مقدمة

إن التاريخ الإنساني محكوم بالقوة، بل هو في تجسده الواقعي حصيلة صراع القوى، إلا أن أشكال القوة وتمظهراتها هي التي تختلف من عصر إلى آخر، فقد كانت القوة العسكرية هي  الحاكمة، بل أبرز مظاهر القوة في عصر المجتمع الزراعي، ثم شيئًا فشيئًا بدأت القوة الاقتصادية تتعاظم لتصبح أبرز مظاهر القوة مع الانتقال إلى المجتمع الصناعي، ومع التطور وبروز عصر المعرفة والتكنولوجيا أصبحت القوة الناعمة، والممثلة بالثقافة والقيم والأيديولوجيا أحد أهم عناصر القوة في العلاقات الدولية، إضافة إلى القوتين العسكرية والاقتصادية[1].

وقد تعاظم الاهتمام بمفهوم القوة لأنها مثلت نقطة محورية في العلاقات الدولية، حيث قامت عليها منظورات العلم الكبرى في النموذج المعرفي الغربي، وجاءت انعكاسًا للدول الكبرى في النظام الدولي، وترسيخًا لهيمنتها، ومن ثم كانت الواقعية كأساس للحديث عن القوة الصلبة وبخاصة العسكرية، حيث يرى دايفيد ماريس أن المقدرات العسكرية النسبية هي المصادر والموارد الأساسية التي من خلالها يتاح للدولة ممارسة نوع مهم من التأثير في النظام الدولي، وذلك لأسباب تتعلق بطبيعة نظام الدولة، الذي عادة ما يكون مستميتًا في تحصيل موارد ومقدرات الدفاع بوصفها عوامل حازمة وفاعلة تسمح بقدر من التأثير وممارسة النفوذ[2].

لكن مع التغير في النظام الدولي والاتجاه نحو قوة مغايرة تعتمد على أساليب أخرى مع تراجع القوة العسكرية، ظهر الحديث عن القوة الاقتصادية وأطر التعاون وحقوق الإنسان في ظل الليبرالية، ثم ظهرت أوجه أخرى للقوة تتجه نحو القيم والهوية في ظل البنائية، وذلك لتعدد منظورات العلم الكبرى في تمثيلها القوة، التي اتخذت أبعادًا وأشكالًا متعددة لحماية الأهداف والمصالح للدول الكبرى والمهيمنة، والتي اعتمدت بدرجة كبيرة في المرحلة الراهنة على القوة الناعمة[3]. لذلك ظهرت اتجاهات جديدة تتحدى الواقعية، ومنها العالمية، وعبر القومية، والاعتماد المتبادل، وجميعها تبحث في منظورات جديدة تفسر الواقع الدولي من أطر مختلفة عن المنظور السائد الذي يفسر الواقع من عدسة القوة العسكرية[4]. هنا تمثل القوة الناعمة إحدى أهم أدوات السياسة الخارجية للدولة الفاعلة للتأثير في الدولة الهدف، وهي مثلت عنصرًا مهمًا في سياسات الدول، واختلفت حولها الرؤى والنظريات من الاتجاهات التقليدية إلى الاتجاهات الجديدة التي مثلت رؤية مغايرة في تفسير المفهوم ومدى تأثيره في النظام الدولي.

والواقع أن تقديم جوزيف ناي للمفهوم لم يولد فجأة وإنما كان امتدادًا لاهتمامه بدراسة تغير القوة وصورها في العلاقات الدولية، فضلًا عن تطور دور الفاعلين من غير الدول، ففي حقبة الستينيات والسبعينيات من القرن العشرين ركز ناي وروبرت كوهين في كتاباتهما على عملية الاعتماد المتبادل وتصاعد دور العوامل الاقتصادية والفاعلين العابرين للقومية (Transnational Actors) في العلاقات الدولية.

وكان تعاظم اهتمام ناي بالقوة الناعمة بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر 2001 في ظل جهل العناصر القيادية بأهميتها في محاولتهم لإعادة ترتيب النظام الدولي بعد تلك الأحداث؛ مشيرًا في ذلك إلى حديث دونالد رامسفيلد في مؤتمر عُقد في واشنطن تحت رعاية وزارة الدفاع الأمريكية، حينما وُجِه إليه سؤال حول القوة الناعمة فكان جوابه أنه «لا يعرف ما المقصود بالقوة الناعمة»؛ ومن ثم عكف ناي على دراسة المفهوم وتوضيح مدى أهميته في سياسات القوى الكبرى. من هنا تحاول الدراسة التركيز على دور القوة الناعمة وتأثيرها في العلاقات الدولية، ومدى اهتمام المنظّرين بدراستها بوصفها إحدى أهم أدوات السياسة الخارجية للدولة في النظام الدولي.

المشكلة البحثية: اختلفت الأدبيات حول صعود القوة الناعمة في العلاقات الدولية، فقد ركزت الاتجاهات التقليدية، ولا سيما المدرسة الواقعية، على مفهوم القوة كأساس في العلاقات الدولية، ولا سيما القوة العسكرية، كأساس للصراع وتوازنات القوى. إلا أن الاتجاهات الجديدة، ولا سيما المدرسة النقدية والمدرسة البنائية، ركزت على عوامل مختلفة مفادها القيم والثقافة والأيديولوجيا كأساس في العلاقات الدولية، لا القوة العسكرية كأساس لإحلال السلام، وهو ما مثل معضلة في أيهما أكثر فاعلية على المستوى التطبيقي.

من هنا يكون التساؤل الرئيسي للدراسة: إلى أي مدى تمثل القوة الناعمة تأثيرًا فعالًا في العلاقات الدولية؟ وهل هناك اتجاهات نظرية متعددة تفسر ذلك؟

تعتمد الدراسة المنهج الوصفي والمقارن، إذ استخدمت الباحثة المنهج الوصفي في مسح مختلف المحاور التقليدية كالواقعية والليبرالية، التي تظهر في تفسير تلك الآراء حول القوة الناعمة كأداة كبرى في السياسة الخارجية، ثم استخدمت المنهج المقارن كأساس لآراء المحاور المتعددة حول تفسير القوة الناعمة في العلاقات الدولية، وذلك من خلال توضيح وجهات النظر المختلفة بين الاتجاهات التقليدية المتمثلة بالواقعية والليبرالية من جانب، والاتجاهات الجديدة المتمثلة بالنقدية والبنائية من جانب أخر.

أولًا: الإطار المعرفي للقوة الناعمة

يعرّف جوزيف ناي القوة الناعمة بأنها القدرة على تحقيق النواتج المرغوب فيها، بالاعتماد على جاذبية الدولة المستمدة من ثقافتها وقيمها ومصداقيتها، المتولدة من ممارستها المتسقة مع تلك القيم، بما ينشئ صورة ذهنية إيجابية عن الدولة، على نحو يخلق نوعًا من التعاطف معها ومع سياستها وأهدافها، بما يجعل الدولة الفاعل تمارس تأثيرها، من خلال تقديم المثل أو النموذج، أو بالاعتماد على الاستمالة بالإقناع، أي بالحجة بوجود مصالح مشتركة، وهي أيضًا القدرة على الحصول على ما تريد من خلال الإقناع وليس الإكراه، ويستبعد من تعريفه العقوبات الاقتصادية والسياسية إضافة إلى العسكرية؛ كما يضيف ناي إلى الجاذبية والإقناع شكلًا ثالثًا لممارسة القوة الناعمة من خلال القدرة على التأثير في الخيارات السياسية للدولة الهدف، بما يجعلها تعجز عن التعبير عن بعض التفضيلات[5].

بالرغم من تحديد جوزيف ناي مفهوم «القوة الناعمة»، مستبعدًا الدبلوماسية الرسمية والاستثمار، وسائر أشكال التأثير التقليدية مثل القوة العسكرية، إلا أن الصين وبعض دول آسيا أعطت فكرة أوسع للقوة الناعمة في الإطار الآسيوي يشمل جميع المجالات – باستثناء المسائل الأمنية – بما فيها الاستثمار والمساعدات، ومن ثم عززت مفهومين للقوة الناعمة وهما القوة الناعمة العليا وهي الخاصة بالنخب، والقوة الناعمة الدنيا أو المنخفضة والخاصة بالقاعدة الجماهيرية الأوسع، حيث سعت الصين لتعزيز ذلك التوجه في آسيا ودول العالم الثالث، وبخاصة أن القيم والنماذج التي تسعى الصين لتعزيزها يراها الكثير من المحللين أنها كارثية على الديمقراطية، والحكم الرشيد، والمجتمعات المدنية الضعيفة[6].

كان الاتجاه الصيني نحو القارة الأفريقية يشمل التأثيرات السياسية كافة، بما فيها القوة الاقتصادية، كإحدى أدوات القوة الناعمة في أفريقيا إضافة إلى الثقافة والإعلام وترسيخ القيم، التي عولت عليها الصين في تحقيق أهدافها ومصالحها داخل القارة متحدية في ذلك النفوذ الغربي الموجود بقوة[7].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 548 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 548 تشرين الأول/أكتوبر 2024

المصادر:

نشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 548 في تشرين الأول/أكتوبر 2024.

رشا السيد عشري: أستاذة العلوم السياسية، جامعة منيسوتا الأمريكية – فرع السنغال.

صورة تعبيرية.

[1]   كريم أبو حلاوة، سياسات القوة الذكية ودورها في العلاقات الدولية (دمشق: مركز دمشق للأبحاث والدراسات، 2015)، ص 2.

[2]           Richard Ned Lebow, The Tragic Vision of Politics: Ethics, Interests and Orders (Cambridge, MA: Cambridge University Press, 2003), p. 38.

[3]   سماح عبد الصبور، «القوة الذكية في السياسات الخارجية للدول بين النظرية والتطبيق،» في: نادية محمود مصطفى، محرر، العلاقات الدولية في عالم متغير (القاهرة: مركز الحضارة للدراسات السياسية، 2016)، ج 1، ص 264-266.

[4]          James N. Rosenau, «Illusion of Power and Empire,» History and Theory, vol. 44, no. 4 (December 2005), pp. 74-79.

[5]   جوزيف ناي، القوة الناعمة: وسيلة النجاح في السياسة الدولية، ترجمة محمد توفيق البجيرمي (الرياض: مكتبة العبيكان، 2007)، ص 25.

[6]   المصدر نفسه.

[7]  رشا السيد عشري، «القوة الناعمة كأحد محددات السياسة الخارجية الصينية تجاه أفريقيا،» آفاق أفريقية، السنة 20، العدد 50 (2021)، ص 57- 78.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز