مقدمة

الصراع الجاري في قطاع غزة صراع معقد ومتشعب، وله امتدادات وتداعيات إقليمية ودولية. لذلك، فإن استدعاء نظرية أو نموذج تفسيري واحد لفهم ما يجري هو استدعاء اختزالي وغير علمي. ولفهم طبيعة الصراع وتداعيات عملية «طوفان الأقصى» يمكن استدعاء عدد من النظريات المفسرة، أهمها النظرية الواقعية، وبخاصة الواقعية البنيوية، التي تنظر إلى الصراع بوصفه ناتجًا من الفوضى التي تسود بنية النظام الدولي، ومن هاجس الدول في الحفاظ على أمنها ومصالحها القومية، بما في ذلك السيطرة على الموارد، وتوسيع النفوذ الجغرافي، والحفاظ على الهيمنة الإقليمية، وتنظر إلى العوامل الاقتصادية والثقافية والهوياتية كجزء لا يتجزأ من فهم العلاقات الدولية[1]، ومن ثم يمكن أن توفر هذه النظرية إطارًا شاملًا لفهم تداعيات عملية «طوفان الأقصى» وتأثيرها في المنطقة والنظام الدولي.

كما يمكن استدعاء نظرية اللعب (Game Theory) التي تنظر إلى أطراف الصراع بوصفهم لاعبين يسعى كل منهم لتحقيق أهدافه الخاصة ويتخذ استراتيجيات مختلفة لتحقيق ذلك، سواء كانت استخدام القوة العسكرية أو التفاوض؛ العزلة أو التعاون مع الآخرين[2]. وعليه، فإن فهم تداعيات «طوفان الأقصى» في ضوء نظرية اللعب يتطلب دراسة استراتيجيات اللاعبين والتفاعلات بينهم، وكيفية تأثير الحوافز والتكاليف في اتخاذ القرارات وتطور التوازنات بينهم.

ويمكن أيضًا استدعاء نظرية تأثير الفراشة (The Butterfly Effect) أو نظرية الدومينو لفهم تداعيات عملية «طوفان الأقصى» وامتداداتها الإقليمية والدولية، بحيث ترى هذه النظرية أنه يمكن تغيراتٍ صغيرةً في الأحداث المحلية أن تنتقل عبر الحدود وتؤثر في الأحداث الإقليمية والدولية، وتؤدي إلى تفاعلات متعددة المستويات[3]. فقد تؤدي إلى تغييرات في الأطر الإقليمية والدولية، وإلى نشوء تحالفات جديدة أو انهيار التحالفات القديمة، وإلى تغييرات في الاقتصادات المحلية والعالمية، وقد تسفر عن تغييرات في القيم والمعتقدات والثقافات المحلية والعالمية، كما يمكن أن تؤدي إلى تحولات في البيئة المحيطة.

بينما تستخدم نظرية الدومينو لوصف كيفية انتشار التأثيرات من حدث واحد إلى آخر، حيث يمكن أن يؤدي حدث واحد إلى سلسلة من الأحداث المتصلة التي تتوالى على نحو تلقائي، تشبه تساقط قطع الدومينو[4]. وبناء عليه، قد تؤدي تداعيات عملية «طوفان الأقصى» إلى تحفيز تنامي الاحتجاجات في المناطق المجاورة أو حتى في البلدان الأخرى، كما قد تؤدي إلى تغييرات في السياسات الدولية، وإلى زيادة التوترات الإقليمية، وإلى تغييرات في الأمن الإقليمي والدولي.

ومن بين التأثيرات والتحولات الاستراتيجية التي أدت إليها عملية «طوفان الأقصى» أنها وضعت الكثير من المسلمات والنظريات على المحك، منها ما التصق بإسرائيل منذ نشأتها، المتمثلة بالتفوق العسكري والاستخباري والتنسيق الأمني الأمريكي-الإسرائيلي، ومنها ما ارتبطت بالنظرية الواقعية كبراديغم، المتمثلة بعدم قدرتها على تفسير الحرب اللامتماثلة الدائرة في غزة من خلال مفاهيم ميزان القوة والردع، ومنها ما ترتبط بمحور المقاومة، المتمثلة بمفهوم وحدة الساحات. على صعيد آخر، وضعت العملية على المحك عددًا من القضايا الإقليمية، كدور النظام الإقليمي العربي والدور الإيراني، كما وضعت على المحك دور المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية، ودور القوى العظمى، وبخاصة روسيا والصين.

وعليه، إلى أي مدى وضعت تداعيات عملية «طوفان الأقصى» بعض المسلّمات والقضايا الدولية على المحك ومثلت منعرجًا إضافيًا نحو تكريس بوادر نظام دولي متعدد القوى؟

ينطلق البحث في هذا السؤال من فرضيتين: (1) يمكن عدّ عملية «طوفان الأقصى» من الأحداث التي ساهمت في زعزعة مسلّمات بعض النظريات التي ترى أن الدولة هي الفاعل الرئيسي والحاسم في وضع الترتيبات الأمنية والسياسية دون الفواعل الأخرى، من قبيل حركات المقاومة، وفي التقليل من أهمية هذه النظريات في تفسير كل شيء والتنبؤ بمسار الأحداث والوقائع؛ (2) وضعت عملية «طوفان الأقصى» على المحك عددًا من القضايا الإقليمية والدولية التي يصعب الحسم فيها من طرف القوى الكبرى والمنظمات الدولية نظرًا إلى تشابكها وتعقدها.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 548 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 548 تشرين الأول/أكتوبر 2024

المصادر:

نشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 548 في تشرين الأول/أكتوبر 2024.

يوسف عنتار: أستاذ التعليم العالي بالكلية متعددة التخصصات بالناظور،

جامعة محمد الأول في وجدة – المغرب.

[1]Patrick James, «Neorealism as a Research Entereprise: Toward Elaborated Structural Realism,» International Political Science Review/Revue internationale de science politique, vol. 14, no. 2 (April 1993), pp. 127-128.

[2]   دينا هاتف مكي، «نظرية المباريات في علاقات إسرائيل الدولية في ضوء علاقاتها مع دول الجوار،» مجلة مركز الدراسات الفلسطينية (جامعة بغداد)، العدد 17 (حزيران/يونيو 2013)، ص 35.

[3]  رجاء الهبطي، «تأثير الفراشة ونظرية الفوضى،» الجزيرة نت، 24 أيلول/سبتمبر 2019، <https://rebrand.ly/zly2zpx> (تاريخ الزيارة 5 نيسان/أبريل 2024).

[4]           Peter T. Leeson and Andrea M. Dean, «The Democratic Domino Theory: An Empirical Investigation,» American Journal of Political Science, vol. 53, no. 3 (July 2009), pp. 533-551.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز