مقدمة

مثلت الهجرة موضوعًا شائكًا للنقاش المجمتعيّ يطرح بشدة في اللحظات الحرجة التي تمر بها بلدان الاستقبال الأوروبية؛ فكلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية أو عرف الاقتصاد هزَّات قاسية نتيجة ظروف محلية أو دولية مُربكة أو صراعات أو أزمات، تتجه الأنظار إلى موضوع الهجرة والمهاجرين مع نبرات التشكيك والاتهام بالمسؤولية عن تدهور الأوضاع وتهديد صرح الرفاهية الأوروبية، وتقليص فرص السكان الأصليين في جني ثمار عقود من التقدم المطَّرد.

لهذا يظل المهاجرون عرضة للهجوم رغم أن عددًا منهم قضوا عقودًا طويلة من الكدح في سبيل بناء بلدان الاستقبال الغربية. ورغم أن أبناء المهاجرين ولدوا وترعرعوا فيها وتلقوا تكوينًا صلبًا يؤهلهم للانخراط الفعلي في اقتصاد هذه المجتمعات، فإن النقاش يحتدم بمجرد أن تزداد حدة الأزمات الاقتصادية وتتفاقم المشاكل الاجتماعية، ويضحي المهاجرون، بجرة قلم، أغيارًا من ثقافات وديانات مختلفة، وتنقلب التعددية – عند المتعصبين – إلى عوائق ونيات سيئة مُبيَّتة لغزو بلدان الاستقبال وطمس معالم حضارتها.

من هنا، وقع اختيارنا على أن نبحث في الدين الإسلامي في فضاء المهجر كمكوّن ثقافي مميز للجوالي الوافدة من بلدان شمال أفريقيا من أجل رصد العلاقة بين المهاجرين العرب المسلمين والمجتمعات الغربية المستقبلة وكيف يؤثر عامل الدين سلبًا أو إيجابًا في تخفيف وطأة العنصرية ونار الاختلاف بين المهاجرين والسكان الأصليين في البلدان المضيفة. وعبر سبر هذه العلاقة، نأمل أن نجيب عن إشكالية مُلحة ثلاثية الأقطاب: البلدان الأوروبية المستقبلة، والمهاجرون، والدين الإسلامي، لكي نحدد العلاقة بين هذه الأطراف وتأثيراتها في المهاجرين وأوضاعهم في بلاد المهجر، وآليات تطويرها لتحقيق المعادلة المنشودة حيث الموازنة الحقيقية بين مصالح البلد المضيف وبين الهوية الثقافية للمهاجرين المسلمين من دون التضحية بجزء من هذه الخصوصية؛ محاولين الكشف عن سبل تغيير النظرة الغربية المتعالية للدين الإسلامي من التوجس منه كعائق ومعرقل للاندماج المجتمعي إلى عنصر هوياتي مُثْر للتعددية الثقافية بدول الاستقبال.

أولًا: الدين الإسلامي في فضاء المهجر

1 – هجرة سكان الشمال الأفريقي وسلطة الجغرافيا

يمثل القرب الجغرافي بين أوروبا وشمال أفريقيا واشتراكهما في حوض البحر الأبيض المتوسط قدرًا لا مفر منه،  ويجب التعامل معه على أساس هذا المنطلق الذي يحتم البحث عن توافقات وآليات للاستفادة من هذا الوضع الجغرافي الخاص، بدلًا من حسبانه لعنة وثغرة لمرور أمواج المهاجرين السرّيين. ويبدو أن إسبانيا في علاقاتها الجديدة مع المغرب بدأت تستسلم لهذا المنظور الإيجابي ومحاولة تحقيق أقصى استفادة منه عبر التفكير في مشاريع علاقات اقتصادية مع المغرب البلد الذي تطله منه على أفريقيا بما يخدم مصالح البلدين، وهذا ما نمّى الشعور بعودة الدفء إلى العلاقات الإسبانية – المغربية، وحفز على إعادة إحياء التفكير في مشروع النفق الرابط بين القارتين الأوروبية والأفريقي عبر المتوسط، وهو في حد ذاته مؤشر جيد على انفتاح العلاقات بين البلدين مستقلًا على أكثر من صعيد.

2 – الإسلام مكونًا ثقافيًا للجوالي من أصول شمال أفريقية

تعَدّ الجالية المسلمة في أوروبا من أكبر الجوالي من حيث العدد، وأقدمها من حيث تاريخ الهجرة وتَعاقُب الأجيال التي عاشت في البلدان المستقبلة بحكم الارتباط الجغرافي الحتمي المستند إلى اشتراك بلدان الشمال الأفريقي وأوروبا في حوض البحر الأبيض المتوسط من جهة، والعلاقات التاريخية التي تحكمت فيها منذ أمدٍ طويلٍ تجارة كانت أم صراعًا دينيًا أم احتكاكًا عسكريًا مباشرًا عبر الاستعمار وغيره من جهة ثانية. حيث يحضر الدين الإسلامي حضورًا قويًا في هذه البلدان، ولا يمكن الحديث عن دول من قبيل المغرب والجزائر وليبيا وموريتانيا من دون ربطها بالدين الإسلامي ربطًا مباشرًا، بينما تونس نفسها التي قضت عقودًا تحت قيادة علمانية حاولت تهميش الدين في ظل حكم بورقيبة وبن علي ظل سكانها متشبثين بالهوية الإسلامية وما إن اندلعت ثورات الربيع العربي حتى حاولت استرجاع هويتها الدينية بدايةً سياسيًا ثم عمليًا في الطقوس اليومية.

إن المهاجرين المنتمين إلى هذه البلدان، لا يمكن توقع انفصالهم عن المكوّن الديني، والتخلي عنه بدعوى الاندماج والتأقلم مع قوانين بلدان الاستقبال، بل ظلوا متمسكين بهذه الهوية أكثر في ظل مجتمعات غربية ذات أغلبية مسيحية، فلم يكن انتماؤهم إلى الأقليات ليثبط عزائمهم في الحفاظ على الهوية الإسلامية بوصفها جزءًا لا يتجزأ من جوهرهم الثقافي المحدد لها، وقد تعرض الكثير منهم لمضايقات بسبب ذلك، وبخاصة النساء اللائي تعرّضن لتمييزات عنصرية في فضاءات مختلفة، وبخاصة منها مجالات الدراسة والعمل، إذ تم استهداف «الحجاب» في 27 دولة أوروبية[2] من طريق إقصاء المحجّبات من فرص العمل، وارتياد بعض الأماكن العمومية بدعوى الحفاظ على حياد المؤسسات المشغلة دينيًا ورفض توظيف الرموز الدينية… بل إن النقاش أضحى عموميًا بخصوص منع النساء من ارتياد الشواطئ  والمسابح وهن يرتدين لباس بحر معدل «بوركيني» بمبررات واهية وغير مقبولة مثلما هو الشأن في حادثة المنع التي أقرتها بلدية غرونوبل بفرنسا مثلًا[3].

3 – تأثير الدين في العنصرية

يصعب الحسم في أن العنصرية الثقافية التي يتعرض لها المسلمون في إطار إذكاء الخوف الممنهج من الإسلام، قائمة فقط على الأسباب المادية الصرف، بل ربما يكون للجوانب الثقافية والدينية منها الدور الأكبر في تنمية الإحساس بالرفض تجاه الإسلام والمسلمين، وهو ما يمكن ملاحظته من خلال تعرُّض المسلمين للعنصرية في البلدان ذات الأصول اللاتينية والديانة الكاثوليكية أكثر من غيرها من البلدان المتحررة أو التي تتبنى البروتستانية مثل إنكلترا وإسكتلندا.. وهو ما يمكن تفسيره على أنه كلما كانت الهوية في البلد الأوروبي تبنى على المرجعية الدينية الكاثوليكية نمّت الإحساس لدى العامة بأن الإسلام هوية مضادة، وأنه لا يمكن تقبُّل فكرة التعايش داخل فضاء بلد واحد.

4 – المكون الهوياتي الديني والعنصرية الغربية

أضحى الإسلام عند الكثير من الغربيين، وبخاصة في أوروبا، موازيًا لمعنى الإرهاب والجريمة، حيث سعت الكثير من الهيئات والأفراد إلى تعزيز أجواء الخوف من المسلمين المهاجرين بوصفهم قنابل موقوتة قابلة للانفجار في أية لحظة مهددة مجتمعات أوروبا الغنية، وهو ما زاد من تنمية مشاعر الكراهية تجاه الوافدين الجدد والمهاجرين الموجودين على الأرض الأوروبية منذ جيلين على حد سواء، فتنامت الأدبيات اليمينية المتطرفة التي سعت إلى استغلال أوقات الأزمات والانتكاسات لتلقي باللوم المباشر على هؤلاء الفئة من المهاجرين وشيطنة الدين الإسلامي بوصفه دين عنف وإرهاب، وهو ما زاد من حوادث العنف التي يتعرض لها المهاجرون من أصول إسلامية (حادثة إحراق الشيوخ أمام المساجد التي كان بطلها شاب من أصول أفريقية).

غير أن تجاهل الإسلام ومحاربته عبر القوانين والأنظمة وتجييش الأدبيات اليمينية لمناهضته لا يعني بالضرورة أنه لا يمثل واقعًا حقيقيًا في أوروبا المعاصرة، فهو، كما يقول ديلانتي، «جزء من التراث الحضاري الأوروبي، وكنتيجة للهجرة في العقود الأخيرة، فإن إسلامًا أوروبيًا موجود الآن ويمكن النظر إليه على أنه التعبير الأخير عن تاريخ طويل من العلاقات الإسلامية الأوروبية»[4].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 542 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 542 نيسان/أبريل 2024

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 542 في نيسان/أبريل 2024.

حقوق الصورة لوكالة الصحافة الفرنسية.

[1]أنوار بنيعيش: الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين، فاس مكناس – المغرب.

[2]    «Restrictions on Muslim Women’s Dress in the 27 EU Member States and the United Kingdom Current Law, Recent Legal Developments, and the State of Play,» Open Society Justice Initiative, Policy Report, New York (March 2022) p. 156, <https://rebrand.ly/47bcd0>.

[3]   «Le Conseil d’Etat confirme l’interdiction du port du burkini dans les piscines municipales de Grenoble,» Le Monde, 22/6/2022, <https://rebrand.ly/hr3lk5k>.

[4]   Gerard Delanty, Formations of European Modernity: A Historical and Political Sociology of Europe (Cham, Switzerland: Palgrave Macmillan, 2019), p. 91.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز