مقدمة

يُعَدّ تعريف الخصم، ومعرفة أبعاده بدقة، أحد أهم عوامل النجاح في مواجهته، فَمِن دون معرفةٍ وفهمٍ حقيقيَّيْن بطبيعة خصمك، لن تكون قادرًا على استيعاب عناصر قوته، وحجم ما يمتلكه منها، وكذلك العمل على عناصر الضعف الكامنة فيه، والتخطيط على كل هذه الأُسُس.

الحقيقة التي لا ينبغي إنكارها، هي أن عملية «طوفان الأقصى»، في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023، والتطورات التي تلتها، كشفت عن عَوَار كبير في فهم محور المقاومة، دولًا وحركات، وحتى على مستوى الرأي العام المؤيِّد لمشروع المقاومة، لماهيَّة إسرائيل، من منظور نظرية الصراع الاجتماعي المُمتد بحسب تصنيف إدوارد عازار للصراع العربي – الإسرائيلي‏[1]؛ حيث أغفَلَت هذه الأطراف عدَّة أمور ذات صفة موضوعية مرتبطة بإسرائيل، كون الأخيرة نتاج عمل طويل المدى للحركة الصهيونية. استغرق هذا «العمل» (إقامة إسرائيل) قرابة قرنَيْن من الزمان من عمل متعدد الأبعاد، السياسية والعسكرية والاجتماعية والاقتصادية وغيرها، على أرض الواقع، لتحقيقه، وسبقتها قرون أخرى من الإعداد المعنوي والسياسي والمجتمعي، بحيث يمكن القول إن الحركة الصهيونية بدأت فعليًّا عقب موجات الهجرة اليهودية من شرق أوروبا ووسطها، ومن الأندلس بعد سقوطها، إلى الدولة العثمانية، في القرن الخامس عشر الميلادي‏[2].

وبعد قيام إسرائيل، حتَّمت طبيعة الدولة الناشئة، والظروف التي تأسست فيها، أنْ يستمر الإطار المؤسسي الذي اتخذته الحركة الصهيونية منذ المؤتمر الصهيوني العالمي الأول في بازل السويسرية، عام 1897، بعد تأسيس الدولة، بالسياسات نفسها، والمستوى نفسه من الفاعلية، إضافة إلى مراعاة مستجدات الأحوال والزمن!

لذلك؛ فإن توصيف إدوارد عازار الصراع العربي – الإسرائيلي، والقضية الفلسطينية بالتحديد، بوصفها صراعًا اجتماعيًا مُمتدًّا هو التوصيف الأدق؛ إذ إن القضية ليست صراعًا تقليديًّا بين فاعلِين دوليِّين طبيعيِّين بحسب تعبير القانون الدولي، على قدم المساواة، سياسيًّا وقانونيًّا، وإنما هي صراع بين طرفَيْن غير متساويَيْن، استولى طرف منهما لم يكن له أيُّ وجود اجتماعي أو كيان سياسي، على حقوق الآخر في أرضه وإرثه؛ فأصبح كل طرف منهما يمثِّل عاملَ نَفْي للآخر، والصراع بينهما، بات وجوديًّا، وهو ما يتطلب عملًا مستمرًّا من كلَيْهما، وخصوصًا من الطرف الذي استولى على حقوق الطرف الآخر، ويعلم أن صاحب الحقوق لن يتخلى عنها، وسوف يسعى لاستعادتها، مهما طال الزمن، وبكل الوسائل.

هذا هو المنطق الذي على أساسه استمرت مؤسسات الحركة الصهيونية في مرحلة ما بعد إقامة الدولة عام 1948، ولعل دورها في ما تلى التأسيس، أكثر أهمية كثيرًا لعدة أسباب، أهمها أن إسرائيل باتت أكبر بؤرة لتجميع يهود العالم، بحيث يتحول أيُّ تهديد لها، إلى تهديد مباشر للجماعة اليهودية بأكملها‏[3].

في الحقيقة، ليس من السهولة بمكان دراسة ظاهرة متعددة الأبعاد مثل الحركة الصهيونية، لعدة أسباب، منها ما يتعلق بالطابع التآمُري الذي فرض الكثير من السِّرِّيَّة على خططها وسياساتها، مع وجود أكثر من نقطة زمنية يمكن تحديدها كبداية للحركة الصهيونية.

وتحديد نقاط البداية ضروري لإقامة نموذج تفسيري صحيح لطبيعة الأدوار التي لا تزال مؤسسات الحركة الصهيونية تؤديها؛ إذ إن هذه الأدوار متوارثة منذ قرون طويلة عن مؤسسات وأطر تنظيمية أخرى نشأت لتحقيق مصالح الجماعة اليهودية في أوروبا ومناطق أخرى من العالم، وضمان مصالحها التي كانت في معظمها اقتصادية، إلى جانب الوظيفة الأمنية.

من الأمور التي ينبغي فهمها أيضًا عند دراسة ظاهرة مثل الصهيونية، والمؤسسات التنفيذية لها إنْ صح التعبير، طبيعة الجماعات البشرية التي تتبنَّى الفكرة الأصولية لها، وتدعم الظاهرة في المجال الحَرَكي، العَمْلاني، الذي تتحرك في إطاره المؤسسات التنفيذية.

ويعَدّ هذا أمرًا عظيم الأهمية، في حالة الحركة الصهيونية، في الجانب السياسي والمجتمعي لتأثيرها، حيث استنادها إلى مقولات دينية تتماسُّ مع العقيدة المسيحية، وبصفة خاصة البروتستانتية المحافِظة، رَبَط خطط ومشروعات اليهود في فلسطين والمشرق العربي، وعبر العالم، بقوىً كبرى لها نفوذها المتعدد الأبعاد، وتأثيرها الكبير في السياسات العالمية بأكملها، وتتحكم في موارد هائلة، لا غنىً عنها لتنفيذ هذه النوعية من الخطط والمشروعات.

والدِّين، كما نعلم، هو من بين أهم العناصر التي تمثِل حَرَكيَّات الأمم والمجتمعات، حتى في المجتمعات العلمانية، أو التي تتظاهر بأنها علمانية.

والتأثير المجتمعي الذي نقصده، مصطلح أعمق من الماصَدَق المباشر الذي يقفز إلى الذهن عندما نتكلم على الجانب المجتمعي في أيِّ بلد؛ حيث يتصل بعدد من الأمور السياسية ذات الأثر العميق، من خلال تحريك الرأي العام، في هذا البلد أو ذاك، لتحقيق أهداف مهمة، مثل التأثير في نتائج انتخابات، أو دفع الرأي العام لممارسة ضغوط على حكوماته لاتخاذ قرارات بعينها، ترغب فيها إسرائيل والحركة الصهيونية.

وفق هذا المنظور فإن لإسرائيل «أصدقاء» وحلفاء أقوياء عبر العالم، وبصفة خاصة، المناطق التي انتشر فيها الأنكلو – ساكسون الإنجيليون، مع انتشار الاستعمار البريطاني، وبخاصة الاستعمار الاستيطاني في قارات العالم الجديد، مثل أستراليا وأمريكا الشمالية، الذين تتفق عقيدتهم الإيفانجليكانية مع مقولات مهمة للديانة اليهودية، مثل عقيدة «الماشيح» أو «الماشيح المُخَلِّص» التي تبشِّر بالنزول الثاني للسَّيِّد المسيح (عليه السلام)؛ حيث الكنيسة الإنجيلية أو الإيفانجليكانية البريطانية (Evangelical Anglicanism) البروتستانتية العقيدة، أهم الكنائس التي تتبنَّى هذه الرؤى.

في هذا الإطار، نحاول في هذه الورقة إعادة إنتاج مفهوم الحركة الصهيونية ومؤسساتها، تاريخيًّا، وحَرَكيًّا، ورصد عدد من المعالم المتعلقة بطبيعة الإسناد الذي تقدمه إلى الدولة العبرية، الذي هو حرفيًّا ما يضمن بقاء إسرائيل كدولة ومجتمع، ويجعل إسرائيل، كيانًا عابرًا للحدود والإقليم، ويتطلب بذلك طرائق مختلفة تمامًا للتخطيط لمواجهته.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 566 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 566 نيسان/أبريل 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 566 في نيسان/أبريل 2026.

أحمد التلاوي: باحث مصري في شؤون التنمية السياسية.

[1] يعرِّف عالم السياسة والاجتماع الأمريكي من أصل لبناني، إدوارد عازار، الصراعات الاجتماعية المُمتدَّة، على أنها صراعات ذات منطلقات عرقية أو دينية أو لغوية، انتقلت من مستوى الصراع بين دول وحكومات إلى مستوى المجتمعات والأفراد، بحيث تتحول من صراعات على مصالح حيوية، سياسية أو اقتصادية مثلاً، إلى صراعات وجودية تقوم على نَفْي أحد طرفَيْها أو أطرافها للآخر، أو للآخرين، وحدد لذلك نماذج، منها الصراع العربي – الإسرائيلي والقضية الفلسطينية، والحرب الأهلية الرواندية في التسعينيات، ونضيف إليها الحرب الأهلية في يوغسلافيا السابقة. للمزيد، انظر: نصر محمد عارف، «الصراع الاجتماعي المُمتَدُّ.. خطر قادم،» الأهرام، 11/11/2024،     <https://gate.ahram.org.eg/daily/News/961374.aspx>.

[2] يرى بعض المؤرخين، ومنهم قاسم عبده قاسم، أن البدايات الحقيقية للمشروع الصهيوني في فلسطين، من خلال عمل فِعليٍّ على الأرض، جاءت من يهود الدولة العثمانية، ويحدد قاسم القرن السابع عشر نقطة زمنية لذلك، عندما أَسَّس اليهود «حركات التحرير» التي تدعو إلى هجرة اليهود إلى فلسطين التي كانت تحت الحكم العثماني، بوصفها «أرض الميعاد».. للمزيد انظر: هدى درويش، حقيقة يهود الدَّوْنَمَة في تركيا – وثائق جديدة، تقديم قاسم عبده قاسم (القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 2003)، ص 7.

[3] بحسب إحصاءات أعلنتها «الوكالة اليهودية لإسرائيل»، في تشرين الأول/أكتوبر 2024، بمناسبة رأس السنة اليهودية الجديدة، بلغ عدد يهود العالم 15.8 مليون نسمة، منهم 7.3 مليون في إسرائيل، ومن بين الـ8.5 مليون الآخرين، يقيم 6.3 منهم في الولايات المتحدة، كأكبر مركز سكاني لليهود في العالم بعد إسرائيل، تليها فرنسا بـ438 ألفًا، ثم كندا بـ400 ألف.. للمزيد، انظر: «زيادة قدرها 100 ألف نسمة عن العام الماضي… كم يبلغ عدد اليهود في العالم؟،» الشرق الأوسط، 3/10/2024،  <https://tinyurl.com/mwdrtbvh>.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز