مقدمة

أدى التشتت الكبير الذي يعيشه الوطن العربي، في ظل الأنظمة القطرية التي يتخبط أغلبها في مشاكله الداخلية الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، إلى تدنّي نسب المشاركة السّياسية للفرد فيها كناخب أو مترشح ناجم عن ترذيل العمل السّياسي وبخاصة بعد عام 2011 في بعض الأقطار العربية ومنها تونس، فتخلت أغلب الفئات الاجتماعية ولا سيما الشّبابية عن ممارسة حقها في المواطَنة والمساهمة في القرار الوطني والحديث في الشأن السياسي. وهذا ما قد يؤثر في تراجع التداول في القضايا السياسية المهمة وعلى رأسها القضية الفلسطينية التي شهدت ركودًا في تداولها بعد ما سمي الربيع العربي، الذي عدّه بعض الملاحظين «ربيعًا عبريًا» يروّج التطبيع مع الكيان الصهيوني، حيث أدّت بعض الأنظمة السياسية العربية وبعض الشخصيات الأكاديمية والفنية وبعض التيارات السياسية في هذه الدول دورًا في نشر ثقافة التطبيع مع «دولة إسرائيل» تحت ما يسمى ثقافة كونية تلغي الخصوصيات وتدعو إلى التّسامح والتعايش السلمي. وقد استُغل التطور الكبير في مجال الاتصال ليتم التسويق لهذه الفكرة افتراضيًا. لكن مع طوفان الأقصى تبين للملاحظ أن ردود أفعال المجتمع العربي مع الحدث ومن خلاله المجتمع التونسي لم يكن مجرد تضامن إنساني مع شعب يتعرض لإبادة جماعية، بل عبّر عن متانة الروابط التي تجمع بين الشعوب العربية والنابعة من وحدة الهوية والمصير تجلت في قوة المواطَنة العربية لديهم التي تظهر بخاصة في الأزمات. ولعل الحرب على غزة قد مثلت مجالًا خصبًا تمظهرت فيه رابطة الهوية وتعبيرات المواطَنة العربية في التضامن مع طوفان الأقصى متعدد الأشكال فما هي تجلياتها؟

أولًا: الإطار المنهجي

الإشكالية: تعدّ الحرب على غزة والاحتجاجات التي عاشها المجتمع العربي نصرة للقضية الفلسطينية وتنديدًا بالانتهاكات التي تمارس على الشعب الفلسطيني فرصة لمعرفة قوة المواطَنة العربية التي تجاوزت المواطَنة في مفهومها الدستوري القطري الضيق إلى مواطَنة عربية عبّرت عن وحدة الهوية وقوة انتماء الجماهير العربية إلى وطنهم الكبير. فما هي تجليات المواطَنة العربية من خلال التظاهرات المختلفة التي شهدها الشارع التونسي تفاعلًا وتضامنًا مع طوفان الأقصى وما دورها في التعريف بالقضية الفلسطينية والتحشيد لها ومساندتها؟

الأهداف: تهدف هذه الدراسة إلى: (1) إبراز أنّ التضامن العربي مع فلسطين ليس مجرد تضامن إنساني مع شعب يتعرض للإبادة الجماعية بل هو شعور برابطة قوية نحو قضية توحّد الهوّية والمصير رغم محاولات طمس هذه الحقيقة. (2) عدم الاستهانة بممارسة كل أشكال المواطَنة العربية من اجتماعية وثقافية ورياضية واقتصادية وافتراضية وغيرها في الدفاع عن الحق الفلسطيني في غياب موقف سياسي عربي موحد ينتصر للقضية.

أهمية الدراسة: تبرز الدراسة أن «عقل القتل» الذي سار على دربه الصهيوني لاجتثاث الأرض وطمس الهوية قد فشل فشلًا ذريعًا مهما أظهر من قوة عسكرية وإرهاب أمام قوة المواطَنة العربية. فالتشبث بحق الحياة والأرض – رغم الدمار والتشريد – الذي أظهره شعب غزة داخل فلسطين وبقية الشعب العربي المساند من خارجها عبّر عن قوّة مواطَنة عربية أيقظت الضمير العربي الذي رأى أن واجب الدفاع عن فلسطين هو «واجب عين» (قياسًا على المفهوم الديني «فرض عين»)، وتلك أسمى غايات المواطَنة العربية التي تجلت في الداخل الفلسطيني وخارجه بعدة أوجه في وقت أصبح البعض يظن أن هذه المواطَنة ربما تلاشت أمام عدم تدوينها في الدساتير وأمام تعوُّد المشهد الفلسطيني وتراجع التداول في شأنه في السنوات الأخيرة وبخاصة أمام توق المحتل إلى قتل القضية تدريجًا، ومارس «عقل القتل» الصهيوني في ذلك كل أساليب القتل، وبموازاة ذلك عمل المستوطن الصهيوني إلى قتل كل شرايين الحياة وحاول عزل فلسطين بكل الطرق وقطع كل أوجه الاتصال بينها وبين بقية العالم. لكن عملية طوفان الأقصى صمدت أمام «عقل القتل» الذي فشل في قتل جينات المقاومة لدى المواطن العربي داخل فلسطين بخاصة وخارجها بعامة. فرغم عبثية آله القتل والدمار التي تفعل فعل الزلازل في تدمير سبل الحياة فإن الصمود الأسطوري الفلسطيني وتمسكه بحقه في الحياة والمقاومة اللامحدودة في الداخل والمساندة غير المشروطة من المواطن العربي في الخارج المتعددة الأشكال حرموا دعاة القتل من التلذذ بممارسة هوايتهم المرضية وتحقيق هدفهم. لن يكتب لـ«نظرية القتل الصهيونية» النجاح ولن تصمد مهما تفاخرت بمناهج الميركافا والطائرات المسيّرة أمام قوة الحق الفلسطيني وقوة التشبث بحق الحياة اللتين أفرزتا نماذج عالمية في الصبر والقوة، فأصبح الصحافي وائل الدحدوح آية في الصبر على الابتلاء، ويصبح الطفل الفلسطيني عائل أخوته ورجل العائلة منذ نعومة أظفاره عندما يُفتقد الآباء، وتصير المرأة الفلسطينية أسطورة في الصمود حين تدفن أبناءها وهي تزغرد وتستأنف حياتها، وأصبح كل الشباب مسعفين وما هم بمسعفين، ويصبح الطبيب صحافيًا وما هو بصحافي، والمحارب يتحدى بوسائل دفاع متواضعة قوة المنافس ويقول «حلل يا دويري» هذه العظمة والتحدي والصمود. لقد نسجوا وما زالوا ينسجون ملحمة مشتركة ستذبح «عقل الموت» الصهيوني على صراط غزة لتنبت جنة غناء على إنقاد أرض احتضنت أهلها وارتوت من دمهم لتعيد إنتاجه فتزهر بعد حين بأجمل الورود والرياحين.

البراديغم النظري ومنهج البحث:        وجدت الهبة التضامنية العربية مع طوفان الأقصى جذورها في المصطلح الدوركايمي المشهور «الضمير الجمعي» أو «الوعي الجمعي» الذي يشير إلى قوة الرابطة الجماعية التي لها جذور مشتركة ثقافيًا واجتماعيًا وتتفاعل مع بعضها لتظهر وحدة متينة داخل مجموعة تستمد منها قوتها وتفرض تشريعاتها ومبادئها على الأفراد[2] الذين استبطنوها داخل ضميرهم الجمعي القابع في الشعور وداخل الوجدان وأصبح التزامهم بها واجبًا أخلاقيّا. فأصل مفهوم الوعي الجمعي أو الضمير الجمعي هو مصطلح يتبع علم النفس وهو ما أكده دوركايم عندما رأى أن «المفهوم الذي تتضمنه كلمة الوعي أو الضمير هو جهاز مكون من الوجدان وليس الجهاز العقلي… ويحدث هذا الجهاز التضامن الميكانيكي أو التضامن المشابه، إنه متجذر في التشابه بين أفراد المجتمع الذين قد يشتركون في الرغبات والمشاعر والعواطف نفسها[3]، وهذا ما تجلى في تعبيرات المتظاهرين والمتضامنين مع طوفان الأقصى في البلدان العربية ومن بينها تونس. في تعريف دوركايم للأسرة بما هي «وحدة وثيقة في الأفكار والمشاعر والمصالح»[4] ساعدت على تفسير المد التضامني اللامحدود مع القضية الفلسطينية بوصف العائلة هي النواة الأولى في المجتمع. «ولقد ساعدت وحدة الدم والتجاور المادي وترابط المصالح والحاجة إلى الاتحاد لمواجهة خطر مشترك… أدى إلى التقارب[5]، فالإيمان العربي بوحدة القضية ووحدة المصير عزز الشعور بوحدة الهوية وأوجب ممارسة المواطَنة العربية المتعددة الأوجه؛ وهو ما سأسعى لإبرازه معتمدة منهجًا وصفيًا تحليليًا يستند إلى تقنية الملاحظة المباشرة للتظاهرات والاحتجاجات والتعبيرات التي شهدها الشارع التونسي في التضامن مع فلسطين في إثر عملية طوفان الأقصى وسنستعين بتحليل مضمون بعض التدوينات التي نُشرت على الشبكات الاجتماعية حول الموضوع.

الفرضيات: بيّنت الحرب على غزة من خلال التعبيرات المختلفة للجماهير العربية المتظاهرة تجليات مواطَنة عربية في وجدان الشباب العربي هبّت لنصرة القضية الفلسطينية، وعبرت عن وحدة هوية لن تمحوها سياسات التشتيت والتفرقة بين الشعوب العربية.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 548 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 548 تشرين الأول/أكتوبر 2024

المصادر:

نشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 548 في تشرين الأول/أكتوبر 2024.

[1] سامية محمد المختار بوعبيد: أستاذة في المعهد العالي للعلوم الإنسانية في مدنين، جامعة قابس – تونس.

[2]   David Jary and Julia Jary, Collins Dictionary of Sociology (New York: Harper Collins, 2000), p. 93.

[3]   Emile Durkheim, The Division of Labour in Society, translated by George Simpson (New York: The Free Press, 1993), p. 9.

[4]              Ibid., p. 9.

[5]             Ibid., p. 9.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز