«الظهير» هو المعاون أو المعيل القوي؛ وقد وردت هذه الكلمة (الظهير) في القرآن الكريم سبع مرات، وهو ما يدل على أن التوسل بهذه الكلمة يعطي دلالة على أن الدور الذي ننيطه بالنخبوي والمجتمعي هو دور محوري وليس بثانوي. اللغة العربية هي إحدى طبقات الهوية وليست دينًا أو الدولة. أتحدث هنا عن الهوية من جهة الترسخ والثبوت لا من جهة الأهمية أو المكانة. ماذا يعني هذا الكلام في سياق الحديث عن اللغة والهوية والتنمية؟ له معانٍ واستحقاقات متعددة، فهو يعني أن العربية بالنسبة إلى العربي هي ركيزة إدراكه لذاته وهي تمثِّل تماهيًا تامًا مع ذاته العميقة. العربية هي التي تصنع للعربي مشاعره تجاه نفسه متجسدة في شعوره بأنه عربي ودلالة عميقة تشير إلى وعي الوعي، أي وعيه أنه يعي أنه عربي، وهو لا يعرف أنه عربي فحسب بل يعرف أنه يعرف أنه عربي. مستوى التفكير هذا في أدبيات علم النفس الاجتماعي يسمى الانعاكسية. وإذا ما استعرنا مصطلحات عالم النفس البريطاني جيمس آلن (James Allen) (1864 – 1912) يمكننا أن نقود بمعادلتي الفاعل والمفعول به كما يلي: «العربية هي الذات العارفة، الذات الفاعلة. والعربي هو الذات المعروفة، الذات المفعول بها». كل ذلك يؤكد خطورة اللغة في مصير العربي ومستقبله. من الأدواء التي أصيبت بها الثقافة العربية المعاصرة أنها باتت في بعض أدبياتها وممارساتها تؤمن بقوالب صريحة أو دينية بما يمكننا وصفه بالجبرية السياسية، حيث يؤمن الإنسان العربي بأن السياسي هو مسؤول عن كل صغير وكبير ومقبل ومدبر في عالمنا العربي. هذا ما يجعل الإنسان متخفتًا من قدر كبير من المسؤولية النخبوية متجنبًا وخز الضمير بقدر ما تسعه هذه العقلية. من شأن هذه الجبرية الصريحة أو الضمنية أن تضمر الوعي للعقل والوجدان، بل قد تصل إلى إيقاف نموِّه وتجميد العقل والوجدان على فكرة فاعلية السياسي المنشودة المفقودة. لا خلاف البتة حول أن السياسي يؤدي دورًا جوهريًا في المسألة اللغوية، وذلك فيما يتعلق بالسياسة اللغوية من جهة إقرارها في التشريعات والقوانين، ومن جهة ترجمتها على أرض الواقع، وعدم اضطلاع السياسي بهذه المهمة يعرض اللغة العربية لمخاطر وتحديات كثيرة. أود أن أشير هنا إلى أن ثمة خطرًا وتحديًا ينبعان من النخبوية والمجتمع نفسيهما، وقليلاً ما نعالج هذا الأمر بوضوح ونتطرق إليه بسرعة، وهو الظهير النخبوي والمجتمعي.
قبل تناول بعض الأبعاد والمظاهر التي تؤكد خطورة الدور النخبوي والمجتمعي سأجيب باختصار عن بعض الأسئلة التأسيسية، ما هي السياسة اللغوية؟ ولماذا نضعها؟ ثمة تواشج عضوي بين مفهومي التخطيط اللغوي والسياسة اللغوية، إذ يندر أن يعالج أحدهما من دون معالجة الآخر. الفرق الجوهري بينهما يكمن في أن السياسة اللغوية تُضَمّنُ بطريقة أو بأخرى في الوثائق الرسمية التي تعتمدها الحكومات إزاء اللغة الرسمية وحقوقها وامتيازاتها وبكل استخداماتها اليومية في الحياة والتعلُّم والتجارة والإعلام وغيره. أما التخطيط اللغوي فيشير إلى الجهود التي تبذَل لتحقيق هذه السياسة في أرض الواقع. نضع السياسات اللغوية ونخطط للغتنا من أجل حمايتها وتأمينها في مستقبل أيامها بما يجعلها قادرة على النمو وفق كينونتها هي، بما في ذلك معاونتها على احتضان الفرص المواتية أو تلك التي يمكن أن تكون مواتية، وعلى تخطي التحديات الراهنة والقادمة على حد السواء. حماية اللغة وإنماؤها هما الباعثان الرئيسان للسياسة اللغوية وما يتبعها من تخطيط ونضال لغويين. هذه الحماية للغة تتبنى في نهاية المطاف المحافظة على هويتنا العربية الإسلامية ودفعنا إلى التفكير والإبداع في مختلف العلوم والتقنيات والثقافة والأدب. باختصار، نحن ننمي لغتنا من أجل أن تنمِّينا هي.
بعد هذا التقديم الخاطف، نشير إلى جملة من الممارسات النخبوية المجتمعية وكيف أنها تشكل خطرًا وتحديًا للغة العربية في الأجيال الحاضرة والمتوسطة والبعيدة، واضعًا إياها في مشاهد مباشرة في سياق أحدث فيه مقارنة بين دور السياسي من جهة ودور النخبوي المجتمعي من جهة أخرى، ذلك حتى نوضح ما نحن في سبيله من أخطار وتحديات نخبوية واجتماعية قائمة.
المشهد النخبوي الأول: يقترح بعض أفراد النخبة اللغوية تجاوز بعض القواعد النحوية أو الصرفية بحجة شيوع استخدامات تتعارض مع هذه القاعدة أو تلك. ومنهم من يقترح إضافة حرف إلى اللغة العربية من أجل تمكينها من نطق كلمات أعجمية، وقد يُقدم هذا الاقتراح بصيغة ورقة بحثية أو يُنشر على وسائل التواصل الاجتماعي في قالب تغريدة على التويتر أو نص على الفيسبوك، وهو قد يحصل على بعض التأييد أو علامات الإعجاب. وهنا نتساءل، ألا يدرك هذا النخبوي أن اللغة هي بحد ذاتها رأسمال جماعي حيث يستيقظ وعي الإنسان على لغة يرثها ممن سبقوه ولا يحق لأحد بأن يتصرف بما لا يملكه ملكية خاصة ولا أن يبدل فيه من تلقاء نفسه. فاللغة حينما تكون رأسمالًا جماعيًا فهي ليست ملك شركات الأموال، وإنما هي شركة تضامن تقوم على أفراد يتعارفون فيما بينهم ويتشاركون في قارب تضامني حيال الأرباح والخسائر. فالربح والخسارة اللغوية يتشاركها الجميع كافة، ولو غرموا في ذلك ذخائرهم الخاصة، ألا يدرك هذا النخبوي اللغوي أن اللغة ليست إناءً خاصًا في محيط بيته يتصرف فيه كما يشاء؛ فيزيد وينقص ويغير ويبدِّل، بل هي فناءٌ عموميٌ يحوط ما يستوعبنا كلنا. فلا أحد من ثم يستطيع التصرف في اللغة إلا عبر قوانينها هي، وإلا كان المتصرف جائرًا وتحمّل تبعات ذلك، إن عاجلاً أو آجلاً. لو تجاوز بعضنا في شيء من قواعد العربية وبعضنا في شيء آخر منها، ما بقي منها شيء. تخايلوا أن يقوم أحد بتجاوز خطوط هذه القاعدة لغويًا بانتشال أساليب تعبيرية في المجتمع تخالفها، ثم يأتي آخر بالمنطق نفسه ويقترح تجاوز قاعدة لغوية أخرى، ثم يأتي آخر. هنا نصبح إزاء تجاوز القواعد اللغوية وأصولها وسنكون إزاء ما يمكن وصفه بأنه شرخ في زجاجة اللغة. الحياة نوارة بالحركة، والحركة متسببة حتمًا في هز الزجاجة هزًا يفضي إلى زيادة الشرخ وتعاظمه، وستكون في متتالية من المتغيرات والاقتراحات لتغيير هذه القاعدة اللغوية أو تلك، وهذا ما يكسر زجاجة اللغة وتفقد القدرة من ثم على أن تحافظ على تراكمية تراثنا الديني والثقافي والأدبي والعلمي، حتى تغدو العربية كالإنكليزية، مثلاً تبدُّل جلدها كل بضعة قرون. في المقابل، ألم يضع السياسي مجمعًا لغويًا من أجل أن يتصدى للمسائل اللغوية المستجدة عبر اجتهادات علمية جماعية رسمية رصينة، لا اقتراحات ذاتية فردية عشوائية. هل يتحمل النخبوي مسؤوليته ويكف أذاه عن اللغة؟
المشهد النخبوي الثاني: يُقَر برنامج ماجستير أو دكتوراه في حقل من الحقول الإنسانية والاجتماعية في جامعة من الجامعات العربية، وتكون لغة التعليم الإنكليزية لا العربية، من أقر ذلك؟ هل هو السياسي؟ لا بل النخبوي الأكاديمي، على افتراض أنه يصح أن نعد الأكاديمي نخبويًا. من الذي خذل اللغة هنا؟ إنه النخبوي الأكاديمي. لماذا؟ لأنه تشرب في لاوعيه أن لغة العلم هي اللغة الإنكليزية وأنه لا أمل لنا في اللحاق بالغرب المتقدم سوى التدريس بهذه اللغة، مع التحجج بعدم وجود مراجع رصينة يمكن الاعتماد عليها في برامج الدراسات العليا ونحو ذلك. ألا يحق لنا في هذا السياق أن نتساءل، ألا يُدرك هؤلاء الأكاديميون ارتباط الثقافة بالفكر وتأثيرها بالحقول الإنسانية والاجتماعية بالذات؟ ألا ينوي هؤلاء الأكاديميون الكسالى أن يبحثوا ويطوروا مفاهيم ونظريات جديدة؟ ألا ينوون تأليف كتب رصينة؟ كيف نتعامل مع هذا البؤس الأكاديمي؟ كيف نزيل هذه الاعتقادات الخاطئة من رؤوسنا؟ في المقابل، ألن يقر السياسي ضمن السياسة العامة للتعليم أو السياسة العامة للغة أن تكون لغة التعليم هي العربية؟ هل يتحمل النخبوي مسؤوليته ويكف أذاه عن اللغة؟
المشهد الاجتماعي الأول: نشاهد في مجتمعاتنا العربية من يفتتح مشروعًا تجاريًا، فيبادر إلى انتقاء اسم أعجمي له بحجة أنه يومئ إلى جودة المنتج أو الخدمات المقدمة. وقد يتعدى ذلك نطاق الاسم، حيث تستخدم اللغة الأعجمية الإنكليزية أو الفرنسية للدعاية أو الإشهار وقد تستخدم في المعاملات والسجلات. في القطاع السياسي، فالسياسة اللغوية تنص على وجوب كون الأسماء التجارية عربية، هل يتحمل المجتمعي مسؤوليته ويكف أذاه عن اللغة؟
المشهد الاجتماعي الثاني: هناك من يفضِّل تعليم أبناءه في مدارس أجنبية، وقد يتعدى الأمر ذلك حيث يحرص على الحديث معهم بلغة أجنبية أعجمية داخل البيت بصفة كاملة أو شبه كاملة، وذلك من أجل تكريس المهارة اللغوية في الأعجمية وجعلها اللغة الأساسية في التكلم والتعبير، بحجة أن في ذلك ضمانة للمستقبل والعمل. في المقابل، ألم يضع السياسي سياسة تعليمية تنص على كون اللغة العربية هي الرئيسية في التعليم وينشئ المدارس العامة التي تطبق هذه السياسة. هل يتحمل المجتمعي مسؤوليته ويكف أذاه عن اللغة؟
وثمة مشاهد ومشاهد بالسياقات النخبوية والمجتمعية، وما ذكرته لا تكاد تكون مجرد أمثلة. وفي الختام أقول إن ثمة أخطارًا وتحديات نابعة من بعض الممارسات النخبوية المجتمعية، وهي بحاجة إلى نقد شفاف ومعالجة رصينة هادئة تضم إزالة الأفكار والاتجاهات السلبية وزرع تصورات واتجاهات إيجابية محلها. فمن يتصدى لمثل هذه المهمة النبيلة. حينها يسعنا القول إن ثمة ظهيرًا نخبويًا مجتمعيًا يسند السياسية اللغوية وينضجها ويدفعها إلى التطبيق، وهو ما يجعل العربية جزءًا من الحل النخبوي والحضاري.
أوراق ذات صلة:
السياسات اﻟﻠﻐوﯾﺔ اﻟﻌرﺑﯾﺔ: اﻟظﮭﯾر اﻟﺗﻧﻣوي واﻻﻗﺗﺻﺎدي
بيان اللسان لبناء الإنسان: أوان إكساب أبناء الحضارة العربية الإسلامية جوهرهم الثقافي
المصادر:
نُشرت هذه الورقة في مجلة المستقبل العربي العدد 532 في حزيران/يونيو 2023.
قُدمت هذه الورقة بالأصل ضمن أعمال ندوة «اللغة العربية وأسئلة الهوية والتنمية» التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية عبر تطبيق زووم في 24 آب/أغسطس 2022.
[1]عبد الله البريدي: باحث وأكاديمي سعودي.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



