مقدمة

أصبح من الحقائق التَّاريخيَّة المعروفة أنَّ الغرب الاستعماري أقام الكيان الصِّهيوني في فلسطين، ورعاه، وما زال يفعل ذلك، ويحرص على تفوُّقه العسكري، وهذا ما يثير سؤالًا مفاده: ما هي أهداف هذا الغرب من هذه العمليَّة التي أدَّت إلى سلب وطن وتشريد أهله، وارتكاب مجازر فظيعة، في صراعٍ دامٍ، لا يزال مستمرًّا منذ قيام هذا الكيان حتى اليوم؟

نحاول، في هذه المقالة، أن نجيب عن هذا السُّؤال، فنتبيَّن هذه الأهداف، مميِّزين بين أهداف تسويغيَّة، وبين أهداف حقيقيَّة وظيفيَّة، مستندين، في ذلك إلى ما يقدِّمه التَّاريخ من وثائق ووقائع.

أولًا: أهداف تسويغيَّة

يمكن عرض هذه الأهداف كما يأتي:

1- أرض الميعاد والعودة إليها

جاء، في إعلان قيام هذا الكيان، في 14 أيار/مايو 1948: «أرض إسرائيل هي مهد الشعب اليهودي، هنا تكوَّنت شخصيَّته الرُّوحيَّة والدِّينيَّة والسِّياسيَّة. وهنا أقام دولة للمرَّة الأولى، وخلق قيمًا حضاريَّة ذات مغزى قومي وإنساني جامع، وفيها أعطى للعالم كتاب الكتب الخالد…»[1].

يفيد ما جاء، في هذا الإعلان، أنَّ اليهود شعب، يعود إلى وطنه القديم، الذي نُفي منه منذ آلاف السِّنين. وهذا الزَّعم هو ما استخدمته الحركة الصُّهيونية في تسويق ما ادَّعت أنَّه حقَّها في إقامة كيانها، وتمثَّلت المرحلة الحاسمة في الاعتراف بهذا الحقِّ في «وعد بلفور» الصادر في 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917 وفي تأكيد صكِّ الانتداب له، المقرَّر في عصبة الأمم، والمعترف بحقِّ «الشعب اليهودي في إعادة بناء وطنه القومي».

2 – المسألة اليهوديَّة

عرف الغرب ما سُمِّي «المسألة اليهودية»، المتمثِّلة بالاضطهاد الأوروبي، وخصوصًا النَّازي، لليهود، وهو ما أدَّى إلى العمل على حلِّ هذه المسألة، من طريق إقامة كيان لهم في فلسطين، والبدء بفتح أبواب الهجرة إلى هذا الوطن العامر بأهله العاملين في سبيل نهضته وتطوُّره.

تمّ وصف هذه المسألة بـ«الإنسانيَّة»، غير أنَّ حلَّها أدَّى إلى حدوث أفظع مأساة إنسانية في التاريخ، فأيُّ إنسانيَّة هذه!؟

3 – المسيحية الصهيونيَّة

استخدمت «المسيحيَّة الصهيونية»، أو «الأصوليَّة المسيحيَّة الصهيونيَّة اليمينيَّة»، أو «الإنجيليَّة المتشدِّدة»، وهي كنائس «بروتستانتية» أصولية تأثَّرت باليهوديَّة، نصوصًا مجتزأة من العهد القديم، تدعو إلى إقامة دولة يهوديَّة في فلسطين، بوصفها حقًّا تاريخيًا ودينيًا لليهود؛ وذلك لأن عودة اليهود إلى الأرض الموعودة (فلسطين) هي برهان على صدق التوراة، وعلى اكتمال الزَّمان وعودة المسيح ثانية، وإنشاء مملكته التي تستمر لألف عام.

بناءً على ذلك، ترى هذه الأصوليَّة أنَّ جميع أوجه الدَّعم لهذا الكيان ليست اختيارًا، بل هي قضاء إلهي، لأنَّه يسرِّع قدوم المسيح. وتاليًا، فمن يقف ضدّه يعدّ عدوًّا للمسيحية وعدوًّا للَّه نفسه.

4 – امتداد حضاري

ادَّعى الصَّهاينة أنَّ هذا الكيان، إن أُقيم، يمثِّل امتدادًا للحضارة الغربيَّة وقيمها، وهو ما يجعله «حضنًا لأوروبا ضدَّ آسيا ومعقلًا للحضارة ضد البربرية»، كما قال تيودور هرتزل، مؤسِّس الحركة الصهيونيَّة. وقد ادّعى دايفيد بن غوريون، أوَّل رئيس وزراء إسرائيلي، «أنَّ فلسطين خالية من السكَّان، وأنَّ القلَّة التي تعيش فيها متخلِّفة…»، ورأى أنَّ قيام دولة يهوديَّة سوف يساعد على نقل الحضارة الغربيَّة إلى المنطقة، وقال: «إنَّ ثقتي ببني جنسي تجعلني أقول بأن الأثر الحقير والمخزي للتراث العربي لن يستمرَّ إلى الأبد، وأنَّ العرب حوَّلوا بلدًا مزدهرًا ومأهولًا بالسكَّان إلى صحراء»[2].

5 – بيان حقيقة هذه الأهداف

نقرأ في بيان حقيقة هذه الأهداف ما قاله بن غوريون نفسه لناحوم غولدمان، رئيس المؤتمر اليهودي العالمي:

«لو كنت عربيًا لما أقمت سلامًا مع إسرائيل، وهذا طبيعي، لأنَّنا اغتصبنا بلادهم. صحيح أنَّنا وُعدنا بتلك البلاد، ولكن لماذا يعنيهم هذا الوعد، فإلهنا غير إلههم. وصحيح أنَّنا جئنا من إسرائيل، ولكن حدث ذلك قبل ألفي عام. وهذا أيضًا لا يعنيهم. وصحيح أنَّه كانت هناك معاداة للسَّامية، ونازيون وهتلر، ولكن هل كان ذلك خطأهم؟ إن العرب لا يرون سوى شيء واحد، وهو أنَّنا جئنا، وسلبناهم أرضهم، فلماذا يتوجَّب عليهم قبول ذلك»[3].

يعترف أوَّل رئيس وزراء للكيان الصهيون بأنَّ هذا الكيان مغتصَب، وقد سلب شعبًا أرضَه التي عاش فيها طوال ألفَي سنة، وبأنَّ هذا الشَّعب الذي سُلبت بلاده لا يعنيه ذلك الوعد المزعوم، وبأنَّه لا يتحمَّل أيَّ مسؤوليَّة عن تشكُّل «المسألة اليهودية»، فالخطأ ليس خطأه. وما لم يعترف به هو أنَّ وقائع التَّاريخ تفيد أنَّ اليهود كانوا يُعامَلون، في الوطن العربي – الإسلامي معاملة المواطنين، الآخرين، من دون تمييز، في حين كانوا يُضْطَهدون في الغرب.

أما في ما يتعلّق بالمزاعم العقدية الدِّينيَّة، فقد رأى «مجلس كنائس الشَّرق الأوسط»، في بيانٍ صدر في عام 1986، «أنَّ المسيحيَّة الصهيونية هي سوء استعمال للكتاب المقدَّس وتلاعب بمشاعر المسيحيِّين في محاولةٍ لتقديس إنشاء دولة من الدُّول وتسويغ سياسات حكوماتها». ويسمِّي الأب عطا الله حنَّا، رئيس أساقفة سبسطيا القدس، مجموعات هذه المسيحيَّة الصهيونيَّة «المجموعات المتصهينة» التي تدَّعي المسيحيَّة. ويصف القس «ألكسي»، عميد كلية «بيت لحم» وراعي كنيسة القدس لاهوت هؤلاء بـ«الكابوس»، ويرى أنَّه «لاهوت صهيوني يحلّ اليهود محلَّ الشَّعب الفلسطيني».

إنَّ هذه الأهداف التي ٱدُّعِي أنَّ قيام الكيان الصّهيوني يحقّقها هي أهداف تسيء استعمال الكتاب المقدَّس، وتتلاعب بمشاعر المسيحيِّين، وقد أريدَ لها أن «تسوِّغ»، كما جاء في بيان مجلس كنائس الشرق الأوسط، قيام هذا الكيان، عقديًا وإنسانيًا، وتغطِّي الأهداف الحقيقيَّة، وتضلِّل المعنيِّين بالأمر وتخدعهم.

ويمكن القول، في شأن «أرض الميعاد وعودة اليهود إليها»: إنها ادِّعاءات خرافية لا أساس تاريخيًا حقيقيًا لها، توسل بها الصهاينة ورعاتهم لتسويغ الاستعمار الاستيطاني الصهيوني في فلسطين العامرة بأهلها غير اليهود منذ نحو ألفي عام.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 547 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 547 أيلول/سبتمبر 2024

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 547 في أيلول/سبتمبر 2024.

عبد المجيد زراقط: كاتب لبناني.

[1]   انظر: ملف وثائق فلسطين: مجموعة وثائق وأوراق خاصة بالقضية الفلسطينية، 2 مج (القاهرة: وزارة الإرشاد القومي، الهيئة العامة للاستعلامات، 1969)، مج 1، ص 931 – 933.

[2]  أحمد سعيد نوفل، دور إسرائيل في تفتيت الوطن العربي، ط 2 (بيروت: مركز الزَّيتونة للدّراسات والاستشارات، 2010)، ص 32.

ما ينبغي ذكره هو أنِّي أفدت من هذا الكتاب القيِّم، فوضعت ما اقتبسته منه بين مزدوجين، وأحلت إليه في الهوامش، وعدت إلى بعض مراجعه، ووضعت ما اقتبسته منها بين مزدوجين، وأحلت إليها في الهوامش.

[3] المصدر نفسه، ص 208، نقلاً عن: ناحوم غولدمان، التناقض اليهودي لرئيس المؤتمر اليهودي العالمي، ص 112.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز