مقدمة

تُعدُّ المضائق البحرية جوهرة المسطحات المائية نظرًا إلى أهميتها الاستراتيجية والاقتصادية، فهي تمثل ممارّ ملاحية حيوية تربط بين محيطين أو بحرين، وتتحكم في جزء كبير من حركة التجارة والطاقة العالمية. لذلك، تمثل هذه الممارّ مفاصل جيوستراتيجية وجيوسياسية مهمة. ويأتي مضيق هرمز في طليعة هذه المضائق كأحد أهم الممارّ البحرية في العالم، حيث يقع عند مدخل الخليج العربي بين جزيرة مسندم التابعة لسلطنة عمان في الجنوب وإيران في الشمال، بطول 990 كم وعرض يراوح بين 55 كم و95 كم. يمر عبره نحو 20 بالمئة من النفط الخام عالميًا، بما يعادل 21 مليون برميل يوميًا، إضافة إلى 20 بالمئة من الغاز الطبيعي المسال عالميًا‏[1].

مثَل هذا المضيق مركزًا للصراعات والنزاعات السياسية والاقتصادية والأمنية، نظرًا إلى موقعه الاستراتيجي الذي يربط بين دول الخليج والعالم الخارجي، وقد أسهم موقعه الجغرافي في زيادة أهميته بين الدول، إذ أصبح محط أنظار الدول ذات المصالح الحيوية فيه ومحور الصراع والتنافس الدولي والإقليمي؛ فقد مكَّنه موقعه هذا، من التحكم في الملاحة البحرية ومنحه وضعًا أمنيًا وقانونيًا واستراتيجيًا على وجه الخصوص، فجعله مكانًا لتنافس القوى البحرية الدولية والإقليمية لفرض سيطرتها ونفوذها عليه نظرًا إلى أهميته وبعده الجيوسياسي.

وكون مضيق هرمز مضيقًا دوليًا فهو يخضع لقوانين الملاحة البحرية التي تنص معظمها على ضمان حرية المرور في المضيق لسفن كل الدول الإقليمية والدولية، وتحييد المضيق أثناء النزاعات المسلحة وفقًا لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار (UNCLOS) لعام 1982، وهي أهم اتفاقية دولية تنظم المرور في المضائق البحرية، وتُعدّ المرجع الأساسي في هذا المجال، حيث يحق لجميع السفن، المدنية والعسكرية، وسفن الدول الساحلية وغير الساحلية، المرور عبر المضائق الدولية من دون إذنٍ مسبق، ما دام المرور يتم بصورة سلمية ولا يهدد أمن الدول المطلة على المضيق.

تقدم هذه المقالة رؤية تحليلية لتأثير وأهمية الموقع الجيوسياسي لمضيق هرمز في حركة التجارة الدولية ومرور المشتقات النفطية والغازية، من منطقة الخليج العربي (كما تسميه دول الخليج العربي) أو الخليج الفارسي (كما تسميه إيران) إلى الدول الصناعية في الشرق والغرب، وكذلك مرور السلع والبضائع من هذه الدول إلى دول الخليج، فضلًا عن كونه عقدة أمنية للكثير من دول المنطقة في طليعتها السعودية والكويت والعراق وقطر والإمارات والبحرين المجبرة على التعاطي مع هذه العقدة بشيء من دبلوماسية القوة. بسبب سياسة إيران التي تحاول التحكُّم في المضيق واستعماله كورقة ضغط جيوسياسية في مواجهة الضغوط والعقوبات الغربية التي تمارَس عليها من جانب واشنطن وحلفائها. وبالتالي تركز هذه المقالة على البعد الجيواقتصادي والجيوسياسي والنفوذ الإقليمي لإيران، وأيضًا نشاطها الأمني والعسكري وتأثيره في السياسات الإقليمية والدولية انطلاقًا من النظرية الواقعية التي عمادها القوة والصراع على الهيمنة لحماية المصلحة الوطنية في ظل مجتمع دولي فوضوي.

تتعلق أهمية هذه المقالة بأهمية موقع مضيق هرمز، لذا لا بدَّ من أن تخضع لمناهج البحث العلمي في مجال الجغرافيا السياسية، كون موقع المضيق ينعكس على سياسات الدول وقراراتها في ما خص حركتها الاقتصادية والعسكرية عبره، لذلك كان لا بد من الاستعانة بالمنهج التاريخي، إضافة إلى المنهج الوصفي التحليلي (Descriptive-Analytical Method) في مقاربته أهمية مضيق هرمز وتأثير موقعه في حركة مرور النفط والغاز والسلع والبضائع، وانعكاس ذلك على طبيعة الصراع الدولي والتنافس الإقليمي، وما تمثله المضائق، ولا سيَّما مضيق هرمز، من حواجز جغرافية تمكِّن الدول التي تسيطر عليها من التحكم في اقتصادات الدول العابرة من خلاله، أضف إلى المنهج الواقعي (Realist Approach) الذي يفسر سلوك إيران من منظور القوة والمصلحة الوطنية.

انطلاقًا من الأهداف سنتحدث في هذه المقالة عن أهمية البعد الاقتصادي لمضيق هرمز بالنسبة إلى إيران أولًا، وعن أهمية البعد السياسي لمضيق هرمز بالنسبة إلى إيران واستراتيجية نفوذها الإقليمي ثانيًا، وعن البعد الأمني والعسكري وتأثيره في السياسات الإقليمية والدولية ثالثًا.

تعتمد هذه المقالة على مرتكزات النظرية الواقعية في العلاقات الدولية، بما تضمنه من مفاهيم القوة وتوازن القوى والمصلحة الوطنية، بوصفها الإطار الأنسب لفهم وتحليل موضوع المقالة. فقد هيمنت الواقعية على مقاربات السياسة الخارجية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكونها تقدم أدوات تفسيرية دقيقة لسلوك الدول‏[2].

تُعدّ الواقعية إحدى أهم نظريات السياسة الخارجية، إذ تنطلق من فكرة أن المصلحة هي جوهر الفعل السياسي، وأن القوة تُمثّل أداته الرئيسة لضمان البقاء. وترى أن المصلحة الوطنية هي المعيار الحاسم لأي سلوك خارجي تنتهجه الدولة في البيئة الدولية‏[3].

ترتكز هذه النظرية على عدة فرضيات أساسية، أبرزها أن الدولة فاعل عقلاني يسعى لتحقيق مصالحه، وفي مقدمها حماية وجوده واستمراره في نظام دولي يتسم بالفوضى. وتفترض الواقعية أن التوجهات والقرارات التي تتخذها الدول غالبًا ما يمكن تفسيرها بمنطق عقلاني يستند إلى تحليل التيار السياسي الرئيس داخل كل دولة‏[4].

كما تنطلق الواقعية من أن النظام الدولي بطبيعته فوضوي، ومن ثم يصبح الحفاظ على الأمن القومي المصلحة العليا لكل دولة. وبالتالي، تُوجَّه السياسات الخارجية نحو تعظيم القوة بمعزل عن أي منطلقات أخلاقية أو قيمية، لكون ذلك هو السبيل إلى ضمان استقرار الدولة واستمرارية سياستها الخارجية‏[5].

وترى النظرية أيضًا أن الدول تتحرك وفق مصالحها الخاصة بوصفها المحدد الأساسي لسلوكها، غير أن تعريف هذه المصالح محكوم بتوازنات القوى والعلاقات مع الدول الأخرى. ولا وجود لصداقات أو عداوات دائمة، بل مصالح تتغير وفقًا للظروف.

وتُعدّ القوة – وفق المنظور الواقعي – تجسيدًا لقدرة الدولة على حماية مصالحها، سواءٌ كانت قوة عسكرية أو عناصر القوة القومية الشاملة، بما في ذلك الموقع الجغرافي والقدرات الاقتصادية والموارد المعنوية.

كما تشير الواقعية إلى وجود مجموعة من المصالح العليا والثابتة التي تُعدُّ أهدافًا استراتيجية للدول، مثل: حماية الدولة من التهديدات الخارجية، وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة، وتعزيز الاستقرار السياسي والاجتماعي، والحفاظ على مكانة دولية مؤثرة تمنح الدولة الهيبة والاعتبار.

وتُدرَس المصلحة الوطنية من خلال مستويين رئيسيين: الخصائص القومية للدولة، وصانعي القرار؛ فالمصلحة الوطنية تُحدّد من خلال الإمكانيات الموضوعية للدولة، لكنها تتأثر أيضًا برؤية القيادة السياسية وقدرتها على توظيف عناصر القوة بصورة استراتيجية وفعًالة. وفي التحليل الواقعي، تُجسّد المصلحة الوطنية ما يتصوّره صانع القرار ويعمل على تحقيقه عبر مؤسسات الدولة، مع إمكان تغيّر هذه التوجهات بتغيُّر القيادة السياسية.

وفي هذا الإطار، سيتم توظيف النظرية الواقعية لفهم تحركات إيران في مضيق هرمز، حيث تسعى الدولة إلى تعظيم قوتها وتعزيز أمنها عبر السيطرة على أحد أهم الممارّ البحرية الدولية. ويُفسَّر استخدامُ إيران المضيقَ كورقة ضغط اقتصادية وسياسية في مواجهة العقوبات والضغوط الدولية من خلال منظور المصلحة الوطنية والردع، بما ينسجم مع الرؤية الواقعية للعلاقات الدولية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 567 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 567 أيار/مايو 2026

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 567 في أيار/مايو 2026.

علي قاسم مقداد: أكاديمي وباحث في العلاقات الدولية – لبنان.

الصورة أرشيفية من فرانس برس.

[1](**) أعدّ هذا المقال قبل اندلاع الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران في 28 شباط/فبراير 2026.

تتفاوت المعلومات الجغرافية لمضيق هرمز بين مصدر وآخر. وقد تم اعتماد الأرقام الواردة في الموقع الإلكتروني العالمي الموثوق Encyclopedia Britannica، على الرابط التالي: <https://www.britannica.com/place/strait-of-Hormuz>.

[2] نورهان الشيخ، المصلحة الوطنية: طغيان الواقعية وتراجع المثالية في العلاقات الدولية، مفاهيم الأسس العلمية للمعرفة؛ العدد 49 (القاهرة: المركز الدولي للدراسات المستقبلية والاستراتيجية، 2009).

[3] James E. Dougherty and Robert L. Pfaltzgraff Jr., Contending Theories of International Relations: A Comprehensive Survey (New York: Longman, 2001).

[4] جيمس دورتي وروبرت بالستغراف، النظريات المتضاربة في العلاقات الدولية، ترجمة وليد عبد الحي (الكويت: المؤسسة الجامعية للنشر والتوزيع، 1985)، ص 61 – 80.

[5] المصدر نفسه.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز