عقدت هذه الحلقة النقاشية في مقر مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت يوم الخميس 24 أيار/مايو 2018. قدّمت الحلقة لونا أبو سويرح، وأدار الحوار جمال واكيم وشارك فيها (بحسب الترتيب الألفبائي):

أحمد ملي                   أستاذ السياسات الدولية في الجامعة اللبنانية.

الياس فرحات              عميد متقاعد، وخبير عسكري واستراتيجي – لبنان.

بسام الهاشم               أستاذ علم الاجتماع في الجامعة اللبنانية.

جمال واكيم                أستاذ في الجامعة اللبنانية.

حسام مطر
مرشح دكتوراه في جامعة براغ الدولية في مجال العلاقات الدولية والدراسات الأوروبية.

فارس أبي صعب          باحث ومدير التحرير في مركز دراسات الوحدة العربية.

كابي الخوري              مدير التوثيق والمعلومات في مركز دراسات الوحدة العربية.

كريم المفتي                أستاذ وباحث في العلوم السياسية والقانون الدولي.

لونا أبو سويرح           المديرة العامة لمركز دراسات الوحدة العربية.

ليونيد سافين
سكرتير الحركة الأوراسية العالمية ومدير مؤسسة الاستشراف الروسية ومدير تحرير موقع «جيوبوليتيكا» – روسيا.

نسيم الخوري              كاتب ومحلل سياسي – لبنان.

وسيم أبي رافع            أمين عام تجمع جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا للناطقين بالعربية.

يوسف الصواني           مدير الدراسات في مركز دراسات الوحدة العربية.

قدّمت الحلقة لونا أبو سويرح

أدار الحوار جمال واكيم

تقديم

لونا أبو سويرح

المديرة العامة لمركز دراسات الوحدة العربية.

يسرنا أن نستضيف في هذه الحلقة الباحث الروسي ليونيد سافين، سكرتير الحركة الأوراسية العالمية ومدير مؤسسة الاستشراف الروسية ومدير تحرير موقع جيوبوليتيكا روسيا. ينعقد هذا اللقاء الحواري في وقت هو في غاية الأهمية بالنسبة إلى المنطقة العربية، وبخاصة في ظروف عصيبة تمر بها هذه المنطقة، من أزمات وحروب وصراعات، وبخاصة الصراع العربي – الإسرائيلي، والاحتلال الصهيوني الذي زرع جذوره في فلسطين منذ 70 عاماً، ثم الصراعات والحروب التي تعرضت وتتعرض لها بلدان عربية متعددة مع نهاية الحرب الباردة وبدء السيطرة الأمريكية على النظام العالمي. كما نالت المنطقة العربية الحصة الكبرى من الاهتمام الغربي والتدخل في شؤونها، وبخاصة خلال العقود الثلاثة الأخيرة، سواء من حيث الاختراق الاستخباري لأمن دولها والتدخل السياسي والأمني في شؤونها الداخلية والخارجية، بل حتى التدخل العسكري في بعضها. لكن عودة روسيا في السنوات الأخيرة إلى الساحة الدولية كقوة عظمى، كانت بمنزلة عامل ردع للهيمنة الأمريكية وحلفائها في أوروبا.

سنبحث في هذه الحلقة مع الباحث ليونيد سافين، في دور روسيا في المنطقة العربية وما هو تصوره لهذا الدور، هل سينمو أم سيضمحل؟ وما هو دور تحالف البريكس، الذي تعد روسيا عضواً بارزاً فيه، في دعم الأهداف الاقتصادية والتنموية في المنطقة، وبخاصة مع تراجع الدعم المادي الأمريكي والغربي الموجّه لتنمية عدد من دول المنطقة؟ الموضوع الآخر يتعلق بإمكان فرض روسيا والصين نفوذهما العسكري والاقتصادي لمواجهة «النظام العالمي»، هل من احتمال أن نشهد ولادة نظام عالمي جديد، فالأمم المتحدة باتت مؤسسة معطلة في وجه سياسة ترامب؟ والموضوع الثالث متصل بنظرة روسيا إلى إسرائيل، فروسيا اليوم على علاقة تحالفية بدول الممانعة والمقاومة وهي توطد علاقاتها في المنطقة وتدعم حل «الدولة السورية»، ولكن وزارة الخارجية الروسية لا تعقب أو تستنكر الاعتداءات الإسرائيلية على سورية، ولا تزال الطائرات الإسرائيلية تجول في الأجواء السورية… روسيا دولة مراقبة في منظمة التعاون الإسلامي، لكن مواقفها في ما يتعلق بالتطورات الأخيرة في القدس وغزة غير حازمة، ولا ترقى إلى توقعاتنا؛ فما هو الدور الذي يمكن روسيا كدولة مراقبة في منظمة التعاون الإسلامي أن تؤديه لحماية الوقف الإسلامي والمسيحي وبخاصة الأرثوذكسي في القدس؟ هذه بعض القضايا التي أود والزملاء أن نسمع آراءَك حولها… ومن ثم سنبدأ بالحوار.

 

مرتكزات الاستراتيجية الروسية
وانعكاساتها في الشرق الأوسط

ليونيد سافين

سكرتير الحركة الأوراسية العالمية ومدير مؤسسة
الاستشراف الروسية ومدير تحرير موقع «جيوبوليتيكا» – روسيا.

 

سأبدأ مداخلتي بالاتحاد الاقتصادي الأوراسي (UEEA)، وهو مشروع بدأ عام 2015، مع العلم أن فكرته ولدت قبل نحو قرن من الزمن، وبالتحديد عام 1921 حين قام بعض المهاجرين الروس في تشيكيا بطرح أفكار جديدة حول الكيان السياسي بعد الثورة البلشفية التي وقعت عام 1917، ورأوا أن الحركة البلشفية ستموت قريباً لعدم سيرها بخطى طبيعية، وأعتقد أن هذا كان أشبه بالرؤية المستقبلية، حيث انهار الاتحاد السوفياتي بعد مرور ما يزيد على 70 عاماً. كانت فكرة الاتحاد الأوراسي تقوم على نوع من التحالف المشابهة حدوده لحدود الإمبراطورية السوفياتية نفسها، وتم في ما بعد إسقاط هذه الرؤية. ونقوم الآن، بالتعاون مع المؤرخ الروسي المعروف ليف غوميلوف والفيلسوف الروسي ألكسندر دوغين وغيرهما، ببلورة وتطوير هذه الفكرة. وقد أثبت التحالف الاقتصادي الأوراسي نجاحه وانطلق الآن كمشروع عالمي. لكن نرى أنه يوجد نقص في الأفكار ونقص في التعاون بين المجتمعات المختلفة، وهذا التحالف الآن هو أشبه بمشروع اقتصادي بين 5 دول، ونحن نطمح إلى توسيع هذا العمل، ولدينا مناطق اقتصادية حرة مع فييتنام ومنذ بضعة أسابيع وقعنا اتفاقية مع الجمهورية الإسلامية في إيران لإنشاء منطقة اقتصادية حرة. ومن منظورنا فمن الأهمية بمكان أن نبدأ بإنشاء مناطق اقتصادية حرة في العالم العربي.

وبمجرد أن برزت فكرة تحالف اقتصادي أوراسي، انْتقدت هذه الفكرة في الغرب، حيث أشارت هيلاري كلينتون فوراً إلى أن المشروع هو أشبه بإعادة إحياء إمبراطورية الاتحاد السوفياتي، مع العلم أن الأمر ليس كذلك بتاتاً، بل هو مجرد تعاون اقتصادي. وقد تحدث الأوراسيون الكلاسيكيون عن فكرة مهمة جداً، وهي الاختلاف الثقافي المتمثل بالقيم والعادات والتقاليد المختلفة بين أوروبا وآسيا وأوراسيا، وعن كيفية استخدام الدين للتفاعل بين الثقافات والحضارات. ومن وجهة نظري ووجهة نظر زملائي في التحالف الأوراسي، فنحن نفتقر في الوقت الحاضر إلى الأفكار البنّاءة، كما أن هناك مشكلة في الدستور الروسي الجديد الذي وُضع في عهد بوريس يلتسن، إذ هناك نقطة فيه تحظر أي فكر أيديولوجي في روسيا، كما كان بعض الخبراء الأمريكان العاملين في طاقم بوريس يلتسن قد اقترحوا هذه النقطة بهدف منع تطبيق أي نوع من الفكر الأيديولوجي في النظام الروسي. ومن وجهة نظرنا هذه مشكلة.

بالنسبة إلى الاستراتيجية الروسية، توجد عدة خطط، وهي لا تزال على الورق وتنتظر التطبيق. وبالنسبة إلى سياسات روسيا حول العلاقات الخارجية والدفاعية والنمو الاقتصادي، توجد خطة ورؤية مستقبلية لعام 2025. ولكن على أرض الواقع، فإن وزارة الخارجية الروسية تعمل على مستوى التكتيك، ولدي بعض الأصدقاء داخل الوزارة وفي السفارات ذكروا لي أنه لا توجد أية استراتيجية، وأن عمل البعثات الدبلوماسية هو أشبه بعمل روتيني. من منظورنا، نحن بحاجة إلى تطبيق آلية عمل على المستوى العملي، أي مزيج بين المستويين التكتيكي والاستراتيجي. ونظراً إلى غياب الاستراتيجية في الوقت الحاضر، فربما يجب أن نجد إطاراً جيداً لكي نقوم بتصدير أفكارنا الروسية للجهات الخارجية، وأن نجد نقاطاً مشتركة للتعاون في أي مجال، سواء في المجال العسكري، أو في المجال الاقتصادي، أو السياسي، أو الديني، أو الثقافي… إلخ. كما أن روسيا تشارك بفاعلية في عدد من الأطر والاتفاقيات العالمية إما كعضو وإما بصفة مراقب، منها تحالف البريكس ومنظمة شانغهاي للتعاون. ومن المهم أن نبحث في إيجاد حلول جديدة بديلة. ونظراً إلى أن القوى الغربية تخشى أي حلول بديلة، فهي تروج للأفكار الليبرالية الأحادية القطبية وتطبقها في العلاقات الدولية كافة. توجد في روسيا مدرستان فكريتان فقط، مدرسة العلاقات الدولية ومدرسة الدراسات الليبرالية، وكلاهما فكرتان نابعتان من الغرب، وليست أفكاراً روسية، مقابل غياب المدراس الفكرية الآسيوية والعربية والأفريقية وغيرها… وبالتالي تسعى حركتنا للترويج لأفكار جديدة وتطوير أساليب جديدة من العلاقات، وقد وضعنا برنامجاً لعام 2022 يتمحور حول تطوير الأفكار غير الغربية تُعنى بالعلاقات الدولية. كما أننا نرحب بالمثقفين من الخارج للمساهمة في هذا المجال.

من المشكلات التي نواجهها في روسيا أننا لا نزال نعتمد التشريعات الدستورية التي وصفها الخبراء الأمريكيون إلى جانب الطبقة الأوليغارشية التي تتطلع إلى الغرب. مثال على ذلك، يوم الإثنين في 21/5/2018، كان البرلمان الروسي يناقش مواد جديدة حول العقوبات المضادة، وكان هناك نحو 16 مادة مطروحة كرد فعل على العقوبات الأمريكية المفروضة، وبعد النقاش الأول وافق جميع الحضور على البنود كافة، ولكن في النقاش الثاني عاد الحضور عن قراره. والسبب هو أنه بعد النقاش الأول، قابل المتحدث باسم البرلمان الروسي بعض أطراف الأوليغارشية الذين أفادوه بأن هذا الأمر ليس من مصلحتهم وأنهم يفضلون التعاون مع الغرب، وبالتالي تم صرف النظر عن أغلب البنود المطروحة، بل تم تطبيق 6 نقاط فقط. وهذا أمر مؤسف جداً.

وبالتالي، ما العمل؟ في البداية، على روسيا أن تسعى لعقد شراكات وعلاقات جديدة على مستويات مختلفة ومع عدة دول، وأن لا تبقى ضمن مفهوم العلاقة بين الدولة والدولة، بل تتطور لتصبح بين الدولة ورجال الأعمال والمثقفين. الغرب يتحدث عن القوة الناعمة، نحن لا نحب هذا المصطلح بل نفضل مصطلح القوة المسؤولة، وعلى روسيا العمل ضمن مستويات متعددة. على سبيل المثال، بالنسبة إلى ما حصل في جورجيا عام 2008، طوّرنا استراتيجية جديدة للعلاقات الخارجية، وقد تم حظر التدخل العسكري المباشر، على الرغم من وجود مواطنين روس وعلى الرغم من القدرة على القيام بذلك. وبالتالي ما المشكلة؟ المشكلة هي المسؤولية؛ فعلى روسيا أن تكون أخلاقياً ومعنوياً مسؤولة عن أي عمل تقوم به في الخارج وأن تتحمل نتائجه وتبعاته على الصعيدين العالمي والمحلي الداخلي. وهكذا هي الحال مع القوات الأمنية الروسية في سورية، التي تعرضت لهجوم من الطائرات الأمريكية وقتل منها نحو 10 أشخاص. وقد ظلت روسيا صامتة ومتكتمة على الموضوع لمدة أسبوع من دون تسريب أي معلومات. وفي نهاية الأمر هم مواطنون روس توفوا على الأراضي السورية لحماية المصالح السورية، وبالتالي أرى أن هناك مشكلة لا تزال قائمة في المجتمع الروسي بين البرلمان الروسي وطبقة الأوليغارشية، والحكومة الروسية بالطبع. وربما يرجع السبب إلى بوتين نفسه الذي يحاول أن يبقي على التوازن بين الليبراليين والمحافظين وفي تحديد المصلحة الوطنية وما يجب فعله.

بالنسبة إلى البريكس، في بادئ الأمر، تم طرح البريكس كفكرة لاقتصاد متنامٍ من دون أن يكون هناك أي نوع من التوافق أو الأنشطة المميزة. وعلى عكس السنوات السابقة التي كانت تعاني روسيا فيها عقوبات مفروضة عليها، فهي الآن بدأت تظهر كقوة عظمى. لكن في المقابل هناك الكثير من المشاكل الاقتصادية في جنوب أفريقيا والبرازيل، ويرى عدد من الخبراء الروس أنها محاولة من الغرب لتقويض مجمّع جديد ونشاط جديد لأنه يمهد الطريق أمام نظام عالمي متعدد الأقطاب. ولكنني أعتقد أن البريكس سيواصل نشاطه نظراً إلى احتوائه على عدد من المجموعات الفاعلة في الاختصاصات المختلفة، وكل عام تُعقد اجتماعات مختلفة ويتم توقيع اتفاقيات مختلفة بين روسيا والدول الأعضاء في البريكس. ومن الأمور المهمة أن كـلاً من الصين والهند عضوان في البريكس ومنظمة شانغهاي للتعاون. وبالنسبة إلى العلاقة بين الصين وروسيا، فقد وُقِّعت أول اتفاقية بين البلدين حول النظام العالمي المتعدد الأقطاب خلال عهد يلتسن، وإذا لم أكن مخطئاً فقد كان هذا عام 1993، والصين عضو فاعل في الترويج لهذا الفكر، وعلى الرغم من اختلاف وجهات النظر بين روسيا والصين على هذا الصعيد، إلا أننا نعتقد أن الصين لا تزال على المسار الصحيح. وبالتالي نتعامل مع الصين في عدة مجالات، بما فيها الطاقية والعسكرية والسياسية، كونها قوة منافسة للولايات المتحدة. كما نتشارك معها وجهات النظر نفسها في ما يتعلق بموضوعات مثل الديمقراطية وسيادة الدولة وعدم التدخل في القرارات الداخلية للدول على غرار ما تفعله الولايات المتحدة، وهذا أمر مهم جداً. وبالتالي نتشارك مع الصين عدداً من وجهات النظر.

بالنسبة إلى الموقف الروسي من إسرائيل، لم يكن لدى الاتحاد السوفياتي أية علاقة دبلوماسية مع هذا الكيان ولم يعترف به كدولة. فقط بعد سقوط الاتحاد السوفياتي وتحوّل روسيا إلى دولة «ديمقراطية» تم الاعتراف بإسرائيل. المشكلة هي أن الكثير من الروس اليهود أدوا دوراً في التخلص من الاتحاد السوفياتي، وحاولوا الاستحواذ على السلطة عند سقوط الاتحاد، حيث إن الكثير من اليهود الأوليغارشية أحاطوا ببوريس يلتسن، مثل بوريس بيريزوفسكي الذي شغل منصب مستشار لديه. وبالتالي بمجرد أن انهار الاتحاد السوفياتي، استحوذ اليهود على السلطة الاقتصادية وما زالوا (نحو 3 بالمئة من اليهود الروس يتحكمون بنحو 70 بالمئة من الناتج المحلي). وهذه مشكلة كبيرة، ومعظم المواطنين الروس مدركون هذه المشكلة وهم يناقشون هذا الموضوع. كما أن اليهود يتحكمون بمعظم وسائل الإعلام الروسية. وهم روس يهود ولكنهم على علاقة قوية بإسرائيل بالطبع. ولكن على الصعيد الرسمي، لا نزال نعترف بقرارات ووثائق الأمم المتحدة حول القدس وبأنها عاصمة فلسطين، ولا نزال نروِّج فكرة المصالحة بين الطرفين وعدم استعمال العنف المسلح ضد الشعب الفلسطيني. ولكن هذا الموقف قد يتغير بعد بضع سنوات، مع تغير الإدارة الروسية (إدارة بوتين) المتعاطفة مع إسرائيل، كما أن اليهود الروس الذين يسيطرون ويعيشون في روسيا باتوا في أغلبيتهم كباراً في السن، ومع رحيلهم سيتغير الموقف والمنظور. كما يوجد عامل آخر وهو الزيادة الملحوظة في نسبة السكان المسلمين في روسيا، وهم بالطبع سيؤيدون فلسطين بدورهم وسيصوتون لسياسيين يؤيدون قضية فلسطين.

المناقشات

1 – بسام الهاشم

لدي سؤالان: الأول هو حول التدخل الروسي في سورية، بالنسبة إلي أنا فرح جداً بهذا الأمر ولكن لدي سؤال في هذا الخصوص، هو لماذا تدخلت روسيا في سورية على الأرض، هذا ليس بالأمر غير الشائع ولكنه يكون غير مألوفٍ إذا كان لمدة طويلة. السؤال الثاني يتصل بتحالف البريكس والمواجهة العالمية مع الولايات المتحدة. وقد بات يتضح أكثر فأكثر أن الطريقة التي تحاول الولايات المتحدة فرض قراراتها لم تعد ضمن الخيارات العسكرية، ولكن ضمن العقوبات والضغوط الاقتصادية، ويبدو أنها تبتز العالم بحقيقة أن المعاملات المالية والصفقات تمر عبر بورصة نيويورك. إلى أية درجة ستسمح روسيا وشركاؤها في البريكس للولايات المتحدة في التمادي في هذا التصرف؟ هل هناك أي احتمال لإنشاء نظام جديد لتبادل التعاملات المالية على الصعيد الدولي يدرأ الابتزاز الأمريكي هذا؟

2 – ليونيد سافين

بالنسبة إلى السؤال حول سبب تدخل روسيا في سورية، سأطلعك على قصة شخصية. نوقش هذا الموضوع على التلفاز الروسي الرسمي، قبل اتخاذ قرار إرسال جنود إلى سورية بأسبوع، وقد أفاد جميع الخبراء بوجوب دعم الأسد اقتصادياً وسياسياً واستشارياً فقط، بينما أبديت رأيي بوجوب إرسال جنود روس إلى سورية لدواعٍ جيوسياسية تستوجب وجودنا عسكرياً هناك على الأرض. وبعد هذا، وافق بوتين على إرسال جنود روس إلى سورية. كما أنها كانت فكرة وزير الدفاع سيرغي شويغو من أجل ضمان الاستقرار الجيوسياسي في المنطقة، ذلك بأن السيطرة على سورية من وجهة النظر الروسية تعني السيطرة على حقول النفط والغاز الموجودة هناك، حيث إن قطر تطمح إلى بناء مشروع خط أنابيب يمر في سورية، كما أن للسعودية خططاً لتدمير البنية التحتية هناك من أجل مشاريع خطوط أنابيب خاصة بها، والآن هذه المشاريع لم تعد ممكنة ولم يعد في إمكان أحد ممارسة ألاعيبه الملتوية في ظل الوجود الروسي. سبب آخر يرجع إلى وجود داعش. طبعاً لم تكن الغاية من الحركات الإرهابية سورية فقط، بل سورية هي مرحلة مؤقتة، إذ كانت هذه الحركات الإرهابية تنوي العودة إلى المناطق الروسية، وهذا يشكل خطراً على روسيا. وبالتالي صدر القرار بالقضاء على الإرهابيين على الأراضي السورية قبل عودتهم إلى روسيا. هذا السبب، على الرغم من كونه ساخراً، فهو عملي ويعطي ذريعة جيدة.

بالنسبة إلى السؤال الثاني هناك مشكلة في الابتزاز الذي تقوم به الولايات المتحدة، إذ إنها تعمد إلى بذل الكثير من الجهود للسيطرة وترتيب العمليات الانقلابية في الدول المختلفة معها والسيطرة عليها من خلال النخب وغيرها من الممارسات الاقتصادية والسياسية من أجل تنفيذ مصالحها، وهذه نعتبرها مشكلة كبيرة لنا في روسيا.

3 – الياس فرحات

أود في البداية أن أجيب عن سؤال تم طرحه ثم أطرح سؤالين. بالنسبة إلى الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، أشك في إمكانيات هذا الاتحاد وقدراته حتى الآن، ما دام المركز العالمي للمال يقع في نيويورك، وبالتالي لا فائدة من هذا الاتحاد ما لم يكن الهدف الرئيسي منه إنشاء مركز مالي بديل لنيويورك. أما سؤالي الأول فيتعلق بتركيا، التي تُعد بلداً أساسياً في المنطقة، وقد أدت دوراً محورياً في تجميع الحركات الإرهابية ذات الصلة بالقاعدة من مختلف أنحاء العالم، حيث كانت تستقطبهم إلى أراضيها ومن ثم ترسلهم إلى سورية والعراق. من هذه المجموعات من أتى من مناطق إما روسية وإما قريبة من روسيا، مثل القوقاز والاتحاد الروسي وآسيا الوسطى ومن مناطق شمال الصين. طبعاً لم تقرر تركيا رعاية هذه المجموعات لوحدها، ولكن بوصفها دولة عضواً في حلف شمال الأطلسي، وهذه خطوة موجهة ضد الاتحاد الروسي والصين وسورية وغيرها من الدول. والسؤال الثاني هو حول آسيا الوسطى، قرأت اليوم (الخميس 24/5/2018) بياناً لمجلس الأمن القومي في روسيا يتحدث عن تجميع ما بين 15 و20 ألف إرهابي شمال أفغانستان، لتجهيزهم للتقدم نحو آسيا الوسطى، وبخاصة أوزبكستان، لأن الوضع بات هشاً فيها بسبب النزاع بين قبائل السمرقند والطشقند. وأرى أن هذه حركة موجهة ضد الاتحاد الروسي وليس ضد آسيا الوسطى فقط، ما هي وجهة نظر روسيا تجاه تجمع الإرهابيين شمال أفغانستان؟

4 – ليونيد سافين

بالنسبة إلى تصورك حول المركز الاقتصادي الجديد، فأنا أشاركك الرأي بأن معظم العمليات والأسهم تتم في نيويورك ولندن، وهذه مشكلة كبيرة. وبالنسبة إليّ، أنا أستغرب من تعامل روسيا مع شركات مثل Facebook وغيرها من الشركات الأمريكية والغربية في ظل العقوبات المفروضة علينا. بالنسبة إلى تركيا، أعتقد والزملاء في روسيا أن تركيا باتت الآن على مفترق طرق، من دون أن تملك أي استراتيجية لما تقوم به أو ستقوم به. مثال على ذلك، أردوغان لا يدري ماذا يفعل في موضوع الأكراد والحركات الإسلامية الأصولية، وبالتالي هناك توتر بين تركيا من جهة وأوروبا والولايات المتحدة من جهة أخرى، موقف تركيا الآن بات جيداً، ربما لأن أردوغان يسعى لاتخاذ الخيار الصائب وسحب تركيا من حلف شمال الأطلسي، وقد بدأ التعاون مع منظمة شانغهاي وغيرها. كما أن روسيا تباحثت مع تركيا في موضوع بناء منطقة تجارة حرة بينهما ومد أنابيب لخطوط الغاز وإنشاء مفاعلات نووية، وسيتم بحث المزيد من مشاريع التعاون بين البلدين في المستقبل. ولكن من الناحية السياسية، لا تزال تركيا في وضع هش، وبخاصة بعد محاولة الانقلاب الذي خططت له وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA وحركة غولين.

بالنسبة إلى موضوع آسيا الوسطى وأفغانستان، نحن نتعاون مع باكستان وإيران، وقد ناقشنا هذا الموضوع على مدى سنوات مع دول آسيا الوسطى، وربما الآن بعد الأحداث الأخيرة عقب الانتخابات في أوزباكستان، وقدوم عدة متمردين من طاجيكستان. والكثير من هذه المنظمات يتم حظرها وهي تعمل بسرية وخفاء، كما أن هناك مشكلة الطفرة السكانية في أوزبكستان وتعدد الإثنيات والعرقيات والتنقل المستمر لإيجاد فرص عمل مختلفة في روسيا وغيرها. كما أن المنظمات الإرهابية لا تزال تنشط سراً في روسيا، ويقوم الأمن بدوره باعتقال عدد من ممثلي هذه المنظمات كل أسبوع، ومنهم عناصر من القوقاز وأوزبكستان ودول آسيا الوسطى. نحن نعمل على هذا الموضوع، ولكن المشكلة هي أنه يجب التوصل إلى توضيح مزيد من المسائل التقنية، وبخاصة أن معظم دول آسيا الوسطى هي أعضاء، إلى جانب روسيا، في منظمة معاهدة الأمن الجماعي (CSTO) وذلك لمعالجة القضايا الأمنية الإقليمية.

5 – كابي الخوري

لدي سؤال يختص بسورية، هناك من يرى أن روسيا بتدخلها في سورية باتت تتصرف كدولة عظمى، إلى أي مدى ستتمكن روسيا من التوفيق بين مصالح كل من إيران وتركيا وإسرائيل وقوات الولايات المتحدة الموجودة في شمال سورية؟ وهل ترى أن التقسيم سيحصل في سورية؟ هل من رأي أخير لروسيا حول سورية؟

6 – ليونيد سافين

يبدو أن الوضع صعب جداً، وقد كنا اقترحنا على إيران إجراء مفاوضات مع إسرائيل، ولكن السلطات الإيرانية لا تعترف بإسرائيل أصـلاً وهي ترفض هذا الأمر بتاتاً. كما أن هناك مشكلة الأكراد في شمال سورية وهم معادون للسلطات التركية وهم يفضلون التعاون مع الأسد.

تحاول روسيا أن تؤدي دوراً فاعـلاً في هذا الموضوع، لدي أصدقاء في سورية منخرطون في هذه المصالحات، وهم أشاروا إلى صعوبة هذه العملية، بسبب وجود مصاعب سياسية وحزازات طائفية وإثنية. ولكن روسيا ما زالت تبذل جهداً على هذا الصعيد، وبخاصة من خلال شركائها في أستانة، وهي منصة جيدة للحوار. تسعى روسيا إلى الحفاظ على سورية موحدة في وجه التقسيم الذي تسعى إليه الدول الغربية. وقد حاولوا الاستفزاز وزعموا أن الروس والقوات السورية تستخدم الأسلحة الكيميائية، في حين أن المنظمات الإرهابية المدعومة من الولايات المتحدة والقوى الأوروبية هي التي شنت هذه الهجمات الكيميائية. كما نتوقع أن تحصل هناك الكثير من الاستفزازات في سورية. وبعد انتهاء الحرب ستقوم روسيا باستثمارات ضخمة بهدف إعادة البناء والحفاظ على دولة آمنة ومستقرة، إذ إن سورية تعد منطقة مهمة ولدينا قواعد عسكرية في طرطوس واتفاقيات لبناء قواعد عسكرية روسية أخرى في سورية.

7 – يوسف الصواني

الانطباع الغالب عن روسيا في المنطقة لدى معظم الجمهور العام هو أن روسيا دولة انتهازية وأنها تقوم بتمثيلية كبيرة على صعيد عالمي، وأنها لا تملك خطة استراتيجية متماسكة أو رؤية واضحة لمفهوم النظام العالمي الجديد الذي يجب أن يحل مكان النظام القائم الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة وحلفاؤها من الدول الليبرالية. إلى أي مدى ترى أن ذلك ينطبق على الوضع الحالي للمقاربة الروسية على الصعيد العالمي، كيف ترى روسيا نفسها ودورها على الصعيد العالمي، وبخاصة أنك تحدثت عن رغبة روسيا في تأسيس نظام عالمي متعدد الأقطاب. وإلى حين قيام هذا النظام الجديد، هل ستظل روسيا دولة انتهازية تسعى لمكاسب معيّنة، وهي على الأرجح مكاسب إقليمية محدودة حسبما تسمح به الظروف، وهل ستسمح ديناميات النفوذ السياسي بذلك؟ وإذا كان الأمر كذلك، فإن المنطقة العربية لديها جميع الأسباب التي تدفعها إلى الحذر من هذه العلاقة مع روسيا وسياساتها في المنطقة. سؤالي الثاني يخص ليبيا: إلى أي مدى تمت مراعاة الحالة الليبية وتحملت روسيا المسؤولية لحماية الحقوق الإنسانية وآلية تطبيقها في ليبيا من أجل ضمان عملية سلسة لتغيير النظام. روسيا لم تقم بأي دور على الإطلاق، وعوضاً من الاعتراض ووضع الفيتو في مجلس الأمن الدولي، امتنعت روسيا عن التصويت وتخلت عن الموضوع، وهكذا وصلنا في ليبيا إلى ما نحن عليه الآن. إلى أي مدى أدى هذا الأمر دوراً في تكوين سياسة روسيا في الشرق الأوسط وبالذات سورية، وإذا ما تأتت أحداث مماثلة في أي دولة في المنطقة، حيث هناك الكثير من الترجيحات لدول قد تشهد تطورات مماثلة لما يسمى الربيع العربي، فماذا سيكون الموقف الروسي في غياب أي استراتيجية أو رؤية واضحة لنظام عالمي بديل؟ السؤال الثالث: ما هو دور الصين في هذه الرؤية؟

8 – ليونيد سافين

أنا أتفق معك أن روسيا لا تملك أية رؤية استراتيجية حتى الآن، ولكن هناك بعض المؤسسات والمنظمات التي تسعى إلى بلورتها، مثلنا، وذلك من خلال زملائنا ومعارفنا في الإدارات الرسمية والحكومية، سواء في المكتب الرئاسي أو في وزارة الخارجية وغيرهما من الجهات المعنية بالعلاقات الخارجية. أحياناً ننجح في إيصال رؤيتنا ويتم تبني مقترحاتنا وأفكارنا. في رأيي هناك ثلاثة مستويات يجب العمل عليها: نظرة الخارج إلى روسيا، والعمليات السياسية، ورد فعل الدول الغربية تجاه ما تقوم به روسيا. على أرض الواقع، يصعب جداً على روسيا أن تتصرف كما تريد أو كما ترى الأمر مناسباً، وبالتالي لا يمكن تطبيق جميع الخطط على الصعد كافة بسبب رد الفعل السلبي الفوري الذي ستقوم به الدول الغربية. الأمر يعتمد في عدة حالات على الحوار والنقاش وعلى الأقنية الدبلوماسية، ويتم العمل عليها بأساليب غير معلنة. بالنسبة إلى ليبيا، نعم روسيا أخطأت في هذا الموضوع، ولكن الكثير من القرارات التي تتخذها السلطات الروسية والرئيس الروسي تتم بتردد وبأشباه حلول، والمثال على ذلك ما حدث في أوكرانيا والقرم، حيث إن القرم هي ذات أكثرية روسية وتود الانضمام إلى روسيا، لكن لا يمكن لروسيا التصرف كرد فعل على تدخل الدول الغربية، وبالتالي فإن أي تدخل لروسيا في أي مكان سوف يلقى رد فعل غربياً فورياً. وكما أشرت سابقاً، فإننا نحتاج إلى اتفاقيات وشراكات جديدة حقيقية.

في ما يتعلق بالصين فهي لا تحبذ التدخل في أي نزاعات، وبالتالي هي تطبق سياسة النأي بالنفس والصمت وترقب النتائج. وبالنسبة إلى دور الصين في النظام العالمي الجديد فهي لديها علاقات تبادل تجاري قوية مع الولايات المتحدة. ولكن مع ذلك، تبقى الصين مستورداً أساسياً للطاقة من روسيا، كما يوجد توافق في بعض القضايا الأمنية بين البلدين. والصين هي جزء من دول البريكس ومنظمة شانغهاي للتعاون، وهناك توافق بينهما على الدمج بين مشروع «الحزام الواحد – الطريق الواحد» ورؤية الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وقد تم بالفعل وضع خطط لتنفيذ 200 مشروع، ومع أنها لا تزال على الورق إلا أنها جاهزة وسيتم تنفيذها. كما أننا ننظر في التعامل مع باكستان كحليف جديد لروسيا بسبب الطريق الاقتصادي الصيني – الباكستاني، ونود الإفادة من هذا الخط لتنمية الاقتصاد الروسي، إذ إن النقطة الأخيرة في هذا الطريق تبعد 120 كلم فقط من حدود جمهورية قيرغيزستان التي هي عضو في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. ومن واجبنا الإفادة من هذا الطريق التجاري للمصالح الروسية ومن أجل الوصول إلى المحيط الهندي من خلال ميناء غوادر الباكستاني الذي يطل على بحر العرب.

9 – فارس أبي صعب

هناك الكثير من الروايات المتباينة حول دور نظريات ألكسندر دوغين في السياسة الخارجية الروسية. إلى أي درجة يتأثر بوتين به وبنظرياته ومواقفه السياسية؟ وكيف ينعكس ذلك على السياسات الروسية الخارجية، وكيف ينظر دوغين إلى الوضع في الشرق الأوسط وبخاصة الصراع العربي – الإسرائيلي؟ بالنسبة إلى الحركة الأوراسية، هل هناك حركة أوراسية موحدة ذات رؤية جيوسياسية مستقبلية واضحة، وهل تحمل مواقف واضحة حيال الصراعات والتطورات المختلفة في العالم والمنطقة وحول العلاقة بالغرب؟

10 – ليونيد سافين

في ما يخص دوغين، الكثير من آرائه يتم تطبيقها في السياسات الروسية الخارجية، وهو كان قد توقع ضم القرم إلى روسيا عام 1993، على ما أظن في الطبعة الأولى من كتابه أسس الجيوبوليتيكا، كما توقع أننا سنبدأ في حركة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي. طبعاً لم تكن الحركة الأوراسية صغيرة من منظور دوغين، بل تشمل دول الاتحاد السوفياتي السابق، وحتى تمتد على صعيد القارة كلها، أو على صعيد العالم كله كفكرة النظام العالمي المتعدد الأقطاب. وهكذا، خطوة خطوة، يتم تبني وتنفيذ بعض الأفكار في السياسات الروسية الخارجية، وهذا لا يعتمد على ما يقرره بوتين لوحده بل ما تتوقعه الدراسات والتحليلات المتعددة في الجغرافيا السياسية. بالنسبة إلى منظور الأوراسية تجاه الشرق الأوسط، أعتقد أن المنشورات العربية لا تهتم بمفهوم الأفكار الأوراسية التي لا تزال غريبة على عامة الناس في المنطقة. بالطبع على الجميع أن يعي أن الأفكار الأوراسية لم تطور من جانب أناس عاديين بل من جانب مفكرين ومثقفين. وبالتالي هي ليست بأفكار بسيطة، ويجب تبسيطها كي يسهل شرحها لعامة الناس.

11 – حسام مطر

لدي أربعة أسئلة، السؤال الأول يتعلق بالمقاربة الأمريكية لإيران، هل ترى أن هذه الاستراتيجية الجديدة في التعامل مع إيران هي أيضاً موجهة للنفوذ الروسي في الشرق الأوسط؛ هل ترى الولايات المتحدة أنه في إضعافها إيران فهي تلجم النفوذ الروسي أيضاً في الشرق الأوسط؟ السؤال الثاني، هل ترى أن الاتفاق النووي سينهار قريباً في نهاية هذا العام؟ وهل ما زالت روسيا تنظر إلى إيران كشريك استراتيجي، وبخاصة أن الحرب الأهلية في سورية شارفت على الانتهاء، أم أنها تعامل إيران من منطلق المصلحة؟ وما هي الحلول الأمنية التي تتبناها روسيا في سورية والتي تفضلها إسرائيل؟

12 – ليونيد سافين

بالنسبة إلى الاتفاق النووي مع إيران، أعتقد أن ترامب دائماً ما يتعامل مع الأمور من منظوره الشخصي ويحظى بكثير من الدعم من جانب إسرائيل. لذلك سيُسقِط الاتفاق النووي مع إيران، كما تم بالفعل نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس، وهي خطوة تحظى بدعم من عدد من المنظمات. هناك توجهان أساسيان في الولايات المتحدة، وهناك نوع من التوتر الداخلي من السياسة الخارجية المتبعة في الولايات المتحدة، والعديد من الخبراء وصانعي القرار في الوزارات والمناصب الحكومية والرسمية لا يوافقون على سياسات ترامب في الشرق الأوسط، كونه يتعامل مع الأمور من دون أن يكون لديه أي استراتيجية، وهو يتصرف من دون أن يعي عواقب أفعاله وما يقوم به لاحقاً، وهذا أمر جيد بالنسبة إلى روسيا والشرق الأوسط، حيث سترى الدول الأخرى أن الولايات المتحدة ليست بالشريك الجيد لها.

الوجود الروسي في سورية مصمم على تنفيذ جميع التزاماته ومسؤولياته كي تظهر روسيا كشريك جيد مع جميع الدول. كما أن روسيا لا تزال في تحالف استراتيجي مع إيران، وقمنا منذ بضعة أسابيع بتوقيع اتفاقية حول منطقة حرة في إيران مع الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، ونحن في صدد التفاهم على اتفاقيات متعددة، اقتصادية وعسكرية وأمنية، فالجماعات الإرهابية التكفيرية التي تنشط شمال القوقاز هي مصدر قلق، وقد قدمت إيران إلى روسيا معلومات قيِّمة بسبب تقارب وجهتي نظرهما حيال هذه الموضوعات وبسبب تخاصم السعودية مع إيران. وأعتقد أن التعاون الاستراتيجي مع إيران سيتطور خلال السنوات المقبلة. ربما يكون هناك بعض الخلافات على بعض القضايا ولكنها لن تكون عائقاً.

في ما يتعلق بإسرائيل، لدينا علاقات دبلوماسية معها، ونحن لا نزال نتعاون معها على عدة صعد، ولكن المهم ألا تقوم إسرائيل بالامتثال للعقوبات الغربية المفروضة على روسيا.

13 – لونا أبو سويرح

شكراً ليونيد على هذه الأجوبة، التي تم تناول بعضها بطريقة دبلوماسية وبعضها الآخر تم الخوض بتفاصيلها. إن فكرة الاتحاد الاقتصادي الأوراسي هي فكرة مثيرة للاهتمام وكفيلة بإعادة التوازن إلى النظام العالمي، وبخاصة إذا ما كان اتحاداً ذات قوة اقتصادية وسياسية. ولكن ما لم ألمسه من النقاش هو ما يمكن أن يقدمه هذا الاتحاد الاقتصادي الأوراسي إلى المنطقة هنا؟ كيف يمكننا التعاون معه، على صعد أكبر من مجرد إقامة مناطق تجارة حرة. هل يمكنك أيضاً أن تخبرنا عن الدور الروسي ليس في سورية فقط بل في المنطقة على المدى الطويل – لقد أفدتنا بأن روسيا ستبقى في سورية بسبب أهميتها الجيوسياسية والاقتصادية، ولكن ماذا عن الدول الأخرى في المنطقة؟ هل يمكنك التوسع في هذه النقطة لتتخطى مفهوم التبادل التجاري، بل كيف تمكنت الولايات المتحدة مثـلاً من التغلغل في الأنظمة واختراقها والتدخل في شؤونها وقراراتها من خلال التقديمات والمساعدات المختلفة، حيث إن جميع الدول الأوروبية لديها برامج مساعدة وتطوير وتنمية ورعاية اجتماعية واقتصادية، وهل في إمكان الاتحاد الأوراسي تأدية هذا الدور؟ وبالعودة إلى سؤال حسام مطر حول انهيار الاتفاق النووي مع إيران، ما الذي يمكن أن يحصل؟ هل سنستيقظ لنشهد بداية حرب جديدة ضد إيران؟ وماذا سيكون الموقف الروسي منها؟

14 – ليونيد سافين

يتميّز الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، الذي تعَدّ روسيا محركه الأساسي، بتنوع إنتاجه من مصادر الطاقة وغيرها من المنتجات والخدمات، وعلينا فقط مراقبة ما هي حاجات المنطقة هنا وما ينقصها، على سبيل المثال ربما بعض تكنولوجيا النفط والغاز التي نقدمها حالياً إلى سورية ونطبقها لدينا في روسيا؛ كما يمكننا تزويد المنطقة بعض المنتجات الروسية أو العكس، أي جلب بعض الدينامية للحركة الاقتصادية وإقامة العلاقات وتوطيدها مع دول المنطقة. لدينا حالياً بعض العلاقات والتعاملات مع جميع الدول، ولكن تبقى المسألة هي كيفية تحويل هذه العلاقات إلى علاقات دائمة ومستمرة. ولدينا بنك التنمية الأوراسي (EDB) ومقره موسكو الذي يُعطي قروضاً وديوناً للقرم وقيرغيزستان، ولكن أنشطة هذا البنك محصورة بالدول الأعضاء في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، وللأسف لا يمكننا الآن التوسع في أنشطته لتشمل دولاً أخرى غير عضوة في التمويل. لكن في المقابل يوجد بنك التنمية الخاص بدول تحالف البريكس الذي يقع مقره في شنغهاي وهو يقدم مثل هذه الخدمات إلى دول أخرى غير أعضاء في البريكس، سواء كانت في آسيا أو أفريقيا.

بالنسبة إلى إيران، لا أعتقد أن الولايات المتحدة ستشن حرباً عليها، بل هي تمارس ضغوطاً ربما من أجل خنقها اقتصادياً لإثارة الاحتجاجات المدنية وغيرها من التحركات. هذه هي الاستراتيجية الرئيسية التي قامت الولايات المتحدة بتطويرها منذ نحو عشر سنوات، وقد تلقيت دروساً في بعض هذه المسائل. وقد كانت جميع هذه المسائل مطروحة على مكتب أوباما، وكل ما يقوم به ترامب الآن هو متابعة العمل على الأجندة المعدّة سلفاً.

15 – وسيم أبي رافع

في المنطقة العربية يوجد اختلاف حول نموذج الدولة الذي نريد (الدولة الإسلامية، الدولة العربية، الدولة الوطنية)، وعلى الرغم من هذا الاختلاف، أعتقد أن هذه المشكلة أو غيرها من المشكلات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والسياسية هي ليست المشكلات الأساسية، وكذلك الحروب الأهلية داخل الدول أو التخاصم بين الدول العربية، فهذه المشكلات مرحلية ويمكن حلها إذا كانت لدينا عزيمة وتصميم على معالجتها. لكن المشكلة الأساسية والمحورية التي نعانيها هنا هي الوجود الإسرائيلي واعتداءاته على دول المنطقة واحتلاله أراضي فلسطين وغيرها. هناك قرارات دولية خاصة بفلسطين؛ فما هو موقف روسيا حيال سبل تطبيق تلك القرارات، وما هو موقف روسيا من حلمنا بتحرير كل فلسطين، وهل ستساعدنا في حرب ضد إسرائيل كما يحصل في سورية الآن أم أن موقفها سيكون لمصلحة إسرائيل؟

16 – ليونيد سافين

في هذا السياق لا يمكنني سوى أن أعبر عن رأيي الشخصي ومنظوري للأمور. أعتقد أن إسرائيل دولة مصطنعة وهي غريبة عن هذه المنطقة، والكثير من المسيحيين الأرثوذكس الروس مرتبطون ومتمسكون بفلسطين، سواء من حيث العقيدة أو من حيث التاريخ، وهؤلاء يجب أن يكون لهم تمثيل قوي في الكنيسة. ويجب تصنيف القدس كعاصمة عالمية واعتبارها منطقة مفتوحة، لكن لا يمكن للنظام الإسرائيلي القيام بهذا الأمر بسبب عدم الثقة به، لذا يمكن روسيا تنظيم هذا الأمر، على أن يحظى ذلك برعاية ودعم عالميين، وتكون القدس عاصمة عالمية خاضعة للحماية العسكرية الروسية، وهكذا لن تكون هناك مشكلة. أعتقد أنه في السنوات الخمس أو العشر المقبلة ستكون روسيا محايدة في ما يتعلق بفلسطين.

17 – الياس فرحات

بالنسبة إلى التدخل الروسي في سورية، كتبت مقالة في نهاية عام 2012 نشرت في جريدة السفير اللبنانية تحت عنوان «روسيا تدافع عن نفسها في سورية!» وقد كانت رؤيتي تجاه مسرح العمليات أن روسيا والصين مستهدفتان من خلال الحرب في سورية. وفي ربيع 2015 أرسل المرشد الأعلى للثورة الإسلامية في إيران السيد علي خامنئي وفداً برئاسة علي أكبر ولايتي إلى الرئيس بوتين وأخبره أن المستشارين الإيرانيين وحزب الله قاموا بعمل رائع ولكنه لا يكفي لمواجهة جيش الفتح الضخم والمسلح الذي سيطر على كامل محافظة إدلب، وبالتالي كان الوضع خطيراً جداً ويهدد بسقوط وشيك لدمشق. وقد شاهدنا فجأة نشر طائرات عسكرية روسية في مطار حميميم الجوي في أيلول/سبتمبر 2015، وبدأت القوات الروسية بقصف جيش الفتح لمدة 3 أشهر ودمرت معظمه، وهو كان جيشاً ضخماً كلف تسليحه وتدريبه مليارات الدولارات. الآن لا يزال الوجود الروسي في سورية أشبه برد دفاعي، لأنه لو سقطت سورية بيد القاعدة وغيرها من التنظيمات المتشددة المدعومة من تركيا، فالصراع سينتقل إلى القوقاز وآسيا الوسطى والصين وسنشهد زعزعةً لجنوب روسيا التي ستعاني مشاكل أمنية في محيطها وفنائها وداخلها. روسيا الآن في موقع دفاعي، بدءاً من جورجيا مروراً بأوكرانيا وسورية، أما الغرب فهو في حالة هجوم. وسورية هي إحدى جبهات المواجهة، هذه ليست عملية تدخل أو عملية نشر جنود يمكن سحبها في ما بعد، وبالتالي أتوقع مزيداً من عمليات نشر الجنود الروس في أماكن أخرى في المنطقة في حال توسع الصراع. فالوضع لا يزال خطيراً ولم يحسم بعد، ولا تزال روسيا تواجه مخاطر كبيرة في المنطقة على الرغم من النجاحات الكبيرة التي حققتها بالتعاون مع الجيش السوري وحزب الله والمستشارين الإيرانيين على مدى السنوات الخمس الماضية. وبالتالي أعتقد أن روسيا ستعمد إلى تعزيز وجودها العسكري عوضاً من الانسحاب.

18 – كريم المفتي

لدي سؤال يتعلق بتقييمكم لخطاب بوتين في ميونيخ 2007، الذي يعد مرجعاً لجميع الخبراء والليبراليين، ما هو رأيكم في هذا السياق على مدى 10 سنوات. من الواضح أن روسيا عادت إلى الظهور على الخريطة وقد حققت مكاسب على الأرض ووضعت حداً للإمبريالية الغربية وتدخلها في الشرق الأوسط، ولكن الشرق الأوسط ليس في وضع أفضل – روسيا في وضع أفضل، ولكن وضع الشرق الأوسط يتدهور. ما هو تصوركم ورؤيتكم للشرق الأوسط بين ما طرحه بوتين عام 2007 كرؤية جديدة لعالم متعدد الأقطاب وكيف ستبدو السنوات العشر المقبلة بعد التدخل الروسي في منطقة الشرق الأوسط؟

19 – ليونيد سافين

أعتقد أن هناك فكرتين أساسيتين في خطاب بوتين في ميونيخ 2007، الأولى هي أن روسيا منفتحة على التعاون مع جميع دول العالم وحتى الغربية. الثانية هي أن الدول الغربية لم تعد الدكتاتور الذي يملي على العالم ما يقوم به، وبالتالي هو نوع من التحدي الروسي للدول الغربية، وهذه النقطة في التصور والرؤية مقلقة جداً من وجهة نظري. أما بالنسبة إلى الشرق الأوسط، فأعتقد أنه مع مزيد من العمل يمكن أن تنجح هذه الفكرة إذ إن الوجود الروسي هو بمنزلة وجود مواز للوجود الغربي. نحن لا نتعامل مع المنطقة أبداً كما تتعامل معها القوى الاستعمارية الخارجية، مثل ألمانيا وبريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، بل نتعامل مع القوى المحلية والرسمية بصفة دبلوماسية. ونحن لا نزال نبحث عن فرص لتوطيد العلاقات، ويبدو أن رؤية وتصور الآخر لروسيا لا تزال تقوم على هذا المفهوم والمنظور وبأنها أبداً لم تكن يوماً مثل الدول الاستعمارية والمحتلة.

20 – يوسف الصواني

بالنظر إلى العوامل التي استشهدت بها والتي تلمح إلى تقديم وشرح سياسة روسيا وتوجهاتها العالمية، على المدى المتوسط كيف ترى تطور الأمور في المنطقة بعد التدخل الروسي؟

21 – ليونيد سافين

كما قلت سابقاً، ليس لدى روسيا الآن أي استراتيجية واضحة للمنطقة ولكنها تعمل على تطوير استراتيجية خطوة بخطوة. أعتقد أن العمليات في المنطقة، والحرب نفسها، تعتمد على أمرين، الأول هو موقف ووجهة نظر المنطقة من العلمانية، فهل سيستمر العمل وفق وجهة النظر والأفكار الليبرالية، فلن يتأتى حينها أي شيء جيد، بل ستستمر الصراعات والمشاكل في التفاقم. أما إذا نظرنا إلى الناحية الأخلاقية والدينية – وربما من الأفضل أن نسميها المركَّب الأخلاقي – فهناك الكثير من الأديان داخل دولتنا ولكن لدينا رؤية واضحة حول التعامل مع العالم، كيف نعيش ونحمي أنفسنا… أعتقد أن هذا التوجه يعاود البروز شيئاً فشيئاً في منطقة الشرق الأوسط وحتى في المجتمع الأوروبي والغربي. وإذا ما استمر هذا التوجه فسيكون هذا الأمر جيداً، حيث سيكون هناك لدى الناس قيم مشتركة متبادلة تحفِّز على التعاون وتحل كثيراً من المشاكل. ويمكن روسيا أن تنشط في هذا المجال، بسبب تعدد خلفيات المجتمع الروسي وبسبب اهتمامها بهذا الموضوع والعمل عليه وإعداد الكثير من البحوث والدراسات والوثائق، وأنا نفسي أيضاً شاركت في عدد من المشاريع المعنية بهذا الأمر الممولة من المكتب الرئاسي، وقد طبّقنا القيم التقليدية والوطنية على صعيد الأنشطة العالمية، وهكذا. الآن نحن لا نزال في التحضير.

22 – يوسف الصواني

بالعودة إلى هذا السياق والأطر التي تقوم على اعتماد المعايير الأخلاقية في السياسات الخارجية، ما هو دور الكنيسة الأرثوذكسية؟

23 – ليونيد سافين

الكنيسة الأرثوذكسية ليست موحدة بل هي عبارة عن تجمع لعدة كنائس، وهناك مشاكل في التعامل مع كنيسة إسطنبول في تركيا كونها تتبع الأفكار الغربية، وأعتقد بالتالي أن المسؤولية الأكبر تقع على عاتق الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا لأنها أكثر الكنائس الأرثوذكسية نفوذاً، وهذا أمر متعارف عليه. الكنيسة في روسيا جاهزة لتقديم الدعم والتعاون، وهناك بعض البطاركة في الكنيسة الأرثوذكسية الروسية وفي المجتمع الفلسطيني، وإذا ما بدأ العمل في هذا المنهاج شيئاً فشيئاً فسيكون أمراً جيداً، كما أن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية تتعاون على نحو جيد مع المجتمع الإسلامي في روسيا، وبالتالي لدينا الأسس لبناء منصة مشتركة مع المسلمين في المنطقة. المشكلة تكمن فقط في أنشطة الفئات السلفية والوهابية التكفيرية.

24 – لونا أبو سويرح

بما أننا أتينا على ذكر الكنيسة الأرثوذكسية، فلعلك مدرك لحقيقة أن هناك مئات الآلاف من الروس الأرثوذكس الذين زعموا أنهم يهود بهدف الهجرة إلى إسرائيل ولكي يحصلوا على الجنسية الإسرائيلية وذلك للهرب من حكم الاتحاد السوفياتي حينها، وللحصول على المزايا التي كانت تمنح لليهود في إسرائيل. ربما على الكنيسة الأرثوذكسية أن تطالب بعودة هؤلاء المسيحيين إلى دينهم الأصلي. وهناك حوارات جدية في الكيان الصهيوني وروسيا حول هذا الموضوع، هل هذا الأمر مطروح للنقاش في روسيا، هل يمكنها السعي والمطالبة بعودة هؤلاء الأرثوذكس؟ وبخاصة أن التقديرات تشير إلى أنهم يصلون إلى نحو 600 ألف شخص. كما حصل اتجاه مماثل في الأرجنتين كذلك.

25 – ليونيد سافين

لم أسمع أبداً عن هذا الأمر، هذا أمر مشوِّق وعلي الرجوع إلى الخبراء حول هذا الموضوع لبحثه. هناك ظاهرة جديدة في الغرب والولايات المتحدة، فأغلبيتهم باتت من البروتستانت، وبخاصة في الولايات المتحدة وبريطانيا.

26 – كابي خوري

في بداية الحوار، كنت قد طلبت الاستماع إلى آرائنا وانطباعاتنا، في الواقع نحن مسرورون بالفيتو الروسي في مجلس الأمن الدولي، مواصلة استخدام الفيتو أمر مهم جداً. والنقطة الثانية نحتاج إلى مزيد من الدعم العسكري المسلح، وبخاصة مضادات الطائرات S-300 وS-400، هل تعتقد بأن التدخل الروسي سيؤدي إلى طرد الولايات المتحدة من المنطقة نهائياً؟

27 – ليونيد سافين

أعتقد أن الولايات المتحدة ستبذل كل ما في وسعها للحفاظ على هيمنتها وسيطرتها على المنطقة، حيث لديها قواعد مهمة في الخليج تحسباً من إيران، بل إن الأمر برمَّته يعكس وجهة النظر الجيوسياسية الأمريكية للمنطقة الهادفة إلى السيطرة على جميع آبار وخطوط النفط والغاز، والدول، والنخب الحاكمة، وبالتالي ستبذل كل ما بوسعها لتحقيق ذلك، ولكن نظراً إلى أن النظام العالمي نفسه بدأ يتغير فهناك احتمال جيد بالمحافظة على استقلالية الدول وضمان بقاء سيادتها على أراضيها، وهذا ما تدعمه روسيا.

28 – يوسف الصواني

لكن السؤال يبقى أنه نظراً إلى محدودية القدرات والموارد الروسية، فهي لا تتمتع بنفس الإمكانات الهائلة التي لدى الولايات المتحدة على عدة صعد، منها الاقتصادي والعسكرية، وبالتالي يجب عدم توقع مزيد من التدخل الروسي في المنطقة أو العالم، حيث إن الأمر يستهلك الموارد ويضع مزيداً من القيود عليها ويغضب الدول الغربية والولايات المتحدة التي ستقوم بدورها بفرض مزيد من العقوبات وربما الدخول في مواجهة عسكرية إذا ما دعت الحاجة. وبالتالي وبالعودة إلى سؤالي السابق حول التصور للمنطقة في غضون 5 أو 10 سنوات ودور روسيا في المنطقة، فإن جوابي هو أن روسيا ستظل في موقع رد فعل دفاعي. وماذا عن مراكز الدراسات؟ وهل من دور للشيوعيين الآن في روسيا؟

29 – ليونيد سافين

نعم لا تزال روسيا الآن تؤدي دور رد الفعل الدفاعي. في رأيي أن العائق الأكبر هو النقص في الموارد البشرية، والنقص في العقول المفكرة، وبخاصة في قسم السياسات الخارجية والبعثات الدبلوماسية، حيث لا يزال هناك الكثير من الليبراليين المنخرطين في البعثات الدبلوماسية ووزارة الخارجية، وهم يمضون كل مدة عملهم من دون تقديم أي جديد أو بذل مجهود، بل حتى يتحولون إلى عائق في بعض الأحيان ويعرقلون القرارات التي تصدر عن بوتين، وذلك ليس على صعيد السياسة الخارجية فقط بل حتى في السياسة الداخلية أيضاً. على سبيل المثال، منذ نحو 6 سنوات، كانت هناك أوامر أيار/مايو الشهيرة التي أصدرها بوتين، وحتى الآن، نصف هذه الأوامر لم تصدر أو لم تنفذ بعد، والأمر نفسه ينطبق على السياسة الخارجية والبعثات الدبلوماسية، هذه مدرسة ليبرالية قديمة تتألف من بيروقراطيين منذ أيام الاتحاد السوفياتي وكما أشرت سابقاً، فهم يكتفون بتسلّم المنصب من دون تقديم أي أفكار جديدة إلا في حالات معيَّنة ومحدودة تتمثل بزيارة بعثة دبلوماسية تتألف من شبان جدد طموحين لأول مرة إلى بلدان لإقامة علاقات معها. بالنسبة إلى مراكز الدراسات، هناك الكثير من هذه المراكز التي تتحلى بنزعة وطنية، ولكن السياسة العامة المعتمدة الآن ليست جيدة، لأنه على صعيد السياسة الداخلية يصعب إيجاد تمويل لها لتبقى مستقلة، وبالتالي لا تحظى مراكز الدراسات والمؤسسات الفكرية الوطنية بالكثير من الدعم إلا من جهات فردية أو تبرعات، ونحن نعمل على توفير مزيد من الدعم لها، كما نحاول التأثير قدر الإمكان في السياسات الداخلية والخارجية. وقد بات دور الشيوعيين يضمحل شيئاً فشيئاً كل عام.

30 – حسام مطر

يبدو أن روسيا لا تحاول مواجهة أو تحدي الولايات المتحدة، لا في المنطقة ولا في العالم، بل هي مهتمة فقط بالحصول على الاعتراف والتقدير من الولايات المتحدة وأن تكون شريكاً كامـلاً في النظام الدولي وهذا متصل تماماً بالإمكانيات والقدرات، فروسيا حريصة جداً وتدرك مدى محدودية إمكانياتها ومواردها، وهي محكومة بالتفكير الواقعي والمنطقي، وفي سورية الآن هم يحاولون أن يفرضوا على الآخرين حقهم وقدرتهم في تأدية دور فاعل لتعزيز الأمن والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، فالروس يوجهون رسالة لكل من الصين وأوروبا والولايات المتحدة، أنهم إذا ما أرادوا الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط فإن روسيا مستعدة وقادرة على ذلك، وبالتالي عليهم الاعتراف بروسيا كقوة عظمى لا كقوة إقليمية. هذه هي محدودية الطموح الروسي في المنطقة الآن.

31 – جمال واكيم

علي قول بعض الكلمات قبل إنهاء الحلقة، أولاً كان من دواعي سروري أن أؤدي دور الوسيط لهذا اللقاء مع المركز، وأشعر بمسؤوليتي تجاه المركز وفي نفس الوقت مع الحركة الأوراسية. بدأت اتصالي مع ليونيد منذ بضع سنوات وقد نشرت بالفعل مقالتين معهم وأنوي نشر المزيد من المقالات معهم في المستقبل، وسبب أخذي المبادرة هو لأنني كنت أحاول أن أفهم دور القوى غير الغربية والمنافسة للهيمنة الأمريكية، وهذا ما دفعني إلى محاولة فهم الدور الروسي وبخاصة في عهد بوتين، ما أدركته هو أن هناك عاملاً منطقياً. وما قاله ليونيد عن أنه واقعي، أي أنه يفضل الطابع المنطقي في مقارباته، ولكن يجب أن ندرك أيضاً أن هناك دوراً للعامل غير المنطقي في اتخاذ القرار الروسي، وهو ما يتمثل بالمصالح المحددة، وحسب فهمي لهوية الجغرافية السياسية الروسية، اعتمد أكثر فأكثر على تصور وفهم ورؤية كل من ليونيد سافين وألكسندر دوغين ونيكولاي غوميليف، وغيرهم من المفكرين الروس، ولكن ما يحصل الآن بالنسبة إلى روسيا يودي بالسياسة الوطنية التي تروِّج المصالح الوطنية التي هي دائماً محدودة الآفاق والأبعاد ولا تتمتع باستراتيجية جيوسياسية، وهذا يفسر سبب قرب ألكسندر دوغين في مرحلة من المراحل من بوتين، ولكن في مرحلة لاحقة كان بعيداً نوعاً ما بسبب هذه المصالح المحددة لطبقة الأوليغارشية. على سبيل المثال، زرت موسكو أول مرة في عام 2015 أو 2016 لأحضر مؤتمراً سنوياً تعقده وزارة الدفاع، وقد فوجئت برؤيتي للعدد الكبير لمراكز الدراسات التي تمت دعوتها إلى المؤتمر، وقد كانت مراكز الدراسات الروسية معظمها مؤيدة لإسرائيل، وقد اتصلت بليونيد لأعلم عن عدم دعوة مؤسسته الفكرية إلى المؤتمر. وبالتالي أهمية هذا الحوار بالنسبة إلي هو من أجل بناء علاقات مع مراكز الدراسات والمؤسسات الفكرية الوطنية الروسية التي ليست على صلة بطبقة الأوليغارشية ولا تحظى بتمويل ودعم من هذه الطبقة التي تميل للفكر الليبرالي والغربي، إن لم نقل موالية للصهيونية. وقد جرى في المؤتمر جدال بين المؤسسات الفكرية الروسية الوطنية وتلك الموالية للصهاينة، وهذا يفسر سبب التفاوت في عمليات صنع القرار في ما يتعلق بالمصالح الروسية بين المسار الذي يجب أن تأخذه روسيا تجاه مسألة معينة ولكنها تأخذ قراراً مغايراً بعيداً من هذا المسار، سواء كان سياسة خارجية أو داخلية. آمل أن تكون هذه الحلقة بداية علاقة وطيدة بين المركز والحركة الأوراسية من أجل التوصل إلى فهم أفضل للجغرافية السياسية الروسية وخصائص السياسة الروسية في المنطقة أو العالم □