مقدمة

ساد حقل دراسات العلاقات المدنية – العسكرية اعتقاد برسوخ مبدأ التحكم المدني في المؤسسة العسكرية في الدول الغربية إبان الحرب الباردة، لكن هذا الاعتقاد سرعان ما تبدد بعد بروز خلافات بين العسكريين والمدنيين في الدول الغربية نفسها، وبخاصة في الولايات المتحدة الأمريكية في بيئة ما بعد نهاية الحرب الباردة. نشبت الخلافات بين ضباط البنتاغون الأمريكي والنخبة السياسية الأمريكية، ممثلة بالرئيس وفريقه الرئاسي، وتعلقت أساسًا بقضية الإشراف على التدخلات العسكرية الخارجية ضمن قوات حفظ السلام، وتحديدًا في أيّهما أحق بتحديد الاستراتيجية العسكرية المناسبة للتدخل في إطار إمكان التوفيق فيها بين رغبة السياسيين في الحد من شراسة هذه العمليات، وجعلها أداة للحماية فقط، والرغبة الجامحة للعسكريين في خوضها من أجل تحقيق الانتصار بوصفها حربًا تقليدية.

مثّل حدث نهاية الحرب الباردة بسقوط الاتحاد السوفياتي وانتصار الأيديولوجيا الليبرالية، فرصة أخرى للاعتقاد برسوخ مبدأ التحكم المدني في تنظيم المدنية  العسكرية في الولايات المتحدة الأمريكية، وهو الاعتقاد الذي تم تفنيده سريعًا عقب إقدام بعض كبار الضباط على عدم الامتثال لبعض قرارات السياسيين في الشأن العسكري، وزادت حدة الخلافات بعد خروجهم لانتقادها والتشكيك في فعاليتها علانية. لقد مسّت خلافات السياسيين والعسكريين جوهر «مبدأ الاحترافية العسكرية»، و«مبدأ الخضوع الذاتي» اللذين شيّد عليهما الحياد السياسي للضابط الأمريكي، وهو ما أدى إلى التشكيك في قدرة المبدأين على ضمان الخضوع الطوعي للنخبة العسكرية الأمريكية لفوقية النخبة المدنية في حقبة ما بعد الحرب الباردة، وهو ما أعاد النقاش حول مدى صلاحية النظريات والمقتربات التي أطّرت العلاقات المدنية – العسكرية في أمريكا في حقبة الحرب الباردة، في فهم واستيعاب تحولات هذه العلاقات في حقبة ما بعد نهاية الحرب الباردة.

تحاول هذه الدراسة، في هذا السياق، الإجابة عن سؤال بحثي محوري، يهدف إلى تفكيك الأطر النظرية الناظمة لخضوع النخبة العسكرية لسلطة النخبة المدنية في الولايات المتحدة الأمريكية إبان الحرب الباردة، وتلكم التي حاولت معالجة اضطراب الخضوع في حقبة ما بعد نهاية الحرب الباردة، وتداعيات كلٍّ من الخضوع واضطرابه على الطبيعة المدنية للسلطة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية، وهذا السؤال هو: إلى أي حد أدى احتكاك الضباط العسكريين بالنخبة السياسية الحائزة السلطة التنفيذية إلى بروز تخوفات لدى الباحثين المختصين في علاقة الجيش بالسياسة على استقرار السلطة السياسية، ومنها الديمقراطية الأمريكية ككل، في بيئة ما بعد نهاية الحرب الباردة؟ بمعنى، ما المؤشرات السياسية الدالة على عدم امتثال النخبة العسكرية لقرارات النخبة السياسية في هذه الحقبة؟ وما تأثيرها في استقرار السلطة السياسية والديمقراطية في أمريكا؟ وما البدائل النظرية التي جاء بها المختصون في العلاقات المدنية – العسكرية لمعالجة معضلة عدم امتثال العسكري للسياسي في هذه الظرفية التي شهدت تحولًا نوعيًا في الأبعاد الخارجية للديمقراطية الأمريكية؟ أما في خصوص الفرضية الجوهرية للدراسة؛ فإنه رغم سيادة علاقات مدنية – عسكرية ديمقراطية في الولايات المتحدة الأمريكية في حقبة الحرب الباردة، قوامها تمتُّع مؤسسة الجيش باحترافية عالية كان له الفضل في إنضاج مبدأ حياده السياسي، غير أن باعث تضخيم الاحترافية لدى ضباط الجيش بعد إسهامهم المهم في إنهاك الاتحاد السوفياتي وإسقاطه، قد يكون دفعهم إلى العدول عن الخضوع للنخبة السياسية في الحقبة التي تلت نهاية الحرب الباردة.

منهجيًا، تنفتح الدراسة على مجموعة متداخلة من مناهج التحليل السياسي، وإن كان يغلب عليها التحليل المقارن، والتحليل من طريق تبعية المسار (Path Dependency)، إضافة إلى المناهج الأخرى التي قاربت بها العلوم السياسية ظواهر الجيش والسياسة؛ من المنهج البنيوي الذي سنكتشف من خلاله العوامل السياسية والعسكرية التي يسّرت خضوع العسكريين الأمريكيين للسلطة السياسية المدنية في حقبة الحرب الباردة، وتحولاتها التي عسّرت الخضوع في حقبة ما بعد نهاية الحرب الباردة، ثم المنهج العقلاني الذي سنحاول من خلاله تفسير تفاعلات السياسيين والعسكريين في الولايات المتحدة الأمريكية في وضعيتَي الخضوع وعدم الامتثال بوصفها مواقف عقلانية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 548 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 548 تشرين الأول/أكتوبر 2024

المصادر:

نشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 548 في تشرين الأول/أكتوبر 2024.

محمد العوفي: أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية

في جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس – المغرب.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز