مقدمة

عَرَفَ التاريخ الحديث لجبل لبنان عددًا من الصدامات الأهلية التي أُزهقت خلالها أرواح كثيرة، ولم يكن النساء والأطفال في الغالب مستهدفين من جانب المتقاتلين[1]. لكن هذا الواقع بدأ يتغير في سياق الحرب الأهلية الكبرى (1975-1990)[2]. ستتناول هذه المقالة التحولات في المشهد السياسي للحرب الأهلية وبخاصة الوظيفة السياسية للمذابح ومن ضمنها اغتصاب النساء، وهي توضح كيف كان لمجزرة صبرا وشاتيلا (أيلول/سبتمبر 1982) استخدامات ونتائج متعددة. أعتقد، من الناحية الأولى، أن اغتصاب الفاشيين اللبنانيين (القوات اللبنانية) للنساء والأطفال وممارسة القتل الجماعي للمدنيين كانا يهدفان إلى الانتقام من الفلسطينيين الذين تصدوا لهجماتهم العسكرية ضد المخيمات الفلسطينية قبل الغزو الإسرائيلي عام 1982 [3]. أما من الناحية الثانية فأنا أرى أن تلك الأعمال البربرية كانت تعبيرًا مكثفًا عن أيديولوجيتهم العنصرية التي دعت إلى حماية لبنان من خلال «تنقية» المجتمع اللبناني من «العناصر الأجنبية»، واستعادة التفوُّق العنصري المزعوم للبنانيين على العرب بوجه عام والفلسطينيين بوجه خاص[4]. كذلك أنا أزعم أن اغتصاب النساء الفلسطينيات كانت محاولات بائسة لاستعادة الفاشيين رجولتهم المفقودة ولإعادة تأكيد أهمية خطتهم السياسية الهادفة إلى السيطرة على لبنان وضمه إلى الدول التي تدور في الفلك الإسرائيلي. أما بالنسبة إلى الجيش الإسرائيلي، فإن ذبح المدنيين العزَّل واغتصاب النساء كان من شأنه أن يسبب ضررًا دائمًا للفلسطينيين، وهو ما يعزز شعور الجيش الإسرائيلي بالبهجة والإنجاز وسيكون بمنزلة عقاب للفلسطينيين الذين تصدوا، ولأكثر من 3 أشهر مع حلفائهم اللبنانيين، لأعنف الهجمات العسكرية لاحتلال مدينة بيروت في صيف 1982 [5].

من جهة أخرى، استخدمت القوى اليسارية والوطنية المجزرة وما أسفرت عنه من قتل النساء الفلسطينيات واغتصابهن للتعبئة واستعادة الروح المعنوية عند المقاتلين الفلسطينيين واللبنانيين الذين كانوا أصيبوا بالإحباط والهزيمة نتيجة انسحاب مقاتلي منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت. وقد انعكست محاولات التعبئة هذه في شعارات «قوات العودة إلى صبرا وشاتيلا»، التي رفعتها تلك القوى التي شاركت في حرب الجبل عام 1983، بعد أشهر قليلة من المذبحة.

توجد بعض الدراسات الأكاديمية التي تعرّضت لجوانب محددة من حياة النساء اللواتي عشنَ في لبنان خلال الحرب الأهلية أو اللواتي انخرطن إلى هذا الحد أو ذاك في الأعمال الحربية التي اندلعت خلال الحرب الأهلية[6]. أما المجازر وحالات اغتصاب النساء والبنات والأطفال فلا يزال من الموضوعات المطموسة. لطالما تم تهميش اغتصاب النساء والأطفال وقتلهم في الدراسات المتعلقة بالحرب الأهلية التي غالبًا ما تعزو هذا الغياب إلى الافتقار إلى المصادر الأولية بوصفها السبب الرئيسي وراء ذلك. وركزت الدراسات السائدة حول الاضطرابات الطائفية والحروب في لبنان بوجه أساسي على تجارب الرجال وأنشطتهم وآثارها في النساء. ونادرًا ما استُكشف دور المرأة ومكانتها في السردية القومية المهيمنة وكذلك مشاركتها في مراحل النضال الوطني والطبقي وحالات الاضطرابات المدنية أو حالات العنف وانهيار الدولة. وتسلط الدراسة هذه الضوء على التحول في الأعراف والتقاليد ونظام القيم التي أسست ورَعَتْ الهرمية الاجتماعية والأخلاقية لمجتمع جبل لبنان، على الأقل، والتي وفّرت سابقًا الحماية للنساء والأطفال وبخاصة خلال مراحل العنف القبلي والعرقي والطبقي في القرن التاسع عشر. في تقديري أنه مع مجيء الدولة اللبنانية الحديثة، التي بدأت ملامحها الأساسية في التكون منذ قيام نظام المتصرفية (1864-1915)[7] وانخراط الاقتصاد اللبناني في شبكات الاقتصاد العالمي، أصبحت النساء والأطفال أكثر عرضةً لأشكال من العنف كانت، إلى حد ما، بمنأى عنها خلال حروب منتصف القرن التاسع عشر الأهلية.

من المؤكد أن معظم النساء خلال الحرب الأهلية (1975-1990)، لجأن إلى أُسرهن وطوائفهن الدينية للحصول على الدعم المادي والمالي والاجتماعي كرد فعل على النزوح بسبب الحرب، والهجرة، وفقدان سبل العيش، وخشية الاغتصاب والموت[8]. في هذه المواقف، يتخذ دور المرأة أوجهًا متنوعة ومعقدة يمكن أن تختلف باختلاف العمر والأسرة والطبقة الاجتماعية والتعليم. ولم تكن النساء اللواتي أدّينَ أدوارًا قيادية في النضال العسكري والتنظيم السياسي خلال الفتنة الطائفية يسعين بالضرورة إلى التمكين النسوي أو المساواة بين الجنسين أو الظهور العام. بدلًا من ذلك، كن يهدفن إلى حماية أنفسهن والحفاظ على مكانتهن داخل المجموعة الطائفية التي ينتمين إليها والتي كانت جزءًا من الشبكات الاجتماعية التي مثلت هوياتهن. ومع ذلك، فإن هذا لا يعني أنه بعد القيام بهذه الأدوار المميزة، ظلت توقعاتهن وطموحاتهن المستقبلية كما هي.

من الضروري تعريف الدولة اللبنانية منذ بدايتها في ظل نظام المتصرفية عام 1864، كإحدى سمات الشكل الإثني القبلي، التي يشار إليها على أنها «طائفية»، بحيث تم تنظيم رعاياها/ مواطنيها على نحو تراتبي ككيانات طائفية مغلقة اجتماعيًا. وتحتل النساء في هذه التراتبية المعتمدة في الهيمنة المرتبة الدنيا ويعمل مؤيدو هذا النظام بقوة، كما يرى بيتر غران، ضد تكوين الطبقات الوسطى وهم الأكثر تخوفًا من فكرة التنمية والتطور[9].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 548 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 548 تشرين الأول/أكتوبر 2024

المصادر:

نشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 548 في تشرين الأول/أكتوبر 2024.

مالك أبي صعب: أستاذ التاريخ في جامعة مكغيل، مونتريال – كندا.

الصورة من غيتي.

[1]   حول الصدامات الأهلية في جبل لبنان العثماني خلال القرن التاسع عشر، انظر: يوسف خطار أبو شقرا، الحركات في لبنان إلى عهد المتصرفية (بيروت: خاص يوسف خطار أبو شقرا، 1980).

[2]    عن النساء في الحرب الأهلية اللبنانية، انظر:   Michelle Hartman and Malek Abisaab, eds., Women’s War Stories: The Lebanese Civil War, Women’s Labor, and the Creative Arts (Syracuse, NY: Syracuse University Press, 2022).

[3]    رشيد الخالدي، تحت الحصار: صناعة القرار في منظمة التحرير الفلسطينية خلال حرب 1982 (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 2018). عن المجازر التي ارتكبت بالفلسطينيين في المخيمات اللبنانية، وبخاصة مخيم تل الزعتر، انظر: الاتحاد العام للمرأة الفلسطينية، تل الزعتر: شهادات حية (بيروت: اللجنة التنفيذية، الشؤون الثقافية، 1977)، ويوسف عراقي، يوميات طبيب في تل الزعتر (حيفا: إصدار خاص، 2016).

[4]   للاطلاع على تاريخ الأيديولوجيا العنصرية لليمين في لبنان، انظر: مهدي عامل، مدخل إلى نقض الفكر الطائفي: القضية الفلسطينية في أيديولوجية البرجوازية اللبنانية (بيروت: دار الفارابي، 1985).

[5]   عن الحصار الإسرائيلي لبيروت انظر: فوّاز طرابلسي، عن أمل لا شفاء منه: يوميات حصار بيروت 1982 (بيروت: دار الريس للكتب والنشر، 2007).

[6]    Malek Abisaab and Michelle Hartman, What the War Left Behind: Women’s Stories of Resistance and Struggle in Lebanon (Syracuse, NY: Syracuse University Press, 2024); Lamia Rustum Shehadeh, ed., Women and War in Lebanon (Gainesville, FL: University Press of Florida, 1999), and Jennifer Philippa Eggert, Women and the Lebanese Civil War: Female Fighters in Lebanese and Palestinian Militias (Cham, Switzerland: Palgrave Macmillan, 2022).

[7]   لدراسة مرجعية عن نظام المتصرفية والسياق التاريخي لنشوئه انظر: Engin Deniz Akarli, The Long Peace: Ottoman Lebanon, 1861-1920 (Berkley, CA: University of California Press, 1993).

[8]   انظر: Malek Abisaab, «In Times of War: Tobacco Workingwomen’s Experiences and Life Struggles,» in: Hartman and Abisaab, eds., Women’s War Stories: The Lebanese Civil War, Women’s Labor, and the Creative Arts, pp. 16-56.

[9]   Peter Gran, «The Failure of Social Theory to Keep with our Times: The Study of Women and Structural Adjustment Programs in the Middle East as an Example,» paper presented at: The Thirty-fourth Annual Meeting of the Association of Muslim Social Scientists, Temple University, 30 September 2005, pp. 5 and 7-8.

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز