المؤلف: محمد نبيل ملين

مراجعة: محمد السهلي

الناشر: الدار البيضاء: سوش بريس

سنة النشر: 2023

عدد الصفحات: 332

الطبعة: الثانية

 

مقدمة

يعد كتاب السلطان الشريف الذي صدرت طبعته الثانية في بداية سنة 2023، ويقع في 332 صفحة، من الدراسات التاريخية الجادة، التي سبرت غمار التاريخ السعدي عبر البحث في المستويات الدينية والسياسية للدولة المخزنية في المغرب وتكوّنها وبُناها المؤسسة لها. ولعل طبيعة المصادر التي استند إليها الباحث في دراسته الجذور الدينية والسياسية للدولة المخزنية في المغرب السعدي حتمت عليه سلوك مسار منهجي يتناول الموضوع التاريخي وفق مقاربة بنيوية للحدث السياسي، لا التاريخ السياسي السطحي، الذي يرتكز على البعد الحدثي وبنية السلطة المركزية والعلاقات الخارجية. فتناول في الباب الأول الجهاز الذي اعتمد عليه أحمد المنصور لاكتساب «الشرعنة» عبر دعامة الخطاب بمختلف أشكاله وترميزاته العقدية والمجتمعية. أما الباب الثاني فكان توصيفًا لسيرورة مأسسة السلطنة الشريفة بدراسة دواليب المخزن وجهازه الإداري والمالي وإشكالية التوريث. وكان الباب الثالث خاصًا بالسياسة الخارجية لأحمد المنصور وأهدافها وتطلعاتها الاستقلالية والتوسعية.

المؤرخ محمد نبيل مُلين، من المؤرخين القلائل الذين انصبت جل أبحاثه وكتاباته على تتبع الجذور الشرعية والتاريخية لنظم الحكم في المغرب عبر التاريخ. نبيل ملين الحاصل على الدكتوراه في التاريخ من جامعة السوربون، ودكتوراه أخرى في العلوم السياسية من معهد الدراسات السياسية بباريس، هو أستاذ باحث في المركز الوطني للبحث العلمي الفرنسي.

والحاصل، أن الدراسة فريدة في نوعها من حيث منهج تناول الباحث للتاريخ السياسي وبناء أحداثه وأقسامه الكبرى، ومن حيث سلاسة اللغة التي كُتبت بها أيضًا، والخلاصات التي توصل إليها، والتي يمكن القول عنها إنها جديدة في بابها سابقة في تحصيلها، بتوجيه التاريخ السياسي المغربي نحو الدولة والأمة والشرعية والتنظيمات والعلائق والتوريث والعوائد السلطانية والنسب الشريف.

وبناءً على ذلك، ستتمحور قراءتُنا هذه الدراسةَ حول ثلاثة محاور كبرى حاول الباحث محمد نبيل ملين تحليلها والوقوف عند إشكاليتها وتفكيك بناتها وهي: الوسائل العقائدية التي استند إليها المنصور لتبرير شرعيته السياسية، ثم الوسائل المؤسساتية للدولة السعدية في عهده، وأخيرًا السياسة الخارجية للسعديين في عهده وطموحاتها.

أولًا: الوسائل العقائدية

مثلت الخلافة و «شرعنة» السلطة هاجسًا لدى السعديين الأوائل المؤسسين للدولة، وهو الهاجس الذي لطالما كان حاضرًا لدى الدولة الإسلامية سواءٌ في المشرق أو المغرب، والذي يضفي على الخليفة ومشروعه السياسي الشرعية العقائدية التي تمكنه من الانخراط في خدمة الله ونبيّه والأمة الإسلامية عبر خطاب ذي حمولة مفاهيمية مستمدة من الثقافة الإسلامية للتأثير في المخيال الشعبي، وهكذا «كان خطاب الشرعنة السلطاني يهدف إلى أن يكون في نفس الوقت أداة تنظيم ودمج بحيث يستطيع أعضاء النخبة ولا سيما الفقهاء والصلحاء أن يستوعبوه ويتقبلوه بسهولة نسبية، لأنه يوافق بشكل عام ثقافتهم وتمثلاتهم مما يسهل نشره بين عامة الناس عن وعي أو غير وعي».

ينقسم خطاب الشرعية السياسية للدولة السعدية إلى قسمين من الحوامل: حوامل مكتوبة وحوامل مادية. فالحوامل المكتوبة التي تم تداولها من طرف النخب تشمل الادعاء والانحدار للنسب الشريف مثل أغلب أشراف المغرب، للمكانة الرمزية التي يعطيها هذا النسب لشرعية الحاكم قصد تحقيق مآرب سياسية واجتماعية والمطالبة بميراث تاريخي يخدم مشروع الخليفة وإبراز شخصيته. ولتعزيز هذه الدعوة التاريخية للسعديين ومنح خطابهم حول النسب شرعية أكبر فقد استمدوا مفاهيم عقائدية تنتمي إلى الخطاب الشيعي، مثل مفهوم «الوصية» أي أن شرعية الخلافة تقوم على سلسلة من الوصايا الدينية والسياسية منذ زمن علي بن أبي طالب وذريته، بل منذ عهد الرسول، فكان بذلك تعيين الأئمة نابعًا من الوحي الإلهي، وهو ما تجسد في عهد الخليفة السعدي أحمد المنصور الذي توالت حوله – بحسب الدعاية المخزنية – عدد من «الوصايا» بلا انقطاع حتى آلت إليه الإمامة.

إضافة إلى مفهوم «الوصية» استعار المنصور من الخطاب الشيعي مفهوم «الرضا من آل البيت» وهو مصطلح يعني الانتماء إلى بيت النبوة والأصلح إلى قيادة الأمة الإسلامية. وكان استخدام مثل هذه التعابير في الخطاب السعدي يشير إلى أحقية السلطان والاختيار الإلهي له في حمل وتولية الخلافة ورضا النبي حجة الوصية والتفاف الناس حوله (ص 58).

إلى جانب النسب الشريف، استعمل السعديون، بحسب المؤلف، حوامل أخرى مثل العلم، وبالتحديد العلم الديني، الذي كان أحد الشروط الأساسية لتولي الخلافة، إذ تم تكريس هذا المعطى لإبراز صورة السلطان الورع المتحضّر الحامي للعلم والعلماء، وراعي الأدب داخل البلاط السلطاني وخارجه. فمن تجليات ذلك متانة التحصيل العلمي للسلطان أحمد المنصور الذي تلقى حفظ القرآن عند أجود المؤدبين محمد الدرعي والشيخ موسى التدماوي والقاضي سليمان بن إبراهيم، وبتدارس الفقه على مذهب الإمام مالك، وبتعلم اللغة والأدب العربي، مع الاهتمام بالعلوم الدينية والفقهية تحت إشراف أعلم علماء زمانه، وتحصيل علوم أخرى كالرياضيات والتنجيم والطب والفلك، مع محاولة السلطان ممارسة التأليف ووضع مصنفات كالمؤلف الذي جمع فيه أحمد المنصور قصائد العلويين، لكن لم يكتب له الإتمام بسبب الأحداث السياسية التي عصفت بحياته بعد موت السلطان عبد الله الغالب سنة 1574. والمؤلف موسوم بـ العارف كل ما تحتاج إليه الخلائق، وهو من صنف الآداب السلطانية، عرض فيه خبرته في الميدان السياسي والعسكري. ثم مؤلَّف العود أحمد، وهو مكون من آيات قرآنية وأحاديث نبوية وقدسية يراد بها دفع السوء وجلب المنفعة وبلوغ المعارف الباطنية.

لقد مكنت هذه الحوامل، أي النسب والعلم، من استمالة شبكات طرقية مرتبطة بالتصوف من طرف المؤسسة المخزنية، كالطريقة الجزولية والطريقة الزروقية، بل سلك أحمد المنصور مسلكها بانتسابه ظاهريًا للطريقة الزروقية المنتشرة آنذاك في المجال الحضري ولازم شيخها رضوان الجنوي الذي لقنه قواعد الطريقة (ص 78)، طامحًا بذلك أن يكون «المرابط الأعظم» و«قطب الزمان»، مستغلًا شبكاتها المفاهيمية مثل «البركة» التي يتمتع بها السلطان بحكم انتسابه إلى البيت النبوي واعتبار القصر السلطاني «الزاوية الكبرى» للبلاد مع إظهار الورع والتقوى، واللجوء إلى الاستخارة في القضايا السياسية الكبرى للبلاد، وإطعام الطعام التي تمثل إحدى الممارسات الصوفية، مع استمداد مفهوم «الكرامة» في أوقات الجفاف والكوارث، ورمزية النور التي استعملها المنصور لجعل «سلطنته فخرًا ومن خلافته سراجًا ومصباحًا يهدي نوره الخلق في الظلمات» (ص 87).

إضافة إلى الحوامل المذكورة، مثّل الجهاد أحد الثوابت خلال حقبة حكم المنصور الذهبي، الذي أولاه عناية عظيمة، حتى لقبه مؤرخو الحقبة بـ «السلطان المجاهد» الذي استعمله السلطان، بحسب المؤلف، لتحقيق أغراض سياسية تتمثل بمنافسة السلطان العثماني الذي كان يلقب بلقب «الغازي»، وكذلك فيما يمكن تسميته «الجهاد الدبلوماسي» وبخاصة مع إسبانيا والبرتغال، إذ استطاع بهذا الجهاد أن يحقق أهدافًا دبلوماسية منه انتزاع مدينة أصيلة سنة 1589 من دون حرب أو صراع، ومن ثم إعادة توحيد البلاد واستعادة سيادتها والاعتبار للدين والشريعة الإسلامية.

من ناحية أخرى، لم تكن الحوامل الخطابية الوسيلة الوحيدة التي اعتمد عليها المخزن السعدي خلال عهد أحمد المنصور، بل استمد حوامل مادية ورمزية لإظهار التطلعات الخليفية له، نذكر تلك التي خصها المؤلف بالذكر والاهتمام الخطبة والسكة والبياض وأدوات التبرك والاستمرارية والأسلحة والمظلة والقصر المتحرك (المحلة). على سبيل المثال كانت الخطبة إحدى الشارات السلطانية التي وظفها السلطان لتأكيد هيبته واستقلال أراضيه وتأكيد مطامعه الخليفية والمتمثلة بالدعاء للسلطان في الخطبة والتشديد على ذلك، مع قطع الدعاء للسلطان العثماني، وبخاصة في عهد أحمد المنصور، الذي حاول توظيفها لمصلحته، بوصفها أداة للتوسع الرمزي، ولإرساء السلطة ونشر العقيدة الخليفية للمنصور.

نجد، إلى جانب هذه الحوامل والشارات الموضوعية، حوامل أخرى ذات طابع «مرئي إيحائي» مرتبط بالمخيال الممتد في الماضي العريق للمسلمين، وتأخذ أيضًا بألباب الزوار الأوروبيين، من ذلك «المحلة» السلطانية، وهي التي سماها المؤلف «القصر المتحرك» و«المعسكر الطائر»، إذ إن الأول هو المعروف بالأفراك الذي يعسكر فيه الملك في البادية وتضرب الأخبية حول أسواره المصنوعة من الكتان بشكل مربع، وتقام في كل زواياه أبراج صغيرة. وكان يؤدي وظيفتين: أولاهما قاعة انتظار أثناء استقبال الأعيان والسفراء، وثانيتهما تنظم فيه قراءات لـ صحيح البخاري (ص 116). أما الثاني فهو الذي كان يضرب أثناء خروج السلطان في حملة من الحملات العسكرية «الحركة»، وكان الدور الأساسي لهذه المؤسسة السلطانية هو الدور العسكري عند الخروج لإنهاء تمرد بعض القبائل أو استعراض القوة لحمل الرعايا على طاعة ولي الأمر، أو حتى لممارسة مراسم البيعة التي تقوم فيها القبائل والأعيان بتجديد الولاء للسلطان.

لقد حاول المؤلف في هذا السياق أن يكشف أيضًا عن دلالات احتفال السلطان بالمولد النبوي ورمزيتها كأداة سياسية لتأكيد شرعيته الدينية والسياسية أمام نخبه، وسندًا لنشر العقيدة الخليفية بين السكان، ولإظهار التبجيل لسليله الذي تتقوى شرعيته، ويتم إضفاء القداسة على أساس ملكه.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 549 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 549 تشرين الثاني/نوفمبر 2024

المصادر:

نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 549 تشرين الثاني/نوفمبر 2024.

محمد السهلي: أستاذ باحث في التاريخ الحديث والمعاصر – المغرب.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز