أولًا: المؤشرات الاقتصادية العامة
التي سبقت ثورة ديسمبر 2019

شهد السودان في السنوات العشر الأولى من الألفية الثالثة استقرارًا اقتصاديًا بسبب عائدات البترول، وأثر ذلك في الاستقرار السياسيّ داخل النظام الحاكم والبلاد. لكن، بعد انفصال جنوب السودان في كانون الثاني/يناير 2011 وذهاب قرابة الـ 75 بالمئة من النفط الذي كان يمثل أكثر من نصف إيرادات حكومة السودان، و95 بالمئة من قيمة صادراتها، بدأت الأزمات الاقتصاديّة والسياسيّة في الظهور والتجدد منذ ذلك الوقت؛ لأن الحكومة السودانيّة لم تحسن استخدام عائدات النفط في بناء اقتصاد صناعي ذي إنتاجية عالية ومتنوع الصادرات ذات القيمة المضافة الذي يخدم ويعمل لمصلحة عموم المواطنين.

جاء الذهب ليصبح المصدر الأول، الذي كان يمكن أن يمثل بديلًا للنفط وينعش الاقتصاد السودانيّ المُنهار، فقد قفز إنتاج السودان من الذهب من 7 طن في عام 2008، إلى 90 طنًا في عام 2017، وأصبح يمثل 57 بالمئة من قيمة صادرات السودان في عام 2017. ولكن بسبب ضعف قدرة الدولة على رقابة إنتاج الذهب وتصديره فإن أكثر من نصف إنتاجه يتم تهريبه خارج القنوات الرسميّة[1]. كما أن جزءًا معتبرًا من هذا الإنتاج تسيطر عليه الميليشيات العسكرية[2].

لم يبقَ أمام الحكومة السودانيّة إلا طريق الاستثمارات الأجنبيّة أو الاقتراض لتوفير العملات الأجنبيّة، لكن الحكومة واجهت صعوبات كبيرة في استغلال هذين الموردين؛ فالسودان من البلدان المُثقلة بالديون، ومنذ عام 1994 عدَّه البنك الدوليّ من الدول غير المستحقة للاقتراض (Non-accrual)، بسبب تجاوز الديون معدلات عاليّة تعادل 111 بالمئة من الناتج الإجمالي المحلي[3]. ومن ثم فلا يمكن السودان أن يقترض مُجددًا إلا من طريقين: الأول من طريق ما يعرف بـ«تخفيف عبء الديون» (Debt Relief) تحت مبادرة «البلدان الفقيرة المثقلة بالديون»، أو من طريق ما يعرف بـ«الإنقاذ الكامل»، وهما يشرف عليهما البنك الدوليّ وصندوق النقد الدوليّ. لكن كلا الطريقين ليسا متاحين للحكومة السودانيّة، لأنها كانت لا تزال في قائمة الدول الراعية للإرهاب في نظر أمريكا[4]. كما أن العقوبات الأمريكيّة الاقتصاديّة أثرت بصورة سلبيّة مباشرة في قدرة السودان على جذب الاستثمارات الأجنبيّة؛ لأن الدول أو الشركات التي ستفعل ذلك ستضع نفسها في موقف المتحدي لأمريكا. أدى ضعف المصادر الثلاثة الدارّة للعملات الأجنبية (البترول، والذهب، والاستثمارات والتمويل الخارجي)، مع ضعف الإنتاج الزراعيّ والصناعيّ، إلى انهيار قيمة الجنيه السودانيّ في مقابل الدولار وارتفاع نسب التضخم لتصل إلى 68.94 بالمئة في تشرين الثاني/نوفمبر 2018 أي قبل شهر واحد من اندلاع التظاهرات[5].

هذه كانت المؤشرات الاقتصادية (تراجع عائدات النفط، الذهب وتهريبه، قضية رفع السودان من قائمة الإرهاب والاستثمارات الأجنبية، زيادة التضخم وتدهور سعر العملة السودانية… إلخ) كانت مسار حديث الشارع ونقاش الخبراء عن الأزمة الاقتصادية السودانية إبان ثورة ديسمبر 2018، لأنها تعكس التحديات والصعوبات التي واجهتها الطبقة الوسطى من المتعلمين وسُكان المناطق الحضرية في السودان وحدود وعيهم بالأزمة الاقتصادية السياسية في السودان؛ لكن في رأينا أن كل هذه المؤشرات وتجلياتها في الواقع السوداني هي عَرض لأزمة الاقتصاد السياسي السوداني المستمرة منذ عقود في تهميش شرائح واسعة من المواطنين في الريف السوداني، والعاجزة عن إحداث تحول تنموي للاقتصاد أو توسيع قاعدة المشاركة السياسية عبر تحول ديمقراطي أو نظام حكم يعمل وفق مصالح المواطنين كافة وهو ما ستناقشه هذه الدراسة باستفاضة.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 546 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 546 آب/أغسطس 2024

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 546 في آب/أغسطس 2024.

خالد عثمان الفيل: باحث ومتخصص في التحليل المالي الاقتصادي والاقتصاد السياسي وقضايا التنمية.

الصورة من وكالة فرانس برس.

[1]   «Gold in Sudan,» Fanack.com, 13 December 2018, <https://tinyurl.com/hvbfphhn> (accessed on 31 October 2022).

[2]   أليكس دي وال، «المال والتناقضات: حول حدود تأثير دول الشرق الأوسط على السودان،» ترجمة الحارث عبد الله، مركز تأسيس للدراسات والنشر، 10 تشرين الأول/أكتوبر 2019، <https://www.tasees.org/cash-and-contradictions>  (شوهد بتاريخ 31 تشرين الأول/أكتوبر 2022).

[3]    International Monetary Fund, «Sudan: 2017 Article IV Consultation-Press Release; Staff Report; and Statement by the Executive Director for Sudan,» 11 December 2017, <https://tinyurl.com/bdf4349z> (accessed on 31 October 2022).

[4]   International Crisis Group, «Improving Prospects for a Peaceful Transition in Sudan,» Briefing no. 143 (14 January 2019), <https://tinyurl.com/nhkkp7c9> (accessed on 31 October 2022).

[5]   «السودان يخفض قيمة الجنيه بشكل حاد،» الجزيرة نت، 7 تشرين الأول/أكتوبر 2018،  <https://tinyurl.com/2mh56a4t> (شوهد بتاريخ 31 تشرين الأول/أكتوبر 2022).


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز