عن الشأن السياسي أنه كثيرًا ما يُقلل من شأن تأثير المعتقدات الدينية في المناقشات السياسية تحت ستار الحياد أو حفاظًا على مبدأ فصل الدين عن الدولة. إلا أنه سيتم توضيح أن المعتقدات لا يمكن تجنبها، وقد تؤثر في السياسات بطرائق متعددة. حيث تُشير جنيفر جيفريز في دراستها عن تأثير الدين في العنف إلى أنه «في عصر العلمنة من المهم تقييم أهمية المعتقد، لأنه كثيرًا ما يُتجاهل حيث لا يُعدّ متغيرًا يُفهم تقليديًا على أنه عقلاني أو قابل للتنبؤ». ورغم أن كل المعتقدات لا يمكن حسبانها دينية، فإن كل شخص يتصرف ويتخذ آراءه بناءً على ما يراه صحيحًا أو عادلًا. صحيح أن هناك عوامل أخرى تساهم في اتخاذ القرارات، إلا أن نظرة الفرد إلى العالم كما تُحددها معتقداته تؤثر في نهجه تجاه القضايا‏[1]. وهذا بالضبط ما يسري على الإنجيليين الصهاينة الذين يؤمنون بأن قيام دولة «إسرائيل» وبسط سيادتها على كامل «أرض الميعاد» – الممتدة من نهر الأردن إلى البحر المتوسط – هو جزء من النبوءات التوراتية التي يجب تحقيقها كتمهيد لعودة المسيح المخلص. وبناءً على ذلك يرون أن دعم «إسرائيل» التزام ديني يهدف إلى الإسراع في تحقيق المجيء الثاني للمسيح المخلِّص الذي وفقًا لمعتقداتهم سيقود في نهاية الزمان معركة «هرمجدون»‏[2] الحاسمة بين قوى الخير وقوى الشر‏[3].

يُستخدم مصطلح «الصهاينة المسيحيون» للإشارة إلى المسيحيين المؤيدين للصهيونية الذين يدعمون دولة «إسرائيل» بحماسة ومن دون نقد، لأسباب لاهوتية، ولا سيَّما في ما يتعلق بسياساتها التوسعية الإقليمية. ومن خلال هذا الدعم، فإنهم – عن وعي أو عن غير وعي – يبررون أو يتغاضون عن الظلم والقمع الذي يعانيه السكان غير اليهود‏[4].

وقد كتبت غريس هالسل (Grace Halsell) كتاب Forcing God’s Hand سنة 2003 تناولت فيه الدعم الإنجيلي لـ «إسرائيل» ومطالب هذا التيار. وتذهب أطروحتها إلى أن المسيحيين الإنجيليين يدعمون هذه الدولة الصغيرة «إسرائيل» واليهود لأنهم يريدون «إرغام يد الله» لإشعال حرب عالمية تُسرع بعودة المسيح. وبحسب رأيها فإن الحركة الصهيونية تُشبه طائفة دينية خطيرة‏[5].

ويقترح فاث تعريفًا محدودًا لهذا التيار يركز على الإيمان بالنبوءة، حيث يقول: ما المقصود بـ «الصهيونية المسيحية»؟ تشير هذه العبارة إلى حركة تؤمن بأن النبوءات التوراتية تُعلن عن العودة الكاملة للشعب اليهودي إلى أرض «إسرائيل» وهو ما يُعرف بموضوع «استعادة إسرائيل». يؤمن هؤلاء المسيحيون الصهاينة بإعادة بناء «إسرائيل» ويُطلق عليهم أيضًا اسم «الاستعاديين أو الإحيائيين». وهم يرفضون فكرة أن الوعود التوراتية التي قُطعت لـ«إسرائيل» القديمة قد أصبحت لاغية‏[6].

وتعرف الصهيونية بأنها حركة سياسية عنصرية، تهدف إلى إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين بدعم من القوى الكبرى، وتقوم على مفهومين: الجذب (تجميع اليهود) والطرد (طرد السكان الأصليين العرب) بدعوى عودة اليهود إلى أرض أجدادهم‏[7].

أما القس دونالد واغنر فقد عرّف الصهيونية المسيحية بأنها «حركة داخل الأصولية البروتستانتية ترى أن الدولة الحديثة لـ«إسرائيل» هي تحقيق لنبوءات الكتاب المقدس، وبالتالي تستحق الدعم السياسي والمالي والديني». وهذا يعني بدوره دعم سيادة «إسرائيل» على كامل فلسطين التاريخية بما في ذلك القدس. وجادل تيودور هرتزل في كتابه دولة اليهود بأن الحل الأمثل لليهود الذين يبحثون عن الأمان في عالم معادٍ للسامية هو تأسيس دولة قومية يهودية مستقلة. وكانت فكرة الصهيونية المسيحية موجودة منذ قرون في جذور تعود إلى اللاهوت البروتستانتي في القرن السادس عشر المعروف باسم الاسترداد المسيحي. وقد استخدم هرتزل مصطلح «الصهيوني المسيحي» عند الإشارة إلى المسيحيين الداعمين لفكرة الأرض الموعودة. غير أن مصطلح «الصهيونية المسيحية» لم ينتشر على نطاق واسع إلا في أواخر القرن العشرين‏[8].

وفي المؤتمر الصهيوني السابع والعشرين الذي عُقد في القدس عام 1968، تم تعريف الصهيونية وفقًا لخمسة مبادئ، هي: (1) وحدة الشعب اليهودي ومركزية «إسرائيل» في الحياة اليهودية؛ (2) جمع شتات الشعب اليهودي في وطنه التاريخي «أرض إسرائيل»؛ (3) تعزيز دولة «إسرائيل»؛ (4) الحفاظ على هوية الشعب اليهودي؛ (5) حماية الحقوق اليهودية. وترى ريجينا شريف أن الصهيونية السياسية هي «أداة أيديولوجية لتعبئة الدعم الدولي لدولة يهودية حصرية في فلسطين». وتشير إلى أنه في عام 1975 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار الرقم 3379 (الدورة 30) الذي عرَّف الصهيونية بأنها «شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري». ومنذ ذلك الحين لم يعد من المقبول سياسيًا النظر إلى الصهيونية على أنها مجرد حركة تحرر وطني لليهود. وقد كتب يوري دايفيس ربما أكثر الكتب نقدًا لتحقيق الهدف الصهيوني عنونه إسرائيل: دولة الفصل العنصري. ويعتقد هؤلاء الصهاينة المسيحيون وغيرهم أن دولة «إسرائيل» الحديثة والصهيونية بوجه عام هي بتكليف إلهي، وتحقيق لوعد الله لإبراهيم: «سأبارك مباركيك، وألعن لاعنيك، وتتبارك فيك جميع قبائل الأرض» (سفر التكوين 12: 3). لهذا يقول هال ليندسي (Hal Lindsey) إن مركز النبوءة بأكملها هو دولة «إسرائيل». ويرى الصهاينة المسيحيون أنفسهم مدافعين ومناصرين للشعب اليهودي، وبوجه خاص لدولة «إسرائيل». يشمل هذا الدعم معارضة من يُعدّون ناقدين أو معادين لـ«إسرائيل». ومن النادر، بالتالي، أن تجد صهاينة مسيحيين يشعرون بتضامن مماثل مع الفلسطينيين‏[9].

تعرَّف المسيحية الصهيونية كذلك بأنها «المسيحية الداعمة للحركة الصهيونية، التي تتمشّى مع الفكر الصهيوني في تفسير الكتاب المقدس لخدمة اليهود والصهاينة في الأرض المقدسة»، والبعض يُعرفها بأنها أي فكر مسيحي يؤيد فكرة قيام دولة «إسرائيل»، وعودة اليهود جميعهم إلى الأرض المقدسة، وزعمهم أن أرض فلسطين كلها ملك لليهود وفقًا للوعد الإلهي المزعوم، وهي تعرَّف أيضًا بأنها أي أيديولوجيا تتبنى الفكر الصهيوني، وتحوله إلى لاهوت وتعمل على تحقيقه. تذهب بعض الكتابات أيضًا إلى تعريف المسيحية الصهيونية بأنها دعم مسيحي خالص للصهيونية ومبادئها وفكرها، وقد لخصتها غريس هالسل بقولها: «إن جميع أعمال «إسرائيل» تقود إلى الله، ويجب على الجميع تأييدها ومدحها. كذلك تعرَّف المسيحية الصهيونية بأنها مجموعة معتقدات صهيونية منتشرة في الوسط المسيحي وبخاصة البروتستانتي التي تدعم قيام دولة «إسرائيل»، وتشجع على عودة اليهود أجمع إلى الأرض المقدسة، بوصفها حقًا دينيًا وتاريخيًا لليهود على قاعدة أن عودة اليهود هي تصديق للكتاب المقدس، وتمهيد لعودة المسيح الثانية إلى الأرض‏[10].

عمومًا، وبناءً على هذا المنطق اللاهوتي، تعَدّ الصهيونية المسيحية حركة دينية يدعو أنصارها إلى قيام دولة يهودية في «إسرائيل». ينتمي أغلبية هؤلاء الأنصار إلى الطائفة الإنجيلية البروتستانتية، ويؤمنون بأن عودة اليهود إلى الأرض المقدسة في «إسرائيل»، وإنشاء دولة يهودية في تلك الأرض عام 1948، حدث ضروري لتحقيق نبوءات الكتاب المقدس. ويعتقد الصهاينة المسيحيون أن السيادة اليهودية في «إسرائيل» تُعَدُّ خطوة ضرورية لوقوع معركة هرمجدون وعودة المسيح المخلِّص، وهي الهدف الأساسي للحركة. علاوة على ذلك يعتقد بعض الصهاينة المسيحيين أن عودة جميع اليهود إلى «إسرائيل» تُعدُّ شرطًا مسبقًا لهذه العودة. إن ما يبرز أهمية الأيديولوجيا الدينية للصهاينة المسيحيين الأمريكيين هو هذا الموقف تجاه الأرض المقدسة‏[11].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 569 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 569 تموز/يوليو 2026

أوراق ذات صلة:

مؤسسات الحركة الصهيونية العالمية ودورها في بقاء إسرائيل

الصهيونية الدينية بعد 7 أكتوبر: الاستعادة السافرة للإبادة والاقتلاع، وإقلاع مشروع إسرائيل العظمى

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 569 في تموز/يوليو 2026.

مصطفى بخوش: أستاذ العلاقات الدولية، جامعة محمد خضر،
كلية الحقوق والعلوم السياسية، بسكرة – الجزائر.

[1] Rachel Sarah Wills, «Picking Sides in the Arab-Israeli Conflict: The Influence of Religious Belief on Foreign Policy,» (Master’s Thesis, Faculty of the Robertson School of Government, Regent University, Virginia April 2012), p. 2.

[2] معركة هرمجدون نبوءة توراتية يؤمن بها أنصار الصهيونية المسيحية فوفقًا لسفر الرؤيا في العهد الجديد. لمزيد من التفصيل، انظر: Claude Dubar, «La Fin des temps: Millénarisme chrétien et temporalités,» Temporalités, vol. 12 (2010), <http://journals.openedition.org/temporalites/1422>.

[3] Eric R. Crouse, American Christian Support for Israel: Standing with the Chosen People, 1948-1975 (Lanham: Lexington Books, 2015), p. 7.

[4] Mark Harlan, «Christian Zionism: A Missiological Emergency: Evangelical Missiologicalm,» Contemporary Issues in Evangelical Missiology, vol. 3, no. 1 (2023), p. 93.

[5] Katia Batut, «Le Sionisme chrétien contemporain aux États-Unis, Entre religion et politique,» (Thèse de doctorat, Université de Montréal et Université Bordeaux-Montaigne juillet 2014), p. 94.

[6]        Ibid., p. 91.

[7] عبد الكريم الحسيني، الصهيونية، الغرب والقدس والسياسة (القاهرة: شمس للنشر والتوزيع، 2010)، ص 28.

[8] Crouse, American Christian Support for Israel: Standing with the Chosen People, 1948-1975, p. 8.

[9] Stephen Sizer, Christian Zionism: Its History, Theology and Politics (AAARGH. Internet Editions 2005), p. 3, <http://aaargh.vho.org/fran/livres2/SIZERchriszion.pdf>.

[10] مراد شمس الدين صلاح بريك، «تأثير الرؤية اللاهوتية الفلسطينية على موقف الكنائس الإنجيلية في الولايات المتحدة الأمريكية من الصراع العربي الإسرائيلي،» (رسالة ماجستير، جامعة النجاح الوطني، نابلس – فلسطين 2022)، ص 8.

[11]       Batut, «Le Sionisme chrétien contemporain aux États-Unis, Entre religion et politique,» p. 84.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز