مقدمة:

برزت الصين، الدولة التي يتجاوز عدد سكانها الـ 1.3 مليار نسمة، على مدى السنوات الماضية كقوة اقتصادية عالمية لا يمكن تجاهلها. فهي تعد حالياً أكبر اقتصاد في العالم من ناحية القوة الشرائية، والثاني بعد الولايات المتحدة من حيث القيمة السوقية، ومن المتوقع أن تصبح الأكبر مع نهاية العقد القادم‏[1]. هذا الأداء المذهل والتوسع الاقتصادي السريع للصين، تم إنجازه في فترة قصيرة من الزمن. في الواقع، تضاعف الناتج المحلي الإجمالي للصين على مدى العقدين الماضيين أكثر من 15 مرة، من نحو 737 مليار دولار إلى نحو 11.2 تريليون دولار. وفي الحصيلة، صعد الوزن الاقتصادي العالمي للصين أكثر من ستة أضعاف، حيث ارتفع نصيب الاقتصاد الصيني من أقل 2.4 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي في عام 1995 إلى أكثر من 15 بالمئة من هذا الناتج مع نهاية عام 2015‏[2]. طبعاً هذا الصعود المتواصل لم يعد مفاجئاً لأحد، فقصة نهوض «التنين» الصيني أبهرت العالم بأسره، وأصبحت مصدر إلهام لعدد من الدول، ومبعث قلق لدول أخرى في آن. بكل تأكيد، رافق صعود الصين الاقتصادي تنامٍ في قدراتها العسكرية والاستراتيجية، وتغيير متدرج في طبيعة ما تطلق عليه الصين «المصالح الجوهرية»‏[3] للبلاد، وهو التغيير الذي بدأ مع مرور الوقت يثير مخاوف عدد من دول شرق آسيا وخصوصاً اليابان. ومن المؤكد أنه مع استمرار نمو الصين كقوة عالمية، ستتوسع مصالح بكّين الجوهرية العابرة للحدود القومية وتزيد حدة التنافس مع الدول الأخرى وخصوصاً الولايات المتحدة. في ضوء هذه الخلفية الاستراتيجية، نحاول تحديد مفهوم المصالح الجوهرية من وجهة النظر الصينية ورصد أهم مراحل تطبيقه في إطار التوجهات الخارجية لبكين، مبرزين القضايا التي تهم السياسة الصينية، وخصوصاً في منطقة شرق آسيا. وفي سياق توسع مصالح الصين العالمية يجادل البحث في أن نفوذ الصين في منطقة الشرق الأوسط سوف يتزايد، وقد يتبع ذلك تزايد الوجود السياسي والعسكري، مبرزاً عدداً من الأدلة والتوجهات التي تدعم وجهة النظر هذه.

أولاً: تطور مفهوم «المصالح الجوهرية» في الصين

عند دراسة السياسة الخارجية للصين، أو تعريف مصالحها الجوهرية، لا يمكن أي باحث تجاهل الحقبة التاريخية 1839 – 1949، أو ما اصطلح على تسميته في الصين «قرن الإذلال»، الذي امتد على مدى 110 سنوات‏[4]. لقد انطبعت تلك الحقبة في ذاكرة الصينيين على أنها حقبة سوداء شهدت هزائم عسكرية مذلة على يد القوى الأجنبية الخارجية، مأساة بشرية لا توصف، وفقدان الأمة الصينية حق السيادة عبر اقتطاع أجزاء من الوطن الأم ومنحها لدول أخرى. وقد كانت هذه الذاكرة الأليمة حاضرة بقوة حين أعلن ماو تسي تونغ بعد انتصار الثورة الشيوعية في عام 1949 أن «الشعب الصيني، الذي يضم ربع البشرية، قد نهض اليوم»‏[5]. لعل هذه اللمحة التاريخية تسلط الضوء على ثلاث قضايا أساسية تساعد على محاولة فهم صعود الصين من وجهة النظر الصينية، ودروس تاريخية استلهمها الصينيون حين تراجعت مكانة بلادهم من أعلى الهرم العالمي إلى قاعه بطريقة مذلة وطويلة:

أولاً، من أجل منع تكرار «قرن الإذلال» يستلزم أن تكون «السلطة المركزية» موحّدة ومتماسكة والقدرات الاقتصادية والعسكرية للبلاد تؤهلها للدفاع عن نفسها وحماية مصالحها. وعلى هذا الأساس يرفض الحزب الشيوعي الصيني حتى الآن تطبيق الديمقراطية على الطريقة الغربية، وهناك شواهد تاريخية من وجهة نظر الصينيين تبرر هذا المنحى، انهيار الاتحاد السوفياتي، مروراً بتفكك يوغسلافيا، وصولاً إلى «الربيع العربي» وتبعاته الكارثية.

ثانياً، لا ينظر الصينيون إلى صعود بلادهم على أنه أمر طارئ أو تهديد لأحد، بل عملية طبيعية ومنطقية لاستعادة الصين دورها التاريخي والحضاري الذي فقدته نتيجة التدخلات الخارجية والاستعمار الغربي.

ثالثاً، موقف الصين في الوقت الراهن تجاه النزاعات الإقليمية، وخصوصاً في بحر الصين الجنوبي والشرقي، ينبع أساساً من الشعور بالظلم التاريخي الذي حصل إبان «قرن الإذلال». وبالتالي فإن عودة المناطق التي اقتطعت إلى حضن الوطن الأم تمثل العدالة التاريخية، ولا نزعة توسعية أو استعمارية تمارسها بكّين تجاه الدول الأخرى.

وفي هذا السياق يمكن القول إن تثبيت سلطة الحزب الشيوعي، وتطوير اقتصاد البلاد قد طغى على توجهات القيادة الصينية خلال العقود الماضية. صحيح أن الحقبة الماوية تمثل استثناء لهذه التوجهات، لكنها كانت حقبة وجيزة من التاريخ سرعان ما أدرك الحزب الشيوعي الصيني أنها لن تقود إلا نحو طريق مسدود، وربما تؤدي إلى انهيار البلاد. وعلى هذا الأساس سنلاحظ في الصفحات القليلة اللاحقة أن تعريف الصين مصالحها الجوهرية لم يبدأ إلا مع بداية الألفية الميلادية الثانية.

أعلن الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونغ في الأول من تشرين الأول/أكتوبر 1949 تأسيس جمهورية الصين الشعبية، وبداية الثورة الاشتراكية في هذا البلد الكبير. لم تتبنَّ الصين تحت قيادة ماو تسي تونغ (1946 – 1976)، مفهوم «المصالح الجوهرية» لتحديد الأهداف الاستراتيجية للبلاد، بل ارتكزت الاستراتيجيات الصينية الدولية على الفكر الماركسي – اللينيني، وهيمن عليها بصورة واضحة المبادئ الأيديولوجية مثل الصراع الطبقي، والأممية البروليتارية، ونظرية ماو «العوالم الثلاثة»‏[6]. في الواقع، لم تستخدم السلطة السياسية في الصين خلال الحقبة الماوية عبارة «المصالح الجوهرية» في الوثائق الدبلوماسية والحكومية، لا بل إن تشو إن لاي، أول رئيس وزراء لجمهورية الصين الشعبية، الذي أدى دوراً محورياً خلال حقبة ماو، ذهب أبعد من ذلك ليعدّ أن مصطلح «المصالح الجوهرية» أو القومية من المفاهيم الرأسمالية التي تتعارض كلياً مع وجهة النظر الماركسية واللينينية‏[7].

بعد رحيل ماو (1976) ومجيء خليفته دنغ هسياو بنغ (1978 – 1992) اتجهت الصين إلى التخلص من الإرث الماوي الأيديولوجي والسير نحو الإصلاح الاقتصادي التدريجي. لقد أدرك بنغ آنذاك أن من شأن بيئة إقليمية ودولية سلمية ومواتية، أن تحسن مكانة بلاده على الساحة العالمية. كما أن اندماج الصين في النظام الاقتصادي القائم، سوف يسهم أيضاً في تحسين الاقتصاد ومستوى معيشة الصينيين، وفي الحصيلة تعزيز سلطة الحزب الشيوعي في البلاد. وعلى هذا الأساس شرع الحزب الشيوعي الصيني في الإصلاح والانفتاح على العالم الخارجي، ووضع عملية التنمية الاقتصادية على رأس أولوياته.

بذلت الصين خلال تلك الحقبة جهوداً حثيثة لتطوير علاقات الصداقة والتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية وجميع بلدان العالم، بغض النظر عن التوجه السياسي أو الأيديولوجي، والانضمام إلى أكبر عدد ممكن من المنظمات الدولية والإقليمية. وتخلى الحزب الشيوعي الحاكم في الصين عن مفاهيم الصراع الطبقي والأممية البروليتارية وانصبت اهتماماته على تحسين الاقتصاد، ورفع مستوى معيشة السكان، وجذب الاستثمارات الأجنبية، وتعزيز التجارة‏[8]. هنا ينبغي الإشارة إلى أن الصين تعد ثالث أكبر بلد في العالم من حيث المساحة ولها حدود برية مباشرة مع 14 دولة‏[9]، لذا عمدت بكّين إبان تلك الحقبة إلى تسوية معظم نزاعاتها الحدودية البرية بعدما قدّمت تنازلات جوهرية في شأن الأراضي المتنازع عليها‏[10].

لكن الأحداث غير المتوقعة التي شهدتها ساحة تْيَانانْمِنْ في بكّين عام 1989، أدت إلى توتر كبير في علاقات بكّين مع الدول الغربية وأسهمت في تعميق عزلة الصين الدولية. وقد سارعت الدول الغربية بقيادة الولايات المتحدة إلى فرض سلسلة من العقوبات ضد الصين، من ضمنها وقف الاتصالات الرسمية الرفيعة المستوى، ومطالبة بكّين بإطلاق سراح الموقوفين الذين نظموا التظاهرات، والاستجابة لمطالبهم في التحرر السياسي والديمقراطية‏[11]. لكن الصين رفضت المطالب الغربية. وللتعامل مع الأزمة، وضع دنغ هسياو بنغ ثلاثة مبادئ للسياسة الخارجية في الصين: (1) تقييم الوضع بعناية؛ (2) تماسك مواقف الصين؛ (3) التعامل بهدوء مع التحديات. وتمشياً مع تلك المبادئ الثلاثة، تبنّت الحكومة الصينية نهجاً معتدلاً وسياسات إقليمية ودولية تحاول أن ترضي من خلالها معظم الأطراف وتتجنب الصدام مع الغرب‏[12].

بعدها جاء الغزو العراقي للكويت في عام 1990، الذي استغلته بكّين بذكاء. وقد أسهم امتناع بكّين عن التصويت في مجلس الأمن آنذاك في تحسن العلاقات الصينية – الأمريكية وتخفيف أجواء الاحتقان بين البلدين، وتوجهت أنظار الولايات المتحدة نحو الشرق الأوسط. لكن سقوط الاتحاد السوفياتي مع نهاية عام 1991، زاد الثقة الأمريكية بـ «حتمية انتصار القيم الديمقراطية»، وعمّق من مشاعر القلق الصينية من احتمالات زيادة الضغوط السياسية والاقتصادية على بكّين. ولعل هذا الانهيار، لم يؤكد للقيادة الصينية مخاطر الإصلاح السياسي فحسب، بل زاد من شكوكها أن الصين ربما تكون الهدف التالي للغرب‏[13].

وعليه، تركزت الجهود الصينية خلال تسعينيات القرن الماضي في نزع فتيل احتواء محتمل من قبل الولايات المتحدة. لم تُقدم الصين على تحدي الولايات المتحدة علناً في شأن القضايا العالمية والإقليمية، أو حتى الثنائية‏[14]، وإنما اتبعت بكّين المبدأ الذي أرساه بنغ أو ما يسمى «Tao Guang Yang Hui» أي العمل من دون لفت الأنظار (Low Profile)‏[15]. في النتيجة، تابعت الصين طفرتها الاقتصادية حتى بعد رحيل بنغ، وشهدت البلاد في عهد الرئيس جيانغ زيمين (1993 – 2003) قفزة كبيرة في معدلات النمو الاقتصادي، وتحسن علاقات بكّين مع معظم دول العالم، والعودة السلمية لهونغ كونغ في عام 1997، وماكاو من البرتغال في عام 1999.

ولعل أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2001 في أمريكا، التي أدت إلى غزو الولايات المتحدة كـلاً من أفغانستان والعراق، منحت الصين فرصة تاريخية أخرى لتحسين علاقاتها بالولايات المتحدة والتركيز على تطوير اقتصادها، حيث سارعت بكّين إلى تأييد الحرب على الإرهاب، والانضمام إلى منظمة التجارة العالمية في عام 2001. يمكن الإشارة هنا إلى أن الأمين العام للحزب الشيوعي الصيني جيانغ زيمين، في تقريره السنوي إلى المؤتمر العام للحزب الشيوعي الصيني لعام 2002، توقع فترة قد تمتد «20 عاماً» وتعد فرصة استراتيجية يمكن من خلالها استمرار تركيز الصين على قضاياها الداخلية‏[16].

في الواقع، بدأت القيادة الصينية إطلاق التصريحات التي تتضمن مفهوم «المصالح الجوهرية» في عام 2003 مع تزايد قلق بكّين من تسارع خطوات تايوان نحو الاستقلال، ولإعادة تذكير العالم بـ «مبدأ الصين الواحدة». وقد ورد مصطلح «المصالح الجوهرية» على لسان زير الخارجية الصيني تانغ جيا شيوان خلال اجتماعه إلى وزير الخارجية الأمريكي كولن باول في 19 كانون الثاني/يناير 2003: «إن قضية تايوان تتعلق بالمصالح الجوهرية للصين والتعامل مع هذه القضية على نحوٍ صحيح هو المفتاح لضمان علاقات مستقرة بين الصين والولايات المتحدة»‏[17].

بعدها بعدة سنوات، وتحديداً في عام 2006، أصبح مفهوم «المصالح الجوهرية» يشمل أيضاً إقليمي التيبت وشينجيانغ‏[18]. ولعل الاضطرابات التي حدثت في الإقليمين ولقاءات عدد من الزعماء الأوروبيين مع الدالاي لاما، دفعت بكّين إلى التشديد على هذه القضايا وتحذير الدول الأخرى من التدخل في شؤونها الداخلية. هنا ينبغي الإشارة إلى ما قاله الرئيس الصيني آنذاك هو جين تاو (2003 – 2013) خلال زيارته باكستان يوم 25 تشرين الثاني/نوفمبر 2006: «الشعب الصيني لن ينسى دعم باكستان القوي للمصالح الجوهرية للصين، مثل تايوان، والتيبت، وحقوق الإنسان، ومكافحة الإرهاب في إقليم شينجيانغ»‏[19].

لم تعلن بكّين رسمياً المقصود بمفهوم «المصالح الجوهرية» حتى عام 2009، حين حددها آنذاك عضو مجلس الدولة الصيني داي بنغ جوه في ملاحظاته الختامية ضمن فعاليات الحوار الاستراتيجي والاقتصادي بين الولايات المتحدة والصين في تموز/يوليو 2009، قائلاً: «بالنسبة إلى الصين، قلقنا، أولاً، بقاء النظام والأمن القومي، ثانياً، ضمان سيادة الصين وسلامة أراضيها، ثالثاً، توفير الضمانة الأساسية لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة»‏[20].

ثم أصدرت الصين في عام 2011، كتاباً أبيض بعنوان التنمية السلمية للصين لتحدد بوجه عام المصالح الجوهرية للبلاد: «الصين حازمة في دعم مصالحها الجوهرية التي تشمل ما يلي: سيادة الدولة، الأمن القومي، سلامة أراضيها وإعادة الوحدة الوطنية، النظام السياسي في الصين الذي تأسس حسب الدستور والاستقرار الاجتماعي الشامل، والضمانات الأساسية لضمان التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة»‏[21]. ومنذ ذلك التاريخ، بدأت الصين تنتهج سياسة خارجية أكثر حزماً، وخصوصاً في منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ. ويبدو أن مجموعة متنوعة من العوامل أسهمت في تحول السياسة الصينية:

1 – تزايد ثقة بكّين بقدرات البلاد على الصعيد الدولي، وبخاصة بعد نجاح الصين في عقد دورة الألعاب الأولمبية في عام 2008، وفي الحفاظ على معدلات نمو عالية، على الرغم من الركود الاقتصادي العالمي آنذاك.

2 – شعور القيادة في الصين أن الفرصة قد حانت لزيادة نفوذ البلاد على الصعيد الدولي، وخصوصاً أن توازن القوى العالمي بدأ يتحول من الغرب إلى الشرق وبدأ الظهور التدريجي لعالم متعدد الأقطاب.

3 – يبدو أن الحسابات الصينية بعد فوز باراك أوباما بانتخابات الرئاسة الأمريكية عام 2008، قد رجحت في ذلك الوقت أن يسعى أوباما إلى التركيز أكثر على القضايا الداخلية، نتيجة الوضع السيئ للاقتصاد الأمريكي، وبسبب الإجهاد الأمريكي من الحروب الطويلة في العراق وأفغانستان.

4 – تنامي القدرات الاقتصادية للصين وحاجتها المتزايدة إلى حماية طرق التجارة البرية والبحرية مع تزايد اعتماد البلاد على الواردات من الخارج.

5 – تزايد المخاوف الصينية في شأن التدخلات الخارجية في قضايا إقليمَي التيبت وشينجيانغ وكذلك الشكوك المستمرة حول استراتيجية الولايات المتحدة تجاه تايوان.

6 – تغير المشهد الداخلي، حيث شهدت الصين خلال العقدين الماضيين تغيّرات جذرية في البيئة الإعلامية الداخلية، وبات الصينيون يعلمون الكثير عن النزاعات الخارجية لبلادهم، وقد ترافق ذلك مع تنامي التوجهات القومية في البلاد‏[22]. ولعل ما كتبته مجلة الإيكونوميست يعبر عن هذا الواقع على نحو لافت للنظر: «أنشأت الماوية في الصين دولة قوية ومجتمعاً ضعيفاً. والآن على الدولة القوية أن تتعامل مع مجتمع أقوى من أي وقت مضى، يعبر فيه الأفراد عن أنفسهم بطرائق جديدة عن جميع الأشياء، بما في ذلك الحاجة إلى حكومة أكثر خضوعاً للمساءلة» ‏[23].

ثم حدث تطوران مهمان أسهما أيضاً في تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة آسيا: الأول، إعلان الولايات المتحدة رسمياً عن تحول كبير في استراتيجيتها في عام 2012 من خلال «إعادة توازن» قواتها في آسيا؛ فقد أصدرت وزارة الدفاع الأمريكية في 5 كانون الثاني/يناير 2012 وثيقة بعنوان «المحافظة على القيادة العالمية للولايات المتحدة: أولويات الدفاع في القرن 21»، أشارت الوثيقة بوضوح إلى تنامي القوة العسكرية الصينية بوصفها عامـلاً أساسياً وراء إعادة التوازن‏[24]. الثاني، انتخب اليابانيون في كانون الأول/ديسمبر 2012 شينزو آبي رئيساً للوزراء. وآبي معروف بتوجهاته القومية القوية التي تدعو إلى تعزيز قوة الجيش الياباني، وانتهاج سياسة خارجية قوية‏[25]. وقد عزز ذلك مخاوف بكّين من أن تؤدي جميع هذه التطورات إلى تسارع السياسات التي تهدف إلى احتواء الصين.

وفي الوقت نفسه، يبدو أن صعود شي جينبينغ إلى قيادة الحزب الشيوعي الصيني في تشرين الثاني/نوفمبر 2012 وإلى رئاسة الصين في آذار/مارس 2013 قد أسهم في تبني بكّين سياسات أكثر حزماً. بالفعل، فقد ظهر الرئيس شي كأقوى زعيم في الصين منذ رحيل دنغ هسياو بنغ في تسعينيات القرن الماضي، وبدأ يتبنى مصطلحات مثل «الحلم الصيني» و«التجديد الوطني» تسعى إلى تعزيز مكانة الصين كقوة عالمية‏[26]. وعليه، بدأت بكّين بانتهاج سياسة أكثر حزماً وباتت تعدّ الجزر المتنازع عليها مع اليابان، ومعظم مساحة بحر الصين الجنوبي تقريباً، جزءاً لا يتجزأ من الصين، ومن ضمن «المصالح الجوهرية» التي لا تقبل التنازل‏[27].

وصلت الأمور إلى ذروتها عندما نشر المكتب الإعلامي لمجلس الدولة الصيني (مجلس الوزراء) الكتاب الأبيض التاسع حول الدفاع تحت عنوان: الاستراتيجية العسكرية الصينية في أيار/مايو 2015‏[28]، ثم أجازت اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني، أعلى هيئة تشريعية في الصين، قانون الأمن القومي في حزيران/يونيو 2015، الذي يعيد التشديد على المصالح الجوهرية للصين‏[29]. ثم أصدرت الصين في بداية عام 2017 كتاباً أبيض يعد الأول في نوعه لمنطقة آسيا بعنوان سياسات الصين حول التعاون الأمني في آسيا والمحيط الهادئ، وهي تركز من خلاله على رؤيتها للحفاظ على السلام والاستقرار في المنطقة من خلال الحوار والتعاون‏[30]. لكن الوثيقة أعادت التشديد على حقوق الصين السيادية في بحر الصيني الجنوبي وعلى الجزر التي تحتلها اليابان في بحر الصين الشرقي، معربة عن معارضتها الشديدة لنشر نظام الدفاع الصاروخي المتقدم «ثاد» من جانب الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لمواجهة ما «يزعمون» أنه تهديدات من جانب كوريا الشمالية. ورأت الوثيقة أن هذا النظام الصاروخي «يضر على نحوٍ خطير في التوازن الاستراتيجي الإقليمي والمصالح الأمنية الاستراتيجية للصين وغيرها من بلدان المنطقة»‏[31].

في الحصيلة، تبلور تعريف مصطلح «المصالح الجوهرية» في إطار تطور القدرات الاستراتيجية الصينية، وتوسع إلى حد كبير حتى بات فضفاضاً، وخصوصاً في ما يتعلق ببحر الصين الجنوبي. وفي هذا الإطار لاحظت دراسة حديثة «أن أصواتاً مختلفة من داخل الصين تستخدم تعريفات مختلفة، لذلك فإن الحدود بين المصالح الجوهرية وغير الجوهرية متحركة ويمكن اختراقها من جوانب متعددة. هذا الوضع يجعل من الصعب التنبؤ بالسلوك الدبلوماسي الصيني في شأن القضايا الرئيسية»‏[32]، في حين قدم تقرير أصدرته لجنة مراجعة العلاقات الاقتصادية والأمنية الأمريكية – الصينية في الكونغرس الأمريكي، تفسيراً لافتاً للنظر يرى أن الحفاظ على موقف غامض يمنح بكّين مرونة في التعامل مع النزاعات، ويكبح الانتقادات الداخلية التي قد تتهم الحكومة أنها لا تتصرف بقوة كافية‏[33].

لكن في جميع الأحوال يمكن القول إن مفهوم «المصالح الجوهرية» قد وفر من حيث المبدأ أرضاً مكنت الصين من تبرير سياساتها الحازمة تجاه القضايا المتعلقة بالسيادة الإقليمية. ولعل الموقف الذي تبديه بكّين تجاه قضايا تايوان وبحر الصين الجنوبي أو الشرقي يعكس هذا الاتجاه إلى حدٍّ كبير ويدلل على توجهات صينية مستقبلية قد تواصل ربط هذه المصالح بعملية تحولها إلى دولة عظمى.

ثانياً: تايوان: قضية الصين المصيرية

تنظر بكّين إلى تايوان بوصفها جزءاً لا يتجزأ من الصين، وتسعى إلى ضمها إلى الوطن الأم في نهاية المطاف. وهنا تؤكد الحكومة الصينية دائماً أنها تحتفظ بحق استخدام القوة العسكرية في حال إعلان تايوان الاستقلال الرسمي، ودونت هذا الموقف في قانون مناهضة الانفصال عام 2005‏[34]. لقد رهن الحزب الشيوعي الحاكم في الصين شرعيته بوصفه الضامن الوحيد للوحدة الوطنية، والحامي لسيادة البلاد، بالتالي فإن جزيرة تايوان تعدّ قضية مصيرية لن يفرِّط بها. وقد ورد في الكتاب الأبيض الذي أصدرته الحكومة الصينية في أيار/مايو 2015 بعنوان الاستراتيجية العسكرية للصين عبارات لا تقبل التأويل وتتعلق بقضية تايوان: «إعادة توحيد الصين هو اتجاه لا مفر منه […] قد تحافظ العلاقات عبر المضيق [بين تايوان والصين] على قوة دفع سليمة من التنمية السلمية، ولكن لم يتم بعد إزالة السبب الجذري لعدم الاستقرار، والقوى الانفصالية لاستقلال تايوان وأنشطتها لا تزال تمثّل أكبر تهديد للتنمية السلمية وللعلاقات عبر المضيق»‏[35].

تراود القيادة الصينية في الوقت الراهن شكوك في شأن نيات رئيسة تايوان تساي إنغ وين‏[36] الحالية، إذ تعتقد بكّين أنه مع مرور الوقت ربما ينقلب المزاج الشعبي في الجزيرة ضد التوحيد ويتجه نحو تصعيد دعوات الاستقلال. طبعاً هذا الأمر يعد نتيجة غير مقبولة نهائياً من جانب بكّين، وهو ما قد يؤدي في نهاية المطاف إلى استخدام القوة في حال فقدان كل أمل بإعادة التوحيد السلمي. هنا ينبغي الإشارة إلى أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، ضاعفت الصين جهودها لإضعاف علاقات تايوان مع حلفائها في الخارج، كما خفضت بكّين مستوى علاقاتها الاقتصادية والدبلوماسية مع الحزب التقدمي الديمقراطي الحاكم في تايوان. ولعل توجّه بكّين إلى عزل تايوان يشير إلى أن الصين ربما بدأت بإعادة حساباتها، وخلصت إلى أن نهجها تجاه تايوان على مدى العقد الماضي أصبح أقل فاعلية، ولا سيّما في ضوء تحول محتمل في سياسة الولايات المتحدة. لكن في جميع الأحوال، يبدو أن قضية تايوان انتقلت رأساً إلى قائمة أولويات السياسة الخارجية لبكين‏[37].

ومع دخول إدارة ترامب على خط تايوان، بدأت الأمور تتعقد أكثر وتضفي على الوضع المزيد من الضبابية وأجواء عدم اليقين. بكل تأكيد، إذا أخذنا في الحسبان المواقف المتشددة التي أعلن عنها ترامب نفسه وشخصيات أخرى في إدارته تجاه الصين، والتزامات الولايات المتحدة تجاه تايوان بموجب القانون المحلي الأمريكي الذي يعرف بـ «قانون العلاقات مع تايوان» الذي أقره الكونغرس في عام 1979، يمكن أن يؤدي ذلك إلى صراع إرادات وتوتر خطير في شرق آسيا، وفي الحصيلة احتمال حدوث مواجهة عسكرية‏[38]. لكن بعض التفسيرات المتفائلة لخطط إدارة ترامب ترى أن التصريحات المتشددة تجاه الصين جزء من استراتيجية تفاوضية، تهدف إلى الحصول على تنازلات من بكّين، مثل تحسين الوصول إلى الأسواق الصينية للمصدِّرين والمستثمرين في الولايات المتحدة‏[39].

ولعلها مقامرة من العيار الثقيل؛ لأنه من المحتمل جداً أن تتخذ بكّين موقفاً قوياً ضد التكتيكات المتشددة لإدارة ترامب، وخصوصاً قبل انعقاد المؤتمر العام للحزب الشيوعي الصيني (يعقد كل 5 سنوات)، الذي من المقرر أن تنطلق أعماله في تشرين الأول/أكتوبر 2017. في الواقع، يحفل الإعلام الصيني ووسائل التواصل الاجتماعي منذ الآن بمقالات ودعوات تطالب بكّين بـ «خلع القفازات» واتخاذ إجراءات قوية وحازمة في حال استمرار ترامب في استفزاز الصين. هنا يمكن القول إن سياسة «الصين واحدة» تعد المصلحة الجوهرية الأولى وتحظى بشبه إجماع في المجتمع الصيني، وبالتالي فإن الحكومة الصينية لن تواجه معارضة معتبرة أو تذمراً في الداخل لو قامت بتصعيد إجراءاتها ضد تايوان أو حتى إذا تشددت في مواقفها تجاه الولايات المتحدة، إذا ما بقيت سياسة رئيسة تايوان على حالها، أو تخلت إدارة ترامب عن «سياسة الصين الواحدة». وقد عبر رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ خلال الجلسة الافتتاحية للدورة السنوية للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني (البرلمان، أعلى سلطة تشريعية في البلاد) في 5 آذار/مارس 2017 عن هذه المشاعر والتوجهات بكل وضوح عندما قال إن الصين «لن تتغاضى مطلقاً عن أي نشاط تحت أي شكل أو مسمى يسعى لفصل تايوان عن الوطن الأم»‏[40].

على هذا الأساس هناك خطر يتمثل بأن توجهات إدارة ترامب نحو استخدام سياسة «الصين الواحدة» كأداة للمساومة يمكن أن يدفع بكّين إلى تصعيد التهديدات العسكرية ضد تايوان، أو اعتماد شكل من أشكال العقوبات الاقتصادية القوية ضد الجزيرة المتمردة‏[41]. هنا تشير بعض التقديرات إلى أن الردود العسكرية الصينية الممكنة قد تراوح بين حصار بحري (الأكثر ترجيحاً)، وهجمات صاروخية ضد أهداف عسكرية والبنية التحتية في تايوان (أقل احتمالاً)، وصولاً إلى غزو عسكري واسع النطاق (السيناريو الأقل احتمالاً، ولكن لا يمكن استبعاده)‏[42]. مع ذلك، من المتوقع أن تكثف بكّين في المرحلة المقبلة من التدريبات العسكرية والمناورات من جانب القوات الصينية على مقربة من جزيرة تايوان. ومن المرجح أيضاً أن تتخذ الحكومة الصينية خطوات جديدة ضمن سياسة مصممة لإلحاق الضرر باقتصاد تايوان، إذا ما بقيت سياسة رئيسة تايوان من دون تغيير‏[43].

ثالثاً: بحر الصين الجنوبي: «قلب» التجارة النابض

شهدت علاقات الصين مع جيرانها من الدول الآسيوية تغيرات عميقة في أقل من عقد من الزمن. ويبدو أن عهد السياسة التي أرساها الزعيم الصيني الراحل دنغ هسياو بنغ حين كان يخشى تطويق الغرب لبلاده بعد أحداث تيانانْمنْ في عام 1989، والقائمة على مبدأ «الحفاظ على بيئة إقليمية مواتية» قد ولّى إلى غير رجعة. لقد أصبح واضحاً أن الصين تنتهج سياسة أكثر تشدداً في مطالباتها الإقليمية، وخصوصاً في بحر الصين الجنوبي، ولعل النزاع الذي حصل أخيراً مع الفيليبين، أو التراشق الإعلامي بين بعض أقطاب إدارة ترامب الجديدة والصين، يمثل علامة بارزة في هذا الإطار.

1 – الأهمية الاستراتيجية للمنطقة

  •  تقدر مساحة بحر الصين الجنوبي بنحو 3.500.000 كم2، وتطل عليه 9 دول (بروناي، كمبوديا، الصين، إندونيسيا، ماليزيا، الفيليبين، سنغافورة، تايلاند، وفيتنام)، إضافة إلى جزيرة تايوان.
  •  يؤدي بحر الصين دوراً حاسماً في الاقتصاد العالمي، حيث يتم نقل ما تقدر قيمته 5 تريليونات دولار من البضائع عبر الممار الملاحية في بحر الصين الجنوبي، بما في ذلك أكثر من نصف الحمولة السنوية للأساطيل التجارية في العالم وثلث حركة النقل البحري في جميع أنحاء العالم‏[44].
  •  يعتقد أن المنطقة غنية بالموارد الطبيعة، وخصوصاً النفط والغاز. وفي هذا السياق تقدر وكالة الطاقة الأمريكية أن المنطقة تشتمل على احتياطيات تقدر بنحو 11 مليار برميل من النفط الخام، ونحو 190 تريليون قدم مكعب من الغاز الطبيعي‏[45]. لكن التقديرات الرسمية الصينية أعلى من ذلك كثيراً، إذ ترجح بكّين أن تختزن المنطقة 213 مليار برميل من النفط الخام، ونحو 56 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي‏[46].
  •  يمثل بحر الصين الجنوبي حجر الزاوية في استراتيجية بكّين من أجل عودة جزيرة تايوان إلى السيادة الصينية، والتحول إلى قوة بحرية عالمية، وحماية طرق التجارة البحرية التي تمثل شريان الحياة للاقتصاد الصيني.

2 – أسباب النزاع في المنطقة

تؤكد الصين ملكيتها شبه الكاملة لبحر الصين الجنوبي مستندة إلى ما تؤكد أنها دلائل تاريخية وخارطة يعود تاريخها إلى عام 1948، ترسم حدود الصين البحرية بحرف «يو» (U) أو ما بات معروفاً بـ «خط الفواصل التسع» (Nine-dash line). طبقاً للرواية الصينية، تم إدخال ما يسمى «خط الفواصل التسع» في الخرائط الرسمية في عام 1948 من جانب حكومة جمهورية الصين آنذاك كجزء من جهودها لترسيم حدود البلاد. وبعد إعلان الحزب الشيوعي تأسيس جمهورية الصين الشعبية عام 1949 ورثت الجمهورية الجديدة هذا الترسيم للحدود في بحر الصين الجنوبي الذي كان في الأصل 11 فاصلة، لكن تم إزالة خطين في عام 1953 وبات يعرف بـ «خط الفواصل التسع». ومنذ ذلك الحين واصلت كل من الصين وتايوان التشديد على عدّ هذا الخط كأساس لترسيم المطالبات السيادية في بحر الصين الجنوبي‏[47].

لكن الدول المطلة على بحر الصين الجنوبي، وخصوصاً فيتنام والفيليبين، ترفض وجهة النظر الصينية، مستندة في ذلك إلى القوانين الدولية وخصوصاً اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي أبرمت في عام 1982 ودخلت حيز التنفيذ في عام 1994، والتي تمنح كل دولة حدوداً بحرية بعمق 12 ميـلاً بحرياً ومناطق اقتصادية خاصة بعمق 200 ميل بحري. وهو موقف تؤيده الولايات المتحدة، وترفض لجوء بكّين إلى الخطوات الأحادية الجانب، لأن ذلك، بحسب واشنطن، يزعزع الاستقرار في المنطقة. على هذا الأساس أعلنت الحكومة الفيليبينية بتاريخ 23 كانون الثاني/يناير 2013، رفع قضية تحكيم ضد جمهورية الصين الشعبية وفقاً لأحكام تسوية المنازعات في إطار اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار في شأن مجموعة من القضايا ذات الصلة بالنزاعات على السيادة في بحر جنوب الصين‏[48]. وفي تموز/يوليو 2016 حكمت محكمة التحكيم الدائمة في لاهاي لمصلحة الفيليبين في ما يخص الحدود البحرية، وليس الحقوق السيادية، لأن ذلك ليس من اختصاصها. وقد رحبت الولايات بذلك القرار، ومنذ ذلك الحين كثفت ضغوطها الدولية على بكّين في القضايا التي تتعلق ببحر الصين الجنوبي‏[49].

3 – الحسابات الصينية

طبعاً، منذ بداية هذه القضية، رفضت بكّين تماماً المشاركة في عملية التحكيم، ورفضت كلياً قرارات المحكمة وعدّتها غير شرعية وغير قانونية وأحكامها لاغية وباطلة وغير قابلة للتطبيق. ودعماً لهذا الموقف القاطع، أصدرت بكّين عدة وثائق رسمية وقدمت عدداً من البيانات الرسمية التي تشرح الجوانب القانونية والتاريخية والإجرائية، وغير ذلك مما يدعم موقفها. وفي هذا السياق، أوضح وزير الخارجية الصينية وانغ يي في مقابلة تلفزيونية قبل صدور الحكم أن «عدم قبول الصين بالتحكيم له سببان، أولاً، يجب أن نلتزم بمسؤوليتنا والتزاماتنا في إعلان السلوك لأطراف بحر الصين الجنوبي وحل النزاعات عبر التفاوض الثنائي. ثانياً، أصدرت الحكومة الصينية قبل 10 سنوات بياناً حكومياً وفقاً للحق المنوط به بموجب المادة 298 لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، تستثني فيه الولاية القضائية القسرية»‏[50]. وبعد الحكم أصدرت وزارة الخارجية الصينية بياناً يرفض القرار جملة وتفصيـلاً: «إن وزارة الشؤون الخارجية لجمهورية الصين الشعبية تعلن رسمياً أن الحكم لاغ وباطل وليس له قوة ملزمة. الصين لا تقبل ولا تعترف به. وتحت أي ظرف من الظروف يجب ألّا تتأثر السيادة الإقليمية والحقوق البحرية للصين في بحر الصين الجنوبي. الصين تعارض ولن تقبل أبداً أي مطالبة أو دعوى بناء على ذلك الحكم»‏[51].

مع ذلك، تبنت القيادة الصينية استراتيجية مزدوجة تسعى لتعزيز قوتها البحرية المتنامية، لكن ضمن الموازنة مع مصالحها الجوهرية عبر المشي على خيط رفيع يؤكد من جهة حقها في أن تصبح دولة بحرية كبرى، ومن جهة أخرى العمل بواقعية في الانخراط على نحو تعاوني مع جيرانها للحفاظ على الاستقرار الإقليمي‏[52].

4 – خيارات بكّين

يمكن بكّين أن تطبق عدة خيارات في بحر الصين الجنوبي، لكن جميعها قد تسهم في تصعيد التوتر في المنطقة، لكن تطبيقها سيعتمد بكل تأكيد على التطورات الداخلية في الصين، وسياسات إدارة ترامب تجاه المنطقة‏[53]:

1 – قد تختار الصين تجاهل القرار كلياً وتواصل بناء منشآت عسكرية ومدنية جديدة.

2 – إعلان «منطقة تمييز الهوية لأغراض الدفاع الجوي» في بحر الصين الجنوبي، كما فعلت في بحر الصين الشرقي في عام 2013.

3 – قد تحاول الصين اعتراض سفينة أمريكية أو طائرة في المنطقة، وهو ما يرفع حدة التوتر بين بكّين وواشنطن.

4 – تطبيق قوانين الصين المحلية الجديدة في المناطق التي تسيطر عليها.

5 – إعلان خطوط الأساس، النقاط الرسمية التي تنص على قياس المناطق البحرية، حول جزر سبراتلي، وهو ما يشير إلى محاولة أخرى لإدارة المياه المحيطة بها.

6 – الأهم أن الصين يمكن تنسحب من اتفاقية قانون البحار كلياً.

ومع ذلك، هناك أسباب وجيهة قد تدفع بكّين إلى تخفيف حدة التوتر في المنطقة. من المرجح أن لا تقدم الصين على إجراءات قد تعدّها واشنطن استفزازية، وخصوصاً خلال الأشهر الأولى من إدارة ترامب، ومن المؤكد أن تعمد بكّين إلى تقييم مواقف الإدارة الجديدة بعناية قبل اتخاذ أي خطوات. كما أن الصين، بعدما حققت معظم أهدافها، ترغب الآن في أن تترك مجالاً للتعاون مع الدول الأخرى في بحر الصين الجنوبي‏[54]. في هذا السياق كان لافتاً للنظر ما قاله قائد قوات الدفاع الأسترالية السابق أنغوس هيوستن: «من وجهة نظري لقد فات الأوان لوقف برنامج الصين في بحر الصين الجنوبي […] المهم الآن هو ضمان حرية التنقل ووجود ممار آمنة»‏[55]. الأهم أنه من غير المحتمل أن يتخذ الرئيس الصيني شي جينبينغ أي خطوات دراماتيكية قبل انعقاد المؤتمر العام التاسع عشر للحزب الشيوعي في الصين في تشرين الأول/أكتوبر 2017‏[56].

رابعاً: كوريا الشمالية.. المعضلة!

رغم كل المتاعب التي سببتها سلالة كيم (كيم إيل سونغ (1948 – 1994)، كيم جونغ إيل (1994 – 2011)، كيم جونغ أون (2011 – حتى الآن))، في كوريا الشمالية لبكين، فإن الكثير من المراقبين الغربيين يعتقدون أن القيادة في الصين لا تزال تنظر إلى بيونغ يانغ بوصفها من «الأصول الاستراتيجية»‏[57]. عسكرياً، تمثل كوريا الشمالية منطقة عازلة مع القوات الأمريكية الموجودة في كوريا الجنوبية. اقتصادياً، تحصل الكثير من الشركات الصينية على المواد الخام (الفحم، النحاس، النيكل، الفضة، والزنك) من كوريا الشمالية بأسعار وشروط مغرية، وذلك بفضل العقوبات التي شلت التجارة الدولية لكوريا الشمالية. سياسياً، يُحتمل أن ينهار النظام الشيوعي على عتباتها، وأن يحل مكانه دولة موالية للولايات المتحدة والغرب عموماً يمثل كابوساً للحزب الشيوعي الصيني. أخيراً، تستخدم بكّين كوريا الشمالية كورقة تفاوضية مع الولايات المتحدة واليابان وحتى كوريا الجنوبية.

لكن الصين من ناحيتها ترى أن هذه القضايا ليست واقعية، أو أنها تطرح بفعل دوافع سياسية، ذلك بأن القوات الأمريكية موجودة أصـلاً باليابان والفيليبين وفي عدد من دول شرق آسيا، وأساطيلها تجوب مياه المحيط الهادئ. صحيح أن بيونغ يانغ تعتمد على نحو شبه كامل على تجارتها مع بكّين، إلا أن حجم التجارة مع كوريا الشمالية لا يكاد يصل إلى 5 مليارات دولار سنوياً، وهو رقم متواضع جداً لدولة تعدّ ثاني أكبر اقتصاد في العالم وحجم ناتجها المحلي الإجمالي يقترب من 12 تريليون دولار، وتجارتها الخارجية تصل إلى نحو 4 تريليونات دولار‏[58]. الأهم أن الصين كانت عنصراً فاعـلاً في تحقيق الإجماع الدولي وفرض العقوبات الدولية على كوريا الشمالية عبر مجلس الأمن الدولي.

هنا تؤكد بكّين أن لها مصلحة قوية في رؤية تغيير يحدث في سلوك بيونغ يانغ، وأنها ترى كوريا الشمالية بمنزلة القنبلة الموقوتة الموضوعة على حدودها. ولعل أحد مخاوف بكّين الرئيسية هو أن يؤدي الضغط الشديد إلى انهيار نظام كيم جونغ أون ويتسبب ذلك في تدفق ملايين اللاجئين إلى الصين، وزيادة مخاطر الأسلحة النووية غير الآمنة، أو اندلاع صراع كبير قد يجر الصين إلى الحرب‏[59]. لذا، تحاول الصين الموازنة بين تطبيق التزاماتها الدولية وبين منع تحقق هذه السيناريوهات. إضافة إلى ذلك، تشعر بكّين بقلق من قيام بيونغ يانغ بتركيز مواقع تخزين الصواريخ تحت الأرض، وتطوير وتخزين الأسلحة الكيميائية والبيولوجية في منطقة الحدود الشمالية مع الصين‏[60].

الأهم، من وجهة النظر الصينية، أن الاستفزازات التي تقوم بها بيونغ يانغ تقوض الأمن القومي للصين. وما تخشاه بكّين أن يعزز البرنامج النووي لكوريا الشمالية مكانة «الصقور» في كوريا الجنوبية واليابان الذين يفضلون تطوير أسلحة نووية للردع الاستراتيجي‏[61]. يمثل هذا الأمر من وجهة النظر الصينية تطوراً سلبياً قد يزعزع الاستقرار وموازين في القوى المنطقة إلى حد كبير. علاوة على ذلك، تعتقد بكّين أن تجارب الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية التي تجريها كوريا الشمالية تدعم وجهة النظر الأمريكية الداعية إلى نشر النظام المضاد للصواريخ الباليستية (ثاد) في كوريا الجنوبية، وتسهم في تعزيز تحالفات واشنطن مع سيوول وطوكيو لاحتواء الصين‏[62].

في هذا السياق، لخص وزير الخارجية الصيني وانغ يي موقف الصين الرسمي تجاه كوريا الشمالية بما أطلق عليه «ثلاثة تمسكات»‏[63]: أولاً، التمسك بخلو شبه الجزيرة الكورية من الأسلحة النووية. ثانياً، التمسك بصون السلام والاستقرار في شبه الجزيرة الكورية. وثالثاً، التمسك بالوسيلة السلمية للملف النووي في شبه الجزيرة الكورية.

خامساً: بحر الصين الشرقي: شكوك تاريخية عميقة

قطعت العلاقات الاقتصادية بين بكّين وطوكيو في العقدين الماضين أشواطاً متقدمة، حيث بلغ التبادل التجاري بين البلدين نحو 279 مليار دولار في عام 2015‏[64]، وتجاوزت الصين الولايات المتحدة في عام 2009 لتصبح أكبر شريك تجاري لليابان‏[65]. ومع ذلك، لا تزال العلاقات السياسية يسودها التوتر والشكوك المتبادلة، نتيجة الإرث التاريخي، والتنافس الجيوسياسي في الوقت الراهن، ولا سيّما النزاع حول جزر سينكاكو (باليابانية)/دياويو (بالصينية) في بحر الصين الشرقي، فضـلاً على علاقات اليابان العسكرية الوثيقة مع الولايات المتحدة‏[66].

وفي هذا السياق، طغت قضيتان أساسيتان على العلاقات بين البلدين: الأولى، الجروح التاريخية التي تتمثل بالسردية التاريخية وفق ما تمليه وتقدمه الكتب المدرسية اليابانية، والزيارات الرفيعة من جانب المسؤولين اليابانيين لضريح ياسوكوني المثير للجدل، إضافة إلى موضوع «نساء المتعة»، في إشارة إلى النساء الصينيات اللاتي كنّ يجبرن على العبودية الجنسية من جانب الجيش الياباني خلال الحرب العالمية الثانية، مطالبة بكّين طوكيو الاعتذار شفهياً وخطياً عن جرائمها خلال الحرب العالمية الثانية، لكن اليابان ترفض ذلك. بل ذهبت اليابان أبعد من ذلك، إذ بدأت عام 2014 عملية مراجعة للكتب المدرسية، وفي عام 2015 قامت بتغيير فقرات والتركيز على حقوق اليابان في الجزر المتنازع عليها بين الصين وكوريا الجنوبية، وتليين أوصاف معينة من عدوان اليابان خلال الحرب العالمية الثانية وخصوصاً تلك التي تتعلق بمذابح بحق الصينيين‏[67].

على الرغم من أن التوترات في خصوص الجزر والمياه المحيطة بها في بحر الصين الشرقي كانت موجودة منذ سبعينيات القرن الماضي، فهي بدأت تأخذ في بعض الأحيان منحنيات خطيرة خلال السنوات القليلة الماضية‏[68]. وقد بدأت الصين منذ عام 2010 تصعد في مطالبها السيادية على الجزر المتنازع عليها مع اليابان. لكن الأزمة بين البلدين تفاقمت بقوة في عام 2012 حين اشترت الحكومة اليابانية تلك الجزر من مالك خاص. ورداً على ذلك أطلقت الصين دوريات جوية وبحرية منتظمة إلى المنطقة، وهو ما دفع إلى اعتراضات متكررة من السفن والطائرات اليابانية‏[69]. وفي إثرها فرضت الصين في تشرين الثاني/نوفمبر 2013 «منطقة تمييز الهوية لأغراض الدفاع الجوي» في بحر الصين الشرقي التي تغطي مساحات واسعة من المناطق المتنازع عليها في بحر الصين الشرقي، بما في ذلك جزر المتنازع عليها سينكاكو/دياويو‏[70].

من ناحية أخرى، أضاف التنازع على استغلال موارد الطاقة في بحر الصين الشرقي بعداً جديداً للصراع في المنطقة. هنا تقدر إدارة معلومات الطاقة الأمريكية أن بحر الصين الشرقي يحتوي على نحو 200 مليون برميل من النفط من الاحتياطيات المؤكدة والمحتملة، في حين تراوح احتياطيات الغاز الطبيعي بين 1 و2 تريليون قدم مكعبة‏[71]. لكن التقديرات الرسمية الصينية تتجاوز ذلك بأضعاف، حيث ترجح بكّين أن تحتوي المنطقة على 70 إلى160 مليار برميل من النفط، ونحو 4.9 إلى 5.9 تريليون متر مكعب من الغاز الطبيعي في كامل بحر الصين الشرقي‏[72]. إضافة إلى ذلك، تعد هذه الجزر مهمة استراتيجياً لقربها من الممار البحرية الحيوية، كما أنها غنية بالثروات السمكية التي تعد من قضايا الأمن الغذائي في المنطقة.

هذا ويثير التحالف الوثيق بين اليابان والولايات المتحدة، مع إمكان إعادة عسكرة اليابان، قلقاً لدى القيادة السياسية الصينية. وكانت الولايات المتحدة قد أوضحت في السابق أن معاهدة الدفاع مع اليابان تغطي جزر سينكاكو/دياويو، وهو أمر أعاد تأكيده وزير الدفاع الأمريكي الحالي جيمس ماتيس أثناء زيارته اليابان بداية شهر شباط/فبراير 2017‏[73]. في حين أن الجهود اليابانية للاحتفاء بماضيها العسكري، وتخفيف الضوابط العسكرية التي فرضتها على نفسها في سياق التعاون مع الولايات المتحدة قضايا تقلق الصين‏[74].

في المقابل هناك مخاوف يابانية من أن يقوي «صعود» الصين نفوذها الاقتصادي وقدراتها العسكرية ويؤدي في نهاية المطاف إلى تهميش اليابان إقليمياً وعالمياً. ونظراً إلى الذكريات التاريخية الأليمة، والمشاعر القومية المتنامية، والشعور العميق الجذور من الاستياء والغضب تجاه اليابان الذي يحتفظ به معظم الصينيين؛ فمن الصعب أن نرى في هذه الظروف تنازل بكّين عن مواقفها، في المدى المنظور على الأقل. وفي هذا السياق، أوجز قنغ شوانغ المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية في 15 فبراير/شباط 2017 موقف بلاده بشكل واضح: «لا يهم ما تفعله أو تقوله، اليابان لا تستطيع تغيير حقيقة أن جزر دياويو تابعة للصين […] الصين تحث اليابان على احترام الحقائق التاريخية وأن تمتنع عن الأفعال الاستفزازية وأن تُعلم الجيل الصغير وجهات نظر تاريخية صحيحة وأن تظهر إخلاصاً في تحسين العلاقات الصينية – اليابانية بأفعال محددة»‏[75]. وكانت الحكومة الصينية قد ردت على الخطوات اليابانية بأن أدخلت في بداية عام 2017 تعديلات على الكتب المدرسية بشأن حرب المقاومة ضد اليابان عبر إضافة 6 سنوات إلى تلك الحرب ليصبح التاريخ الجديد 1931 – 1945 بدلاً من 1937 – 1945، إضافة إلى وصف تاريخ الصراع مع اليابان على أنه «حرب مقاومة الشعب الصيني ضد العدوان الياباني التي استمرت 14 عاماً»‏[76]وذهب ضحيتها ملايين الصينيين.

يتمثل الخطر الكامن هنا بأنه مع نشر الصين واليابان المزيد من الطائرات والسفن العسكرية والمدنية في بحر الصين الشرقي، يزداد إمكان حدوث حوادث عارضة قد تسبب في حالات وفاة أو إصابات خطيرة، وهو ما قد يؤدي إلى تهييج الرأي العام في بلد الضحية، وإلى احتجاجات غاضبة أو مطالبة الحكومة المعنية بالانتقام. وفي السيناريوهات الأسوأ، ولكنها الأقل احتمالاً في الوقت الراهن، لجوء الصين إلى استخدام القوة في استعادة الجزر المتنازع عليها‏[77] .

سادساً: الاستراتيجية الصينية: تزايد أهمية الشرق الأوسط

مع دخول الموارد الاستراتيجية وطرق التجارة البحرية ضمن دائرة المصالح الجوهرية للصين، من المتوقع أن تصبح البحرية الصينية أكثر نشاطاً في الخارج من السابق. هنا ترى القيادة الصينية أن تحديث البنية العسكرية خطوة أساسية في تحقيق مكانة البلاد كقوة عظمى، استناداً إلى مفهوم الفرص الاستراتيجية التي طٌرحت في عهد الرئيس شي جينبينغ‏[78].

ومع استمرار نمو الصين كقوة عالمية، من المؤكد أن تتوسع مصالح بكّين الجوهرية العابرة للحدود القومية. هنا يمكن القول إن مساعي الصين الدائمة لتأمين موارد الطاقة، والحصول على أسواق جديدة، وبناء تحالفات استراتيجية، سيبقى مصدراً للمنافسة المباشرة مع الولايات المتحدة في عدد من مناطق العالم، وخصوصاً في منطقتي آسيا والشرق الأوسط، لكنه قد يدفع بكّين مستقبـلاً نحو بناء تحالفات أو اتفاقيات عسكرية مع دول في الشرق الأوسط وأفريقيا. هنا يعتبر يان شيتونغ (Yan Xuetong)، عميد معهد العلاقات الدولية المعاصرة في جامعة تسينغهوا في بكّين أحد أشد المنتقدين لـ «مبدأ عدم الانحياز» الذي تنتهجه الصين، ويدعو بكّين للتخلي تماماً عن هذا المبدأ واستبداله بشبكة من التحالفات العسكرية. ويؤكد يان أن مبدأ عدم الانحياز كان ملائماً للصين خلال الحرب الباردة عندما كانت الصين ضعيفة. ومن وجهة نظره لكي تصبح الصين دولة عظمى مثل الولايات المتحدة، فإن بكّين بحاجة إلى استراتيجية جديدة تدعم بشكل كامل تكوين تحالفات حقيقية، تلزم كل دولة في الدفاع عن الأخرى في أوقات النزاع أو الحرب‏[79].

وبالرغم من صعوبة التنبؤ بالمستقبل، فإن صعود الصين لا يزال يثير جدلاً كبيراً حول التوجهات المستقبلية لبكين، وطبيعة هذا الصعود، وهل سيكون سلمياً كما تؤكد القيادة الصينية دائماً، أم أن الصين تسير على خطى الولايات المتحدة والقوى الأوروبية التقليدية في الهيمنة والسيطرة. ولعل الافتراض الأساسي في عدد من الكتابات الغربية يشير إلى أن الصين تتحرك لا محالة نحو التوسع الإمبراطوري. والرواية السائدة حول نظرية التوسع الصيني تقول إن بكّين معنية بالدرجة الأولى بتحقيق الهيمنة في بحر الصين الجنوبي مهما كانت التكاليف‏[80]. ويدلل أصحاب هذا الرأي بمواقف بكّين المتشددة في المطالبات السيادية البحرية، واستصلاح الجزر على نطاق واسع وبناء منشآت عسكرية ومدنية، ورفضها المشاركة في فصل النزاعات من جانب طرف ثالث، وعزمها على تأمين الفضاء الاستراتيجي لموازنة قوة الولايات المتحدة في المنطقة‏[81].

يجادل جون ميرشايمر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو، أحد أكبر منظّري المدرسة الواقعية الهجومية في وقتنا الراهن، أنه إذا استمرت الصين في النمو الاقتصادي، ستحاول لا محالة السيطرة على آسيا بالطريقة نفسها التي سيطرت فيها الولايات المتحدة على نصف الكرة الغربي (Western Hemisphere). علاوة على ذلك، لا بد من أن تمتلك الصين القوية مصالح في جميع أنحاء العالم، وهو ما سيدفعها إلى تطوير قدراتها العسكرية لنشرها في مناطق أبعد من آسيا. ومن المؤكد أن منطقة الخليج في الشرق الأوسط ستكون على رأس قائمة القوة العظمى الجديدة للمناطق ذات الأهمية الاستراتيجية. هنا يدعو ميرشايمر إدارة ترامب إلى الذهاب إلى أقصى الحدود لمنع الصين من أن تصبح قوة إقليمية مهيمنة‏[82].

هذا وتعتقد دول مثل الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية، وعدد من دول جنوب شرق آسيا التي تعارض المطالب الصينية في بحر الصين الجنوبي، أن استراتيجية الصين تسعى إلى تأكيد قوتها على نطاق إقليمي أوسع، أي طرد الولايات المتحدة والتحول إلى القوة البحرية والجوية المهيمنة في شرق المحيط الهادئ، وتكون قادرة على تأمين خطوط التجارة الرئيسية‏[83]. لا بل إن مؤسسة راند الأمريكية ذهبت أبعد من ذلك، وأصدرت تقريراً في شهر تموز/يوليو 2016 بعنوان «الحرب مع الصين: إعادة التفكير في المستحيل»، مشيرة إلى أن اندلاع الحرب بين الصين والولايات المتحدة أمر غير مستبعد‏[84].

في المقابل، يؤكد رئيس وزراء سنغافورة الأسبق، الذي يعد مؤسس سنغافورة الحديثة، لي كوان يو، أن المنافسة بين الولايات المتحدة والصين حتمية، مستبعداً الصراع بين البلدين، مشدداً في هذا الصدد على أن الوضع يختلف تماماً عن أيام الحرب الباردة، حيث كان الاتحاد السوفياتي يخوض الصراع مع الولايات المتحدة من أجل التفوق العالمي، مؤكداً أن الصين تتصرف على نحو براغماتي لتحقيق مصالحها القومية، وليست مهتمة بتغيير العالم‏[85]. في حين يطالب جوزيف ناي من جامعة هارفارد الرئيس ترامب بتوخي الحذر واليقظة خشية الانزلاق إلى فخّين رئيسيين أعدهما له التاريخ. الأول «فخ ثيوسيديدز»، التحذير الذي أطلقه المؤرخ اليوناني القديم من احتمال اندلاع حرب كارثية إذا أصبحت قوة راسخة (مثل الولايات المتحدة) شديدة التخوف من قوة صاعدة (مثل الصين). والثاني «فخ كيندلبرغر»، الصين التي تبدو أضعف مما ينبغي وتفشل في الاضطلاع بالمهمات العالمية التي كانت تقوم بها الولايات المتحدة، بالتالي انهيار النظام القائم كما حدث بين بريطانيا والولايات المتحدة وأدى إلى اندلاع الحرب العالمية الثانية‏[86].

لكن الصين ترى الأمور من منظار مختلف، إذ تتخوف بكّين أن هناك جهوداً فاعلة تقودها الولايات المتحدة منذ عدة سنوات (وخصوصاً بعد طرح استراتيجية إعادة التوازن في بداية 2012) لاحتواء الصين عبر ما يشبه استراتيجية التطويق. ومن أجل كسر هذا التطويق اقترح بعض المحللين الصينيين سابقاً أنه يتعين على الصين «التوجه غرباً» لأن استراتيجية التطويق الأمريكية لا تبدو قوية في آسيا الوسطى وغرب المحيط الهادئ كما هي الحال في آسيا، فضـلاً عن أنها تتراجع في منطقة الشرق الأوسط‏[87]. ولعل ما طرحه الأكاديمي البارز والمعروف وانغ جيسي من جامعة بكّين في مقال نشر في صحيفة غلوبال تايمز الصينية بتاريخ 17/10/2012، من أنه يتوجب على الصين أن تولي مزيداً من الاهتمام بأقصى الغرب على وجه التحديد، داعياً إلى توجهات جيواستراتيجية أكثر توازناً تلقي وزناً لمناطق مثل آسيا الوسطى وغرب المحيط الهادئ، والشرق الأوسط‏[88]. ولعل هذا الاقتراح قد اكتسب زخماً كبيراً في عام 2013، حين أطلق الرئيس الصيني مبادرة طريق الحرير البري والبحري‏[89]، ومنذ ذلك الحين تحولت تلك المبادرة إلى سياسة رسمية تتبنّاها القيادة الصينية.

من وجهة النظر الصينية، «التوجه نحو الغرب» قد يحقق جملة من الأهداف، بما في ذلك تعزيز الأمن على حدودها مع باكستان ودول آسيا الوسطى، والحصول على موارد الطاقة، وإيجاد أسواق لمنتجاتها، وأعمال لشركاتها الكبرى التي أصابها الركود داخل الصين. أما من الناحية الاستراتيجية، فإن التوجّه غرباً يقلل من الاعتماد المفرط على منطقة شرق آسيا، فضـلاً عن أنه قد يؤدي إلى تحسين الاستقرار الداخلي في إقليم شينجيانغ الذي يقطنه مسلمو الإيغور. ولعل الكتاب الأزرق الذي يتناول قضايا الأمن غير التقليدية ويصدر سنوياً عن أكاديمية العلوم الاجتماعية في بكّين كان أكثر تحديداً في تعريف الأهداف الصينية التي تهدف مبادرة الطريق والحزام إلى تحقيقها (أ) حماية الأمن الاقتصادي الوطني الصيني، (ب) تعزيز أمن الطاقة من خلال طرق الشحن البديلة، (ج) تسهيل أمن الحدود من خلال تطوير المناطق الغربية للصين، (د) مكافحة «الشُرُور الثلاثة أي الإرهاب، والانفصالية، والتطرف الديني»، في الداخل والخارج من خلال التنمية الاقتصادية وإعادة توزيع الثروة، (هـ) الحد من المكائد الجيوسياسية التي تقودها الولايات المتحدة، (و) «[بناء] نظام أمني دولي جديد» يعزز القوة الوطنية الشاملة للصين وقوتها الناعمة‏[90].

لكن اللافت للنظر ما طرحته الدبلوماسية الصينية المخضرمة فو يينغ، التي كانت تشغل منصب نائب وزير الشؤون الخارجية الصيني، وهي حالياً مسؤولة لجنة الشؤون الخارجية للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني (البرلمان)، حيث عددت الأسباب التي دفعت إلى تصعيد الجهود الأمريكية «لاحتواء» الصين في السنوات الأخيرة، عازية إياها إلى خيبة أمل واشنطن في ثلاثة مجالات‏[91]: أولاً، تحديث الصين لم يحقق الإصلاح السياسي، كما توقعت الولايات المتحدة، ولم يظهر «غورباتشيف صيني»، بل حصل العكس، فنجاحات الصين وتنامي ثقتها بنفسها جعل مسار تطورها غير قابل للتراجع؛ ثانياً، بعد اندماج الصين في النظام العالمي، لم تستسلم بكّين لإرادة واشنطن أو تبني قراراتها وفقاً للمصالح الأمريكية، بل على النقيض من ذلك تماماً، أصبحت بكّين أكثر نشاطاً في محاولة تشكيل الشؤون الدولية والإقليمية وفقاً لمصالحها؛ ثالثاً، مع دخول الصين المرحلة الأصعب من الإصلاح الاقتصادي، باتت الشركات الأمريكية التي لها مصالح في الصين في موقف لا تحسد عليه حيث يتوجب عليها التكيف مع هبوط حاد في الأرباح.

وفي سياق هذه المعطيات الاستراتيجية يجادل البحث أن «طريق الحرير البحري» سيكتسب زخماً خلال السنوات المقبلة؛ وبالتالي فإن مصالح الصين في الشرق الأوسط سوف تتزايد، وقد يتبع ذلك تزايد الوجود السياسي والعسكري الصيني في المنطقة، الذي لا يعني بالضرورة المنافسة مع الولايات المتحدة أو التدخل في صراعات المنطقة، بقدر ما يهدف بالدرجة الأولى إلى حماية مصالح الصين المتنامية. هنا يمكن أن نعرض عدة مؤشرات تدعم هذا الاستنتاج، وقد تمهد لشراكات استراتيجية مستقبلية مع دول المنطقة. صحيح أن الصين قد طرحت مبادرة «الحزام والطريق»، لكن معظم تجارة الصين تتم عبر البحار. هذا الوضع لن يتغير كثيراً على مدى العقدين القادمين، لأسباب وجيهة أهمها أن الشحن البحري، أنجع، وأرخص، وتعقيداته أقل، ولا يحتاج إلى المرور عبر حدود عدة دول. الأهم، من المتوقع أن يتركز النمو المستقبلي في الاقتصاد العالمي في محيط طريق الحرير البحري وخصوصاً في شرق آسيا.

1 – من الأهمية بمكان الإشارة إلى القيمة الاستراتيجية التي يمثلها النقل البحري للاقتصاد الصيني بوجه عام. طبقاً للأرقام الرسمية الصينية، يتم عبر النقل البحري شحن 90 بالمئة من بضائع التجارة الخارجية للصين، 98 بالمئة من خام الحديد المستورد، و91 بالمئة من واردات النفط الخام، و92 بالمئة من الفحم المستورد، و99 بالمئة من الحبوب المستوردة‏[92]. هنا تبرز 3 مضائق تعدها بكّين استراتيجية لمصالحها الحيوية: الأول، مضيق ملقا، الذي تمر عبره معظم تجارة الصين، أكثر من 80 بالمئة وارداتها النفطية، و30 بالمئة وارداتها من الغاز. والثاني مضيق هرمز الذي تمر عبره نحو نصف واردات الصين النفطية، وربع وارداتها من الغاز الطبيعي المسال، ونحو 5 بالمئة من إجمالي الصادرات الصينية. وأخيراً مضيق باب المندب مروراً بقناة السويس وتعبره نحو 20 بالمئة من إجمالي تجارة الصين الخارجية، معظمها مع أوروبا الشريك التجاري الأول للصين، فضـلاً عن نحو 200 ألف برميل من النفط قادمة من دول مثل ليبيا والجزائر والسودان‏[93].

2 – رغم مساعي الصين لتنويع مصادر وارداتها من النفط، إلا أن نسبة اعتمادها على واردات الشرق الأوسط وأفريقيا لا تزال تمثل نحو الثلثين أو ما يزيد على 5 ملايين برميل يومياً في عام 2016‏[94]. هذا الرقم مرشح للتصاعد على المديين المتوسط والطويل، نتيجة عاملين مهمين: الأول، أن الشرق الأوسط سيبقى أكبر منطقة منتجة للنفط، حيث من المنتظر أن ينتج أكثر من ثلث النفط في العالم خلال العقدين القادمين، كما أنه من المتوقع أن يلبي معظم نمو الطلب العالمي‏[95]؛ والثاني، جميع السيناريوهات (حتى الأكثر تشاؤماً) تتوقع ارتفاع واردات الصين من النفط، وزيادة اعتمادها على الواردات النفطية من 64.4 بالمئة في عام 2016 إلى 75 – 80 بالمئة خلال السنوات العشرين المقبلة‏[96].

الجدول الرقم (1)

واردات الصين من النفط الخام (2010 – 2016، ألف برميل)

المنطقة2010201120122013201420152016بالمئة من الإجمالي (2016)
الشرق الأوسط2,2602,6072,7002,9403,2223,4143,66048.1
أفريقيا1,4141,2011,2901,2811,3551,2821,34617.7
الأمريكيتان4134645465496588421,03313.6
دول الاتحاد السوفياتي السابق/أوروبا5216107187488151,0051,25715
إجمالي الواردات4,7815,0625,4175,6566,1776,7157,609100

المصدر: وزارة التجارة الصينية، نشرة ميس الاقتصادية.

 

الجدول الرقم (2)

إمدادات النفط من أوبك والعالم(*)

(مليون برميل يومياً 2015 – 2030)

2015202020252030
أوبك (الشرق الأوسط)28.730.432.333.4
الشرق الأوسط من إجمالي أوبك (بالمئة)73.477.678.277.9
إجمالي أوبك39.139.241.342.9
أوبك من الإجمالي العالمي (بالمئة)42.441.943.244.2
خارج أوبك53.254.354.454.2
إجمالي الإنتاج العالمي92.393.595.797.1
الطلب العالمي92.595.998.299.8

(*) التوقعات الرئيسية من وكالة الطاقة الدولية (توقعات الطاقة العالمية 2016، سيناريو السياسات الجديدة. تحاول الدول الموقعة على اتفاق باريس تلبية المتطلبات التي وضعتها الاتفاقية وكذلك التشريعات البيئية القائمة.

المصدر: وكالة الطاقة الدولية، توقعات الطاقة العالمية (تشرين الثاني/نوفمبر 2016).

3 – من غير المتوقع أن ينافس طريق الحرير البري الذي يربط الصين بأوروبا عبر آسيا الوسطى مروراً بروسيا أو إيران وتركيا، طرق الشحن البحرية لاعتبارات اقتصادية واستراتيجية. أولاً، يوفر النقل عبر السكك الحديد ميزة واحدة فقط، مقارنة بالشحن البحري: عنصر الوقت. يستغرق الشحن البحري في الغالب من 30 إلى 45 يوماً لإرسال البضائع من الصين إلى أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا، في حين أن القطارات تحتاج إلى 10 – 18 يوماً للوصول إلى عدة مدن أوروبية‏[97]. لكن الطريق البحري أرخص والسفن لديها قدرة شحن أكبر كثيراً من القطارات. القطار يمكن أن يحمل ما يصل إلى 200 حاوية (20 قدماً)، في حين أن حمولة السفن تستطيع التعامل مع 20 ألف حاوية (20 قدماً)، كما أن التكلفة أقل وقد تصل إلى نحو الربع. هنا ينبغي الإشارة إلى أن عدد قاطرات الشحن التي تعمل في الخدمة بين الصين وأوروبا بلغ نحو 1881 قاطرة مع نهاية النصف الأول من عام 2016 نقلت صادرات وواردات بقيمة 17 مليار دولار أمريكي. وتخطط الصين لرفع عدد تلك القاطرات إلى نحو 5000 قاطرة بحلول 2020‏[98]. مع ذلك، ستبقى التجارة محدودة، وخصوصاً إذا أخذنا في الحسبان أن حجم التجارة الخارجية للصين الذي يبلغ حالياً نحو 4 تريليونات دولار قد يتجاوز 5 تريليونات دولار مع نهاية العقد الحالي‏[99]. إضافة إلى ذلك، نقلت القطارات في العام الماضي نحو 40 ألف حاوية (20 قدماً) بين الصين وأوروبا ومن المتوقع أن ترفع بكّين العدد إلى 100 ألف حاوية (20 قدماً) بحلول عام 2020. ومع ذلك فإن هذا الرقم يمثل أقل من 1 بالمئة من إجمالي الشحن البحري للصين‏[100].

ثانياً، هناك الكثير من المعوقات التقنية والسياسية التي قد تسهم في عرقلة نمو حجم التجارة عبر القطارات؛ فقضية توحيد مقاييس السكك الحديد لطريق الحرير تحتاج إلى وقت طويل واستثمارات ضخمة؛ كما أن النقل بالقطارات لن يكون أرخص من الشحن البحري على المدى الطويل؛ فضـلاً عن أن الشحن بالسكك الحديد ربما لا يكون بالضرورة أكثر موثوقية من النقل البحري في حال وقوع أزمة، أو اضطرابات سياسية، وخصوصاً في دول آسيا الوسطى، أو تغير أنظمة الحكم وحدوث توترات سياسية مع بكّين. هذا إضافة إلى أن خطوط السكك الحديد العابرة للقارات تشرف عليها شركات مختلفة تعمل في دول متعددة، وجميعها تمتلك أنظمة، ولوائح، وسياسات وأولويات متضاربة وسياسات جمركية ولوجستية مختلفة. في الحصيلة خطوط السكك الحديد العابرة للقارات لن تغني عن الشحن البحري، بسبب القيود التقنية، والتكاليف المالية، والقضايا السياسية أو السيادية‏[101].

4 – من المتوقع أن يتركز نمو أسواق الصادرات الصينية في محيط طريق الحرير البحري خلال العقدين المقبلين، حيث لا يزال النمو الاقتصادي في هذه المناطق قوياً وخصوصاً في شرق آسيا وأفريقيا‏[102]، فضـلاً عن زيادة الدخل الفردي والقوة الشرائية‏[103]. ونتيجة لذلك، من المتوقع أن تستقبل منطقة آسيا (باستثناء اليابان) نحو 40 بالمئة من إجمالي الصادرات الصينية بحلول العام 2030، مقابل 36 بالمئة في عام 2015. كما أنه من المرجح أن تستمر آسيا بوصفها أكبر ممول تجاري للصين حيث ستتوسع حصتها في إجمالي الواردات الصينية إلى ما يقرب من 60 بالمئة بحلول عام 2030 مقابل نحو 55 بالمئة في عام 2015‏[104].

الجدول الرقم (3)

تجارة الصين مع العالم الخارجي (مناطق مختارة، 2015)

المنطقةحجم التجارة (مليار دولار)بالمئة من إجمالي تجارة الصين
جميع دول العالم3.96  تريليون100
أوروبا696.317.6
التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا)660.916.7
رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان)468.311.8
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا264.36.7
أمريكا اللاتينية والكاريبي235.35.9
الجامعة العربية (22 دولة)205.45.2
أفريقيا178.94.5
جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق (لا تشمل أرمينيا، أوكرانيا، بيلاروسيا ودول البلطيق)، روسيا، وتركيا102.42.6
دول طريق الحرير البحري (آسيان، افريقيا، أوروبا، الشرق الأوسط، شمال أفريقيا، ودول جنوب اسيا المطلة على البحر)1.7 تريليون43.4

المصدر:         UN Comtrade Database.

 

الجدول الرقم (4)

أسرع الأسواق للصادرات الصينية
(نسبة النمو بالمئة سنوياً، 2016 – 2030)

الترتيبالجهة التصديرية2016 – 2020الجهة التصديرية2021 – 2030
1فيتنام16فيتنام14
2الإمارات5الهند14
3الهند4بنغلادش13
4بنغلادش3ماليزيا13
5المكسيك3إندونيسيا12
6إندونيسيا3تركيا12
7ماليزيا3الإمارات11
8تركيا2السعودية11
9كندا2كندا11
10سنغافورة1سنغافورة10

المصدر:         Oxford Economics.

5 – طبقاً للبيانات التي أوردها معهد «أمريكان إنتربرايز»، فقد بلغت استثمارات الصين خلال المدة 2005 – 2017، نحو 1.5 تريليون دولار، تركز أكثر من 62 بالمئة منها في الدول التي تطل على طريق الحرير البحري في مناطق مثل دول آسيان، والشرق الأوسط، وأفريقيا، وأوروبا، ومعظمها قريب من تلك المضائق التي سبق ذكرها.

ومع الأموال المتاحة من المؤسسات التي أطلقتها الصين أخيراً مثل البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، وصندوق طريق الحرير، وصندوق البريكس، من المنطقي توقع زيادة الاستثمارات الصينية مستقبـلاً في هذه المناطق، تمشياً مع اتجاهات التجارة العالمية مستقبـلاً.

الجدول الرقم (5)

الاستثمارات الصينية والإنشاءات في العالم (2005 – كانون الثاني/يناير 2017)

المنطقةحجم الاستثمارات (مليار دولار)بالمئة من الإجمالي
جميع دول العالم1485.91100.0
دول شبه الصحراء الأفريقية252.6117.0
أوروبا227.8415.33
أمريكا الشمالية215.6514.51
شرق آسيا192.8112.98
الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (لا تشمل فلسطين، لبنان، جزر القمر، جيبوتي، والصومال)171.719.45
أمريكا الجنوبية136.59.19
جنوب آسيا (لا تشمل مملكة بوتان)102.66.90
جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق (لا تشمل أرمينيا، أوكرانيا، بلاروسيا ودول البلطيق)، روسيا، وتركيا101.226.81
أستراليا92.846.25
دول طريق الحرير البحري (أفريقيا، الشرق الأوسط، دول جنوب آسيا المطلة على البحر، دول الآسيان، وأوروبا)927.362.40

المصدر:         The China Global Investment Tracker.

6 – أصبحت الصين قوة بحرية لا يمكن تجاهلها، ورغم أن سلاح البحرية الصيني لا يزال أقل تطوراً من نظيره الأمريكي، فإنه من المتوقع أن تجسر الصين هذه الفجوة على مدى العقدين المقبلين، وخصوصاً في ظل تنامي قدراتها الاقتصادية والتقانية. وفي هذا السياق جاء في الكتاب الأبيض الذي أصدرته الصين في أيار/مايو 2015 تحت عنوان الاستراتيجية العسكرية الصينية: «يجب التخلي عن العقلية التقليدية التي تقول إن أراضي البر أهم من البحار […] إنه لمن الضروري بالنسبة إلى الصين أن تعمل على تطوير بنية قوة عسكرية بحرية حديثة تتناسب مع الأمن القومي ومصالح التنمية، والعمل على حماية سيادتها الوطنية ومصالحها وحقوقها البحرية، إلى جانب حماية أمن الخطوط البحرية الاستراتيجية»‏[105]. هنا تتوقع وزارة الدفاع الأمريكية أن تنشئ الصين عدة مراكز لوجستية لدعم السفن التابعة للبحرية الصينية خلال العقد المقبل. ويقول خبراء الدفاع إن أحد الأماكن المحتملة هو ميناء صلالة في سلطنة عمان، حيث غالباً ما تتوقف سفن تابعة للبحرية الصينية للراحة والإمداد‏[106].

على صعيد الشحن البحري، تسيطر شركات الشحن البحري الصينية الخمس الكبرى معاً على 18 بالمئة من جميع شحن الحاويات التي تعاملت معها أكبر 20 شركة في العالم في عام 2015. كما توزعت الاستثمارات الصينية في عام 2015 على نحو ثلثي أكبر 50 ميناء في العالم، تتعامل مع 67 بالمئة من حجوم الحاويات العالمية. وفي هذا السياق، أبرمت الشركات الصينية أو أعلنت عن صفقات تتضمن بناء أو تطوير ما لا يقل عن 40 ميناء تبلغ قيمتها الإجمالية نحو 46 مليار دولار، ومن ضمنها بعض المواقع الاستراتيجية الرئيسية مثل جيبوتي، وهامبانتوتا في سريلانكا، وجوادر في باكستان، والموانئ المقترحة في جزيرتي ساو توميه وبرينسيبي في المحيط الأطلسي. هذا وتخطط بكّين للاستحواذ على حصة تصل إلى 40 بالمئة من إجمالي السفن المتطورة في العالم، و35 بالمئة من السوق الخارجية لشركات بناء السفن الصينية بحلول عام 2020، من خلال تسريع وتيرة التوسع في الخارج‏[107]. ووفقاً لمعهد الشحن الدولي في شنغهاي، من المتوقع أن يرتفع نصيب الصين من الشحن البحري إلى نحو 17 بالمئة من الإجمالي العالمي. ومن المرجح أن تملك الصين أسطولاً للشحن البحري أكبر مما تملكه اليابان وألمانيا بحلول عام 2020، وأكبر من قوة الشحن التقليدية لليونان بحلول عام 2030‏[108]. من ناحية أخرى، الصين في طريقها لكي تصبح أكبر سوق للرحلات البحرية في العالم بحلول العام 2030، ومن المتوقع أن تحصل أحواض بناء السفن في الصين على 11 بالمئة من إجمالي طلبيات السفن السياحية في العالم في ذلك العام‏[109].

7 – قد تؤدي الصين أيضاً دوراً مهماً في تزويد دول الشرق الأوسط، بالأسلحة والتقانة التي ترفض الدول الغربية أو حتى روسيا بيعها، مثل الصواريخ بعيدة المدى، وطائرات من دون طيار، والأقمار الصناعية، وحتى التقانة النووية السلمية. وفي هذا الجانب فإن القدرات العسكرية الصينية تتطور باضطراد، وفي المدى المتوسط أو الطويل ستكون الكثير من منظومات الأسلحة الصينية قادرة على منافسة الدول الغربية وروسيا في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا‏[110]، وهو ما يعني في الحصيلة زيادة الوجود العسكري الصيني بصورة أو بأخرى. وما يؤكد هذا الاتجاه تسليط المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن في كتابه الذي يصدر سنوياً التوازن العسكري 2017، الأضواء بشكل لافت للنظر على القدرات العسكرية الصينية المتنامية: «إن التفوق التقني العسكري للغرب الذي كان يعتبر أمراً مفروغاً منه، بات في موضع شك […] يبدو أن الصين يمكنها الوصول إلى شبه التكافؤ مع الغرب. كما بدأت بكّين في الوقت الراهن تقديم عروضها التصديرية لبعض النظم العسكرية المتطورة مثل أنظمة الدفاع الجوي وطائرات من دون طيار»‏[111].

8 – أخيراً، إن الجالية الصينية التي تعيش في الخارج تتزايد أعدادها على نحو ملحوظ، وهي تحتاج إلى حماية في حال حصول عمليات إرهابية، وقرصنة، أو اضطرابات سياسية. وطبقاً للبيانات الصينية، بلغ عدد الأفراد من أصل صيني والمغتربين الصينيين الذين يعيشون في الشرق الأوسط وأفريقيا نحو 1.6 مليون شخص، منهم أكثر من نصف مليون صيني في منطقة الشرق الأوسط لوحدها‏[112].

جميع هذه المؤشرات المستقبلية تقود إلى نتيجة واضحة: سوف تنمو المصالح الصينية باضطراد، ومن المؤكد أن ينمو معها الوجود العسكري الصيني لحماية هذه المصالح وضمان سلامة ملايين الصينيين. ولعل هذه التطورات قد تدفع باتجاه تطابق التوجهات الصينية مع المصالح العربية في عدد من المواقع والقضايا. الأول والأهم، أمن منطقة الخليج والبحر الأحمر، وضمان حرية الملاحة والتجارة في مضيق هرمز، ومضيق باب المندب، وقناة السويس. من ناحية أخرى، قضايا مثل محاربة الإرهاب والقرصنة، وإعادة الإعمار في سورية واليمن والعراق وليبيا وحتى الصومال، وهي أمور تمثل أرضاً جيدة للتعاون المستقبلي. والأهم أن زيادة انخراط الصين عسكرياً قد تفتح الباب واسعاً لاحتمالات متعددة من ضمنها تحالفات أو علاقات عسكرية قوية مع بعض دول المنطقة.

خاتمة

أظهرت المعطيات السابقة أن مفهوم «المصالح الجوهرية» من وجهة النظر الصينية قد تدرّج مع تطور القدرات الاقتصادية والعسكرية الصينية؛ ومن المؤكد أن يتوسع هذا المفهوم، مع تنامي قوة الصين وتحولها إلى قوة عظمى، ليغطي مناطق متعددة من العالم. ومع تزايد اعتماد الصين على استيراد مصادر الطاقة من المتوقع أن تشغل منطقتي الشرق الأوسط وأفريقيا وطريق الحرير البحري حيّزاً حيوياً في سلم أولويات هذا الدولة الصاعدة في المستقبل.

في المقابل، من المرجح أن تضخ بكّين المزيد من الاستثمارات في طريق الحرير البري وتعزز التعاون الأمني الثنائي مع باكستان وأفغانستان ودول آسيا الوسطى وروسيا وإيران، فضـلاً عن استخدام دورها في منظمة شنغهاي للتعاون، لزيادة الاستقرار في حدودها الغربية وخصوصاً في إقليم شينجيانغ، وكبح جماح ما تعدّه بكّين مؤامرات انفصالية وإرهابية. أما في قضية إقليم التيبت، فمن المؤكد أن تستخدم الصين نفوذها الاقتصادي والسياسي مع جميع الدول لمنع تدويل قضية التيبت، في حين ستمضي بكّين قدماً في تطبيق استراتيجيتها المحلية من خلال ربط استقرار إقليمي التيبت وشينجيانغ بالتنمية المحلية.

أما في ما يتعلق بقضية تايوان التي انتقلت إلى رأس قائمة أولويات السياسة الخارجية لبكين، فمن المستبعد تماماً أن تتخلي الصين عن قضية توحيد الجزيرة مع الوطن الأم حتى لو أدى ذلك إلى نشوب حرب في المنطقة. وفي بحر الصين الجنوبي أو الشرقي ترفض الصين الوضع الراهن، الذي تعدّه من مخلفات «قرن الإذلال» وتعمل على تغييره بشتى الوسائل. هنا قد تسعى بكّين إلى اقناع جيرانها (ترهيباً وترغيباً) بأن سياسة الاحتواء التي تقودها الولايات المتحدة لا يمكن أن يكتب لها النجاح، وتعمل في الوقت ذاته على ضرب صدقية واشنطن على نحوٍ محسوب ضمن سياسة استنزاف طويلة المدى. هذا الأمر بكل تأكيد يمثل استراتيجية محفوفة بالمخاطر بالنسبة إلى الصين، إلا أن بكّين ربما تكون مقتنعة أنها ستكسب على المدى الطويل، لأنها تلعب في «ساحتها الخلفية».

الملاحق الإحصائية

 

قد يهمكم أيضاً  بروز الصين كأكبر شريك تجاري لدول الخليج: فرص مستجدّة ومعوّقات محتملة لمجلس التعاون الخليجي

#مركز_دراسات_الوحدة_العربية #صعود_الصين #بروز_الصين #بكين #العلاقات_العربية_الصينية #الصين_والعرب #دراسات