تقديم

ارتبطت الدراسات الاستراتيجية، أو ما يعرف بالدراسات الأمنية الكلاسيكية، بالشؤون العسكرية والحربية التي تأخذ على عاتقها دفع العدوان وحماية الدولة من المخاطر والتهديدات الخارجية بوجه خاص[1]. لكن هذا المعنى بدأ تدريجًا يفقد بريقه بعدما تبيَّن أنه يخدم خصوصيات الدول «المتقدمة» التي حققت نوعًا من الانسجام والنهضة الداخليين ووفرت شروط العيش لمجتمعاتها، في حين أنه لا يتمشى وخصوصيات البلدان المصنفة في خانة «التخلف»، لأن الأخطار التي تتهدد دول العالم الثالث هي من مصادر داخلية أساسًا – فضلًا عن التهديدات الخارجية -، حيث إن ظواهر مثل: الفقر، والمجاعة، والجفاف، والأوبئة، والتلوث، والصراعات العرقية، والإرهاب، وتجارة المخدرات، والجهل والأمية… لهي أكبر خطرًا على هذه البلدان من كل التهديدات الخارجية. وبهذا فإن بعض الاجتهادات العلمية المتأخرة رأت ضرورة إعادة بلورة مفهوم الأمن، ومعه صوغ رؤية جديدة للدراسات الاستراتيجية، ليشمل هذه الظواهر في أبعادها الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، بعد أن كان مقتصرًا على الجانب العسكري[2].

في هذا السياق طرح المفكر المصري بهجت قرني تمييزًا بين مفهومَي السياسات العليا والدنيا، على أساس أن الأولى مرتبطة بالمجالات العسكرية وبالدفاع عن الأمن الوطني، في حين أن الثانية تتعلق بالمجالات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية، مؤكدًا أنه إذا كانت الدول المتقدمة تولي اهتمامها للسياسات العليا، فإن على الدول «المتخلفة»، ومنها بلدان الوطن العربي، أن تركز اهتمامها على السياسات الدنيا التي تمثل أساسًا للسابقة.

تعالج ورقتنا هذه مفهوم الأمن في ضوء هذه الأطروحة – كما صاغها بهجت قرني -، مع إيلاء عناية خاصة للأمن الثقافي كنموذج لأهميته القصوى في تأمين مجموعة من القطاعات الأخرى، ومع ربطه بوجه خاص بما تعيشه البلدان العربية في الأزمنة المعاصرة. وسننطلق في ذلك من السؤال التالي: هل يقتصر مفهوم الأمن على المجالات العسكرية أم أنه يأخذ دلالات أوسع في ظل التحولات التي عرفها النظام العالمي؟

للإجابة عن هذا السؤال سنقوم بتفريعه إلى التساؤلات التالية: كيف قارب بهجت قرني مفهومَي السياسات العليا والسياسات الدنيا؟ وما الإضافات التي شملت مفهوم الأمن في ضوء هذا الطرح الجديد؟ يمثل الأمن الثقافي جانبًا مهمًا من جوانب أطروحة بهجت قرني، فما المقصود به؟ وفيمَ تكمن أهميته؟

سنقدم كفرضيات مجيبة عن هذه الأسئلة السابقة ما يلي: اقتصر مفهوم الأمن في السابق على الجانب العسكري، لكن مع التحولات التي شهدها العالم أصبح هذا المفهوم أكثر اتساعًا، وظهرت نظريات جديدة تميز بين ما يرتبط بالمجالات العسكرية وشؤون الدفاع الوطني (السياسات العليا) وبين ما يرتبط بالمجالات الاجتماعية والثقافية والاقتصادية (السياسات الدنيا)، وتولي اهتمامها بهذه الأخيرة، لأن لها دورًا مهمًا في التنمية المجتمعية وبالتالي في تماسك وقوة الدولة، وبخاصة مع ظهور تهديدات جديدة مخالفة لتلك التي كانت معروفة في السابق.

بعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار نظام القطبية الثنائية، برزت على الساحة مجموعة من التهديدات الجديدة، التي طرحت مشكلات كبيرة لأمن الدول. لكن إذا كانت هذه التهديدات هي في أغلبها ذات مصدر خارجي بالنسبة إلى الدول الكبرى، فإنها من جهة أخرى تمثل تهديدات داخلية بالنسبة إلى دول الجنوب، وهو ما يجعلها أكثر خطورة. وبالتالي أصبح من الضروري أن تتمشّى المقاربات الاستراتيجية الجديدة مع هذه الاهتمامات بما يدفع إلى إعادة النظر في مفهوم الأمن بمعناه الكلاسيكي إلى تلمُّس أبعاده المتعددة بحسب تعدد جوانب التهديد.

أدى المدخل الثقافي إلى تكريس تبعية دول العالم الثالث للغرب وضمان خضوعها له؛ ففي ظل الغزو المعرفي والإعلامي الذي تمارسه الدول القوية أصبح لزامًا على تلك الدول، لكي لا تفقد هويتها وخصوصياتها ولا تذوب حضاريًا ولا تتفتت في ظل النزاعات الطائفية والإثنية، أن تتحصن أمام هذا الغزو. وهذا التحصن هو ذو عمق داخلي، يمكن أن يتخذ له مقوم تحسين جودة التعليم وإنشاء جامعات حضارية تحافظ على الموروث الثقافي وتنفتح على التطورات والأمن المعلوماتي… ولعل ما يحصل للمجتمعات العربية، في زمن ما يسمى العولمة، خير مثال عما يمكن أن يصنعه هذا المدخل.

سنحاول الإجابة عن التساؤلات المطروحة والتحقق من الفرضيات المقترحة من خلال التصميم الآتي: 1 – التمييز بين السياسات العليا والدنيا؛ 2 – مفهوم الأمن في ضوء أطروحة بهجت قرني؛ 3 – الأمن الثقافي: مفهومه وأهميته.

أولًا: التمييز بين السياسات العليا والسياسات الدنيا

اهتمت الدراسات الاستراتيجية، مذ صارت حقلًا علميًا، بالجوانب المتعلقة بالحرب والقوة العسكرية، ناتجة من معين فكر كارل فون كلازفيتش الذي عُني في الأساس بمشاكل السياسة الأوروبية في عصره، حيث ربط الأمن القومي بالتهديدات الخارجية والصراع بين الدول والسعي إلى امتلاك القوة العسكرية. وقد أدى هذا التضييق في دائرة الدراسات الاستراتيجية ودراسات الأمن القومي إلى تهميش دول الجنوب ووصفها أطرافًا تابعة في لعبة القوة، وهو ما يعني استحالة استيرادها لهذا النموذج السائد لكي لا يتم إغفال أبعادها التاريخية والعرقية والدينية والجغرافية وقضاياها الاستراتيجية الخاصة التي تتصل بالصراعات الداخلية بين الجماعات وقضايا الفساد[3]… وقد ازداد الاهتمام بخصوصيات دول الجنوب مع تزايد حركات التحرير حيث تزايد عدد هذه الدول وأصبحت تمثل الأغلبية في العالم (أفول عصر الإمبراطوريات والقوى الكبرى)، وبالتالي تزايد الاهتمام بمصادر التهديد التي تشغلها وإعادة النظر في المفاهيم السائدة في هذا الحقل المعرفي لتشمل اهتماماتها. وانبرى لهذه المهمة مجموعة من الباحثين من دول العالم الثالث الذين أكدوا الاختلاف بين ما يسمى السياسات العليا أو الموضوعات المهمة في مقابل السياسات الدنيا أو السياسات البديلة، على أساس أن الأولى تتعلق بالأمن الوطني والقضايا العسكرية والصراع بين الدول بينما الثانية ترتبط بالمجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية[4]. وظهر معهم تيار جديد في الدراسات الاستراتيجية يعرف باسم أبحاث السلام يهتم بمصادر التهديد الجديدة، كما دفع ذلك إلى انفتاح هذا الحقل المعرفي على مجالات أخرى من العلوم الاجتماعية[5].

ومن بين أهم الباحثين الذين اشتغلوا بهذا الموضوع المفكر المصري بهجت قرني، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة مونريال في كندا والأستاذ الزائر في مجموعة من الجامعات الدولية، حيث طرح، في مجموعة من الأعمال التي أنجزها، منظورًا جديدًا للدراسات الاستراتيجية، ومن بينها المقالة[6] التي بنينا عليها ورقتنا هذه، ودعا إلى توسيع العدسة المفاهيمية[7]  (Elargir les lentilles conceptuelles) الخاصة بهذا الحقل المعرفي والخروج بالتالي من الغيتو أو القيد العسكري (Carcan millitaire)، على أساس أن ما كان سائدًا في السابق يحصرها في الشؤون العسكرية والأمنية ولا يتمشّى مع خصوصيات دول العالم الثالث التي تتهددها أخطار أخرى غير تلك المألوفة التي يواجهها الغرب.

ينتقد بهجت قرني حقل الدراسات الاستراتيجية المهيمن (Main stream) الذي يرتكز على مسلّمتين رئيستين:

«التمييز بين المجتمع الوطني (الداخلي) الذي يتسم بالتنظيم، والمجتمع الدولي (الخارجي) الفوضوي غير المنظم.

التمييز بين السياسات العليا (High Politics) (المجالات العسكرية وشؤون الدفاع والأمن الوطني)، والسياسات الدنيا (Low Politics) (المجالات الاقتصادية والاجتماعية والثقافية)»[8].

وهو يرى أنه من هذا المنظور تأخذ الصراعات بين الدول الاهتمام الأكبر، بمعنى أن على كل دولة أن تحترس من التهديدات العسكرية الخارجية.

في إطار التمييز بين مجالي السياسات العليا والسياسات الدنيا، يؤكد بهجت قرني ضرورة ربط المعضلات الأمنية بالتنمية وبالمشاكل التي تعانيها جل بلدان العالم[9]؛ وإذا كانت المخاطر والتهديدات التي تهدد الأمن القومي للبلدان المتقدمة تأتي من الخارج فإنها بالنسبة إلى دول العالم الثالث ذات مصدر داخلي بالأساس[10]. فما هي أهم هذه التهديدات؟

يلخص الباحث المصري السيد يسين أهم مصادر التهديد[11] التي تعانيها البلدان العربية، وهي نموذج لدول الجنوب، في: الافتقار إلى التكامل القومي لأن التعددية المجتمعية وتركيب المجتمع من شرائح مختلفة يفتحان مجال الصراعات والتوترات المذهبية والأيديولوجية فيعوق عملية التنمية، بل وقد يتيح الفرصة للغزو الأيديولوجي الخارجي والهيمنة الأجنبية؛ الافتقار إلى الإجماع القومي حول المنظومة الأيديولوجية والأطر القومية؛ ضعف معدلات المشاركة السياسية بسبب الخلافات بين الجماعات السياسية وهو غالبُا ما يستدعي تدخل الجيش؛ صراعات غير محلولة ومخلفات الاستعمار كالصراع حول الحدود؛ الفقر وهو من أكبر الأخطار التي تهدد الأمن القومي، بحيث يدفع المجتمع إلى قبول المعونة من الخارج وبالتالي يصير عرضة للمشروطية الاقتصادية، وما يستتبعها من تكريس للتبعية إلى الدول الغنية.

ومن بين أهم المطالب، التي تتزايد يومًا بعد يوم في بلدان العالم الثالث، مطالب الجماعات المهمَّشة التي تبغي العدالة الاجتماعية مثل جماعات الفقراء والشباب وما إلى ذلك من المطالب الفئوية، وهو ما يؤجج الحركات الاحتجاجية والتظاهرات والاعتصامات، التي تكون عفوية أحيانًا، وهو ما يسبب شعورًا عامًا بالانفلات وعدم الأمان[12]. وقد أظهر الربيع العربي ما يمكن أن تثيره مثل هذه المطالب: فشرارة البوعزيزي ارتبطت بظروفه الخاصة المعيشية، لكنها سرعان ما أصبحت ذات حمولة سياسية. والأدهى من ذلك أنها نشبت في مجموعة من الدول الإقليمية التي لم تستطع إلى حين كتابة هذه السطور لَمَّ شتاتها، بل وأصبحت مفتوحة أمام التدخل الدولي مثل ما حصل في ليبيا. كما أدت التهديدات الداخلية في بعض الدول، في أفريقيا بالخصوص، إلى فوضى شاملة استحال معها أخذ المبادرة الداخلية[13].

إن ما يعانيه الوطن العربي من ضعف من الناحية العسكرية يتجسد في ضعف إدارته للصراع في المنطقة، كما هي الحال في الأراضي الفلسطينية، رغم أنه من أكبر مستوردي الأسلحة (نحو ثلاثة أرباع صادرات العالم الصناعي)[14] وهو ما يدل على ضرورة إيلاء الأهمية للجوانب المتعلقة بالسياسات الدنيا.

قبل هذا وذاك، أثبتت تجربة الاتحاد السوفياتي في حقبة الحرب الباردة، أهمية ما ذهب إليه المفكر بهجت قرني، حيث مثلت الظروف الاجتماعية والاقتصادية أحد عوامل انهياره، وهو ما يدل على أنها أقوى من مقومات القوة العسكرية والسياسية المادية. ويعَدّ هذا الحدث نسفًا مهمًا لإحدى أهم النظريات التي كانت سائدة في العلاقات الدولية ألا وهي النظرية الواقعية التي كانت تنظر إلى القوة، وبخاصة القوة العسكرية، كعنصر حاسم في العلاقات الدولية[15].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 543 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 543 أيار/مايو 2024

دراسات ذات صلة:

القدرات السيبرانية المصرية واستراتيجية الأمن السيبراني (2030)

المواطنة والأمن في الجزائر: أي مقاربة ناجعة؟

الحرب الثقافية الإسرائيلية على العراق: وسائل التواصل الاجتماعي بعد عام 2018

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 543 في أيار/مايو 2024.

عماد بورزوز: باحث في القانون العام والعلوم السياسية، كلية العلوم القانونية
والاقتصادية والاجتماعية سلا، جامعة محمد الخامس- الرباط.

مرسي عبد الكريم عبد الرازق: باحث في القانون العام والعلوم السياسية، كلية العلوم القانونية
والاقتصادية والاجتماعية سلا، جامعة محمد الخامس- الرباط.

الصورة من موقع “المصري اليوم”.

[1]   Bahgat Korany, «Vers une redéfinition des études stratégiques,» Annales 1990-92 nos. 4-5 Centre d’études stratégiques (FSJES), p. 15.

[2]    السيد يسين، «نحو رؤية عربية للدراسات الاستراتيجية،» شؤون الأوسط (مركز الدراسات الاستراتيجية والبحوث والتوثيق)، العدد 62 (أيار/مايو 1997)، ص 67-71.

[3]    مصطفى علوي، الدراسات الاستراتيجية العربية: مفهوم القرار الاستراتيجي،» الفكر الاستراتيجي العربي، العدد 37 (تموز/يوليو 1991)، ص 15.

[4]    يسين، المصدر نفسه، ص 65-66.

[5]   علوي، المصدر نفسه، ص 18.

[6]              Korany, «Vers une redéfinition des études stratégiques,» pp. 15-35.

[7]             Ibid., p. 32.

[8]             Ibid., p. 15.

[9]              Ibid., pp. 15-35.

[10]   يسين، «نحو رؤية عربية للدراسات الاستراتيجية،» ص 69.

[11]   المصدر نفسه، ص 69-71.

[12]  بهجت قرني، «ما بعد سقوط رأس الحكم: تحديات المرحلة الانتقالية ومآلات الربيع العربي،» السياسة الدولية، العدد 192 (نيسان/أبريل 2013)، ص 40.

[13]  علوي، الدراسات الاستراتيجية العربية: مفهوم القرار الاستراتيجي،» ص 19.

[14]  بهجت قرني، «تراكم الانكشاف الاستراتيجي العربي وأهمية البعد التفافي المهمل،» المستقبل العربي، السنة 24، العدد 277 (آذار/مارس 2002)، ص 64.

[15]  هايل عبد المولى طشطوش، الأمن الوطني وعناصر قوة الدولة في ظل النظام العالمي الجديد (عمّان: دار ومكتبة الحامد للنشر والتوزيع، 2012)، ص 15.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز