مقدمة
تمرُّ القضية الفلسطينية بلحظة انعطاف تاريخي تضع الوجود الفلسطيني أمام تحديات ديمغرافية وجغرافية غير مسبوقة، في ظل عجز المنظومة الدولية عن الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين، وانحياز النظام العالمي لسياسات التصفية التي تجلَّت بوضوح مع انطلاق الولاية الرئاسية الثانية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب في كانون الثاني/يناير 2025. فتح هذا المسار الذي أراد حسم الصراع بمنطق الصفقة لا الحق، تزامنًا مع وصول حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة إلى ذروتها الدموية، جرحًا نازفًا في الضمير الإنساني، وأدى بدوره إلى تحويل حمم الصراع إلى طاقة ضغط شعبي في العواصم الغربية، أعادت فرض القضية الفلسطينية على جدول أعمال الدول الوازنة كاستحقاق لا يقبل المماطلة.
بيد أن هذا التغوُّل الأمريكي كشف عن تصدُّع عميق في الموقف الغربي؛ ففي مقابل منطق الصفقات الذي تبنّاه ترامب برزت مقاربة أوروبية مغايرة قادتها الجمهورية الفرنسية برئاسة إيمانويل ماكرون بالتنسيق مع السعودية عبر قيادة حراك دبلوماسي مضاد تُوِّج بمؤتمر الأمم المتحدة في نيويورك في تموز/يوليو وأيلول/سبتمبر 2025. ساهم هذا الانقسام الغربي في كسر طوق التصفية الذي حاولت واشنطن فرضه، وهو ما أفضى في نهاية المطاف إلى اعتراف الجمعية العامة بدولة فلسطين كحق أصيل لتقرير المصير، وأداة ضغط قانونية لوقف آلة الإبادة الجماعية.
في خضم هذا التحوُّل الجذري، الذي طرأ على مواقف عواصم القرار، بانتقالها من مربع الانتظار إلى مربع الاعتراف بالدولة الفلسطينية كأمرٍ واقع، برزت مسوَّدة الدستور الفلسطيني للمرحلة الانتقالية كمحاولة لمواكبة الزخم الدولي وسد الفراغ الدستوري. غير أن هذا التسارع لا يبرر التراخي في الصوغ؛ فالدساتير في جوهرها ليست نصوصًا إنشائية أو حشوًا عاطفيًّا، بل هي عهود غليظة لضمان الحقوق، تكتسب فيها كل مفردة مقتضى قانونيًّا وأثرًا سياسيًّا ملموسًا، ولا سيَّما في الحالة الفلسطينية المعقدة.
عند مراجعة المسوَّدة المطروحة نجدها تنطوي على ثُغَر بنيوية تتنافى مع روح وثيقة الاستقلال الفلسطيني عام 1988، ومع النظم الدستورية الرصينة، إذ وقعت لجنة الصوغ في فخ الارتهان إلى الواقع السياسي العابر، بدلًا من التأسيس لدولة مؤسسات عابرة للاستثناء. لذا تهدف هذه القراءة إلى تشريح عيِّنة من الاختلالات التي قد تحوِّل الدولة المنشودة من مشروع تحرُّري إلى نظام هجين يُشرْعن الاستبداد ويقوض الفصل بين السلطات. لقد غاب عن لجنة الصوغ، وهي تخط وثيقة المستقبل، ضرورة المقارنة بالتجارب الديمقراطية العريقة، بدلًا من استلهام نصوص من أنظمة أثبت التاريخ فشلها في حماية الإنسان والأوطان.
وضمن هذا السياق النقدي، سيصدر من مركز دراسات الوحدة العربية كتاب شامل يتناول مسوَّدة الدستور بكل أبوابه وفق منهجية تزاوج بين الدراسات المقارنة والرؤية النقدية، مع تقديم مقترحات نصّية تضمن قيام بناء دستوري رصين يحمي تطلعات الشعب الفلسطيني.
تعتمد الدراسة في مقاربتها مسوَّدة الدستور الفلسطيني المنهج القانوني المقارن، عبر وضع النصوص المقترحة في سياق التجارب الدولية التي أدارت مراحل التحوُّل الديمقراطي بنجاح. يتكامل هذا المنهج مع إطار تحليلي يستند إلى النظرية النقدية لمدرسة فرانكفورت، بما تتيحه من أدوات لتفكيك البنى السلطوية الكامنة في الصيغ الدستورية، تلك الصيغ التي تم تطويعها لخدمة العقلانية الوظيفية، بحيث لم يعد القانون يصاغ كغاية لتحرير الإنسان وضمان سيادته، بل لاستخدامه كأداة تقنية لتثبيت السلطة واستجلاب القبول الدولي؛ فضلًا عن استحضار نظرية العدالة عند جون رولز لمراجعة التزامات الدولة تجاه الكرامة الوجودية للمواطن.
تتقاطع هذه الدراسة شكلًا مع تراكم بحثي رصد إشكاليات البناء الدستوري الفلسطيني من اتجاهين مختلفين، وتختلف عنهما موضوعًا وجوهرًا؛ ففي حين يمثل الاتجاه الأول عاصم خليل في تحليله ظاهرة عولمة السلطة الدستورية بوصفها استحقاقًا لضمان القبول الدولي[1]، ويُجسد الثاني خليل الشقاقي في تناوله مسار الانحدار نحو السلطوية[2]، تشرع دراستنا في سد ثُغرة بحثية أغفلتها تلك الأدبيات، عبر الانتقال من رصد انحراف الممارسة إلى نقد دسترة هذا الانحراف. فإذا كان الشقاقي قد ركز على ما أفسده الغياب البرلماني، نذهب نحن نحو كشف كيفية سعي المسوَّدة لتقنين تلك الممارسات الاستثنائية وتحويلها إلى قواعد دستورية ثابتة.
يتركز السجال استنادًا إلى النظرية النقدية، في الارتهان للمنظومة الدولية؛ ففي حين يراها خليل ظاهرة صحية في ربط الحق بالتوازنات الدولية، نرى نحن أنها تسببت في عوار سيادي يرهن حق تقرير المصير بتوجهات السياسة الخارجية للدول، وهو ما يفرغ الدستور من وظيفته التحرُّرية. وهذا ما دفعنا إلى تفكيك الأزمة، وتقديم بدائل نصَّية رصينة تُعيد ضبط العلاقة البنيوية بين كيان منظمة التحرير وكيان الدولة الواعدة.
تكمن الإشكالية البحثية في أن مسوَّدة الدستور الفلسطيني تتبنَّى نظامًا دستوريًّا هجينًا يفتقر إلى التأصيل النظري لنماذج الحكم الديمقراطي المستقر، وهو ما أنتج حالة من السيولة النصية التي تُقوض مبدأ الفصل بين السلطات وتُفرغ السيادة الشعبية من محتواها. يتفرَّع من هذا القصور اختلال في الحقوق الوطنية والاجتماعية، إذ انزاحت مسوَّدة الدستور عن حق تقرير المصير من مرتبة القاعدة الآمرة إلى مرتبة الحقوق المرتهنة، وحوَّلت العدالة التوزيعية من التزام سيادي إلى وعود حكومية عابرة، مهدِّدة بتحويل الوثيقة الدستورية من غاية تقييد السلطة وحماية الحقوق التاريخية إلى إطار قانوني يُشرعن تداخل الصلاحيات ويُضعف القدرة على الصمود الوطني. أمام هذه المفارقة الدستورية بين الطموح الوطني والارتباك النصِّي، يبرز السؤال الرئيس للدراسة: إلى أي مدى يؤدي هذا النظام الهجين واختلال الفصل بين السلطات إلى تقويض السيادة الشعبية، وتحويل الاستحقاقات الوطنية والاجتماعية من حقوق أصيلة إلى حقوق مرتهنة للاعتراف الدولي ولتقدير السلطة؟
أولًا: إشكالية الولاية القانونية وتنازع المرجعية
بين المنظمة والسلطة
ثمة ضرورة ملحة تفرضها قراءتنا النقدية لمسوَّدة الدستور، وهي العودة إلى الأصيل لبحث إشكالية تداخل الولاية والاختصاص؛ فهذه الأزمة ليست عارضة أو وليدة اللحظة، بل هي علَّة بنيوية تسربت إلى الجسد الفلسطيني مع نشأة السلطة. لقد تم آنذاك تَسْكِين الاشتباك القانوني بين المنظمة وسلطة الحكم الذاتي بمهدئات موضوعية أخفت أعراض المرض ولم تستأصل جذوره، متذرِّعة بالواقعية السياسية وإكراهات التوازنات الجديدة للنظام الدولي في مطلع تسعينيات القرن الماضي. واليوم، نجد أن هذه الأزمة تطل برأسها من جديد وبقوة في نصوص المسوَّدة، بعدما فقدت المسكِّنات مفعولها التخديري، لتكشف لنا عن ارتباك دستوري واضح، واختلالات صارخة في توزيع الصلاحيات وتحديد المرجعيات السيادية.
يتمثل الأساس الجوهري هنا بضرورة فك هذا الاشتباك العمدي؛ فوفق فقه القانون الدولي والقانون الدستوري الفلسطيني، تظل المنظمة هي الأصيل السيادي وصاحبة الولاية المطلقة، فهي الكيان الذي استمد شرعيته من إرادة شعبية كفاحية، سبقت احتلال عام 1967، تُوِّج مؤسسيًّا في انعقاد المجلس الوطني الفلسطيني الأول في القدس العاصمة عام 1964، وهو ما يعني أن ولايتها القانونية سابقة بوجودها ومفاعيلها على واقع الاحتلال، وعلى وجود السلطة نفسها، هذا التأسيس هو الذي فرض نفسه لاحقًا على النظام العربي في قمة الرباط عام 1974، بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتعزز دوليًّا بالقرار الأممي الرقم 3236 الذي رأى أن منظمة التحرير ممثلة للشعب الفلسطيني[3]، وبالانضمام إلى البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف عام 1949 المتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية الموقع عام 1977، الذي منح مقاتليها صفة أسرى حرب[4]. يثبت هذا التراكم القانوني أن المنظمة هي بمستوى دولة في حالة تحرُّر، تمتلك ولاية سيادية أصيلة، لا تملك السلطة الوظيفية وراثتها أو تذويبها.
ثمة معضلة بنيوية تتبدى في طيّات مسوَّدة الدستور؛ وهي السعي لشرْعنة الوكيل المتمثل بالسلطة كبديل وجودي من الأصيل المتمثل بمنظمة التحرير. هنا يبرز الخطر؛ فالتسليم بهذا الإحلال لا يعني مجرد إجراء إداري، بل هو منزلق قد يزج بالتجربة الفلسطينية في أتون حركات التحرُّر التي ذابت هويتها مع المستعمر بعد إخفاق أهدافها. لا يمكننا التغافل عن أن السلطة أُنشئت أصلًا لتدبير شؤون جغرافيا لم تكن محتلة يوم وُلدت المنظمة؛ لذا فإن اختزال التمثيل في الوكيل ليس إلا تحييدًا قسريًّا للأهداف الاستراتيجية، وتفريغًا للقضية من زخمها التحرُّري، لتنكمش من صراع وجودي إلى مجرد نزاع حدودي باهت على ما بات يعرف أراضي 1967. وباعتقادي، فإننا بكل وضوح، أمام ارتداد قانوني يصيب الحق التاريخي في صميمه.
تغرق المسوَّدة في حالة من السيولة الفقهية والتناقض البنيوي الواضح بين المواد التي تحدد صفة رئيس الدولة وصلاحيات الأمن القومي؛ وهي حالة تشتد إلى مستوى الاعتداء الدستوري على اختصاصات المنظمة عبر إلباس الوكيل ثوب الدولة المستقرة. وتكشف لنا المادة الرقم (73) التي تنص على أن «رئيس الدولة هو رئيس الجمهورية ورئيس السلطة التنفيذية، يسهر على احترام الدستور، ويلزم بأحكامه، ويحافظ على وحدة الشعب والاستقلال الوطني، ويضمن استمرار بقاء الدولة وسيادتها والسير المنتظم للسلطات العامة»، تكشف عن تعمُّد صريح لتغييب منصب رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير، مستبدلةً إياه برئيس السلطة التنفيذية في محاولة مفضوحة لإحلال الدولة مكان المنظمة.
تبرز هنا تساؤلات مشروعة تفرضها الضرورة الوطنية: متى نالت فلسطين استقلالها الناجز؟ وهل طُوي ملف اللاجئين لتتحول رئاسة المنظمة إلى منصب وظيفي؟ الحق أن هذه التساؤلات تجد مبررها في كون النص يقفز فوق الواقع، ويصادر حق فلسطينيي الشتات في وجود رئيس المنظمة مرجعية عليا، بدلًا من رئيس دولة عاجز عن ممارسة ولايته خارج حدود السجل المدني الذي يتحكم فيه الاحتلال، ويبقى مقيد الحركة بين محافظات الوطن نفسه.
على صعيدٍ موازٍ، تُمعن المادة الرقم (154) في صوغ واقع افتراضي حين تنص على أن: «دولة فلسطين مسؤولة عن أمن الوطن والمواطن في الداخل والخارج، وهي صاحبة الاختصاص بتنظيم قوى الأمن المكلفة بالحفاظ على استقلال الوطن والدفاع عن سيادته ووحدة أراضيه»، وهو نص ينطوي على تزييف صريح للحقائق الميدانية؛ فأيُ منطق يقبل بوقوع مسؤولية حماية فلسطينيي الشتات في مخيمات لبنان أو سورية أو الأردن، أو حتى في بلاد المهجر، على عاتق دولة ترزح تحت الاحتلال؟
يظل هذا الاختصاص حصرًا للمنظمة عبر دوائرها السيادية، كالصندوق القومي ودائرة شؤون اللاجئين ودوائر الأمن، قبل أن تبتلعها هياكل السلطة. ويكمن الخطر الدستوري هنا في خلق تمييز عنصري، إذ سيغدو فلسطينيو الشتات يتامى دستوريًّا حين يتم تهميش المنظمة التي كانت وعاؤهم القانوني الوحيد، لمصلحة دولة تدّعي حمايتهم وهي لا تملك من أدوات السيادة شيئًا.
وتعيدنا هذه المادة بذاكرتنا إلى اللحظات الحرجة التي سبقت مراسم توقيع اتفاق إعلان المبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي الانتقالي في حديقة البيت الأبيض في واشنطن العاصمة 13 أيلول/سبتمبر 1993، حيث كشف الرئيس محمود عباس عن كواليس معركة التمثيل التي قادها الرئيس الراحل ياسر عرفات، الذي رفض التوجُّه إلى ساحة الاحتفال، وهدد بإلغاء المراسم برمَّتها ما لم تعدَّل الفقرة الأولى لتنص صراحة على أن الطرف المتعاقد هو منظمة التحرير لا الوفد الفلسطيني[5]، بحيث برزت ذروة الاشتباك القانوني في إصرار الجانب الفلسطيني حتى بعد وصولهم إلى البيت الأبيض على إعادة طباعة الصفحة الأخيرة وتعديل الصفحة الأولى بخط اليد قبل دقائق معدودة من صعود المنصة، كان الهدف من هذا الاشتباك التمسُّك بانتزاع الاعتراف الدولي بالمنظمة كأصيل متعاقد، ومنع ذوبانها في هياكل السلطة الإدارية التي وُلدت لاحقًا.
بيد أن المفارقة المؤلمة تتبدّى في كون ما انتزعه الرئيس عرفات وفريقه بسياسة عضّ الأصابع في واشنطن للحفاظ على كينونة المنظمة، قد تعرّض لانتكاسة بنيوية حادة لاحقًا؛ فقد جاءت المزاوجة بين رئاستَي المنظمة والسلطة كتدبير استثنائي أملته تقديرات سياسية، أثبتت التجربة بمرور الوقت قصور مآلاتها وعدم جِدُّها.
واليوم، تهرع مسوَّدة الدستور إلى القفز فوق ذلك الاستثناء التاريخي لتفرضه كخيار طوعي عبر دسترة الدمج القسري بين الرئاستين؛ محوِّلة إجراءً كان يفترض بقاؤه مؤقتًا ومحكومًا بضرورات مرحلية، إلى نص دستوري ثابت. ولا يكتفي هذا المسار بتكريس تبعية الأصيل لإملاءات الوكيل الوظيفي فحسب، بل يفرغ معركة الاعتراف السيادي عام 1993 من محتواها، إذ يُشرعن ذوبان المرجعية الوطنية العليا في دهاليز سلطة واقعة بين مطرقة التنسيق اليومي وسِندان الاحتلال، إننا أمام مشهد يحول السلطة إلى مقاول بالباطن لخدمات الاحتلال، ويجعل من المنظمة – الأصيل رهينة لهذه الإملاءات، وهو تحديدًا ما تسعى المسوَّدة لتأبيده عبر إحلال الوكيل مكان الأصيل بصفة دائمة.
يستوجب السياق الفلسطيني تأكيد أن أي دستور يسبق مرحلة التحرير الناجز ليس إلا تفويضًا وظيفيًا صادرًا من المنظمة بوصفها سلطة التأسيس. أما المادة الرقم (11) بنصها: «إن قيام دولة فلسطين لا ينتقص من مكانة منظمة التحرير الفلسطينية بصفتها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني»؛ فهي كلمة حق يراد بها باطل، إذ تنقضها المادتان (73) و(154).
ولا يعدّ إجراء الفصل ترفًا تنظيميًّا، بقدر ما هو استحقاق مصيري لسلامة النظام السياسي؛ فمن الناحية الفقهية، يمثل الجمع بين منصبَي الأصيل والوكيل خطيئة دستورية تنال من هيبة التمثيل الفلسطيني وتضعه على المحك، إذ لا يستقيم دستوريًّا الجمع بين منصب يتربع على قمة الهرم السيادي لتمثيل الشتات والحق التاريخي، وبين منصب محكوم يوميًا بإكراهات الخدمات والتنسيق مع الاحتلال.
يكفل هذا الطرح للأجيال المقبلة بناء نظام سياسي محصَّن؛ بحيث تظل المنظمة هي صاحبة الولاية القانونية العليا التي تراقب وتوجه، في حين تقتصر السلطة على دور الأداة التنفيذية الخاضعة للمساءلة. مثل هذا التنظيم الصارم كفيل بحماية مكانة المنظمة ككيان عابر للحدود والجغرافيا وفاعل دولي أصيل، ويمنع ارتهان القرار الوطني لضغوط الرواتب والخدمات التي تُمارس عادة على السلطة الوظيفية.
يقتضي الوفاء لروح وثيقة الاستقلال والميثاق الوطني احترام التراتبية التنظيمية لمرجعية القرار الفلسطيني؛ فالمنظمة هي الأصل والسلطة هي المخلوق، ولا يصح قانونًا أن يذوب الخالق في مخلوقه، ويظل الفصل التام هو الضمانة الوحيدة لبقاء صوت اللاجئ في المخيم مسموعًا وموازيًا لصوت المواطن في الداخل، تحت مظلة قيادة سياسية متينة تصون الثوابت بعيدًا من وحل الوكالة الوظيفية.
بناءً عليه، فإن أي وثيقة دستورية لا تنص صراحةً وعلى نحو قاطع على حتمية الفصل، تظل وثيقة تفتقر إلى المناعة السياسية وتشرعن هشاشة النظام، وتضعف القدرة على المناورة السياسية ومقاومة الضغوط الدولية. تستوجب قدسية الحق الفلسطيني وجود رأس سيادي للشعب الفلسطيني في أماكن وجوده كافة؛ رأس يحفظ الحقوق التاريخية والتمثيل الشامل، ليبقى الأصيل أصيلًا والوكيل وكيلًا. تقتضي هذا الفصل ضرورات المرحلة الحرجة التي يمر بها شعبنا، وفاءً للماضي الكفاحي، واحترام للمكانة السيادية، وتحصينًا للمستقبل من خطر تذويب القضية في دهاليز سلطة محاصرة.
ثانيًا: ارتباك الهوية الدستورية لنظام الحكم واختلال مبدأ الفصل بين السلطات
لا يتوقف ارتباك الهوية الدستورية في المسوَّدة عند حدود التداخل الشكلي بين النظامين الرئاسي والبرلماني، بل يتجاوزه إلى مأسسة ما يمكن تسميته طغيان البيروقراطية الدستورية، فالمسوَّدة عبر توسيعها المفرط لصلاحيات السلطة التنفيذية، تنقلنا من طغيان شخصنة السلطة إلى ما وصفته حنّة أرنت بالحكم من دون قائد؛ وهو الطور الذي لا يعني غياب السلطة، بقدر ما يمثل أكثر أوجه الطغيان قسوة؛ كونه حكمًا مجهول الهوية يتوارى خلف غابة من اللوائح والضوابط الإجرائية.
تسعى نصوص المسوَّدة إلى فرض ما تسميه أرنت «السلوك المستقيم» عبر مواد الولاء والالتزام بالبرامج المقيدة، وهو مسار يغتال مفهوم المواطن الند (العلاقة التعاقدية بين المواطن والسلطة)؛ ذلك الشريك في السيادة والفاعل في الفضاء العام بفعله السياسي الحر، بدلًا من هذا المواطن الحر، تقدم إلينا المسوَّدة مواطنًا وظيفيًّا ممتثلًا لقواعد إدارية جامدة، وهو ما يحيل نظام الحكم إلى آلة صمَّاء تبتلع الاختلاف وتفرغ مبدأ الفصل بين السلطات من جوهرة القيَمي[6].
تتبدّى خطورة هذا الانحراف في انفصال الوثيقة الدستورية عن مرجعياتها المؤسّسة، وسقوطها في فخ السيولة الفقهية التي تشرِّع أبواب التأويل لمساس جوهر المسار الديمقراطي، بالنظر إلى نص المادة الرقم (2) نلمس عجزًا بنيويًّا وتداخلًا مفاهيميًّا ينسف الغاية الغائية من الدستور؛ بنصها:
1 – «نظام الحكم في دولة فلسطين جمهوري ديمقراطي نيابي يقوم على أساس الفصل بين السلطات والتوازن والتعاون بينها، وعلى التداول السلمي للسلطة من خلال انتخابات حرّة ونزيهة ودورية».
2 – «يقوم الحكم على التعددية السياسية والحزبية، وحرية الرأي والتعبير والمساءلة والشفافية وخدمة المواطن وصون كرامته».
رغم السمة الديمقراطية التي تبدو على النص بحشده مصطلحات (جمهوري، ديمقراطي، نيابي)، فهو يحمل في طيّاته ثغرًا ناتجة من عدم إدراك للتراتبية القانونية لهذه المفاهيم. ففي فقه القانون الدستوري، يُعدُّ مصطلح الجمهورية وعاءً شكليًا يحدد طريقة اختيار رأس الدولة كنقيض لأنظمة الحكم الملكية، في حين يُعدُّ النيابي آلية إجرائيةً لتوزيع السلطة، بيد أن الجمع بينهما في المسوَّدة مع تغييب التوصيف البرلماني الصريح، يمثل تنكرًا صارخًا لروح وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني 1988.
يصطدم هذا التنكر بالقاعدة القطعية التي أرساها إعلان الجزائر عام 1988، وأكدتها الديباجة والمادة (25) من المسوَّدة ذاتها بنصها القائل «تشكل وثيقة إعلان الاستقلال والدستور بجميع مكوناته وحدة واحدة لا تتجزأ، وتفسر مكوناته وتؤوَّل على أنها وحدة عضوية متماسكة». يأتي هذا كقاعدة قطعية بأن نظام الحكم في فلسطين هو «نظام ديمقراطي برلماني»[7]. كما ورد في وثيقة الاستقلال.
يكشف هذا التراجع والتضارب النصي عن قصور في إدراك جوهر النظام النيابي الصِّرف المعمول به في دول مثل ألمانيا وإيطاليا، إذ تفترض حتمًا تبعية السلطة التنفيذية للبرلمان، ويختزل دور رئيس الدولة في مهمات سيادية رمزية لا تخوله التدخل في الأداء اليومي للحكومة؛ وبدلًا من هذا الوضوح المؤسسي، تنزاح المسوَّدة نحو تسريب نموذج النظام شبه الرئاسي على النمط الفرنسي بأسلوب مشوَّه فاقد للعمق الدستوري، إذ تمنحه شرعية الاقتراع العام والمباشر وفق نص المادة (74) التي تنص على أن «ينتخب رئيس الدولة لمدة (5) سنوات ميلادية عن طريق الاقتراع العام السري والمباشر».
وهي صيغة تمنح الرئيس صلاحيات تنفيذية واسعة تتصادم مع الادعاء ببرلمانية النظام. ويغدو وصف النظام بالنيابي هنا مجرد محاولة لذر الرماد في عيون المجتمع الدولي، وتغليف النص بصبغة ديمقراطية تداعب المشاعر التواقة لتعزيز الحكم الرشيد، في حين تخفي في طياتها ملامح هيمنة رئاسية مطلقة تركز السلطات في يد واحدة.
يساهم هذا الخلط المفاهيمي في إنتاج نظامٍ هجين يستعير شرعية الصندوق الفرنسي ليمارس سلطة ونمطًا غير مألوف في النظم الدستورية المعاصرة، مع أن النظام شبه الرئاسي قد ينجح في دول ذات مؤسسات مستقرة، إلا أن إسقاطه على الواقع الفلسطيني المحاصر سيؤدي حتمًا إلى صراع رؤوس بين الرئاسة والحكومة، أو سيفضي إلى تغوُّل الرئاسة عبر التذرع بالتفويض الشعبي المباشر لابتلاع السلطتين التشريعية والقضائية بمسوغات ديمقراطية مائعة.
يُعد الإصرار على الانتخاب المباشر للرئيس في ظل نظام يُوصف بالنيابي فخًّا دستوريًّا يمهد لنشوء دكتاتورية الممارسة؛ فالتفويض الشعبي يمنح الحاكم شرعية تتجاوز شرعية مجلس النواب، وهو ما يفرغ المساءلة النيابية من محتواها، ويحوِّل رئيس الوزراء إلى مجرد سكرتير وظيفي خاضع لمزاج الرئيس لا لإرادة نواب الشعب.
يضعنا هذا المشهد أمام تشوهٍ دستوري يتجاوز الأطر الدستورية المعروفة؛ فالنظر إلى النموذج في الولايات المتحدة الأمريكية، نجد نظامًا رئاسيًّا خالصًا يركز الفصل التام والكبح المتبادل، إذ لا يملك الرئيس سلطة حل الكونغرس، ولا يملك الأخير إقصاء الرئيس إلا في حالات الجرائم الجنائية الكبرى. أما النموذج شبه الرئاسي، فيقوم على ثنائية السلطة التنفيذية مع توزيع دقيق للصلاحيات يمنح الرئيس الولاية السيادية كالدفاع والخارجية ويترك للحكومة المسؤولية أمام الجمعية الوطنية، مع وجود حق متبادل الحل مقابل حجب الثقة. وبناءً على هذه القراءة المتأنية، يتضح أن ما تحاول المسوَّدة إنتاجه هو نموذج هجين يجمع أسوأ ما في النظامين؛ نموذج يمكن وصفه بالهيمنة الرئاسية المبطنة بواجهة برلمانية، وهو نظام يعاني مآخذ قانونية.
تتكشف أولى هذه المآخذ في تضارب الصلاحيات وتعدُّد المرجعيات؛ حين تتحوَّل الحكومة إلى رأس بجسدين؛ فهي تارةً تأتمر بأمر الرئيس الذي عيَّنها، وتارةً تخشى مجلس النواب، وهو ما يفضي إلى شللٍ إداري وتنازعٍ على الاختصاصات. ويعيدنا هذا المشهد إلى ذروة الخلاف التاريخي عام 2003 بين الرئيس الراحل ياسر عرفات وخلفه الرئيس محمود عباس، عند استحداث منصب رئيس الوزراء ومنحه صلاحيات واسعة لتقليص سلطات الرئيس عرفات تحت ضغوط دولية مكثفة[8].
يتمثل المأخذ الثاني بتحويل رئيس الوزراء إلى مصدٍّ سياسي، إذ يُستخدم كواجهة لتحمل إخفاقات السياسة الاقتصادية، في حين تظل السلطة الفعلية بيد الرئيس. وتكشف المادة الرقم (84) عن هذا الاختلال بمنح الرئيس سلطة «حل مجلس النواب» وهو إجراء يسُقط القناع عن ديمقراطية النظام؛ فقد استعارت لجنة الصوغ شرعية الانتخاب من النظام الأمريكي، وصلاحيات الحل من النظام البرلماني، لينتج من ذلك مسخ دستوري يجعل السلطة التشريعية مجرد ملحقٍ للتنفيذية.
كما تعاني المسوَّدة انفصامًا في مبدأ الفصل والتعاون؛ في حين تنص المادة الرقم (2) على «الفصل بين السلطات» ثم لتنقضه بعبارة موصولة «التوازن والتعاون» الهلامية. والواقع أن التعاون هنا يتخذ ذريعة لشرعنه تدخل الرئاسة في شؤون مجلس النواب حلًا وتعطيلًا، وهو ما يضيع دم الحقيقة في غياب المسؤولية السياسية؛ فالرئيس يلقي باللوم على الحكومة، والحكومة تتذرع بإملاءات الرئاسة، والنتيجة هي تبخر المحاسبة الفعلية.
ويغدو الهروب من النظام النيابي الذي أرسته وثيقة الاستقلال نحو هذا الهجين المربك، محاولةً واضحة لشرعنة التغوُّل الرئاسي بلمسات برلمانية شكلية. إن تحويل فلسطين إلى نظام رئاسوي في ظل أزمة الهوية الراهنة يمثِّل انتحارًا سياديًّا، لأن تركيز السلطات في يد واحدة يسهل على القوى الدولية الضغط على رأس الهرم لانتزاع تنازلات مصيرية.
يزخر التاريخ الدبلوماسي المعاصر بتجارب غنية بالدروس؛ ولعل أبرزها ما دار في كواليس مفاوضات كيسنجر – السادات المتعلقة باتفاقية السلام بين مصر و«إسرائيل»، إذ تكشف مذكرات السفير الأمريكي هيرمان آيلتس (Hermann Fr. Eilts) (1922 – 2006)، عن مخاوفه من الضغوط غير المسبوقة التي مارسها كيسنجر على القرار السياسي المصري لانتزاع تنازلات مصيرية، مستغلًا في ذلك ترهل المؤسسات الرقابية وحصر القرار في يد رأس الهرم[9].
يمثل هذا النموذج تحديدًا ما نسعى جاهدين لعدم إعادة إنتاجه في العقد الفلسطيني الجديد؛ فالدستور الذي يجعل مجلس النواب ملحقًا بالرئاسة هو دستور يُجرد المفاوض الفلسطيني من حصانته المؤسسية. وتكمن قوة النظام النيابي في جعل التنازل عن الثوابت أمرًا مستحيلًا إجرائيًّا، ويحمي الرئيس من أن يوصف بـ «ابن البلد» المتعاطف أو «المفاوض المعصور»، أمام الضغوط الخارجية لكونه محكومًا بصلاحيات برلمانية وقواعد دستورية لا يملك أحد تجاوزها. ولا يحمي هذا الخيار النظام السياسي فحسب، بل يمنح القيادة خط دفاع دستوريًّا أمام المطالب الدولية الجائرة.
في المقابل، إن الهروب نحو نظام رئاسي مقنَّع يجرد الدولة من حصانتها الأولى، يجعل السيادة الوطنية رهينةً لضغوطٍ تُمارس على شخص الرئيس، مهما بلغت صلابته.
ويغدو التمسك بالنظام النيابي في فلسطين استحقاقًا نضاليًّا في مواجهة كيان الاحتلال، الذي يرتكز في شرعنة استيطانية على منظومة برلمانية (الكنيست) تُنتج التشريعات كأدوات استعمارية. في حين سيؤدي القبول بهذا المزيج المشوَّه الذي تطرحه مسوَّدة الدستور الفلسطيني، إلى هبوط مستوى الصراع؛ حين يقف النظام السياسي الفلسطيني عاجزًا أمام الندية التشريعية الإسرائيلية، المرتكزة على وضوح الهيكل الدستوري.
تفرض المعركة الراهنة ضرورة الانتقال من المواجهة الميدانية وحدها إلى رحاب صراع التشريعات؛ ففي مقابل قوانين التهويد للمناطق ومصادرة الأراضي، يجب أن يملك الفلسطيني مجلس نواب سيد نفسه قادرًا على صوغ تشريعات سيادية مضادة: تكرّس البناء والتعمير للمدن في مواجهة المصادرة، وتثبيت الملكية التاريخية في وجه التهجير.
وتعدُّ مواجهة التشريع بالتشريع المعركة الأصعب التي تتطلب فيلقًا من الفقهاء الدستوريين القادرين بنماذجهم الرصينة في الحقوق والحريات وقضايا حقوق الإنسان وفصل السلطات[10] على التفوُّق أخلاقيًّا وقانونيًّا على منظومة الاحتلال المتورطة في انتهاك القانون الدولي.
وحين تمتلك فلسطين نظامًا نيابيًّا صلبًا، فإنها بذلك ترفع من مستوى سقف الاشتباك السياسي؛ فالمحتل الذي يستند إلى برلمان لإقرار سياسته العنصرية، يجب أن يواجه ببرلمانٍ فلسطيني يملك حق الاعتراض التشريعي والولاية الشعبية التي لا تُكسر بالضغط على فرد بعينه. يحقق تحويل القرار الوطني إلى فعل جماعي برلماني حصانةً ضد الابتزاز السياسي الذي تتعرض له عادة الأنظمة الرئاسية الفردية. في المقابل، فإن الالتفاف على النظام النيابي لمصلحة رئاسة مطلقة تتخفى خلف مسمَّيات مضلِّلة، سيضع رئيس الدولة في مواجهة عارية أمام إملاءات الاحتلال وضغوط المجتمع الدولي، من دون وجود ظهير برلماني يحميه. ويقول لا التشريعية النابعة من الأصالة النيابية هي التي تمنح الدولة الفلسطينية هيبةً قانونية، تجعل من تشريعاتها قواعد آمرة [11] تتحدى المنظومة الاستعمارية في المحافل الدولية.
لا يقتصر طموحنا على بناء دستورٍ لتسيير المرفق العام فحسب، بل يتجاوزه إلى التأسيس لعقد اجتماعي كفاحي يستخدم القانون كأداة من أدوات التحرير. ويغدو التفوق الفلسطيني في مضمار فقه القانون وروح التشريع هو الكفيل بكشف عوار التبعية، وتحويل مجلس النواب الفلسطيني إلى حصن يرفض الانكسار أمام الواقعية السياسية المهزومة، مؤكدًا أن السيادة تُنتزع بالتشريع الرصين كما تُحمى بالإرادة الشعبية. تظل العودة إلى الأصالة النيابية البرلمانية خيارًا استراتيجيًّا لا تقنيًّا؛ لضمان بقاء الحكومة منبثقة من إرادة الشعب الحرة. فالنظام البرلماني وحده القادر على تحصين السيادة الوطنية خلف جدار فصل السلطات والمسؤولية الجماعية؛ كونه يحوِّل مجلس النواب إلى مانع سيادي من دون انفراد الفرد بمصير الجماعة، ويضمن ألّا يتحول الدستور إلى وثيقة لتجميل السلطة أمام العالم.
بدلًا من ذلك، نريده عهدًا غليظًا يوزع المسؤولية ويحمي القرار الوطني من الارتهان، فالدستور الرصين لا يقبل القسمة على اثنين، ويجب أن يحسم خياره الفقهي بصورة قطعية؛ إما نظام برلماني بامتياز تكون فيه الولاية للبرلمان بوصفه الأصيل الشعبي، وإما وثيقة تُشرعن الاستبداد بأسلوب الخلط المفاهيمي الفاقد للروح والمنطق القانوني.
ثالثًا: السيادة الشعبية واختلال الضمانات الانتقالية ضد شرعنةُ الاستثناء
تكمن إشكالية توزيع الصلاحيات في الغموض الإنشائي الذي يكتنف مآلات السيادة الشعبية، إذ يبرز في نص المادة (9) التي تقرر أن «الشعب الفلسطيني هو مصدر السلطات، يمارس سيادته بحريّة من خلال مؤسساته الدستورية، ولا تُمارَس أي سلطة إلا وفق أحكام هذا الدستور وبما يحقق المصلحة الوطنية العليا»، خللٌ بنيويٌّ يحوِّل مفهوم المصلحة العليا إلى ثقب أسود قانوني يشرعن تغوُّل السلطة التنفيذية تحت ذرائع سياسية مطّاطة. ويعود هذا الخلل لترك المصلحة الوطنية صيغة هائمة للتأويل، بلا ضوابط معيارية؛ لذا يتجه مقترحنا إلى إعادة المادة على النحو الآتي: «الشعب الفلسطيني هو صاحب السيادة ومصدر السلطات الوحيد، ويمارسها عبر الاقتراع العام والمباشر، ومن خلال مؤسساته الدستورية الخاضعة لمساءلته ورقابته الدورية، لا شرعية لأي سلطة أو إجراء يتجاوز أحكام هذا الدستور أو يمس الحقوق التاريخية للشعب الفلسطيني؛ وتعد المصلحة الوطنية العليا غايةً منضبطةً بمعايير الدستور، ولا يجوز التذرع بها لتعطيل الحقوق والحريات أو المساس بمبدأ الفصل بين السلطات».
يضع هذا النص المادة الرقم (9) في إطار منضبط بمعايير الدستور حصرًا، وهو أمر تفرضه دروس العقدين الماضيين في الساحة الفلسطينية، فما عرفته تلك المرحلة من تعطيل للمجلس التشريعي عام 2006 وما تلاها من توسع مفرط في استخدام المراسيم بقوانين بذريعة الانسداد السياسي، أفضى عمليًّا إلى تركيز السلطات الثلاث في يد مؤسسة الرئاسة.
تجد هذه الممارسة المتغوِّلة شرعيتَها المفقودة في الاستخدام المفرط المتعسف للمادة الرقم (43) من القانون الأساسي الحالي؛ تلك المادة التي صُممت لتكون صمام أمان في حالات الضرورة، تحوَّلت بفعل الانسداد السياسي إلى باب خلفي للتشريع المطلق. وتكمن خطورة مسوَّدة الدستور الجديدة في كونها لا تكتفي بتجاوز هذا الإرث المثقل بالتجاوزات، بل تكرسه تأصيلًا إذا لم توضع قيود حديدية تمنع استنساخ روح المادة الرقم (43) في ثوب دستوري جديد[12]. هنا تبلغ العقلانية الوظيفية ذروتها، بحيث يتم تطويع النص القانوني ليتحول من ضامن للتعددية والرقابة، إلى أداة تقنية إقصائية تخدم بقاء البنية الحاكمة عبر شرعنة التغول التنفيذي، وإخراج المجتمع من دائرة الفعل السياسي وتحويلة إلى موضوع للإدارة بالمراسيم.
بالرغم من تذرع هذا الانحراف بضرورات سياسية وإقليمية لاستبعاد أطراف غير مقبولة دوليًا، فإنه تحوَّل إلى علاج قاتل للحالة الوطنية، إذ أفرغ مبدأ الفصل بين السلطات من محتواه، محولًا القانون الأساسي إلى مجرد وثيقة حبر على ورق أمام سلطة تنفيذية تشرع وتنفِّذ وتعين المرجعيات القضائية العليا. يستوجب هذا الواقع تعزيز ندية المواطن المراقب؛ بحيث تسمو رقابته فوق أي شرعية أو سلطة تسقط تلقائيًا فور تجاوزها سقف التفويض الزمني والموضوعي، إذ لا يجوز التذرع بالضغوط الدولية أو استمرار الانقسام لهدم الهيكل الدستوري، أو تحويل الحالة الاستثنائية المؤقتة إلى وضع سياسي مؤبّد.
بمقارنة هذا المسار بالتجارب الدولية الرصينة، نجد أن الدستور الفرنسي قد حسم المسألة في مادته الثالثة بنصٍ قاطع: «السيادة ملكٌ للشعب… لا يحق لأي فئة من الشعب ولا لأي فرد أن ينسب لنفسه ممارستها»[13]، كما ذهب القانون الأساسي الألماني في مادته الرقم (20) إلى أبعد من ذلك، إذ جعل ممارسة السيادة تتم عبر أجهزة متخصصة، بنصها: «الشعب هو مصدر جميع سلطات الدولة، ويمارس سلطته من خلال الانتخابات والتصويت… لكافة المواطنين الألمان الحق في مقاومة أي شخص يعتزم أن يقوم بإزالة هذا النظام، إذا تعذر عليهم ذلك بوسائل أخرى»[14].
تتمثل الغاية من الانضباط النصي بالمادة الرقم (9) بنزع سلاح الاستثناء الذي حوّل الحكم إلى سلطوية تتستر بالمصلحة العامة؛ فالأصل هو التأسيس لعلاقة تعاقدية ترفض اختزال الشعب في مؤسسة، أو اختصار المؤسسة في فرد. لتكون السيادة الشعبية في دولة فلسطين الواعدة سيادة إجرائية حية تمنع تحول إكراهات الواقع، كالانقسام أو الضغوط الدولية إلى مبررٍ لهدم الهيكل الدستوري.
يمثل هذا الانضباط صمام أمانٍ يحمي المؤسسة القيادية نفسها من الانزلاق نحو فخ التوصيفات الدكتاتورية، فمن الناحية الهيكلية، يؤدي تجميع السلطات عبر التوسع في المراسيم بقوانين والتحكم في المرجعيات القضائية إلى وضع القيادة السياسية في صدامٍ مباشر مع المعايير الدولية للحكم الرشيد، وهو ما يستحضر في العقل الجمعي السياسي نماذج أنظمة النصف الأول من القرن الماضي التي انتهت بانسدادات تاريخية كبرى.
يستوجب الدفاع عن الإرث الوطني التأكيد أن سياسة هدم المعبد الدستوري بذريعة الظروف القاهرة، هي دومًا الخيار الأسهل مقارنة بالبناء المؤسسي الرصين، فبدلًا من تحصين المنجزات بالتحوُّلات الديمقراطية، تفتح الحالة الراهنة ثُغَرًا للكيل باتهامات الاستبداد والتغوُّل، وهي منافذ قد تُستغل مستقبلًا لتشويه سيرة المرحلة ورموزها.
ويُعد حصر السيادة الشعبية ضمن معايير الدستور الإجراء الكفيل بقطع الطريق على ما سمَّاه فرانز فانون مزالق الوعي الوطني؛ حيث تسقط حركات التحرُّر في فخ اختزال الشعب في شخص الزعيم. ففي غياب الرقابة الشعبية، تتحول السلطة من ملكية عامة إلى امتياز فئوي لنخبة تماهت مع الدولة فصادرت قرارها[15]. لذا يأتي النص المقترح كاستجابة وقائية تمنع تحول الشرعية التاريخية إلى غطاء لتعطيل المسار الديمقراطي، وحماية النظام السياسي من الشيخوخة التي أصابت دول ما بعد الاستقلال في أفريقيا وآسيا.
إن هذا الانضباط النصي هو الضامن لبقاء السيادة ملكًا للشعب، وحمايةً للمؤسسات من الانزلاقات الفردية؛ فالحقيقية الراسخة هي التي تكمن في صلابة المؤسسة لا في القدرات الخارقة للفرد. ولا ينبغي أن تتحوَّل دولة فلسطين الواعدة إلى مجرد سلطة أمر واقع تبرم اتفاقيات تمس الثوابت كالقدس والعودة تحت وطأة واقعية سياسية مهزومة.
يكشف الربط المريب في المادة بين السيادة الشعبية كمنطلق، وبين المصلحة الوطنية العليا كمنتهى، عن رغبة مضمرة في تأبيد السلطة عبر مفردات مطاطية لا مكان لها في الصياغات الدستورية الرصينة، فالمصلحة الوطنية هنا ليست «كلمة سر» تمنح السلطة التنفيذية حق نقض الإرادة الشعبية متى خالفت أهواءها.
جاءت مسوَّدة الدستور غارقة في الظروف الموضوعية للانقسام الفلسطيني، إذ يبدو أن لجنة الصوغ قد استسلمت لفكرة محاصرة التيارات غير المقبولة دوليًّا، والحقيقة أن بناء الدستور لغاية تفويت الفرصة على خصم سياسي يمثل انهيارًا دستوريًّا وأخلاقيًّا؛ فالدساتير تُوضع لتدوم، في حين أن الانقسامات مصيرها الزوال. ولا يعدو «تقييف» الدستور ليناسب تيارًا بعينه إلا جريمة بحق مستقبل الدولة، كونه يحول الوثيقة الأسمى من جامع وطني إلى خندق حزبي؛ فالدستور لم يُخلق ليكون صكًا للإقصاء السياسي.
تتمحور إشكالية هوية نظام الحكم في المسوَّدة كاستجابة مباشرة لعقدة الخوف من نتائج العملية الديمقراطية؛ فالتحوُّل المنهجي الذي بدأ بقرار بالقانون الرقم (1) لسنة 2007، الذي ألغى النظام المختلط لمصلحة التمثيل النسبي الكامل، لم يكن سوى محاولة لترميم انكسار السلطة بعد زلزال انتخابات 2006. لقد كشفت التجربة حينها أن نقطة ضعف التيار الحاكم كانت نظام الدوائر في المحافظات، في حين منحه التمثيل النسبي فرصة البقاء ككتلة صلبة[16]. وهذا ما يفسر القرارات اللاحقة وصولًا إلى تشرين الثاني/ نوفمبر 2025 القاضي بالالتزام بالبرنامج السياسي للمنظمة كشرطٍ للأهلية[17]، في محاولة لفلترة المعارضة دستوريًّا قبل وصولها إلى الصندوق. وكما رأينا في تطويع المادة الرقم (43) الواردة في القانون الأساسي، تعود العقلانية الوظيفية لتطل برأسها مجددًا في اشتراطات الترشح؛ حيث يختزل التراث النضالي للمنظمة ويُحول إلى قيد إجرائي غايته صوغ المخرجات الانتخابية مسبقًا، وإفراغ التعددية السياسية من محتواها لضمان إعادة إنتاج النظام لذاته.
يبدو أن هذا الالتزام القانوني يتجاهل خصوصية الحياة السياسية الفلسطينية التي تحكمها المصالح الحزبية الضيقة على حساب الأعراف الدستورية. وبنظرة فاحصة، نجد أن هذا الشرط قد لا يمثل عائقًا حقيقيًّا أمام أحزاب تتقن المناورة وفق القاعدة المكيافيلِّية الغاية تبرر الوسيلة، إذ يمكنها الالتفاف على النصوص عبر تكييف خطاباتها ظاهريًّا لضمان النفاذ إلى الانتخابات. وبذلك يغدو الخاسر الأكبر فقه القانون الذي يتم تطويعه لخدمة اللحظة، والمنظومة التشريعية التي باتت تُنتج موادّ تقيد التعددية وتفرغها من جوهرها.
تتبدّى المفارقة القانونية الصارخة في فرض الالتزام ببرنامج سياسي هو في جوهره متغيِّر وخاضع لتقلبات الموازين الدولية، بدلًا من إرساء الالتزام بالميثاق الوطني الفلسطيني بوصفه الدستور الأساسي والوعاء القانوني الثابت لمنظمة التحرير، إذ إن استبدال المتغير المتمثِّل بالبرنامج السياسي بالثابت المتمثِّل بالميثاق في النصوص الانتخابية، لا يكرس ارتباك المرجعية فقط، بل يشرعن حالة من السيولة الدستورية التي ترهن الحقوق السيادية ببرامج سياسية مرحلية؛ وهو ما ينزع عن الدستور صفة الديمومة ويحوِّله إلى أداة لضبط التوازنات الحزبية بدلًا من أن يكون ضامنًا للهوية الوطنية الجامعة.
هنا يبرز التساؤل الجوهري: ماذا لو أفرزت صناديق الاقتراع غدًا مرشَّحًا من المعارضة أو تيَّارًا غير مرضي عنه دوليًّا؟ هل سنرتد حينها عن النظام الرئاسي المطلق الذي شرعنته هذه المسوَّدة لنطالب بنظام نيابي يقلص صلاحيات القادم الجديد؟
يكشف تذبذب السلطة في اختيار النظام الانتخابي من المختلط إلى النسبي الكامل واشتراط الولاء لبرامج سياسية بعينها، لا تؤسس لعقد اجتماعي مستقر، بل تمثل بنية مصممة لتأمين استمرارية الطبقة الحاكمة؛ فالمسوَّدة تراهن اليوم على بقاء المنصب ضمن دائرة الولاء نفسها، لكنها في المقابل تزرع لغمًا دستوريًّا سيفجر النظام من الداخل بمجرد حدوث تداول حقيقي للسلطة، حيث ستجد المعارضة نفسها إما محاصرة بنصوص الولاء لتوجهات أفرغها الاحتلال من مضمونها وإما مستبدة بصلاحيات الرئيس التي صاغها أسلافها.
فالخشية من فوز المعارضة لا تُعالج بخنق النصوص، بل بتقديم نموذج حكم يتفوق في صون الحريات وترسيخ سيادة القانون؛ فهكذا تكتسب في النظم الديمقراطية. أما تحصين السلطة بنصوص تمنح الرئيس صلاحيات إمبراطورية خوفًا من الصندوق، فهو رهان خاسر؛ لأن القوة الحقيقية للدولة تكمن في صلابة المؤسسة التي تستوعب الجميع، لا في القدرات الخارقة للفرد التي تنهار بذهابه.
ينبع التحفظ هنا من خشية تحوُّل الدستور إلى سلاح يُشهر في وجه الخصوم؛ ذلك لتكييف النصوص على مقاس تيار معين يمثل علاجًا قاتلًا؛ إذ سيفضي حتمًا إلى نظام سياسي منفصل عن نبض شعبه من جهة، صاغر أمام الضغوط الدولية من جهة أخرى، وهو ما ينتهي به بالضرورة إلى تجريف شرعيته وفقدان مبررات وجوده.
رابعًا: تقرير المصير كقاعدة آمرة
وإشكالية الارتهان للمنظومة الدولية
يستوجب التأصيل لبناء الدستور الفلسطيني استدعاء العمق التاريخي كضرورة وجودية قبل تشريح المواد، على الجذر الكنعاني الذي سيرد لاحقًا، ليس ترفًا فكريًّا، ولا هو دعوة إلى الانكفاء عن العروبة، أو تمشِّيًا مع أطروحات صدام الحضارات لصموئيل هنتنغتون، بل هو استحقاق سيادي يفرضه واقع الصراع لرد الادعاء بملكية المكان، إذ لا نجد في هذا الصراع حضارة ثانية ليتم التصادم معها، بل نواجه عملية سطوٍ كبرى وممنهجة تستهدف الأرض، والتاريخ، والتراث، لشرعنة وجود المحتل ومنحه بعدًا تاريخيًا زائفًا.
يتحوَّل الدستور هنا إلى مكمِّلٍ لمسيرة الكفاح وشاهدٍ على الحضارة في مواجهة التزييف، ليردَّ على لغة التعالي واستباحة الأرض، سياسات الإبادة المستندة إلى تفسيرات ثيولوجية مشوهة. فان استحضار التاريخ الذي تُوِّج بمدينة أريحا كأقدم مدينة مأهولة، يمثل الرد الحاسم على المستوطنين الجدد؛ ليغدو الدستور هنا وثيقة ملكية تقف أمام السطو، وتوصدُ الباب أمام كل من يتوهم إمكان محو أصحاب الأرض الأصليين.
تكتسب المادة (10) أهمية قصوى، إذ تكتفي المسوَّدة الأصلية بالنص على أن: «للشعب الفلسطيني الحق في تقرير المصير كما هو مؤكد في القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، وتصون الدولة الهوية الوطنية الفلسطينية بطابعها العربي الأصيل، وتحتضن التنوع الثقافي والديني والعرقي». يرهن هذا الخللُ المنهجيُ السيادةَ بمنحة خارجية قابلة للتقييد بتبدل توازنات النظام الدولي، لذا جاء مقترحنا للمادة ذاتها ليؤكد: «حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، وبسط سيادته على كامل ترابه الوطني، والعودة إلى دياره، هو حقٌ طبيعي وتاريخي ومقدس، غير قابل للتصرف أو الإنابة أو التفاوض؛ وتُعد المواثيق الدولية كاشفةً لهذا الحق لا منشئةً له».
يرتكز التعديل المقترح على تحويل مفاهيم تقرير المصير، وبسط السيادة، والعودة، من مجرَّد نصوص قانونية إلى حقوق طبيعية وتاريخية ومقدسة وغير قابل للتصرف أو الإنابة، إذ نستند في ذلك إلى قاعدة دستورية آمرة ((Jus Cogens في القانون الدولي[18]، بحيث تُعد المواثيق والقرارات الدولية كاشفة (Declaratory) لهذا الحق لا منشئة له ( (Constitutive.
يكمن الفارق الجوهري في أن الحق المُنشأ دوليًّا هو حق هشّ، يزول بزوال الاعتراف به أو بتبدُّل موازين القوى، أما الحق الكاشف فهو حقٌ وجودي سابق على نشوء المنظومة الدولية نفسها؛ تكتفي المواثيق بالاعتراف بوجوده، من دون أن تملك سلطة إلغائه أو المساومة عليه بذريعة الواقعية السياسية، وبذلك ننتقل بالسيادة الفلسطينية من مربع الارتهان للمنشأ إلى فضاء علوّ الحق؛ محصنين إياها ضد أي محاولة دولية لتقييدها أو الانتقاص منها.
المادة الرقم (10) مكرَّر: الهوية والذاكرة كحائط صد ديمغرافي
استوجب الاختلال في النص الأصلي استحداث المادة الرقم (10) مكرَّر لفك الاشتباك بين تقرير المصير كفعل سيادي، وبين الهوية ككينونة حضارية. ويأتي لمعالجة ثُغرة قانونية فادحة تمثلت بإقحام مصطلح التنوع العرقي، إذ يمثل العرق في السياق الفلسطيني لغمًا دستوريًا قد يُستغل لشرعنه كتل استيطانية وافدة بدعوى التعددية. لذا، يستبدل نصُّنا المقترح العرق بالمكونات الثقافية والروحية، مع دسترة الجذور الكنعانية لتأصيل الندية الحضارية في معركة السردية.
تؤدي دسترة الجذر الكنعاني إلى تحويل الهوية من فعل سياسي عابر إلى حصانة ديمغرافية؛ فهي صك ملكية تاريخي يقطع الطريق على أي ادعاءات عرقية وافدة عبر الاحتلال. كما توجه ضربة للفكر الاستعماري الذي يروّج لفكرة تهجير الفلسطينيين بدعوى وجود مساحات عربية شاسعة، مؤكدة أن فلسطين هي دولة أصحاب الأرض الأصليين، ليست ساحة لتعددية أعراق وافدة قامت على الإحلال. فهذا الانضباط يضمن بقاء الجغرافيا والديمغرافيا مندمجتين في نص سيادي واحد يمنع تمييع الحقوق.
تتمثل غاية هذا الفصل المنهجي في نزع شرعية الاستجداء واستبدالها بشرعية الوجود الأصيل؛ وهو انتقال بالدولة الفلسطينية من كيان وظيفي ينتظر شهادة ميلاد خارجية، إلى سيادية تستند إلى ملكية ممتدة لأكثر من عشرة آلاف عام. يمنح هذا التوجه المفاوض الفلسطيني سندًا دستوريًّا يرفض المقايضة على ثوابت العودة، ويضع الأصالة الحضارية في مواجهة التزييف، والتاريخ أمام الطارئين.
أما في خصوص الرصانة النصية، فقد تبيّن تكييف أغلب مواد المسوَّدة من دساتير غربية من دون إدراك لفقه الضرورة الفلسطيني؛ وبخاصة استخدام مصطلحات مثل التنوع بأسلوب إقحامي يعكس تبعية لثقافة دولية تخذل شعبنا يومًا بعد يوم. إننا ندعو إلى لغة دستورية كنعانية الجذور، تنطلق من الحق التاريخي الذي يسبق المنظومة الدولية، فالقرارات الأممية كالقرار الرقم 194 هي قرارات كاشفة للحق لا منشئة له، وحقنا في العودة هو قاعدة آمرة لا تملك الأمم المتحدة منحها أو سحبها، بل تلتزم بصونها والاعتراف بها.
خامسًا: العدالة التوزيعية كالتزام سيادي لا منحة حكومية
لا يكتمل بناء الدستور بالتحرُّر السياسي وحده ما لم يقترن بالتحرُّر الاقتصادي للمواطن؛ فالحرية بلا كرامة معيشية تظل ناقصة. بالنظر إلى المادة الرقم (13) في المسوَّدة الأصلية نجدها تنص على أن: «تعمل دولة فلسطين على تحقيق العدالة الاجتماعية، وتكافؤ الفرص، وتوزع الثروة توزيعًا عادلاً، وضمان العيش الكريم لكل مواطن، وحماية الفئات الضعيفة والمهمّشة».
تكمن إشكالية هذا النص بأنه مسكون بالتراخي الإلزامي، إذ استخدمت لجنة الصوغ عبارة «تعمل على» وهي صيغة في الفقه الدستوري تكتفي برفع العتب الوظيفي ولا تُرتب أثرًا قانونيًّا ملزمًا، هذا التعبير يحوِّل العدالة الاجتماعية إلى منحة خاضعة لمزاج السلطة وأولوياتها، كما يكرِّس لغة الفئات الضعيفة التي توحي بالدونية، بدلًا من ترسيخ علاقةٍ تعاقدية قائمة على الحقوق الأصلية.
لذا، يتجه التعديل المقترح نحو مأسسة الحقوق في فقرتين منضبطتين:
«1 – تقوم دولة فلسطين على نظام العدالة التوزيعية؛ وتلتزم الدولة بالتوزيع العادل والفعّال للناتج القومي، وتعزيز القطاعات الإنتاجية، بما يضمن بناء دولة التضامن والرفاه الاجتماعي وتكافؤ الفرص الفعلي لكافة المواطنين.
2 – العيش الكريم والوصول المجاني والنوعي إلى خدمات الصحة والتعليم ليس منحة، بل هو التزام سيادي أصيل تضمنه الدولة كحقّ أساسي مرتبط بصفة المواطنة؛ وتكفل الدولة بقوة القانون حماية الفئات الأكثر حاجةً، بما يمنع التهميش ويحقق التوازن المادي والكرامة الوجودية للإنسان الفلسطيني».
يرتكز النص المقترح على تقديم الحق الدستوري كأصل أصيل؛ بحيث يغدو الوصول المجاني والنوعي إلى الصحة والتعليم جزءًا لا يتجزأ من الكرامة الوجودية للإنسان الفلسطيني. ويتبنى هذا الطرح رؤية جون رولز في العدالة كإنصاف؛ تلك الرؤية التي حسمت السجال في كتابه نظرية في العدالة عبر طرح مبدأ الفارق؛ وهو التراكم المعرفي الهادف في جوهره إلى حماية الفئات الأكثر حاجة، وتحويل حقوقهم المادية إلى دروع دستورية تمنع تحويل الإنسان إلى سلعة.
تغدو شرعية النظام السياسي وفق هذا المنظور مرهونة بتنظيم التفاوتات لتكون في مصلحة الجميع، وبخاصة الأقل حظًا، عبر توزيع عادل للناتج القومي المرتبط باقتصاد الإنتاج لا اقتصاد التبعية الريعية. فهذا التحول هو الضمانة الوحيدة لبناء اقتصادي حقيقي يحمي المواطن من وحشية السوق العمياء[19].
بالنظر في التجارب الدولية، نجد أن القانون الأساسي الألماني في المادة الرقم (20) يعرّف الدولة بأنها «فدرالية وديمقراطية بعدالة اجتماعية»؛ وهو المفهوم الذي أسس لدولة التضامن حيث لا يُترك الفرد لمصيره المنفرد[20]. كما يؤكد الدستور الفرنسي في مادته الأولى الطبيعة «الاجتماعية» للجمهورية، تضمن المساواة أمام القانون بلا تمييز[21]، وهو ما سعينا لتعزيزه عبر الانتقال من منطق الإحسان إلى منطق الالتزام السيادي.
ولا يعدّ استدعاء مفهوم دولة التضامن مجرد ترف نصِّي، بل هو انحيازّ تاريخي لسد فجوات الدخل؛ فهذا المسار يضرب جذوره في فكر أرسطو حول العدالة التوزيعية بوصفها ميزان الاستقرار، مرورًا بتوماس هوبز الذي ربط أمن الدولة بكفاية مواطنيها، وصولًا إلى جان جاك روسو الذي حذَّر في العقد الاجتماعي من تضخم الملكية إلى درجة تسمح لثريّ بشراء مواطن فقير، بما ينسف مبدأ المساواة والكرامة الإنسانية من أساسه.
في العصر الحديث، تبلور هذا المسار مع مفكرين أمثال جون ستيوارت ميل الذي يُعَدّ الجسر الرابط بين الليبرالية والعدالة الاجتماعية وصولًا إلى ليون بورجوا رائد نظرية التضامن، الذين رسخوا فكرة أن المجتمع مدين أخلاقيًّا وقانونيًّا لأفراده الأقل حظًا. ويستهدف هذا التراكم الفكري حماية الفئات الأكثر حاجة، من كبار السن والعاطلين من العمل وذوي الدخل المحدود، من وحشية رأس المال؛ محولًا الحقوق المادية – كالخدمات الصحية والتعليمية النوعية – إلى دروع دستورية صلبة.
وتغدو هذه الدروع هي الضمانة الوحيدة لمنع تحويل الإنسان الفلسطيني إلى سلعة في سوق المضاربات، وضمان ألا تبتلع الرأسمالية المتوحشة كرامته الوجودية تحت ذريعة كفاءة السوق أو ندرة الموارد. إن الانتقال بالمادة ذاتها من لغة السعي إلى لغة الالتزام السيادي هو انحياز دستوري لمفهوم العدالة كإنصاف؛ حيث يؤسس النص المقترح لعقد اجتماعي يجعل من التضامن والرفاه ركيزة للأمن القومي.
إن كرامة الفلسطيني لا تصان بالشعارات، بل بضمان حصته المادية في ثروة بلاده، وتوفير شبكة أمان تحميه من التهميش، بذلك نغلق الباب أمام أي محاولة للالتفاف على كرامة المواطن، ليتحوَّل الدستور من مجرد نص إجرائي إلى سندٍ قانوني يحمي المحرومين، يضمن استقرار المجتمع عبر توازن مادي يحصن الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات السياسية الكبرى.
خاتمة
خلصت هذه الدراسة إلى جملة من النتائج البنيوية التي تؤكد أن مأزق مسوَّدة الدستور لا يكمن في عجز الصوغ القانوني فحسب، بقدر ما هو انعكاس لارتباك الهوية السياسية الفلسطينية المحاصرة بضيق إرث أوسلو وإفرازاته. وتشير النتيجة الكلية المستخلصة من تشريح المسوَّدة إلى وجود محاولة منهجية لدسترة التبعية وتفريغ القضية الفلسطينية من محتواها التحرُّري، وتحويلها من مشروع ثورة ودولة سيادية إلى مجرد إدارة بيروقراطية وظيفية تعمل وكيلًا للاستعمار.
لقد كشف البحث عن اختلال جوهري في بنية الشرعية تجلى في تغييب الأصل المتمثل بمنظمة التحرير لمصلحة الوكيل المتمثل بالسلطة؛ وهو ما أدى إلى فقدان المرجعية الوطنية الجامعة، وانحسار السيادة في فضاء وظيفي ضيِّق محكوم بقيود الاتفاقيات الانتقالية. كما أفرزت الدراسة نتيجة مركزية تتعلق بطبيعة نظام الحكم، إذ أسست المسوَّدة لطغيان بيروقراطي يختبئ خلف غابة من اللوائح والإجراءات؛ وهو ما أفضى إلى اغتيال مفهوم المواطن الند واستبدال مواطن ممتثل وظيفيًّا به، وهو ما ينسف جوهر مبدأ الفصل بين السلطات، ويحول الدستور من وثيقة حماية للحقوق إلى أداة لضبط السلوك الشعبي.
على صعيد الممارسة السياسية، انتهت الدراسة إلى أن المسوَّدة سعت لشرعنة حالة الاستثناء عبر بنية انتخابية تفرض فلاتر أيديولوجية وبرامجية مسبقة، تهدف إلى فلترة المعارضة وضمان إعادة إنتاج النظام لذاته بعيدًا من السيادة الشعبية الحقيقية. وقد امتد هذا الارتباك ليشمل البعد الدولي، حيث رهنت الحقوق السيادية، للمعاهدات الدولية، في تصادم صريح مع القواعد الآمرة ولا سيَّما حق تقرير المصير الذي تعرض للتقزيم والارتهان لترتيبات أمنية انتقالية. إن هذه النتائج مجتمعة تؤكد أن المسوَّدة لم تكن إلا تتويجًا لسياسة كيِّ الوعي التي استهدفت دفع الشعب الفلسطيني للقبول بـ «لا دولة كبديل من التحرُّر الكامل».
يمثل المتغير التاريخي الجسيم الذي فرضته حرب الإبادة في غزة 2023 نقطة الانكسار الكبرى لهذا المسار التصحيحي؛ فقد أثبتت التضحيات والملاحم الميدانية استحالة المضي في هذا الانحباس الدستوري. وتضع النتيجة النهائية لهذه الدراسة صانع القرار والقوى الوطنية أمام حتمية القطع المطلق مع إرث أوسلو، والذهاب نحو عقد اجتماعي جديد يستمد شرعيته من الميثاق الوطني ومن إرادة الشعب في كل أماكن وجوده، عقد ينطلق من إعادة الاعتبار للسيادة الشعبية المطلقة كفعل تحرري يرفض الفلترة والارتهان، ويؤسس لمواطنه ندية قادرة على حماية الثوابت وصيانة دستور دولة حرة، لا دستور سلطة تحت الوصاية.
كتب ذات صلة:
المسألة الدستورية وتدبير الاختلاف بين الشريعة والقانون
أوراق ذات صلة:
مأزق السلطة الفلسطينية والصعود الجديد للمقاومة في الضفة الغربية
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 571 في أيلول/سبتمبر 2026.
للحصول على العدد 571 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:
مجلة المستقبل العربي العدد 571 أيلول/ سبتمبر 2026
عبد الله مصطفى الـمعلواني: باحث في العلوم السياسية – فلسطين.
[1] عاصم خليل، «عملية تحضير الدستور الفلسطيني وطريقة تبنيه: لماذا؟ كيف؟ ولماذا الآن؟،» مجلة دراسات للعلوم الإنسانية والاجتماعية، السنة 36، العدد 2 (2009).
[2] خليل الشقاقي، هل يمكن لبرلمان منتخب جديد أن يصلح ما فسد في النظام السياسي الفلسطيني؟ (رام الله: المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، 2021).
[3] قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة، قضية فلسطين، الرقم 3236 (د – 29)، 22 تشرين الثاني/نوفمبر 1974.
[4] البروتوكول الإضافي الأول الملحق باتفاقيات جنيف لعام 1949 المتعلق بحماية ضحايا المنازعات المسلحة الدولية الموقع عام 1977.
[5] انظر: محمود عباس، طريق أوسلو: مُوقع الاتفاق يروي الأسرار الحقيقية للمفاوضات (بيروت: شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 1994)، ص 312 – 315.
[6] انظر: حنّة أرندت، الوضع البشري، ترجمة هادية العراقي (بيروت: جداول للنشر والتوزيع بالاشتراك مع مؤمنون بلا حدود، 2015)، ص 61 – 62.
[7] وثيقة إعلان الاستقلال الفلسطيني، المجلس الوطني، الدورة 19، الجزائر – 1988.
[8] انظر: جلسة مجلس الأمن رقم (4824)، الحالة في الشرق الأوسط بما فيها فلسطين، الأمم المتحدة، نيويورك، 15 أيلول/ سبتمبر 2003، ص 6، 14 و24.
[9] انظر: محمد حسنين هيكل، أكتوبر 73: السلاح والسياسة (القاهرة، مؤسسة الأهرام، 1993)، ص 734.
[10] يقدّم نموذج جنوب أفريقيا برهانًا تاريخيًّا على جودة البناء الدستوري والصلابة الأخلاقية للمنظومة القانونية المحلية التي تمنح الدولة شرعية القيادة في الفضاء الدولي، فدولة جنوب أفريقيا نجحت في تصفية إرث الفصل العنصري عبر وثيقة دستورية تعد الأرقى عالميًّا في حماية الحقوق والحريات، لم تكتف بالتصالح مع ذاتها داخليًّا، بل عكست قيم هذا العقد الاجتماعي الصادق في سياستها الخارجية. وقد تجلّى ذلك بوضوح في قيادتها المسار القانوني ضد حرب الإبادة الجماعية في غزة أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي عام 2023، إذ لم تستند في مرافعتها إلى فائض القوة المادية وترسانتها العسكرية، بل إلى فائض القوة الأخلاقية والقانونية. لقد استلهمت معاناتها السابقة لتنتج فقهًا دستوريًّا وإنسانيًّا عابرًا للحدود، وهو ما جعلها منارة حقوقية أرغمت الدول الكبرى، بما تملكه من جيوش وفقهاء وحضور دولي، على السير خلف رؤيتها القانونية التي جسدت بصدق قيم العدالة الكونية، وهو ما يفتقده الواقع الفلسطيني الذي يحتاج إلى تشريعات سيادية رصينة تؤسس لحضور دولي مشابه. انظر: الدعوة المرفوعة أمام محكمة العدل الدولية، الملف الرقم (192) لسنة 2023، (South Africa v. Israel)، <https://www.icj-cij.org/case/192> (تمت زيارته بتاريخ 9 نيسان/أبريل 2026).
[11] انظر: اتفاقية فيينا لقانون المعاهدات لعام 1969، المادة (53)؛ تُعرّف القواعد الآمرة (Jus Cogens) بأنها قواعد مقبولة ومعترف بها من قبل المجتمع الدولي ككل بوصفها قواعد لا يجوز الإخلال بها، ولا يمكن تغييرها إلا بقاعدة لاحقة من قواعد القانون الدولي العامة، لها ذات الصفة، وتتميز هذه القواعد بكونها تسمو على سيادة الدول والمعاهدات الثنائية؛ فكل معاهدة تتعارض مع قاعدة آمرة تُعد باطلة بطلانًا مطلقًا بصفة أصيلة.
وتقرير لجنه القانون الدولي، الأمم المتحدة نيويورك، الملحق الرقم 10 (A/77/10) الدورة الثالثة والسبعون، 5 آب/أغسطس 2022، ص 14 و20. حيث يؤكد التقرير أن القواعد الآمرة تعكس القيم الأساسية للمجتمع الدولي، وهي واجبة التطبيق عالميًا وتعلو من الناحية التراتبية على غيرها من قواعد القانون الدولي، ومنها: حق تقرير المصير، وحظر التمييز، والفصل العنصري، وحظر العدوان.
[12] المادة (43) من القانون الأساسي الفلسطيني المعدل لسنة 2003، بنصها: «لرئيس السلطة الوطنية في حالات الضرورة التي لا تحتمل التأخير في غير أدوارها انعقاد المجلس التشريعي. إصدار قرارات لها قوة القانون، ويجب عرضها على المجلس التشريعي في أول جلسة يعقدها بعد صدور هذه القرارات وإلا زال ما كان لها من قوة القانون، أما إذا عرضت على المجلس التشريعي على النحو السابق ولم يقرها زال ما يكون لها من قوة القانون».
[13] المادة (3) من الدستور الفرنسي، باريس (Constitution du 4 Octobre 1958).
[14] المادة (20) من القانون الأساسي الألماني، بون، 1949، (Grundgesetz).
[15] انظر: فرانز فانون، معذبو الأرض، ترجمة سامي الدّروبي وجمال الأتاسي، ط 2 (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2015)، ص 121 – 130.
[16] لجنة الانتخابات المركزية – فلسطين، النظام الانتخابي للانتخابات العامة، رام الله، 2007.
[17] قرار بقانون (23) لسنة 2025، بشأن انتخابات مجالس الهيئات المحلية، المادة (16) الفقرة (2)، رام الله، الجريدة الرسمية، 20 تشرين الثاني/نوفمبر 2025.
[18] انظر: إيان براونلي، مبادئ القانون الدولي العام، تحرير جيمس كروفورد؛ ترجمة محمود محمد الحرثاني (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2022)، ص 254.
[19] انظر: جون رولز، نظرية في العدالة، ترجمة ليلى الطويل (دمشق: الهيئة العامة السورية للكتاب، 2011)، ص 109 – 121.
[20] المادة (20) من القانون الأساسي الألماني، بون، 1949 (Grundgesetz).
[21] المادة (1) من الدستور الفرنسي، باريس (Constitution du 4 Octobre 1958).
عبد الله مصطفى المعلواني
باحث في مجال أمن الطاقة، من مواليد خان يونس - غزة (1969). حائز دكتوراه في العلوم السياسية - علاقات دولية من جامعة القاهرة (2022)، وماجستير في دراسات الشرق الأوسط من جامعة الأزهر (2014). عمل محاضرًا غير متفرغ في بعض الجامعات الفلسطينية. استشاري لدى عدد من المنظمات الأوروبية التي تُعنى بحقوق الإنسان، والحقوق المدنية والسياسية. من اهتماماته البحثية: النظام الدولي، السياسة الخارجية، القانون الدولي الإنساني، أمن الطاقة، الصراع العربي- الإسرائيلي. نشر عددًا من الأبحاث والدراسات في عدة دوريات عربية ودولية محكمة.
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



