مقدّمة

رافقت أطروحة «ما بعد الإنسان»[1] دعوات إلى التّغيير في مختلف وجوه الحياة، من ذلك مجال العلوم الإنسانيّة بدءًا بالمفاهيم وصولًا إلى المناهج. تبلورت هذه الهالة التغييريّة أو التجديدية في جملة من الخُطب المنشغلة بالتجديد التكنولوجي بالذّات لكونه يمسّ مختلف المجالات كالتعليم، والصحّة، والصّحافة، واللغة والطّب، والاتّصال، وغيرها. تتجذّر هذه الخُطب مجتمعة في «خطاب مصاحب» للتّكنولوجيات الجديدة الطارئة على الحياة البشريّة.

في المقابل، لم تكن المدوّنة المعرفيّة العربيّة، حول التكنولوجيات الجديدة للاتّصال في مستوى تحدّيات الظّاهرة وإشكاليتها، إذ لم تتجاوز الأغلبيّة العُظمى للبحوث والدّراسات الإمبيريقية المختصّة بهذا الموضوع المنشورة خلال العقد الماضي (2010-2020)، مثلًا، عتبات «التفريغ» (وليس التحليل حتّى) الكمّي باستخدام تطبيقات إلكترونيّة لأجوبة عن أسئلة استمارات توزعت على عيّنات بحث. لم يُبدِ مؤلفوها الجهد الإفهاميّ والتفهّمي اللازم، لولا صلوحيّة هذه المادة الأوّلية المُستعجلة لبحوث من صنف التحليل الثاني أو الفوقي (Metanalysis) يُراهن عليها للتّوصل إلى نتائج إضافيّة، تفهمنا هذا الخطاب أكثر، وتعطينا خريطة اتّجاهاته الكُبرى.

يتعرّج خطاب التكنولوجيات الجديدة للاتصال في الزّمان والمكان، مكونًا «تردّدًا بين القديم والجديد»، وبين العالم الماديّ ونظيره الافتراضي[2] الأمر الذي يستدعي عُدّة فهم مغايرة لأنّ المتن لم يعد خطّيًا بحيث يمكن تتبّعه في تطوّره وسيرورته، بدءًا بمنطلقاته وصولًا إلى مآلاته. وفي غمار الإجابة عن السؤال (كيف نفهم هذا الخطاب؟)، تعترضنا إشكاليات المنهج! ليصبح السّؤال هنا: بأيّ منهج نفهم؟

تُطرح، في هذا الصّدد، المقاربة التحليلية بوصفها منظومة تفكيكيّة تجمّد حركة الخطاب (المتعرّجة) كي يتسنّى تمييز تمفصلاتها (حلقاتها) وفهمِها على مَهَل. ويذهب بنا الطمّوح الذّهني هنا إلى الانخراط في عمليّة «تفهّميّة»، بل حتّى «هيرمينوتيقيّة» نُعيد بها الخطاب إلى أوّله أي معناه الحقيقي. ولنا اعتماد منهج تحليل الخطاب[3] بوصفه أداة فهم أرحب، تأخذ في الحسبان سياقات الخُطب المكونة للخطاب، من تحليل المضمون الذي يختصّ في الحفر أكثر في دائرة خطابيّة محدودة في الزّمان والمكان. وبالرّغم من الإغراءات المنهجيّة للمقاربة التحليليّة المتأصّلة في التاريخ العرفاني البشري، فإنّ جدّة الخطاب المدروس، المصاغ حول التكنولوجيات الجديدة للاتّصال، وخصوصية مضمونه (حول ظاهرة ما بعد حداثيّة، ما بعد تكنولوجيّة) استدعت من الباحث الكثير من التأني والتدبّر المنهجي في سبيل التوفيق في حسن اختيار المنهج، إذ تحصل مفارقة بين فروض المنهجيّة التحليليّة التجزيئيّة المُثبِّتة وموضوع التحليل المتحرّك المتعرّج المتطوّر (الكلام عن التكنولوجيات الجديدة للاتّصال).

يُردّ هذا «القلق المنهجي» إلى التناقض بين فلسفة اشتغال المنهج (التحليلي الثابت) وطبيعة المضمون (الخطاب المتعرّج والمتحرّك)، وهو قلق وظيفي أحالنا على التفكير في منهجيّة قادرة على التعامل مع سرعة حركة الخطاب وتعرّج اتّجاهاته وتعدّد سياقاته. وبعقل تراكمّي بنائي، لا تقويضي، تمّ استدعاء مقاربة أخرى «تكميليّة»، لما عجزت عنه المقاربة التحليليّة، وهي النّسقيّة المُختصّة بالتعقيد[4].

يحيلنا ما تقدّم على سؤال مركزي كبير: هل تحقّق المنهجيّة الفهم أم أنه مهارة ذهنيّة متأصّلة فينا؟ تنبع منه أسئلة فرعيّة: أيّهما يسبق الآخر؟ إذا ما تغيّر المنهج، هل يتغير الفهم؟ هل الفهم واحد أم هو فهوم؟ وإذا ما كان فهومًا متعدّدة، فهل نبقى في دائرة العلم أم نخرج إلى هوامش الخُطب وما تحتمله من آراء وأهواء؟

تلوح النّسقيّة منهجًا تفاعليًّا جريئًا قادرًا على إدارة تعقيد هذه الأسئلة المحرِّكة لهذا المقال العلميّ الهادف إلى فهم العلاقة بين الفهم والمنهج، وكيفية تسخير الثاني (ولو بالتنويع والتكميل) لتحقيق الأوّل. وكإطار نظرّي نعتمد ما يُطلق عليه فيليب بروتون «الخطاب المصاحب للتكنولوجيات الجديدة»[5].

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 548 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 548 تشرين الأول/أكتوبر 2024

المصادر:

نشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 548 في تشرين الأول/أكتوبر 2024.

علي غوايدية: مدرّس في قسم الصّحافة، الجامعة العربيّة الخاصّة للعلوم – تونس.

[1]  روزي بريدوتي، ما بعد الإنسان، ترجمة حنان عبد المحسن مظفر، عالم المعرفة؛ 488 (الكويت: المجلس الوطني للثّقافة والفنون والآداب، 2021).

[2]   علي غوايدية، «خطاب النّخب الفكريّة العربيّة حول الميديا الجديدة: مقاربة تحليليّة نقديّة،» (أطروحة دكتوراه، علوم الإعلام والاتّصال، معهد الصّحافة وعلوم الإخبار، منّوبة، 2022).

[3]  سلوى الشرفي، تحليل الخطاب: الرسائل السياسية في وسائل الإعلام (منوبة: مركز النشر الجامعي، 2010).

[4]   Arlette Yatchinovsk, L’approche systémique pour gérer l’incertitude et la complicité (Paris: ESF éditeur, 2005).

[5]  حينما تدخل التكنولوجيات الجديدة إلى مجتمع، تصاحبها مجموعة خُطب تُصاغ حولها مشكّلة خطابًا مصاحبًا. يُنتج هذه الخطب مختلفُ الفاعلين المتداخلين فيها من سياسيين ومبتكرين وباحثين وفلاسفة ومثقفين وأكاديميين وغيرهم. وتتنوّع الخطب في مواضيعها عاكسة مواقف منتجيها من التكنولوجيا الجديدة، التي تُختزل عمومًا في مثلث القبول والوسائطيّة والانغلاق: القبول إلى حدّ التملّك والاحتفاء، الانغلاق والرّفض إلى حدّ الازدراء، الوسائطيّة بانتقاء ما يفيد «الوسيط» كموقف وسطي حذر ومهادن. تأتي مواقف «الفاعلين» المتكلّمين عن التكنولوجيا الجديدة كنوع من أنواع «التوسيط»، «الرّابط بين الأشياء التكنولوجيّة واستخداماتها» عبر «الثقافة المهنيّة للقادة والمراقبين» للمزيد، انظر: Philippe Breton, «Que faut-il entendre pardiscours d’accompagnement des nouvelles technologies?,» Dossier de l’audiovisuel (l’institut national de l’audiovisuel, Lyon), no. 103 (mai-juin 2002), pp. 6-8.

 


علي غوايدية

أستاذ باحث في علوم الإعلام والاتّصال، من مواليد قفصة، تونس (1991). يدرّس في قسم الصّحافة في الجامعة العربيّة الخاصّة للعلوم (تونس). حائز درجة الدّكتوراه من معهد الصّحافة وعلوم الإخبار (جامعة منّوبة – تونس)؛ له عدّة منشورات ومشاركات علميّة، فضلًا عن مجموعة شعريّة منشورة. عمل في الصّحافة الورقية والإلكترونيّة.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز