مقدمة

«إن علم السياسة يجب أن يسعى للإجابة عن الأسئلة، وإيجاد حلول للمشكلات لا إنتاج نظريات جديدة».[1] تشير هذه العبارة المقتضبة، التي صاغها إيان شابيرو (Ian Shapiro)، إلى أن شرط تقدّم علم السياسة هو البحث عن أجوبة للظواهر والوقائع الحالية بدلًا من الانشغال بالوصول إلى تفريعات وتصنيفات داخل حقل العلم نفسه، والتركيز على النظريات والمناهج البحثية.[2] ولعل هذا ما يفسّر الإشادة التي يلقاها مفكّرو السياسة الذين يكتبون من تجاربهم السياسية[3]، وينطلقون من الوقائع لاستخلاص القوانين من دون الإحالة على تصوُّر ناجز للفكر وللطبيعة أو مؤسَّس على الميتافيزيقا. النتيجة بروز مَيْل متنامٍ إلى مقاربة الموضوعات من الناحية السوسيولوجية، وجعل القضايا السياسية لبلد ما ومؤسساته تعتمد على روح القانون وظروف الحكم الفيزيائية والتاريخية. ما عاد مفهوم القانون منفصلًا عن مفهوم الثقافة، كما يستخدمها الأناسيون المعاصرون. الثقافة هي في نظرهم مجمل أنماط سلوكات مجموعة اجتماعية. كل مجموعة، كل جماعة، تستند هكذا إلى كلّ معقد من أنماط التصرف – أو الاستراتيجيات التي يتّبعها أعضاء المجموعة حينما يجدون أنفسهم في الأوضاع المقابِلة.[4]

ضمن هذا التصور، يأخذ موضوع هذه الدراسة في الحسبان الأهمية التي تحظى بها الحركات الاجتماعية الجديدة في إحداث التغيير الاجتماعي والسياسي، وتأثير البيئة السياسية المحلية والتفاعلات الإقليمية. منهجيًا، تمثِّل حركة 20 فبراير مناسبة لإعادة التفكير في مسألة المعارضة غير التقليدية المختزلة في «معارضة جلالة الملك» أو «معارضة ضد جلالة الملك»[5]، حيث يعيد فعل الاعتراض هنا إنتاج النظام السياسي وتكريس هيمنته[6]. ولربما سيستفيد علم السياسة، إن تحرّر من أيّ تحليل ضيق لا يراعي الصور المتعددة للتعبئة والصراع والاحتجاج بالشارع، لإعلان المعارضة بأساليب مختلفة[7] داخل حقل سياسي استطاعت فيه السلطة السياسية أن تدفع أحزاب المعارضة إلى الاشتغال داخل مؤسسات الدولة[8]، علمًا أن الشارع يتجاوز، في هذا السياق، المدلول الفيزيقي الموزع بين تنظيم العمران ورصيف المشاة وممر الراكبين، إلى معانٍ ثقافية ورمزية وطقوسية أخرى، جعلت منه حركة 20 فبراير فضاءً للتواصل والاحتجاج والتعبير السياسي العلني عن المطالب والانتظارات، في معزل عن المؤسسات والتنظيمات التقليدية، سواء تلك المتفرعة من الحركة الوطنية، أو تلك التي أريد لها أن تتصدى لها.

تفترض الدراسة، أوّلًا، أن إقدام السلطة السياسية، من الناحية الاستراتيجية، على تحريك مسطرة الفصل الثالث بعد المئة من دستور 1996 السابق، قصد مراجعة الدستور، مردّه المسارعة إلى تحويل لائحة المطالب الاجتماعية والسياسية التي أعلنت عنها استراتيجية الشارع سنة 2011، في خطوة لإعادة بناء الفضاء السياسي في المغرب ومحاربة الفساد ورموز التسلط واقتصاد الريع وتوفير سبل الحياة الكريمة، إلى استراتيجية الدولة، مع العلم أن الاستراتيجية ليست مجرد «لعبة شطرنج»[9]، ما يشغل تفكير اللاعب «بقطعها» هو التحرك بحذر وتعقّل واحترام تام للقواعد المتفق عليها، لإحراز النصر الافتراضي على الخصم أو المعارض، وإنما هي فكر وممارسة في الوقت نفسه، تجمع بين حسن التقدير والتنبؤ، ودقة الإنجاز والفعل، وفق أجندة مضبوطة زمكانيًا. بهذا المعنى، تكون الخطوات التي أقدمت عليها الملَكية وحركة 20 فبراير أقرب إلى الاستراتيجية وإن اختلفت الوسائل والرهانات بينهما، وخصوصًا إذا أخذنا في الحسبان ثلاثية «التوقيت وطريقة التنفيذ والانتظارات». يستثمر هذا الحسبان، إلى حد ما، «قانون توكفيل» في خصوص الثورة الذي يُظهر بأنه عندما يتأخر نظام ما في التعامل مع الموجة الأولى من الاحتجاجات، فإن التيار الراديكالي يتقوّى أكثر فأكثر، ويصعّد ليصبح الوضع أكثر احتقانًا في المرحلة الموالية. وهذا بالذات ما حدث في تونس، ثم في مصر[10].

يقود هذا التناسب بين اللحظة التاريخية الحاسمة ومطالب الاحتجاجات الإصلاحية إلى القول إن الإحجام عن الاستجابة لصوت الشارع يعد مخاطرة قد تعرّض النظام السياسي لانفجارات اجتماعية خطيرة، وإن التحرك بسرعة لاحتوائها أو التفاعل معها يمثل ذكاءً استراتيجيًا، من جانب الحركة للضغط على السلطة والسياسية وتحقيق أكبر قدر من التنازلات، ومن جانب هذه السلطة لمواجهة هبّة الشارع من خلال تقوية استقلالية وفعالية الكثير من المؤسسات[11] التي سمح الجواب الدستوري بإعادة تكريسها. لجأت الحركة إلى الشارع، وهي مزودة بخبرة مدنية وسياسية، ودعم شبكات التواصل الاجتماعي على الإنترنت للمطالبة بالديمقراطية والتغيير تحت الشعار العربي الشهير «الشعب يريد دستورًا جديدًا»[12]، والتقطت الملَكية الإشارة معلنة الإصلاح الدستوري بوصفه استراتيجية دفاعية «للتملص من ضغوط بقية الفاعلين عبر الاحتماء داخل التنظيم»[13].

يترتب عن هذا الافتراض إشكالات كثيرة، نابعة مما حدث زمن الحراك المغربي وما بعده، في مقدمتها التساؤل عن دور حركة 20 فبراير في اعتماد إصلاحات دستورية وسياسية تسمح بالتحول إلى الديمقراطية من جهة، ومدى قدرة المؤسسة الملكية، من جهة ثانية، على احتواء مطالب الحركة[14] وإعادة تصريفها من خلال القنوات التقليدية الرسمية التي جبلت مـنذ 1962، غداة بـداية التحديث المؤسسي بالمغــرب، إلى العـمل داخل فضاء سياسي يوجد في قلبه رجل واحد هو الملك، الوارث لطريقة في الحكم قوامها سلالات مغربية متعاقبة على امتداد القرون، أي المخزن[15]. وهي إشكالات تأخذ في الحسبان ضرورة الإجابة عن مدى نجاح أو تعثر لحظة وضع الدستور في تجاوز منطق التحول في سياق الاستمرارية.

لفهم هذا المنطق، سيتجه الاهتمام إلى رصد حيثيات المراجعة الدستورية ودور القوى غير المؤسسية في بلورتها، وفق أسس المنهج النسقي، ككل مُركَّب، تتفاعل في تحفيزه وتكوّنه مجموعة من التداخلات السياسية التي توجد في النسق الشامل الذي هو المجتمع، على أساس أن الإصلاح الدستوري يحيل على علاقات التأثير المتبادل الموجود بين مجموعة فاعلين لهم موقف واضح من قضية أو قضايا معيّنة، وهو الموقف الذي يُترجم غالبًا في ملف مطلبي موجَّه إلى طرف محدَّد يُعتقد أنه معنيّ به والأقدر على الاستجابة إليه جزئيًا أو كليًا، وهذا الطرف بدوره يحمل مواقف، وله توجهات، لكنه، بالنظر إلى ميزان القوى القائم، مطالَب بالتفاعل مع ما يتطلع إليه المشاركون في الاحتجاج، بغرض المحافظة على اتساق واستقرار النظام الاجتماعي والسياسي.

على هذا الأساس، تم تقسيم هذا العمل إلى ثلاثة مستويات بحثية متداخلة، يتتبع الأول سياقات تصاعد قوة استراتيجية الشارع «الناعمة» المطالبة بالتغيير[16]، بعيدًا من المعارضة التقليدية؛ ويتوجه الثاني إلى رصد استراتيجية النظام السياسي في تدبير الاختلاف غير المؤسسي باستعمال أسلوبَي «الاحتواء» و«التحييد»؛ ويوضح المستوى الثالث أن الحيز المهم من الاهتمام الذي أعطته الوثيقة الدستورية لموضوع «التحول إلى الديمقراطية» لم يمنع أن يبقى المفهوم محاطًا بالكثير من التردد.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 538 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 538 كانون الأول/ديسمبر 2023

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 538 كانون الأول/ديسمبر 2023.

الحبيب استاتي زين الدين: أستاذ العلوم السياسية والقانون الدستوري في جامعة القاضي عياض- المغرب.

الصورة عن موقع “مراقبون”.

[1]   Martin J. Smith, «Preface: Innovation and Dialogue in Contemporary Political Science,» Political Studies, vol. 58, no. 2 (March 2010), p. 235.

[2]    خليل العناني، «مأزق علم السياسة بين الأيديولوجي والمعرفي،» سياسات عربية، العدد 41 (تشرين الثاني/نوفمبر 2019)، ص .24

[3]   Anne Amiel, «Hannah Arendt lectrice de Montesquieu,» Revue Montesquieu, no. 2 (1998), p. 120.

[4]   موريس دوفرجيه، المؤسسات السياسية والقانون الدستوري: الأنظمة السياسية الكبرى، ترجمة جورج سعد (بيروت: المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، 1992)، ص .8

[5]   Myriam Catusse, «Au-delà de «l’opposition à sa Majesté»: Mobilisations, contestations et conflits politiques au Maroc,» Pouvoirs, no. 145 (2013), pp. 2-3.

[6]            Ibid.

[7]           Ibid., p. 10.

[8]   Mounia Bennani-Chraibi et Mohamed Jeghllaly, «La Dynamique protestataire du mouvement du 20 février à Casablanca,» Revue française de science politique, vol. 62, nos. 5-6 (2012), p. 870.

[9]   صلاح نيوف، مدخل إلى الفكر الاستراتيجي، كتاب موجّه إلى طلاب الأكاديمية العربية المفتوحة في الدنمارك، قسم العلوم السياسية، ص 3، <https://cutt.us/JeIXF> (شوهد بتاريخ 15 حزيران/يونيو 2023).

[10]   عبد الله ساعف، اليسار في المغرب: الضرورة والتوترات، سلسلة نقد السياسة؛ 8 (الرباط: منشورات دفاتر سياسية، 2015)، ص .101

[11]   حسن طارق، «الشارع ضد الحكومة،» أخبار اليوم، 9/11/2015، ص .20

[12]   محمد مدني [وآخرون]، دراسة نقدية للدستور المغربي للعام 2011، تنسيق إدريس المغروي (ستوكهولم: المؤسسة الدولية للديمقراطية والانتخابات، 2012)، ص .10

[13]   Michel Crozier et Erhard Friedberg, L’acteur et le système, les contraintes de l’action collective? (Paris: Seuil, 1977), p. 79.

[14]         Vincent Geisser, «Les Protestations populaires à l’assaut des régimes autoritaires: une révolution pour les sciences sociales?,» L’Année du Maghreb, vol. 7 (2012), p. 23.

[15]   ريمي لوفو، الفلاح المغربي المدافع عن العرش، ترجمة محمد بن الشيخ؛ مراجعة عبد اللطيف حسني، سلسلة أطروحات وبحوث جامعية؛ 2 (الدار البيضاء: منشورات وجهة نظر؛ مطبعة النجاح الجديدة، 2011)، ص .302

[16]   Frédéric Vairel, Politique et mouvements sociaux au Maroc (Paris: Presses de Sciences, 2014), p. 20.


الحبيب استاتي زين الدين

باحث في العلوم السياسية- المغرب.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز