مقدمة:

عملت النخب الحاكمة الجديدة في تونس المستقلة على تثبيت دعائم الاستقلال عبر تلبية استحقاقات الشعب من التنمية والرقي، وحقّه في الصحة والتعليم والعمل. ولئن مثل الاستقلال السياسي مرحلة فارقة في تاريخها المعاصر ملأى بالوعود والانتظارات الكثيرة، إلا أن بناء منوال للتنمية يحقّق مراكمة للثروات وتوزيعها توزيعًا عادلًا لم يكن من السهل تحقيقه، وذلك لقلّة الموارد الطبيعية للدولة التونسية من جهة، ولعجز الحكومات المتعاقبة في الثبات على نموذج اقتصادي – تنموي يحقّق بصورة عملية العناوين الكبرى للانتفاع بخيراته، عبر التوزيع العادل للثروات وتنمية الجهات بشكل متوازن شمالًا وجنوبًا.

لقد كان اختيار النظام الجمهوري كنظام بديل من النظام الملكي في تونس بغاية أن تتحوّل السيادة إلى الشعب الذي آن الأوان لأن يحقق لنفسه عبر نخبته السياسية الجديدة الرقي والكرامة، وأن يقطع نهائيًا مع المعاناة الاستعمارية التي كان من نتيجتها الفقر والأمراض والأوبئة والمجاعات، وأن ينهي تسلّط نخب الأسياد على مقدّرات البلاد وثرواتها، والنخبة الحاكمة من الأسرة المالكة وبطانتها على تركيز نظام مجحف لجباية الأموال[1]. أدّى تململ السكّان ضدّ هذا الاستغلال المقيت إلى ترجمتها انتفاضة العروش سنة 1864 والتّي أفضت إلى تعطيل العمل بدستور 1862، وإفلاس خزينة الدّولة نتيجة الفساد الإداري والمالي للوزراء ومحاصرة الإصلاحات الاقتصاديّة والإدارية والسياسيّة التّي شرع في إنجازها خير الدّين باشا والتّي أفضت أمام تراكم ديون الدّولة إلى انتصاب «الكومسيون المالي الأوروبّي لإدارة الاقتصاد التونسي، والتمهيد للاستعمار العسكري والسيّاسي (الحماية)، والذّي خلّف تركة ثقيلة من التخلّف والجهل، أورثها الشّعب لأبنائه طيلة عقود من الزّمن نتيجة الاستغلال المجحف لكلّ الموارد المتاحة في تونس من موارد فلاحيه ومنجميه من قبل المعمرين.

لذا كان الأمل كبيرًا عقب الاستقلال في القطع مع ماضي التخلّف ورموزه عبر إرساء النّظام الجمهوري كنظام بديل وجديد، والذي هو: «خير كفيل لحقوق الإنسان وإقرار المساواة بين المواطنين في الحقوق والواجبات ولتوفير أسباب الرفاهيّة بتنميّة الاقتصاد واستخدام ثروة البلاد لفائدة الشّعب وأنجع أداة لرعاية الأسرة وحقّ المواطنين في العمل والصحّة والتّعليم»[2].

ورغم وضوح هذه الأهداف، إلّا أنّ ترجمتها على أرض الواقع بقيت رهينة السيّاسات الاقتصاديّة والاجتماعيّة المنتهجة منذ الاستقلال إلى الآن (أي إلى ما بعد ثورة 2011)، والتّي في أغلبها عمدت إلى تطبيق برامج تنمويّة هي في الأصل إملاءات للدّوائر الماليّة العالميّة والتّي أفضت إلى انتفاضات شعبيّة واحتجاجات نقابيّة ومطلبيه متفاقمة في سنوات السبعينيات والثمانينيات أدت إلى انقلاب سيّاسي وانسداد للأفق في العشرية الأولى من الألفية الجديدة مع مراقبة أمنيّة صارمة للمجتمع وأفراده ومؤسّساته حتّى سقوط النّظام ورموزه يوم 14 كانون الثاني/يناير 2011 تحت وطأة مطلبية اجتماعيّة واقتصاديّة بالتنميّة والتّوازن بين الفئات والجهات والتّشغيل نتيجة تفاقم عدد البطّالين والمعطّلين والمهمّشين في كلّ جهات البلاد، إضافة إلى توق النّخبة المثقفة والمحاصرة من قبل أجهزة النّظام السيّاسي وأعوانه إلى الحريّة والانعتاق.

وعليه فإنّ مدار اهتمامنا سيكون متمحورًا حول الإجابة عن التّساؤل التّالي: هل استطاعت السيّاسات الاقتصاديّة والاجتماعيّة للدّولة الوطنيّة في تونس الاستجابة لطموحات الشّعب في تحقيق التنميّة والتّوازن بين الفئات والجهات، وما مآلاتها؟

وهل استطاعت ثورة 2011 بشعاراتها الحبلى بالأماني والاستحقاقات النّجاح في تلبيّة المطالب التّي قامت من أجلها؟

أولًا: الدّور الاقتصادي والاجتماعي لدولة الاستقلال

كانت السنوات الأولى للاستقلال حبلى بالطّموحات الاجتماعيّة رغم اصطدامها بجملة من المعوقات السياسيّة المتمثّلة بالمعارضة لبروتوكول الاستقلال الدّاخلي سنة 1955 من جانب ما يعرف بالمعارضة اليوسفيّة والتّي رأت في هذه الخطوة السياسيّة خطوة إلى الوراء، وأنّ التوقيع على هذا البروتوكول خيانة لنضالات الوطنيّين ولأجيال متعاقبة من شباب تونس ورجالاتها وأحرارها. وهذا ما أفضى إلى طرد الزّعيم صالح بن يوسف من الدّيوان السيّاسي للحزب الدّستوري وبلغ التوتّر أشدّه بين أنصار الزّعيم بن يوسف من الأمانة العامّة للحزب وأنصار الزّعيم بورقيبة رائد سيّاسة اتّباع سيّاسة المراحل على الصّعيد السيّاسي ومفاوضة السلطات الاستعماريّة، وقد بلغ الخلاف حدّ التخوين بين الجانبين[3].

تمّ حسم هذا الخلاف بحصول تونس على استقلالها التامّ سنة 1956 وخروج آخر جندي فرنسي من التّراب التونسي عقب حرب الجلاء ببنزرت في شهر تشرين الأول/أكتوبر سنة 1963.

كان الخطاب السيّاسي في تلك الحقبة يحثّ التونسيّين على المثابرة والاجتهاد في العمل، ونلمس ذلك في الخطب الرئاسيّة للزّعيم الحبيب بورقيبة، الذّي آل على نفسه أن يكون القائد والمعلّم والموجّه[4]، لذا خاض معارك كبرى لعلّ أهمّها على الاطلاق «معركة البناء والتشييد وهي بالنّسبة إليه بمثابة الجهاد الأكبر، الذي سيحسم قضيّة كبرى تتجسّد في محاربة الجهل والخرافة والعادات البالية وتحسين الهندام والنّظافة وتهذيب الذّوق… وكذلك بناء الاقتصاد التونسي الذّي تمّ توارثه عن السّلطات الاستعماريّة، وكان في واقع الأمر: «اقتصادًا متخارجًا مفكّكًا ومختلًّا، اقتصادًا مرهونًا بحاجيّات المركز الاستعماري في مجال الاستثمار والسّوق؛ اقتصادًا تصديريّا زراعيّا منجميّا لا علاقة له بحاجيّات السكّان الأصليين»[5].

هذا الاقتصاد من سماته تقسيم البلاد إلى جهات ومناطق تعرف شيئًا من النموّ النّسبي كما هو الشّأن في مناطق السّاحل وبعض جهات الشّمال في حين: «يسود مناطق الوسط والجنوب اقتصاد زراعي رعوي معاشي ومنخفض الإنتاجيّة»[6].

أمّا على الصّعيد الاجتماعي فإنّ مظاهر الاحتياج والفاقة ما زالت منتشرة في الأرياف وأحياء الصفيح بالمدن، ولم يستفد من ثمرات الاستقلال إلّا نزر قليل من أنصار السلطة ومن أعوان الزّعيم بورقيبة في الدّولة، ووزّع ريع الاستقلال على عائلات تنحدر من جهة السّاحل وتحديدًا من المنستير ومن الحاضرة تونس، وأقصي من الانتفاع بهذه الامتيّازات عدد لا يستهان به ممّن ناضل طويلًا من أجل استقلال البلاد[7].

لذا لا بدّ من إصلاح جذري لهذا الواقع الاقتصادي والاجتماعي عبر تدخّل الدّولة وفق برامج واضحة ونمط اقتصادي يستجيب لطموحات الاستقلال.

1 – البرامج الاقتصاديّة والاجتماعيّة للعشريّة الأولى للاستقلال

لقد كان أمام النّخبة المسيّرة لدولة الاستقلال تحت راية الزّعيم الكاريزمي بورقيبة، أو أبي الجمهوريّة كما يحلو للبعض من أنصاره تسميّته بهذا اللقب، تحديّين مهمّين: الأوّل هو استكمال بناء مؤسّسات الدّولة وما تتطلّبه من أركان السيّادة. والتحدّي الثّاني هو البناء الاقتصادي الوطني بالتّزامن مع حلّ جلّ المشكلات الاجتماعيّة المزمنة والتّي من أبرز مظاهرها جحافل العاطلين من العمل الواجب تشغيلهم، لذا عمدت الدّولة من أجل تحقيق هذا الهدف إلى توجيه أصحاب (المال والأعمال) نحو بعث المشاريع ذات الطّاقة التشغيليّة والتوجّه نحو الطّبقات الشعبيّة لمزيد بذل الجهد والتضحيّة لخوض هذه المعركة.

على هذا الأساس كانت السّمة الغالبة على الاقتصاد التونسي في تلك الحقبة هي السّمة الشّبه ليبراليّة والانفتاح على الخارج، وهكذا عملت السّلطة السياسيّة على تشجيع المستثمرين الأجانب على الانتصاب في تونس مقابل امتيّازات جبائيّة. ومن أجل تعبئة الموارد تمّ الاهتداء إلى خفض الأجور والادّخار الإجباري، وهو ما أفضى إلى تضرّر القدرة الشرائيّة للأجراء وتدهور مستوى المعيشة[8].

ورغم نجاح هذه الخطّة في تحصيل بعض النّتائج الإيجابيّة نسبيّا والتّي أفضت إلى نجاح تمويل صندوق التّصنيع والتنميّة والذي من مهمّاته تخصيص مساعدات ماليّة للمؤسّسات الصناعيّة وكذلك بعث مؤسّسات عموميّة من صنف الشّركات وإنشاء أوّل بنك تونسي (الشركة التونسيّة للبنك) سنة 1958. إلّا أنّ هذه التضحيّات لم تؤدّ إلى مقاومة البطالة بصفة جذريّة ولا إلى القضاء على الفقر المستشري في أحزمة المدن وفي القرى والأرياف ولا إلى مكافحة سوء التغذيّة والجوع. لذا كان لزامًا على الدّولة التدخّل وأدّى أدوارًا اقتصاديّة وتسييريّة في المجال الإنتاجي.

2 – تدخّل الدّولة كمستثمر ومنتج في المجال الاقتصادي

ليس من السّهل على دولة محدودة الموارد وحديثة العهد بالاستقلال أن تفي بوعودها بتركيز دعائم مجتمع متقدّم وعصري ومتمدّن، ودولة راقية تساهم في ركب الحضارة في ظلّ انتشار مظاهر البؤس والفاقة والحرمان والجهل والمرض.

لذا كان من المؤكّد أن يكون للدّولة دور مباشر في المجال الاقتصادي والإنتاجي وأن يكون للقطاع العام مهمّة استيعاب جحافل البطّالين وإدماجهم في المجال الإنتاجي والإذن برسم سياسات تستهدف محاربة الأميّة والجهل عبر نشر التّعليم وتعميمه والوقاية من الأمراض والعناية بالصحّة العامّة والنّظافة وبعث مشاريع السّكن الشّعبي. وقد سمحت حقبة الستّينيات وفي ظلّ هذه السياسة التدخليّة للدّولة من التحاق أعداد كبيرة من التونسيّين بأجهزة التّعليم (المدارس والمعاهد الثانويّة) وأسلاك الأمن والمؤسّسات الصحيّة والاستشفائيّة، وكذلك بعث «حظائر مقاومة التخلف، التّي استوعبت أعدادًا كبيرة جدّا من العاطلين من العمل والمزارعين المعدمين.

وبالتّوازي مع هذه الإجراءات تمّ تأميم عدد من المؤسّسات ذات الطّابع الاستراتيجي، حيث عملت الدّولة على امتلاك نصف أسهم شركة صفاقس - قفصة وما تملكه من مناجم إضافة إلى تأميم الشّركة القوميّة للسّكك الحديديّة التونسيّة وكذا توزيع المياه والكهرباء والغاز.

وللحدّ من التّفاوت بين الجهات وقع تركيز مصنع عجين الحلفاء بالقصرين بطاقة تشغيليّة محترمة ومعمل السكّر بباجة، ومعمل الحديد بمنزل بورقيبة[9].

ومن أجل الحدّ من تكلفة الهدر في تصدير الموادّ الأوليّة عمدت الدّولة إلى استغلال أكثر فاعليّة ونجاعة لهذه الموادّ عبر إنتاجها نصف مصنّعة ومصنّعة معدّة للتّصدير عوض تصديرها خامًا.

وتفسّر هذه الخطوة الجسورة من جانب دولة الاستقلال بأزمة الاستثمار الخاصّ ومقتضيات نزع الاستعمار والحدّ من سلبيّات البنيّة الاقتصاديّة الموروثة عنه وتأمين الحاجات الأساسيّة للجماهير، لتفضي إلى تكوين نواة القطاع العام، أو الدولوي، وتولّي الدّولة إدارة المشاريع المؤمّمة، وإنشاء المشروعات الجديدة التّي لا يقدر عليها القطاع الخاصّ أو لا يرغب في الاستثمار فيها، وكذلك بعث مؤسّسات وظيفتها تجميع الموارد والمدّخرات لتمويل المشاريع التّي ترى الدّولة ضرورة إنجازها وحثّ وتشجيع القطاع الخاصّ وبدأت هذه التحوّلات رغم استمرار قيادة الدّولة في الاعتقاد بمزايا الخيار الليبرالي»[10].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 540 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 540 شباط/ فبراير 2024

أوراق ذات صلة:

فاعلية السياسات التنموية الخارجية في إصلاح القطاع العامّ في البلدان النامية ما بين متلازمة المعرفة المحلّية والهندسة الاجتماعية

البعد الاجتماعي للتنمية المستدامة في ليبيا: البطالة والفقر كمؤشرات قياس

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 540 في شباط/فبراير 2024.

عبد الرحمن المرساني: أستاذ مساعد للتعليم العالي، وباحث في علم الاجتماع،
مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية – تونس.

[1]    الهادي التيمومي، تاريخ تونس الاجتماعي، 1881 – 1956، ط 2 (تونس: دار محمد علي الحامي 2001)، ص 17: «علاوة على هذه الضّرائب المرتفعة، كانت الدّولة تجبر البدو والفلاحين على العمل مجّانًا لإنجاز بعض الأشغال المتعلّقة مثلًا بترميم البنايات العموميّة التّي تداعى أغلبها إلى الخراب في النّصف الثاني من القرن التاسع عشر (القلاع والجسور ومقارّ أعوان الدّولة وقنوات الميّاه والمساجد والجوامع …)، كما كثّفت الدّولة في القرن التّاسع عشر من سيّاسة «التتريك» المتمثّلة بمصادرة أموال الأغنيّاء لأتفه الأسباب.

[2]    توطئة دستور الجمهوريّة التونسيّة الصّادر في غرّة حزيران/يونيو 1959.

[3]    عروسيّة التركي، الحركة اليوسفيّة في تونس 1955 – 1956 (تونس: مكتبة علاء الدّين صفاقس، 2011)، ص 326: «ما إن ذاع نبأ رفت صالح بن يوسف من الحزب وتجريده من الأمانة العامّة حتّى توافد أهل الجنوب على منزله مواسين ومساندين، كما تقاطرت على الرّجل برقيّات التّأييد والاستنكار. وفي مطلع شهر تشرين الثاني/نوفمبر 1955 قام صالح بن يوسف بزيارة إلى الشّمال الغربي ورغم ما تعرّض إليه أثناء تلك الزيّارة من أعمال شغب ومن مضايقات، فقد صرّح في ندوة صحافيّة عن إصراره لمتابعة جولاته في البلاد قائلًا «نعم سأذهب غدًا إلى جربة مسقط رأسي ومنها إلى جهات أخرى بالجنوب التونسي، ولا يثنيني عن عزمي ما ينويه هؤلاء المجرمون من تنسم طرق الغدر والخيّانة والاغتيّال … وإنّي عازم كلّ العزم على تخليص الحزب والأمّة من هاته الأيدي الآثمة».

[4]   محمود الذوّادي، «العلاقة بين شخصيّة بورقيبة «وأزمة» الهويّة في المجتمع التونسي الحديث من منظور علم النّفس الاجتماعي،» دراسات عربيّة، العددان 11-12 (أيلول/سبتمبر – تشرين الأول/أكتوبر 1996) ص 115: «فهذا الأخير كان شخصيّة لا تقبل المناقشة من جانب الشخصيّات التونسيّة الأخرى. فهو كان يرى في نفسه الزّعيم والقائد الكاريزمي. باختصار هو المجاهد الأكبر. وكان نظام السّاحة السياسيّة نظام الحزب الواحد والرّأي الواحد، فليس من الصّعب في هذه الظّروف أن يكون وزن أيديولوجيا المجاهد الأكبر ذا ثقل وتأثير كبيرين على الحاشيّة وأصحاب القرار، أي على السّلطة الحاكمة بكلّ مستوياتها، ومن ثمّ على المجتمع التونسي بأكمله. وبعبارة أخرى فمركز بورقيبة كان يسمح له، بكثير من السهولة، بتوجيه المجتمع التونسي الوجهة التّي كان يرتئيها، إذ إنّ قبضته على مقاليد الحكم تكاد تكون كليانية.

[5]   عبد اللطيف الهرماسي، الدّولة والتنميّة في المغرب العربي: تونس نموذجًا (تونس: دار سراس للنّشر، 1993)، ص 39.

[6]    المصدر نفسه، ص 39.

[7]    الصافي سعيد، بورقيبة: سيرة شبه محرّمة، ط 4 (تونس: منشورات عرابيا، 2011)، ص 278: «بدأ الاستقلال يكشف عن أوهامه وأكاذيبه. فهو استقلال جافّ وناكر للجميل وللدّماء. أمّا الذّين دخلوا إلى نعيمه فهم قلّة ينتمون في أغلبهم إلى منطقتين لا أكثر هما منطقة السّاحل وبالتّحديد عائلات المنستير الكبرى والقريبة من بورقيبة، ومنطقة تونس العاصمة وبالتّحديد بضع عائلات قريبة من وسيلة بورقيبة. وباختصار، فيما كان مجاهدو الاستقلال يبحثون عن لقمة العيش بصعوبة، كان «مسوّقو الاستقلال يتلذّذون مستسلمين» لإيلاف جنيف رحلة الشتاء والصيف أصبحت عائلات بورقيبة وبن عمّار وبوزقرّو وقائد السبسي وبنصالح والأدغم ونويرة والعويتي والمبروك تقبض على مفاتيح السيّاسة والاقتصاد في البلاد وذلك بالتّعاون مع الأسماء اللامعة في حزب الدّستور أو في المنظّمات الجماهيريّة التّابعة له. وقد استطاع هؤلاء أن يستحوذوا على جزء كبير من أراضي الأوقاف المحرّرة وأملاك الدّولة المسترجعة، وأن يحصلوا على القروض بسهولة لبناء قصور فخمة وفيلّات على الشّواطئ الرّائعة في قمرت وقرطاج والحمّامات».

[8]         Mohamed Ben Romdhane, «L’accumulation du capital et les classes sociales en Tunisie depuis l’indépendance,» (Thèse de doctorat en sciences économiques, faculté des sciences économiques, Université de Tunis, 1982), pp. 172- 177.

[9]    الهرماسي، الدّولة والتنميّة في المغرب العربي: تونس نموذجًا، ص 49.

[10]   المصدر نفسه، ص 4.


عبد الرحمن المرساني

أستاذ مساعد للتعليم العالي، وباحث في علم الاجتماع، مركز الدراسات والبحوث الاقتصادية والاجتماعية – تونس.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز