مقدمة:

عقب كل أحداث دولية عظمى، كالحروب والصراعات الطائفية، تظهر الحاجة إلى إعادة ترتيب الجغرافيا السياسية طبقاً لمعايير إثنية وثقافية وعسكرية، فينشأ اهتمام دولي بمسألة الحدود كما حدث في عدة مناسبات بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية وبعد انهيار المعسكر الاشتراكي بداية التسعينيات. كما أن مسألة رسم الحدود تعد في بعض المناطق من المشكلات الإقليمية المستديمة التي تعكر صفو العلاقات بين دول الجوار وقد يتطلب حلها إعادة رسم الحدود بناءً على اعتبارات إثنية أو دينية لم يعد في الإمكان تجاهلها. إضافة إلى أن كثيراً من الصراعات لا تعود فقط إلى مجرد الخلاف حول خط حدودي أو بقعة أرض ولكن إلى رغبة الفُرقاء في الحصول على «الاعتراف» (Reconnaissance) و«المكانة» (Statut) التي تميزهم كشعوب متفردة أو مجموعات متماسكة تفرض احترام هويتها. من هنا يبدو أن مشكلة الحدود لها أبعاد تتجاوز البعد «العقاري» أو الترابي أو الجغرافي إلى ما هو أعمق من ذلك. فما هي هذه الحدود التي تتخذ وضعيات مختلفة وترمز إلى مضامينَ فوق جغرافية؟

أولاً: في تعريف الحدود

الحدود جمع حد، وهو في اللغة الحاجز بين شيئين يمنع اختلاطَهما. والحَدُّ من كل شيءٍ طَرَفُه ونهايته، وحدُّ الشيء تعريفُه الجامع لكل عناصره، المانع من اختلاطه. والحد شرعاً «عقوبةٌ مُقَدَّرة وجبتْ زجراً عن ارتكاب ما يوجبها»‏[1]. والحدود في الاصطلاح السياسي هي خطوط مرسومة بين دولتين أو أكثر تُبين الأراضي التي تمارس عليها كل دولة سيادتها وتطبق فيها قوانينها وتتمتع فيها وَحْدَها بحق الاستعمال والاستغلال، حيث المجال الجغرافي هو أحد عناصر التعريف القانوني للدولة، إضافة إلى الشعب والسلطة السياسية والسيادة. والواقع أن الحدود ليست مجرد خطوط بين عدة نقط وُضِعت للقياس الكمي، بل هي نتيجة لعلاقات سياسية بين مجموعات بشرية، قامت على الصراع تارة وعلى التعاون تارة أخرى، رُسمت بناءً على معاهدات رضائية تارة وباستخدام القوة تارة أخرى، تبعاً للظروف التاريخية التي أحاطت بعملية الترسيم وتبعاً أيضاً لميزان القوة بين الأطراف المعنية بهذه الحدود.

رسم الحدود يعني أيضاً التمييز بين أراضٍ داخلة تحت سلطة الدولة تمارس فوقها اختصاصاتها القانونية، وبين أراضٍ خارجية تخضع لسيادة مجموعة أخرى. الحدود عبارة عن حواجز يقف عندها الأشخاص أو يعبرونها، كما البضائع والخدمات. فهي خطوطٌ لحركة من التنقلات قد تمس سيادة الدولة، لذا وجب إحاطتها بمجموعة من القوانين تنظم العبور المسموح به. كما تحدد هذه الخطوط نطاق الصراع والتعاون بين الدول وتصرفاتها العابرة للحدود (Transfrontalières) التي تجعل من العلاقات الدولية، في نهاية المطاف، علاقات بين الحدود‏[2].

تَستخدم الدولةُ حدودَها كأداة لتنفيذ سياساتها الاقتصادية والأمنية فتسعى من خلالها إلى زيادة قوتها ونفوذها، ولا تتوانى في سبيل تحقيق ذلك عن تغيير الحدود بالقوة أو تغيير وظائفها القانونية باستخدامها في ما يتعارض مع قواعد حسن الجوار‏[3]. كما أن الحدود السياسية هي حدودٌ لحدودٍ أخرى هي حدودُ الهوية وما اشتملت عليه من خصائص تجمع بين أفراد شعب أو مجموعة إثنية واحدة. فإذا ذُكِرَ أيُّ مجال جغرافي أو عنصر من عناصره تبادرت إلى الذاكرة بعض حدوده الثقافية والاجتماعية التي يُعرف بها. فالحدود إِذَنْ هي جزءٌ من الكيان الذي تَحُده، وهي تُمثل، في الغالب، دائرتين متقاطعتين: الأولى، سياسية – جغرافية تشمل الحدود الرسمية للدولة، تحدد نطاق سيادتها، يمكن اعتبارها مَرافقَ عمومية تقدم إلى المرافق خدمات عامة كالحماية من العدوان الخارجي ومن البضائع المستوردة التي قد تضر بالاقتصاد، وغيرها. والثانية، إثنية – ثقافية تشمل الخصائص المميزة للمجموعات داخل الدولة، في إطار الهوية الوطنية والهويات الفرعية (إثنية، دينية، لغوية،..)، هي ذات طابع عفوي وخاضعة في أغلبها للقانون الخاص‏[4]. يدلنا الواقع الدولي اليوم أن الدائرتين لا تتطابقان، بل تتقاطعان، وتشمل كل دائرة دوائر فرعية هي الأخرى متقاطعة، في تعايش تارة وتنافر تارة أخرى.

والحدود موضوع للمشاعر والمعتقدات والأيديولوجيات، وربما الأساطير التي تجتمع حولها بعض الشعوب لتعزز بها وحدتها القومية، الحقيقية أو الـمُتَخيَّلة. فالجماعات التي قد تتخيل اتحادَها في الخصائص الثقافية والإثنية مع جماعات أخرى قد تسعى إلى تجاوز المجال الجغرافي الذي تعيش فيه لتُطالب بإعادة رسم حدوده الـمُتَخَيَّلة، خصوصاً في فترة التحولات الكبرى (حروب، ثورات، انتفاضات،…)‏[5]. كما أن مفهوم الحدود متغير من فترة إلى أخرى ومن مجال معرفي إلى آخر (القانون، الجغرافيا، العلاقات الدولية، الأنثروبولوجيا، الاقتصاد،..) بحسب السياق الذي تُستخدَم فيه والنظريات التي تقوم بصوغه والأشخاص الذين يستخدمونه، بل هو مختلف من زمن إلى آخر ومن مكان إلى آخر‏[6].

كما أنه بفضل التكنولوجيا العسكرية الحديثة لم تعد الحدود السياسية خطاً للدفاع وحصناً ضد هجوم العدو، فالأسلحة المتطورة تستطيع الوصول بسهولة إلى العمق الجغرافي للدول المتحاربة. أما تكنولوجيا المعلومات فقد تجاوزت الحدود السياسية وباتت تهدد الأمن القومي لبعض الدول، وأصبح لها من القوة ما قد يضر بسيادة هذه الدول. كما أن العولمة الاقتصادية واتفاقيات التبادل الحر قد ألغت بعض الحدود الجمركية بحيث لم يعد لرأس المال حدود جغرافية. بهذه الأمثلة نرى تغير المفهوم التقليدي للحدود وانتقاله مع الدولة الحديثة إلى مرحلة ما بعد الحداثة التي تتميز باعتماد سياسات الانفتاح والاتحاد ورفع الحواجز الاقتصادية والثقافية. لكن هذا التغير كان له انعكاس سلبي أيضاً، فقد أدى رفعُ الحواجز وتسهيل عمليات الاتصال إلى حدوث لقاء جديد ومكثف بين الثقافات والأعراف والديانات أثار بينها الخلاف بالقَدْر الذي زاد بينها فرص التعايش والحوار.

لقد أصبح للحدود دور في عملية الاستبعاد (Exclusion) أكثرُ أهمية من دورها في عملية الاحتواء (Inclusion)، أصبحت بمنزلة جهاز لكشف الهوية الثقافية (Détecteur d’identité) يضاف إلى دورها التقليدي في تدقيق الهوية الإدارية والشخصية للأفراد. فالحدود السياسية قد يتم اختراقها بجواز سفر عليه تأشيرة ثم العودة بعد انتهاء صلاحيتها، أما الاقتحام الثقافي للحدود فأكثر تعقيداً وأبلغ أثراً في الذاكرة والمشاعر الفردية والجماعية والأعراف المحلية، قد يؤدي إلى التدافع والاشتباك وربما إلى الصراع والحروب‏[7]. كما أن من وظائف الحدود إبراز وجود الدولة أو الجماعات المختلفةِ الخصائص وتمييزها وإعطائها صفة الفاعل المستقل (Acteur indépendant) حتى لو كان هذا الاستقلال شكلياً أو غير تام.

ثانياً: حدود الهوية

الهوية مصطلح يدل على الخصائص الذاتية التي تميز شخصاً أو مجموعة من الأشخاص من غيرهم. وقد ازداد التركيز على الهوية مع تقلص الحدود الفاصلة بين الذوات والأماكن وتغير الخصوصيات التي تميز الأفراد داخل مجموعات إثنية‏[8]. تدل الخصائص الثقافية المشتركة بين أفراد مجموعة معينة على هويتها التي تُعْرَفُ بها والتي تظهر من خلال تفاعلات الحياة اليومية بين هؤلاء الأفراد. هذه الخصائص تنتظم في إطارين عامين: إطار الدولة التي يتطلب بناؤها وجود شعب أو مجموعة كبيرة من الأفراد، وإطار الأمة التي تحتاج في بنائها إلى سلطة سياسية تُوَحِّدُ بين عناصرها وتضع الحدودَ التي تُعْرَفُ بها.

إن عملية بناء الدولة هي أهم مراحل تنظيم الهوية، لأن الدولة هي التي ستتولى إبراز عناصرها وتوحيد الأفراد المنتمين إليها في إطار جغرافي واحد. تبدأ هذه المرحلة بالحوار بين الجماعات والقبائل والطوائف والعشائر ومختلف مكونات المجتمع حول شكل الدولة ونظام الحكم المعتمَد والترتيبات والمراحل الزمنية لإنشاء مؤسسات الحكم والأجهزة البيروقراطية. بناء الدولة عملية تتم من الداخل أي تقوم بها مجموعات إثنية ذات خصائص مشتركة وغير مشتركة تُقدم تنازلات متبادَلة من أجل خلق كيان جديد يمثل بالنسبة إليهم الهوية الوطنية الجامعة‏[9]. لذا بناء الدولة في مجتمع تتعدد فيه الانتماءات الإثنية والقبلية والطائفية واللغوية والدينية كما في نيجيريا والسودان ولبنان والعراق وليبيا، ليس بالعمل السهل، فقد يعجز الفُرقاء عن القيام بذلك إذا تفشت بينهم العادات الإقصائية. في المقابل، نجد في دول أخرى، كالولايات المتحدة وسويسرا وكندا، أن أفراداً من مختلف المشارب الثقافية والإثنية يجتمعون تحت مُسَمَّى الشعب الواحد في البلد الواحد ذي السلطة المركزية الواحدة والهوية المرجعية الواحدة التي لا تتطابق بالضرورة مع الأصول الإثنية والثقافية الغالبة في هذه المجتمعات. فليس من الضروري أن تتطابق الحدود الجغرافية للدولة مع الحدود التي تضعها الهويات لنفسها.

تقوم الحاجة إلى بناء الدولة بعد وقوع أحداث سياسية أو أمنية كالحروب أو الانفصال أو التقسيم، عندما لا توجد مرافق عمومية وسلطات سياسية أو عندما توجد لكنها لا تُؤدي عملها. تتولى الدولة، في المجتمعات الحديثة، تحديد الإطار العام للهوية الوطنية وحمايتها. أما في المجتمعات غير الحديثة، أو التي اختلطت فيها الحداثة بالبدائية، فإن مجموعات منظمة وغير منظمة هي التي تتولى تحديد عناصر الهوية وتدعو أتباعها إلى الامتثال لها تعبيراً عن ولائهم للمجموعة، وتحدد أيضاً طريقة الدفاع عنها التي غالباً ما تكون بالتضحية بالنفس. أما الهوية الوطنية فهي جِماع العناصر المشتركة والرموز المعتمَدة من طرف السلطة السياسية في الدولة، تُتَرجَمُ بمجموعة من المحددات القانونية التي تُمنحُ للفرد منذ ولادته، كتحديد مكان الميلاد وتاريخه والأوصاف الجسدية الظاهرة وبصمات الأصابع والعنوان والجنسية وما يَرْمُزُ إليها من رقم وطني يميز كل مواطن عن باقي المواطنين.

في كثير من الدول التي تولي مسألةَ الهوية اهتماماً خاصاً لوجود تنوع عرقي أو ثقافي أو طائفي، تتولى الحكومات من خلال الأجهزة الإدارية حماية العناصر المختلفة للهوية الوطنية بإقرار قوانين تمنع المساس بها والتحريض ضدها. كما أن الدول الغربية التي تستقبل أعداداً كبيرة من المهاجرين من ذوي الثقافات المختلفة، مثل كندا وسويسرا وأستراليا وفرنسا والولايات المتحدة، تضع عليهم شروطاً ثقافية كالإلمام باللغة الرسمية واحترام الثقافة المحلية وقيم الديمقراطية والعلمانية ودولة القانون، حتى يتسنى لهم «الاندماج» بنجاح في مجتمعهم الجديد، في إطار هوية وطنية تجمع تحت رايتها الوافدينَ والسكان الأصليين معاً. ففي فرنسا يُنَظم قانون الإقامة واللجوء عملية اختيار المهاجرين تبعاً لاستعدادهم لتقبل «مبادئ الجمهورية» وخصوصاً منها المساواة والعلمانية. تتولى هذه المهمة وزارة «الهجرة والاندماج والهوية الوطنية والتنمية» التي أنشئت سنة 2007 وأطلقت حواراً وطنياً حول «الهوية الوطنية» سنة 2009. وفي كندا تتولى وزارة الهجرة إعداد شروط استقبال المهاجرين وتقديم برامج تربوية وتعليمية لإدماجهم في المجتمع الكندي، تقوم على تعلم اللغة الفرنسية أو الإنكليزية والتعرف إلى القيم الوطنية والحقوق والحريات ذات الصلة. لكن هذه التدابير لا تؤدي إلى انسلاخ المهاجرين عن بعض ما شَبُّوا عليه في بلدانهم من قيم وتقاليد وأعراف تظل ترافقهم حيثما انتقلوا. بل ربما تأثر المقيمون بما جاء به الوافدون من قيم ومبادئ وهو ما يمكن أن يؤدي إلى تغيير بعض عناصر الهوية الوطنية، وخصوصاً عندما تتغير التشكيلة الديمغرافية في هذه البلدان مستقبـلاً. وكَرَد فِعل على هذه التغييرات تظهر في الغالب دعواتٌ إلى إعادة النظر في عناصر «الهوية الوطنية» والحفاظ على ثوابتها والعودة بها إلى الجذور، وهو ما يُحدث انقساماً في المجتمع وصراعاً حول هذه الثوابت وحول قابليتها للتغيير، قد يؤثر في وضع المهاجرين، كما يحدث اليوم في مقاطعة كيبيك الكندية، حيث يطالب بعض سكانها بالاستقلال عن كندا وإلزام المهاجرين باحترام قيم العلمانية التي تم تحديدها في مشروع قانون جديد يحاول الليبراليون الجدد تمريره في البرلمان.

أما الأمة فتنشأ نتيجةَ الاعتقاد بوجود روابط حسية ومعنوية بين أفراد يعيشون في مكان واحد أو موزعين على مناطق جغرافية مختلفة. الجغرافيا هنا تأخذ قيمة شكلية لكنها أساسية، لأن القُرب والتعايش في مكان واحد يُقَرِّبُ في كثير من الأحيان بين الاتجاهات المختلفة ويوائم بين القيم المتباينة، وإن لم يكن ذلك بقاعدة. بناءُ الأمة هو عملية إبراز وحماية الهوية لدى مجموعة منسجمة من الناس توجد بين أفرادها قواسم مشتركة كالدين واللغة والتاريخ، تباشرها الدولة باستخدام وسائلها القانونية، القَسْرية وغير القسرية، الهدف منها توحيد وصهر هؤلاء الأفراد في كيان سياسي واحد يقوم على التعايش وتبادل الصلات والخدمات. هذه العملية قد تَعْقُب في بعض الدول فترةً استعمارية جرى فيها تشويهٌ مُتَعمَّدٌ للهوية وطمسٌ لِـمَعَالمها، كما حدث في كثير من دول أفريقيا. وقد تَعْقُبُ أيضاً فترة الحرب الأهلية، وخصوصاً إذا كانت أسباب اندلاعها مرتبطة بصراع الهويات أو بالانقسام أو الانفصال السياسي نتيجة صراع عرقي أو طائفي طويل، كما حدث في بنغلادش وجنوب السودان والبوسنة والهرسك. خلال عملية البناء يتم إحداث رموز جديدة مشتركة كالعَلم والنشيد الوطني واختيار اللغة الرسمية للدولة. ويتم في الدول الديمقراطية فسح المجال للمواطنين والمقيمين لممارسة الحقوق الفردية في المجالات الدينية والثقافية بما لا تتعارض مع الهوية الوطنية الجامعة.

إن الانتساب إلى مجموعة بشرية معينة يرتبط بنوعين من العوامل: الأول، تاريخي إثني، ذات طبيعة موضوعية؛ والثاني، نفسي شعوري ذات طبيعة شخصية تهم كل فرد على حِدة. ولا تعود دائماً رغبةُ الفرد في الانتساب إلى مجموعة أو التضامن معها إلى ما يجمعه بها من خصائص موضوعية مشتركة كالدين واللغة والعرق والتاريخ. فقد ينضم أو يتضامن مع مجموعة بناءً على إحساسه بالانتماء إلى قيم إنسانية تتبناها تلك المجموعة كالعدل والمساواة والحرية، أو إلى قيم سياسية كالليبرالية والديمقراطية. وقد يتحدد الانتماء بناءً على قِيَم ثانوية كالتقاليد المتعلقة بالزواج والأكل والاحتفال وغير ذلك‏[10].

الأمة نظام تلقائي الوجود تظهر معالمها من خلال الاستعمال اليومي والعادي والمتكرر من طرف مجموعة من الناس لقيم وعادات تدخل في النواة الصلبة للهوية، حيث الطريقة التلقائية التي يتكون بها النظام الاجتماعي تشبه طريقة اليد الخفية التي يعمل بها الاقتصاد الليبرالي، كما عند آدم سميث‏[11]. وعندما تتكون أمة بناءً على هذه العناصر يصبح مطلوباً تكوين دولة تحمي هذه الهوية وتبرزها بين الهويات الأخرى وتحقق لها «الاعتراف» المنشود. غير أنه إذا لم تنبثق الدولة من هوية جامعة لكل مكونات المجتمع فإن انفصاماً سيحدث بين الأمة والدولة وتحدث المواجهة بينهما بما يُضعف من شأن الدولة ويُقَوي، في المقابل، شأن الطوائف والمجموعات الإثنية والثقافية الفرعية. هذه المجموعات قد يتضامن أفرادها لمواجهة خصمٍ يُهدد هويتهم حين يَـرَونَ في السلطات التي تمارس الإقصاء والتهميش الخصمَ المفروضَ عليهم الذي لا يـُـعـبـِّـر عن هويتهم، بل يعمل ضد إرادتهم لتفتيت روابطهم وتفكيك لُحمتهم. من هنا فإن الدولة التي تتعدد فيها الهويات الفرعية تتحول في الغالب إلى الشكل الفدرالي الذي تحكم فيه كل جهة نفسها بنفسها، مع الإبقاء على علاقة إشراف مع السلطة المركزية، كما في سويسرا وبلجيكا وإسبانيا وكندا.

ثالثاً: الهوية والصراع على الحدود

لم تقم المعايير المعتمدة في رسم الحدود السياسية بين أغلب الدول الحديثة على أساس الهوية والتاريخ المشترك فقط، بل أيضاً وبالأساس على استخدام القوة لتوسيع النفوذ والحصول على أراضٍ إضافية تضمن لها المكانة الجغرافية والموقع الاستراتيجي والغذاء والماء والمعادن. لقد تم رسم الحدود في أغلب دول العالم بناءً على تفاعلات جيوساسية هدفها الاستيلاء على أكبر قدر من الجغرافيا بواسطة الحروب ومعاهدات الانتداب. من هنا ارتبطت تسمية الحدود (Frontières) في لغات غربية بجبهات القتال (Fronts)، حيث كثير من الحدود السياسية اليوم كانت في الأصل خطوطاً لوقف إطلاق النار‏[12].

كانت الحدود السياسية في القرون الوسطى تتناسب إلى حد ما مع الحدود الثقافية للمجموعات الإثنية المختلفة، حيث اتخذت في أغلبها شكل حواجز طبيعية كالجبال والأنهار والبحار‏[13]. وكانت الإمبراطوريات القوية تبحث باستمرار عن إعادة رسم هذه الحدود بما يتناسب مع طموحاتها الاستعمارية بالاستيلاء على مزيد من الأراضي التي قد تقطنها مجموعات إثنية مختلفة لتفرض عليها سياسات وقوانين لا تتناسب مع مقوماتها الثقافية والدينية، فينشأ بين المستعمِر والمستعمَر صراع مزدوج: الأول، يدور حول الحدود السياسية، والثاني، حول الحدود الثقافية والدينية.

وللوقوف على طبيعة العلاقة بين الحدود السياسية والحدود الثقافية يجب دراسة الخصائص اللغوية والثقافية للسكان القاطنين على جانبَي الحدود بين دولتين. هذه الحدود الاجتماعية «الطبيعية» لا تعيرها كثير من الدول الاهتمام اللازم عند وضع الحدود السياسية «المصطنعة» بل تهتم أكثر بتعظيم حصتها من الرقعة الترابية حتى لو أدى ذلك إلى فصل قبيلة إلى نصفين. فإذا كانت بين الدولتين المتجاورتين علاقات جيدة استطاع هؤلاء الأفراد الاستمرار في علاقاتهم الاجتماعية مع الامتثال لبعض المقتضيات الإدارية. أما إذا لم تكن بينهما علاقات جيدة فإن أبناء القبائل المتاخمة للحدود يعانون التفرقة والتشتت، وقد يتطلب الأمر عدة قرون لتَخِفَّ حدة هذه المعاناة عندما تعتاد أجيال بعد أجيال الفُرقةَ والعيشَ على طرفين متقابلين في حدود دولتين متنافرتين. فإذا استمرت المعاناة قد تتحول إلى مطالب حقوقية تدعو إلى تقرير المصير (Autodétermination) لإعادة رسم الحدود وجمعِ شتات مجموعات إثنية ترى أنها تشكل شعباً واحداً‏[14].

عاشت أوروبا أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين حراكاً قومياً تحوّل إلى أيديولوجيا إثنية استُخدمت في حشد المشاركين في الحرب العالمية الأولى. وكانت قوميات كثيرة تتعايش داخل حدود واحدة تتسع وتضيق تبعاً للأطماع الاستعمارية وميزان القوى العسكري. وقد تركزت هذه القوميات في شرق أوروبا أكثر من غربها. وبعد الحرب العالمية الثانية ساد التعايش بين هذه القوميات المختلفة في إطار دولة واحدة ذات هوية وطنية جامعة. وقد نجحت بعض الأنظمة السياسية القوية في فرض نوع من الاندماج الثقافي وحمايته بالقوة. غير أن ضعف الدولة وتفكك السلطة أدى إلى نشوء صراعات إثنية تطورت إلى حروب إبادة وتطهير عرقي، كالتي شهدها البلقان سنة 1912 بين القوميات البلغارية والصربية واليونانية وأدت إلى تهجير نصف مليون من سكان البلقان. كما أن انهيار الإمبراطورية العثمانية بعد انهزامها في الحرب العالمية الأولى أدى إلى تهجير ملايين الأشخاص من أوروبا الشرقية إلى مناطق متفرقة ليصبحوا فيها أقليات. وبعد توقيع معاهدة فرساي (Versailles) إبان مؤتمر باريس سنة 1919 أصبحت الحاجة إلى السلم محفزاً لتسريع تثبيت الهدنة والحفاظ على الحدود الجديدة التي جاءت بها الحرب الأولى. فتم توقيع عدة معاهدات لترسيم الحدود مثل معاهدة لوكارنو (Locarno) التي رسمت الحدود بين ألمانيا وبعض الدول المنتصرة‏[15].

وبعد الحرب العالمية الثانية قرر الحلفاء المجتمعون في مؤتمر يالطا سنة 1945 طردَ السكان الألمان من المناطق غير الألمانية لتغيير الخارطة الديمغرافية تبعاً للانتماء القومي. فتم تهجير أكثر من سبعة ملايين ألماني من بولندا وتشيكوسلوفاكيا ويوغسلافيا ومن باقي دول شرق أوروبا، ليلتحقوا بأوطانهم الأصلية أو التي يُشكلون فيها أغلبية إثنية. كما تم تهجير الألمان والإيطاليين من كثير من المناطق التي ألحقتها اتفاقية باريس لسنة 1947 ببعض الدول المنتصرة، وتم إلحاق منطقتي «تند» (Tende) و«بريغ» (Brigue) بالأراضي الفرنسية لتُضاف إلى مناطق حدودية أخرى مع إيطاليا ضمتها فرنسا سنة 1860. وبالرغم من أن عدداً قليلاً من سكان هذه المناطق الحدودية ينحدرون من أصول فرنسية فإن فرنسا تعللت بحماية الروابط التاريخية والثقافية معهم، متجاهلة الحقوق التاريخية للسكان المنحدرين من أصول إيطالية. من هنا نرى أن مسألة الحدود لا تقوم دائماً على مبدأ الحق في تقرير المصير لكن في أحيان كثيرة من التاريخ البشري قامت الحدود على القوة واللجوء إلى الحروب ومعاهدات السلام أو الاستسلام، السرية وغير السرية، التي تخضع لميزان القوة السائد بين أطرافها‏[16].

لقد تم تغيير الخارطة السكانية في أوروبا في القرن العشرين في ثلاث محطات رئيسية: الأولى والثانية بمناسبة الحربين العالميتين الأولى والثانية، أما المحطة الثالثة فقد انطلقت مع تفكك الاتحاد السوفياتي واستقلال بعض الإثنيات في شرق أوروبا بعد كفاح طويل من أجل الحصول على الاعتراف في ظل حكم استبدادي كانت ترزح تحته. من أجل ذلك خاضت حروباً في الشيشان وصربيا والجبل الأسود وجورجيا وأوكرانيا، أدت إلى انقسام يوغوسلافيا واستقلال كرواتيا وسلوفينيا والبوسنة والجبل الأسود وصربيا ومقدونيا، وتمكنت إثنيات كثيرة من العودة إلى مناطقها الأصلية‏[17]. كما استغلت بعض الأنظمة الاضطرابات الإثنية في دول مجاورة للتدخل عسكرياً قصد تأييد مطالب الأقليات فيها بالحصول على الحقوق الثقافية أو الاستقلال أو الانضمام إلى دولة أخرى، كما حدث في أوكرانيا والعراق وسورية. هذه «المناورات الإثنية» التي تؤثر في الجغرافيا تعكس قوة المجموعات الإثنية المدعومة ذاتياً أو المؤيَّدَة من الخارج، لكن هامش المناورة لديها مرتبط بحجمها العددي ومكانتها في التشكيلة الإثنية في الدولة. ففي «دول التماسك الإثني» تقل الصراعات المرتبطة بالهوية وهو ما ينعكس على قوة الدولة فتزيدها وحدة وتماسكاً مجنبة إياها مخاطر الفرقة والانقسام بين أفراد الشعب. أما في «دول الأغلبية الإثنية» فالصعوبات مرتبطة أساساً بما قد يلحق بالأقليات الإثنية من اضطهاد وافتئات على الحقوق قد يدفعها إلى التفكير في الانفصال أو الاستفادة من دعم مادي أو عسكري من دولة حليفة. أما في «دول الأقليات الإثنية» فيكون احتمال استمرار الصراع فيها كبيراً، وهو ما ينعكس سلباً على قوة الدولة التي قد تصل إلى الانهيار والتفكك.

بعد تقسيم الاتحاد السوفياتي توافدت على دول أوروبا الغربية أعداد كبيرة من المهاجرين الفارين من الاضطهاد الشيوعي والباحثين عن فرص اقتصادية جديدة. أدت هذه الهجرات إلى التأثير في السياسات الحدودية المنتَهَجَة في هذه الدول، فتم تشديد إجراءات المراقبة والعبور. كما أن الهجرات الطوعية ساهمت في تغيير البنية السكانية في كثير من الدول الغربية التي استقبلت مهاجرين من أفريقيا وآسيا والمنطقة العربية. كما هاجر الملايين من الباحثين عن العمل والعيش الكريم إلى الولايات المتحدة وكندا وأستراليا. وفي بعض هذه الدول المفتوحة أمام المهاجرين يتم تفضيل إثنيات معينة على أخرى ما يؤدي إلى نشوب صراع وكراهية بينها، كما هو الشأن بالنسبة إلى العرب والمسلمين المقيمين في فرنسا وبلجيكا.

كما أن توسيع الاتحاد الأوروبي بانضمام دول جديدة وتوقيعها اتفاقية الشنغن (Schengen) أعاد رسم الحدود الاقتصادية والأمنية بينها بما يتفق مع الأهداف التي نشأ من أجلها الاتحاد. هذا الاندماج السياسي والاقتصادي أثار عدة تساؤلات حول طبيعة الهوية الأوروبية الجديدة وحول إمكان حدوث تعايش بين ثقافات مختلفة كانت تحارب بعضَها بعضاً بالأمس القريب، وحول مستقبل هذا البناء المختلط المشكَّل من فسيفساء غير متجانسة من اللغات والثقافات والأديان، وحول تأثير العولمة والإعلام في الثقافات المحلية التي تبحث عن الحماية والاعتراف‏[18].

لقد ساد جو من الشك داخل الاتحاد الأوروبي حول إمكان نجاح عملية فتح الحدود، حتى إن بعض الدول كالدنمارك وفنلندا تمنع الأجانب، من الأوروبيين وغيرهم، من امتلاك إقامة ثانوية على أراضيها. وقد تم تخفيف هذا القيد في بعض الدول ومُنِحت أخرى فترة خمس سنوات لرفع هذا القيد مع احتفاظها بالحق في الإبقاء على بعض القيود في ما يتعلق بانتقال رؤوس الأموال، وهو استثناء على قاعدة السوق المشتركة التي قامت على أساس انتقال رؤوس الأموال الأوروبية بحرّية، ما يعني أن بعض الدول الأوروبية لا تزال حريصة على إغلاق حدودها بالرغم من دخولها في اتحاد قائم على رفع الحدود، علاوة على وجود خلافات حول ترسيم الحدود قائمة إلى اليوم بين دول أوروبية كما بين ألمانيا وتشيكيا، وبين مقدونيا واليونان، وبين إسبانيا وبريطانيا حول صخرة جبل طارق‏[19].

تبدو الحدود السياسية في أوروبا الغربية متناسقة إلى حد ما مع الحدود اللغوية، حيث الخطوط الفاصلة بينها اليوم بدأت تتشكل في القرون الوسطى عندما تشكلت ثقافات محلية في مجالات جغرافية محددة. وقد تغيرت بعض معالمها بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، وخصوصاً في مناطق حدودية بين فرنسا وألمانيا وإيطاليا وسويسرا. أما في أوروبا الشرقية فالوضع الحدودي معقد بسبب تداخل المجموعات الإثنية واللغوية واختلاطها، وخصوصاً في يوغوسلافيا التي تعايشت فيها شعوب ذات أصول جرمانية ورومانية‏[20]. ومع إقرار سياسات العولمة ورفع الحدود السياسية بين دول أوروبا الغربية، أدى الانفتاح إلى انتشار نوع من الخوف لدى بعض الشعوب، الخوف من ضياع الهوية ومن انعدام الأمن، والخوف من البطالة ومن الكساد الاقتصادي.

إن الاحتكاك بين الشعوب الأوروبية لا بد من أن يصل إلى مرحلة تُراجِع فيها بعض هذه الشعوب معادلة الربح والخسارة المترتبة على فتح الحدود، وخصوصاً إذا تأثرت بعض الهويات سلباً بسبب هيمنة الثقافات الواسعة الانتشار. لقد كانت الحدود اللغوية في صلب المحادثات المتعلقة بتحرير التجارة العالمية في إطار اتفاقية الغات (Gatt)، وخصوصاً في دولة الأورغواي عندما دافعت فرنسا عما سُمي «الاستثناء الثقافي» (L’Exception culturelle) بغية حماية اللغة الفرنسية من هيمنة اللغتين الإنكليزية والإسبانية. إن الخوف من الذوبان الثقافي يخلق لدى بعض الشعوب القليلة العدد الشعورَ بالحاجة إلى الدفاع عن النفس والحماية من الغزو الثقافي الذي يتهددها‏[21]. إن الانفتاح الذي يضع الثقافات أمام معادلة «البقاء للأقوى» ينتهي في الغالب إلى أحد أمرين: إعادة الحدود الثقافية وتعزيز حمايتها والمراقبة عليها، أو تلاشي معالم الثقافة المحلية ودخولها تحت هيمنة ثقافات وافدة. إن معادلة فتح الحدود غير صفرية بالتأكيد لأن كل الأطراف تحقق قدراً من العائد الإيجابي، وهي أيضاً غير متساوية الأطراف، فقد تفوق أرباحُ طرف معين أضعافَ ما يربحه طرف آخر‏[22].

أما في القارة الأفريقية فقد عمدت بعض الدول الاستعمارية إلى رسم حدود مستعمراتها بطريقة لم تراعِ البنية السكانية في هذه البلاد، ففصلت بين إثنيات منسجمة بخطوط سياسية هدفها التفرقة والتقسيم، فتوزعت بعض الإثنيات على عدة دول، ما اضطرها إلى التعامل مع إثنيات مختلفة عنها في الدين واللغة، ربما لا تتمكن من التعايش معها في سلام. كما أعطى المستعمر امتيازات لبعض الإثنيات على حساب البعض الآخر، مثلما فعل في رواندا بتفضيله إثنية التوتسي التي تمثل 20 بالمئة من عدد السكان والتي تحكم البلاد، مقابل تهميش الهوتو الذين يمثلون 80 بالمئة من عدد السكان، فوقعت مواجهات عنيفة بين الإثنيتَيْن لتصحيح هذا الوضع غير المتوازن‏[23]. مسعى التقسيم نفسه كان يطمح إليه الاستعمار الفرنسي في المغرب حين أصدر ظهيراً سنة 1930 يميز فيه في المعاملة العقارية بين السكان من أصول عربية والسكان من أُصول أمازيغية. وفَصَلَ الاستعمار البريطاني بين شمال السودان وجنوبه بإصداره قانون المناطق المقفولة سنة 1932، تأكيداً للحواجز التي فرضها سابقاً قانون الرخص لسنة 1922. كما مارس الاستعمار التهجير القسري في عدد من الدول الأفريقية كما في الكونغو التي تَمَّ تهجير عدد من الهوتو والتوتسي إليها. وكان يلجأ في العادة إلى تنمية المناطق الغنية والنافعة وتهميش المناطق الفقيرة غير النافعة، وفرض سياسات لا تراعي الخصائص الثقافية لبعض المجموعات الإثنية.

وبعد الاستقلال سعت الإثنيات المهيمنة داخل كل دولة إلى دعم مراكزها في السلطة وتمكين أبنائها من المناصب المهمة في الدولة، مع إضعاف الإثنيات الأخرى واتباع سياسات استئصالية ضدها، كما حدث في ليبيريا وزائير. أدت سياسات الفصل والتمييز الاجتماعي والاقتصادي إلى تعذر بناء أمة منسجمة العناصر تعيش داخل حدود سياسية واحدة، فنشأت دول متعددة الإثنيات تعيش صراعات حول النفوذ والهيمنة الاقتصادية، انتهت في أغلب دول أفريقيا إلى حروب أهلية وانقلابات عسكرية متكررة. وعندما يثور نزاع في دولة متعددة الإثنيات ينتشر بسرعة إلى دول أخرى تستوطنها هذه الإثنيات بحثاً عن الدعم والتضامن، حتى أصبح العامل الإثني أبرز عوامل الحشد والتحريض‏[24].

تبرز الحدود بين المجموعات الإثنية كلما دخلت في علاقات تفاعلية بينها، وخصوصاً عندما يقع من الأحداث ما يُعَرِّض الخصائص المهمة لديها للإساءة. في هذه الحالة يتحرك نظام الدفاع الطبيعي ضد السلوك المرفوض فَيَلْتَفُّ أبناءُ المجموعة حولها للدفاع عنها، وخصوصاً ممن لديهم شعور قوي بالانتماء إليها. كما يسعى أفراد بعض المجموعات إلى التنافس في اكتساب الثروة والمعرفة للاستقواء بها ومواجهة نفوذ المجموعات الأخرى، والحصول على المكانة الاجتماعية وعلى مناصب الشغل المهمة.

وحيث توجد داخل المجموعة الإثنية الواحدة خصائص فرعية مختلفة كلون البشرة والعادات المحلية والاختلاف في استعمال اللغة الواحدة، فإن تزايد هذه الاختلافات الشكلية قد يؤدي إلى وضع حدود «نفسية» بين هذه المجموعات، فينشأ نوع من التحقير والامتهان المتبادل والتنكيت الجارح. كما أن بعض الخصائص الدينية والثقافية لبعض الجماعات تضع حدوداً صلبة مع جماعات أخرى لما تتضمنه من القدح والإساءة كسبِّ بعض الرموز التي تمجدها طائفة معينة، أو الانغلاق على الذات وتحصينها بنشر تعاليم تَحُثُّ على الإقصاء والبَراء من الأغيار، كما تفعل بعض الجماعات المتطرفة. إن الحرص على إقامة الحدود والحفاظ عليها إجراء طبيعي تتخذه كل الإثنيات التي تخاف على هويتها من الذوبان تحت وطأة هويات أخرى. فهو بمنزلة الالتزام بالدفاع عن المجموعة المتحصنة خلفها، دفاعاً نفسياً واجتماعياً واقتصادياً قد يصل إلى استخدام القوة العسكرية. ومن خصائص الدفاع عن الهوية عدم التفريط في المميزات الكبرى للمجموعة ومقاومة الاستلاب الثقافي ومنع استيراد ما يضر بالقيم والعادات الموروثة، والتضامن مع المجموعة الإثنية في الشِّدة والرخاء واستنكار كل ما يمس بهويتها، حتى لا يُفَسَّر السكوتُ بالخيانة والتنكر للأصل.

يمكن للتفاعل بين الإثنيات المختلفة داخل حدود الدولة أن يتخذ عدة أنماط، تراوح بين التعاون والتكامل في أحسن الحالات، وبين التنافر والصراع في أسوئها. وإجمالاً يمكن رصد أربعة أشكال لهذه التفاعلات:

1 – قد يكون التفاعل بين المجموعات الإثنية منعدماً، أو على الأقل محدوداً ومقتصراً على بعض الأعمال التجارية، من دون منافسة حقيقية في هذا المجال.

2 – قد تتمكن مجموعة إثنية من السيطرة على المجال الجغرافي والسياسي وتُخضع بقيةَ المجموعات لسلطتها فتحرمها بعض حقوقها أو تسمح بممارستها على نحو تحدده النخبة الحاكمة تبعاً لعلاقات القوة داخل النظام السياسي أو للعلاقة بالخارج. تنشأ في هذا الوضع تَراتبية داخل المجتمع على أساس الانتماء الإثني، لا تؤدي إلى استقرار دائم.

3 – ربما لا تتمكن مجموعة إثنية لوحدها من الهيمنة على المجال الجغرافي والسياسي فيحدث صراع بين الفُرقاء قد يدوم طويـلاً قبل أن يُدرك الجميع أن التعاون والتعايش أفضل من الفتنة والفوضى التي تعيق تنمية بلادهم. وقد يصبح الصراع بينهم أزلياً، يظهر في فترات ويختفي في أخرى.

4 – ربما لا تتمكن مجموعة إثنية لوحدها من الهيمنة على المجال الجغرافي والسياسي لكونها لا تقدر على ذلك أو لا ترغب فيه، فتختار أن تتقاسم المجال الاقتصادي والسياسي مع المجموعات الأخرى وتُبادلها المصالح وتدخُلَ معها في علاقات تعايش وتضامن في ظل دولة القانون والهوية الوطنية المشتركة. لكننا لا نستبعد احتمال أن ترغب لاحقاً مجموعة من هذه المجموعات المتعايشة في السيطرة وبسط النفوذ، أو تتمكن من ذلك. هذه الرغبة قد تنبعث من داخل النخبة السياسية في هذه المجموعة، وإذا تحققت يمكنها أن تعيد رسم الحدود الإثنية والثقافية مع المجموعات الأخرى. نجاح هذه التغييرات مرتبط باختلال التوازن العددي والنوعي بين هذه المجموعات، بسبب عوامل مختلفة كالهجرة أو الأزمة الاقتصادية. كما أن تغُّير العلاقة بين المجموعات مرتبط بتغير النظرة إلى الهوية عند أفراد بعض المجموعات الذين قد تتغير ولاءاتهم وتختلف نظرتهم إلى اللغة والدين والقبيلة والعادات الاجتماعية، بسبب التأثير الثقافي الخارجي أو هيمنة نموذج ثقافي محلي أو وافد جاءت به العولمة.

عند قيام صراع بين مجموعات إثنية مختلفة في دولة واحدة تظهر الحاجة إلى إعادة رسم الحدود الداخلية بينها. قد تقوم السلطات الحاكمة أو المجموعات الإثنية المهيمنة بأعمال تسعى إلى حسم الخلافات ذات الطبيعة الإثنية، وقد تتخذ هذه الأعمال عدة أشكال نُجْمِلُها في أربعة:

1 – التنميط (Assimilation)، وهو سياسة تسعى لإخضاع الإثنيات الأقل عدداً أو الأضعف اقتصادياً لنمط ثقافي واحد تفرضه الإثنية المهيمنة وتحميه بالقوة. تؤدي هذه السياسة إلى المساس بحقوق وحريات هذه المجموعات، وقد يُسمح لها بممارسة بعض الحريات المتعلقة بخصوصيتها الإثنية، كإقامة بعض الشعائر الدينية. نمثل لهذه السياسة بالمعادلة التالية: أ + ب = أ.

2 – التهجير (Déplacement forcé)، وهو إرغام مجموعات إثنية على مغادرة الأراضي التي استقرت بها تاريخياً، وكانت بالنسبة إليها الموطن الوحيد، إلى مناطق أخرى داخل الدولة أو خارجها. يتم التهجير تبعاً لحرب أهلية أو نزاع مسلح حول منطقة معينة أو لرغبة السلطة المركزية في تغيير البنية السكانية في منطقة معينة بممارسة التضييق والتهميش الاقتصادي أو مصادرة الأراضي، وهو ما يضطر السكانَ إلى الهجرة بحثاً عن الأمن والعيش الكريم أو لُحوقاً بمجموعات إثنية أخرى خارج البلاد أو داخلها. نمثل لهذه السياسة بالمعادلة التالية: أ + ب = أ – ب.

3 – الإبادة الجماعية (Génocide)، أي التخلص من مجموعة معينة أو جزء منها بقتل أفرادها بطريقة مقصودة ومُبَيَّتَة بسبب انتمائهم الإثني أو الديني، كما حدث للهوتو في رواندا سنة 1994 ولسكان البوسنة بعد تفكك يوغوسلافيا‏[25]. نمثل لهذه السياسة بالمعادلة التالية: أ + ب = أ – ب.

4 – الانفصال (Séparation)، بأن تسمح الحكومة المركزية لمجموعة إثنية بممارسة حقها في تقرير المصير، وهي صورة قليلة الحدوث، والصورة الأكثر وروداً أن تقرر مجموعة إثنية أو حركات انفصالية الاستقلال عن المركز باستخدام القوة العسكرية وخوض حرب ضد السلطة المركزية، وهو ما قد يحدث في نظام فدرالي بالخصوص‏[26]. وبعد الانفصال قد تسعى المجموعة المنفصلة إلى إنشاء دولة جديدة أو الانضمام إلى دولة أخرى سعياً لبناء أمة واحدة، كما حدث بعد انفصال إقليم كوسوفو عن يوغوسلافيا وانفصال إقليم القِرْم عن أوكرانيا، وكما يجري اليوم بطرائق مختلفة في كثير من الدول، كمحاولة إقليم كردفان الانفصال عن السودان ومحاولة الأكراد الانفصال عن العراق ومحاولة إقليم كَتالونيا الانفصال عن إسبانيا ومحاولة اسكتلندا الانفصال عن بريطانيا. كما أن الحرب المندلعة اليوم في سورية والعراق هي حرب هويات تسعى إلى إعادة رسم الحدود الجغرافية‏[27]. نمثل لهذه السياسة بالمعادلة التالية: أ + ب = أ – ب.

ذهبت نظريات الاعتماد المتبادَل (Interdépendance) إلى أن خدمة الأهداف المشتركة بين المجموعات الإثنية تؤدي إلى استقرار المعاملات بينها. فكلما زاد تشابك العلاقات البينية زادت الحاجة إلى العقلانية وضبط المشاعر المندفِعة حمايةً للمصالح الاقتصادية من الضرر الذي قد يلحق بها أثناء نشوب الصراع‏[28]. كما أن زيادة وتيرة المبادلات بين الدول ارتبطت حديثاً بما يُسمى العولمة التي قامت على فتح المجال الجغرافي أمام التبادل الحر للسلع والبضائع والخدمات وانتقال رؤوس الأموال وإلغاء القيود الجمركية. هذا الانفتاح أدى إلى زيادة المعاملات والتفاعلات بين الشعوب في عدة مجالات، وهو ما طرح إشكالية التأثير الثقافي والحاجة إلى الحفاظ على الهوية المحلية.

وإذا كان يُطلب في الحدود الجغرافية الاستقرار والثبات فإنه يُنتظر من الحدود غير الجغرافية التمددُ والتقلصُ تبعاً للتفاعلات الثقافية والاقتصادية والاجتماعية. فالحدود بكل صنوفها تفصل وتربط بين الأمم في الآن نفسه. لكن هل تستطيع العولمة أن تنشئ ثقافة «عالمية» يجتمع الناس حولها كما اجتمعوا حول المصالح الاقتصادية، تتوحد فيها القيم الإنسانية ومعايير الحكم على الخطأ والصواب والجيد والقبيح؟ هل تثير العولمة إشكالية الهيمنة من جديد، هيمنة القوى المصدرة لمنتجاتها على الشعوب الضعيفة المستورِدة؟ إن التبادل الثقافي قديم قِدَم العولمة لكن تَوَسُّلَهُ بأدوات اتصال حديثة جعله يسير بوتيرة سريعة تؤثر في الشعوب المستورِدة من خلال المواد السينمائية والإشهار والإعلام وما يبثه من قِيَم مختلفة. كما يشمل التأثير مجالات الحكم وإدارة شؤون الدولة وإصدار القوانين وتنظيم الإنتاج والاستهلاك وتوزيع الثروة، ومعايير حقوق الإنسان والديمقراطية. فرضت العولمة على الشعوب المستورِدة الاختيار بين طرفي معادلة مُربِكة: الانفتاح والتبعية أو الانغلاق والتقوقع. وهي معادلة يرتبط فيها الاختيار بعنصرين اثنين: الأول، قدرةُ الطرف القوي على فرض سياساته الثقافية عبر منافذ العولمة؛ والثاني، قدرةُ الطرف الضعيف على فرض الرقابة على حدوده وَرَدِّ ما يَضُرُّ بقيمه الثقافية. إن القوة الاقتصادية والعسكرية لبعض الدول أضفت على نموذجها الثقافي طابع التفوق والهيمنة، وجعلت منه مثالاً يُقتدى بالنسبة إلى بعض الشعوب التي وقعت في الاتباع المتهافت لما يأتي من الخارج وفي تهميش، أو ربما استهجان ثقافاتها وعاداتها الموروثة. في المقابل، قد ينشأ ردّ فعل غير متوازن تجاه التأثير الثقافي للنماذج الوافدة فترفضها جملة أو تشكك في أهدافها، فتُفَوِّتَ بذلك فرصةَ الاستفادة من إيجابياته وتَسقطَ في الانغلاق على الذات‏[29].

الواقع أن الدولَ الغنية تستفيد من العولمة أكثرَ مما تستفيدُ الدولُ الفقيرة منها، لأنها تُسَوِّقُ فائضَ بضائعها وتستثمر أموالها في دولٍ تسعى لجلب هذه الاستثمارات لتنمية اقتصاداتها الضعيفة. إضافة إلى أن مؤسسات العولمة تهيمن عليها الدول القوية كما هو الشأن بالنسبة إلى البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومجموعة الثماني الكبار ومجموعة العشرين. وبفضل اختلال هذه العلاقة تتمكن الدول الغنية من تمرير ثقافاتها إلى الدول الفقيرة تحت مسمى التعاون الثقافي. الحدود هنا هي عبارة عن مصفاة يمر منها الأقوياء بسهولة ويَعْلَقُ فيها الضعفاء.

 

قد يهمكم أيضاً  سوسيولوجيا الهوية: جدليات الوعي والتفكك وإعادة البناء

#مركز_دراسات_الوحدة_العربية #الهوية #ثقافة #الحدود #الحدود_السياسية #الحدود_الثقافية #الحدود_الجغرافية #العولمة #إثنيات #المجموعات_الإثنية #الصراع_الثقافي #دراسات