أولاً: السلطة والجسد الانضباطي

«حُكم على داميان (Damiens)، في الثاني من آذار/مارس سنة 1757، بأن يدفع غرامة معنوية هي الإقرار بذنبه علناً أمام باب كنيسة باريس الرئيسي، حيث يجب أن يُسحب ويُقاد في عربة، عارياً إلّا من قميص يستره، حامـلاً مشعـلاً من الشمع الملتهب وزنه قرابة الكيلوغرام؛ ثمّ وفي العربة نفسها، عند ساحة غريف (Gréve)، وفوق منصة الإعدام التي ستنصب هناك، يجري قرصه بالقارصة في حلمتَيه وذراعيه، وركبتيه وشحمات فخذيه، على أن يَحمل في يده اليمنى السكين التي ارتكب بها الجريمة المذكورة، جريمة قتل أبيه، ثم تُحرق يده بنار الكبريت، وفوق المواضع التي قُرص فيها يوضع رصاص مذوَّب، وزيت محمَّى وقار صمغي حارق، وشمع وكبريت ممزوجان معاً، وبعدها يمزّق جسده ويقطّع بواسطة أربعة أحصنة، ثم تُتلف أوصاله وجسده بالنار، حتى تتحول إلى رماد يذرى في الهواء.

[..] وأخيراً تم تفسيخه، ودامت هذه العملية الأخيرة مدّة طويلة جداً، لأن الأحصنة التي استخدمت لم تكن متعودة على الجر، بحيث إنه بدلاً من أربعة، كان لا بد من استخدام ستة؛ ومع ذلك لم يكن هذا كافياً، فتوجب من أجل اقتطاع ركب البائس التعيس، قطع أعصابه ومفاصله بالفأس.

[..] وبعد محاولتين أو ثلاث محاولات، سحب كل من الجلّاد سمسون والمنفّذ الذي قرصه سكيناً من جيبه، وقطّعوا الفخذين من دون جذع الجسم. وكانت الخيول الأربعة تشدّ في أقصى قوتها فسحبت الفخذين وراءها؛ أي الفخذ من الجهة اليمنى أولاً، والآخر بعده؛ وبعدها حدث الشيء ذاته بالذراعين وفي موضع الكتفين والإبطين وفي الأقسام الأربعة؛ لقد توجب قطع اللحم حتى العظم تقريباً، وكانت الخيول تشدّ بكل قوتها فسحبت الذراع الأيمن أولاً ثم الذراع الآخر بعده. وبعد اجتزاء هذه الأقسام، نزل المعرِّفون لكي يكلموه؛ ولكن جلّاده قال لهم إنه مات، رغم أنّي في الحقيقة كنت أرى الرجل يضطرب والفكّ السفلي تذهب وتجيء كما لو كان يتكلم. وبعد ذلك بقليل قال أحد الجلادين: إنهم عندما رفعوا جذع الجسم لرميه فوق الحطب المشتعل، كان ما يزال حياً. وسُلخت الأطراف الأربعة عن أمراس الخيول ورميت فوق الحطب المشتعل المعدّ داخل العرصة على خط مستقيم من منصة الشنق، ثم غُطي الجسم بالحطب وبالرزم ووضعت النار في القش المختلط بهذا الخشب» (Foucault, 1975: 9‑12)‏[1].

يوضح هذا مشهد التعذيب الذي افتتح به ميشال فوكو كتابه المراقبة والمعاقبة (1975)، أحد الأشكال التاريخية التي تمثّلت بها «السلطة» لتعلن عن وجودها وحضورها. كانت السلطة قبل القرن الثامن عشر تتباهى بمنصات الإعدام والمشانق المنصوبة في الساحات العامة وأعمدة التشهير والدواليب المنشورة في أسواق المدن، وكانت الأجساد المصلوبة أو المتدلية على الحبال، بما فيها منظر الجلّادين والمشانقة، تمنحها الرهبة والهيبة اللازمة لإنتاج شكلها المنشود من الانضباط. كانت السلطة تستثمر في العقاب بتحويله إلى طقس استعراضي واحتفالي، مجسدة معالمه في مشهد تعذيب مسرحي تحرص أن يراه أكبر حشد ممكن من المتفرجين: جسداً مقموعاً على منصة، أو مصلوباً على عمود، أو رأساً معلقاً على جسر أو بوابة المدينة. كانت السلطة حسب فوكو تعلن عن وجودها من خلال جسد المحكوم عليهم (الجسد المقطّع والمحرّق والمبتور والمشوّه والموسوم)، وكان حضورها يتأكّد في استحواذها على هذا الجسد وجعله – من خلال الممارسة العلنية للتعذيب – مكاناً لإظهار سطوتها وجبروتها. وقد كانت هذه العلانية المتبناة، باعتمادها المسرح والمنصة وضمان أكبر قدر ممكن من المتفرجين، بمثابة التكنيك الذي استعملته السلطة لتكون مرئية عند الذين تمارَس عليهم.

إن التعذيب، وغيره من وسائل الإكراه التي تستخدمها السلطة كآلية لإنتاج الجسد الطيِّع والقابل للتحكّم، يسميها فوكو بـ «الانضباطات». ويعرِّف فوكو الانضباط كنوع من «التشريح السياسي» للجسد الذي يهدف إلى تأسيس نمط من السيطرة الذي لا يسعى إلى مجرد التحكم بالجسد وضبط سلوكاته فقط، ولكن يقوم أيضاً على تنمية مهاراته ورفع مردوديته. ويعتقد فوكو بأن تاريخ الجسد مدخل مفيد إلى دراسة السلطة، لأن «التشريح السياسي» للجسد هو أيضاً ميكانيك سلطة؛ فهو «يحدّد كيفية التوصل إلى التسلّط على جسد الآخرين، ليس فقط من أجل أن يحقّقوا المطلوب، بل لكي يتصرفوا كما يراد لهم، مع التقنيات ووفقاً للسرعة والفعالية المحدّدة لهم. إن الانضباط يصنع هكذا أجساداً خاضعة ومتمرسة، أجساداً «طيّعة». فالانضباط يزيد في قوى الجسد (بالمعنى الاقتصادي للمنفعة) ويقلّص هذه القوى بالذات (بالمعنى السياسي للطاعة)» (Foucault, 1975: 162).

لقد كان استخدام السلطة للتعذيب كوسيلة لصنع الجسد الانضباطي، قبل القرن الثامن عشر، تكنيكاً ناجحاً من الناحية السياسية، ولكن آثاره الأخلاقية جعلت منافعه تتآكل تدريجياً؛ فمع انتشار مبادئ عصر الأنوار، وتطور فكرة حقوق الإنسان والنظريات الكبرى للحق، ونمو الوعي السياسي المرافق لها، إضافة إلى ازدهار الآداب والفنون ومظاهر الحضارة الأخرى، جميعها عوامل عدَّلت من أذواق الناس وجعلتهم أقل رغبة في مشاهدة مظاهر التعذيب والتنكيل بأجساد المحكوم عليهم. تزامنت هذه التطورات مع الاحتجاجات ضد التعذيب التي قادها الفلاسفة وفقهاء القانون والبرلمانيون من أجل «إزالة الجسم كهدف للقمع الجزائي» (Foucault, 1975: 14). كانت هذه الأصوات تنادي بضرورة أن يحترم العقاب «إنسانية» المعاقَب، وأن تدخل العملية الجزائية في مجال التقويم وليس الانتقام من جسد المحكوم عليهم. ومع نهاية القرن الثامن عشر، اكتملت صورة هذه الحركة الاحتجاجية ضد التعذيب إلى ظرف وصف فوكو معالمه كالتالي: «توقف القصاص عن أن يكون علنياً بصورة تدريجية. وكل ما كان فيه من مظاهر استعراضية كان بعد ذلك مقروناً بالشجب والاستنكار؛ وإذ لم تعد وظائف الاحتفال العقابي مفهومة بصورة تدريجية، بدأ الشك في هذا الطقس الذي ‘يلزم’ الجريمة بأنه يقيم معها علاقات قرابة مشبوهة: أن يعادلها، إن لم يكن يتجاوزها وحشية، وأن يعوّد المشاهدين على وحشية كان يراد صرفهم عنها، وأنه يُظهر السجّان بمظهر المجرم، والحكّام بمظهر القتلة، وأن يقلب في اللحظة الأخيرة الأدوار، وأنه يجعل من التعذيب موضوع شفقة أو إعجاب» (Foucault, 1975: 15).

كانت السلطة مجبرة، لمواجهة هذه التطورات، على التخلي عن ممارسة التعذيب ووسائل الإكراه الأخرى التي تتناول الجسد، وأصبحت بحاجة إلى اعتماد استراتيجيات جديدة لصنع الجسد الانضباطي وابتكار حيَل مبدعة لتضمن استمرار حضورها المعتاد في محيط الخاضعين لها. وهكذا بدأت السلطة تهذّب نفسها، وأخذت تنزع عنها تدريجياً سمات العنف والوحشية التي ميزتها في السابق، وبدلاً من العلانية المعتادة، بدأت تحاول الاختفاء والتواري عن الأنظار، مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بقدرتها على فرض الانضباط وتوسيع حضورها وسيطرتها على مواضيعها. وكانت الاستراتيجية الجديدة تقضي بممارسة نوع من «الإكراه بواسطة الرؤية»، والذي يتمثل ببناء «جهاز توحي تقنياته التي تسمح بالرؤية بمفاعيل سلطوية» (Foucault, 1975: 201). إن التحول القيمي الأهم الذي حملته هذه التقنية الجديدة يتمثّل بمقاصدها التأديبية؛ فهذا الانضباط الذي تنتجه الرؤية لا يهدف إلى التحكّم في الجسد فقط، وإنما يمتد إلى التحكّم في استعداداته وقواه الكامنة. ومن هنا جاءت فكرة أن يكون هذا المرصد الذي يتيح هذه الرؤية، أي السجن، مؤسسة للتأديب والتهذيب، وللإصلاح والتربية، بدلاً من العقاب والانتقام.

لا يكمن الحل بالنسبة إلى السلطة الانضباطية في السجن في شكله العام، وإنما في نوع خاص وفريد من السجون القائمة على هندسة معمارية خاصة. تتميز هذه الهندسة بأنها تتيح رقابة داخلية التي تضمن مشاهدة مفصّلة لمن يوجد فيها، والأهم من ذلك أنها هندسة معمارية «تشكّل عامـلاً في تغيير الأفراد: تؤثر في من يأوي إليها، وتسيطر على سلوكهم، وتوصل آثار السلطة إليهم، وتقدّمهم كموضوع معرفة، وتغيّرهم. فالحجارة تستطيع أن تُطوِّع وأن تُعرِّف» (Foucault, 1975: 202). ولكن ما هو أهم من هذه الرؤية الداخلية التي تتيحها هذه الهندسة المعمارية هو تعذر الرؤية لدى أولئك الخاضعين للمراقبة. تتيح هذه الهندسة للسلطة مجالاً لرؤية الخاضعين لها بدون أن يتمكّنوا من رؤيتها. هذه هي الفكرة الأساسية لهذا البناء المعماري الجديد للسجن، الذي دعاه جيريمي بينتام (Jeremy Bentham) بـ: البانوبتيكون (Panopticon)، والتي تنص على أن السلطة يجب أن تكون منظورة وغير ملموسة.

إن الانتقال من التعذيب إلى العزل والاعتقال (السجن) يجسّد حسب فوكو «انتقال العقوبة من فن في الأحاسيس التي لا تطاق إلى نظام لاقتصاد الحقوق المعلّقة». ويتجلى هذا التحوّل القيمي الذي طال السلطة الجزائية في الانتقال من سعي الجلّاد سابقاً لضمان توقيع أكبر قدر ممكن من الألم على جسد المحكوم إلى سعي الطبيب في أيامنا إلى إلغاء الألم نهائياً عن جسد المحكوم بالإعدام. إن اعتماد الطبيب بدلاً من الجلّاد، والإبرة المهدّئة بدلاً من السوط والمقصلة، يرفع عن العدالة الاستهجان ويمنحها المديح الذي تحتاجه. وبسبب إلغاء الألم الجسماني من الإجراء العقابي، لم تعد مراسم الإعدام اليوم تحمل التعاطف والشفقة والإعجاب كما كانت في السابق، وإنما جعلت «منتهى طوباوية الحياء القضائي»، كما يقول فوكو، «تتجلى في الحرمان من الوجود مع تفادي الإحساس بالألم» (Foucault, 1975: 15). بيد أن التحول الأكثر أهمية نلمسه في مجال التقنيات الجديدة التي اعتمدتها السلطة لصنع الجسد الانضباطي.

لم يعد الاستحواذ على الجسد وسيلة السلطة لإنتاج الانضباط، وإنما اتجهت الآن إلى ممارسة السيطرة من بعد (من مسافة)، وبشكل غير مباشر ومن دون الاحتكاك التقليدي الذي يولّد المقاومة. ببساطة، انتقلت السلطة من المعاقبة إلى المراقبة. تتناول هذه الدراسة تلك الهندسة المعمارية التي تتيح إمكان أن تكون السلطة في كل مكان، ولكن بدون المواجهة المباشرة مع الخاضعين لها. بالبناء على فكرة البانوبتيكون عند بينتام وفوكو، سنبيّن كيف حوّلت تقنيات المراقبة الإلكترونية مجتمعاتنا إلى ما يشبه السجن البانوبتيكي، حيث تراقب السلطة جميع سمات الحياة الإنسانية باستعمال الوسائط التكنولوجية ككاميرات المراقبة والأقمار الصناعية والهواتف الخلوية والإنترنت. بينما ندرك اليوم بأننا كلّنا تحت المراقبة، لا نعرف هوية من يراقبنا أو موقعه، ومتى وكيف نكون موضوعاً للمراقبة. لهذا السبب ربما نعيش في ما يشبه المجتمع البانوبتيكي‏[2].

إن الغرض الرئيسي من هذه الدراسة هو منهجي في المقام الأول؛ فهي تسعى، في أسلوب مبسّط قدر الإمكان، إلى لفت الانتباه إلى أنّ مفهوم الأمن (وكذلك حقل الدراسات الأمنية) المبني على «التحليل الاستراتيجي» – أي المؤسس على قيم السيادة والاستقلال والمتمركز في القطاع العسكري – اختزالي في أحسن الأحوال ومضلّل في أسوئها‏[3]. تعج الدراسات الأمنية المكتوبة باللغة العربية بالسطحية الناجمة عن إهمال الباحثين لأطر التحليل السوسيوتاريخية. نظريات العلاقات الدولية غير كافية، وبدون تحليل أمني لعلاقات الدولة – المجتمع، أو تدريب جيّد في النظرية السياسية والاجتماعية، يبقى التحليل الاستراتيجي في سطح الظاهرة الأمنية ولا ينفذ إلى أعماقها أبداً. إنّ التحليل المقدّم أعلاه لسعي السلطة إلى صنع الجسد الانضباطي، وبقيته التي تفسّر انتقالها في أيامنا لإنتاج مجتمع المراقبة، بمنزلة مثال على التحليل السوسيوسياسي الضروري لمقاربة الديناميكا الأمنية المعاصرة، كتجمعات المراقبة التي نتناولها في هذه الدراسة.

يعتبر مفهوم البانوبتيكون مألوفاً لدى الباحثين في ميادين الفلسفة وعلم الاجتماع، ولكن، ورغم تأثيره الكبير في حقل دراسات المراقبة، إلّا أن هذا المفهوم، وأعمال فوكو بشكل عام، لا يزالان مجهولين لدى العديد من الباحثين العرب في حقل الدراسات الأمنية وفي تخصص العلاقات الدولية بشكل عام. يكاد يكون مثل هذا الغياب محيّراً إذا أخذنا في الحسبان الأثر الكبير الذي مارسته أعمال فوكو في ما يعرف بـ «مدرسة باريس» للدراسات الأمنية، ناهيك بالمقاربة ما بعد – الحداثية في نظرية العلاقات الدولية (Wæver, 2004: 1‑25). ستحاول هذه الدراسة إعادة «النظرية السياسية» إلى الدراسات الأمنية العربية (المفرطة في بُعديها الاستراتيجي والدولي)، وكشأن أي محاولة أخرى، ستكون نتائجها غير مضمونة.

ثانياً: البانوبتيكون والبانوبتية

قدّم جيريمي بينتام في مؤلَّفه الكتابات البانوبتية (1791) مشروع هندسة معمارية لنوع من السجون يقوم على طريقة خاصة في التوزيع المكاني دعاه البانوبتيكون (أو المستشرف). ويتم بناء هذا التصميم الهندسي في شكل يشبه الهرم تكون قاعدته دائرية، بحيث يمكن من خلال القمة رؤية قاعة بنظرة واحدة. تتشكّل قاعدة هذا الهرم من مجموعة خلايا تمثّل غرفاً للسجناء، ويكون بعضها معزولاً عن بعض بجدران جانبية تمنعهم من الاتصال بعضهم ببعض. وفي قمة الهرم يقع برج المفتش الذي يستطيع من خلاله أن يراقب برؤية واضحة وشاملة كل الغرف الموزعة في قاعدة البناء، بدون أن يتمكن نزلاء هذه الغرف من رؤيته (Bentham, 1995: 35‑36).

يشدّد بينتام على ضرورة أن يكون المفتش في برج المراقبة غير منظور من طرف النزلاء، وهذا ما يجعلهم يفترضون أنهم تحت المراقبة المستمرة والدائمة (حتى إذا كان المفتش غائباً أو نائماً على سبيل المثال). عدم معرفة السجين ما إذا كان تحت مراقبة المفتش في أي لحظة معينة تجعله يمارس ضبط النفس الإرادي على سلوكه ويكون أكثر استعداداً للانضباط (Yesil, 2009: 10). إن الإبداع الرئيسي لـ بينتام، كما يشير دايفيد ليون، يكمن في استعمال هذه الحيرة كوسيلة للتبعية: «خلقت النظرة اللامتماثلة الحيرة التي أنتجت الاستسلام تباعاً» (Lyon, 1994: 65). وتمدّ هذه التقنية، بلا أدنى شك، السلطة بمفاعيل مقتصدة لفرض الانضباط، لأنها تضمن عملها الآلي بدون المواجهة التقليدية المباشرة مع الجسد، وهنا يكمن التأثير الرئيسي للبانوبتيكون حسب فوكو: «الإيحاء إلى المعتقلين بحالة واعية ودائمة من الرؤية تؤمِّن وظيفية السلطة الأوتوماتيكية» (Foucault, 1975: 254).

جادل بينتام بأن البانوبتية ليست مجرد هندسة معمارية مخصصة للسجون فقط، وإنما هي طريقة في التوزيع المكاني تمثّل مخططاً شامـلاً للمجتمع. وقد أعلن عن طموح مشروعه بشكل صريح في الفقرة الافتتاحية لكتابه التي ذكر فيها بأنه: «يمكن إصلاح الأخلاق، وصيانة الصحة، وإنعاش الصناعة، ونشر الثقافة، وتخفيف الأعباء العامة، وإسناد الاقتصاد […] يمكن تحقيق كل هذه الأشياء بواسطة فكرة بسيطة في الهندسة المعمارية!» (Bentham, 1995: 31). اعتقد بينتام بأن هذا المخطط قابل للتطبيق على جميع الأمكنة التي تحتوي تجمعات بشرية كبيرة أو المؤسسات التي تعمل على وضع عدد من الأشخاص تحت المراقبة كالمدرسة، والمصنع، والمستشفى، والثكنة، والميتم، ومشفى المجانين، وغيرها. وقد جادل أيضاً بأن البانوبتية يمكنها أن تؤدّي عدّة أغراض: «معاقبة الفاسدين، وحراسة المجانين، وإصلاح الأشرار، وحصر المشكوك فيهم، وتشغيل العاطلين، ورعاية العاجزين، ومعالجة المرضى، وتنظيم العمّال، أو تعليم الطلاب» (Bentham, 1995: 34). باختصار، هي مشروع اجتماعي للمراقبة الشاملة.

رغم فكرته المبتكرة، بقي بانوبتيكون بينتام مجرد مخطّط تصوري ودُفن بعد رحيله في مقبرة المشاريع الطوباوية. عودة الفكرة في سبعينيات القرن العشرين جعلت بعض المراقبين المعاصرين يعتبرونها مفارقة غير متوقعة (Boyne, 2000: 29). لقد نفخ فوكو حياة جديدة في البانوبتيكون وأسّس من خلاله حقل دراسات المراقبة في دوائر التحليل الاجتماعي (Lyon, 1994: 27). قدّم فوكو التفسير الأكثر شمولاً للبانوبتية منذ بينتام، ومثل هذا الأخير، اعتبرها كتقنية للإشراف التي تنزع عن المراقبة طابعها الملموس، وبذلك تتيح للسلطة فرصة التواري والحضور في الآن نفسه. بالنسبة إلى فوكو، البانوبتيكون ليس مجرد بناء هندسي معماري أو نظام إبصاري؛ فهو «صورة تكنولوجية سياسية يمكن ويجب فصلها عن كل استخدام مخصوص»، أو بمعنى آخر «هو نوع من المختبر بالنسبة إلى السلطة» (Foucault, 1975: 238‑239).

– تنزع البانوبتية عن السلطة طابعها الفردي، فلا يصبح مبدؤها مكرّساً في الحضور الملموس للرجال الذين يمثلونها، ولكن في التوزيع الهندسي المدروس للمكان، وبالذات في تلك التبعية الآلية التي تولدها الرؤية اللامتماثلة، والتي تقلل من ميول مقاومة السلطة لدى الخاضعين لها وتغنيها عن تكاليف اللجوء إلى الإكراه. «تتولد آلياً عبودية حقّة من علاقة وهمية»، يقول فوكو، «بحيث تنتفي ضرورة اللجوء إلى وسائل القوة لإكراه المحكوم على السلوك الحسن، والمجنون على الهدوء، والعامل على العمل، والتلميذ على الاجتهاد، والمريض على التقيّد بالوصفات» (Foucault, 1975: 235‑236). تكمن جاذبية البانوبتية في طابعها الاقتصادي ووظيفتها الوقائية – التأديبية؛ فهي يمكنها خفض عدد الذين يمارسون السلطة مع إكثار عدد الذين تمارس عليهم، كما يمارس ضغطها الثابت مفعوله قبل ارتكاب المخالفات والجرائم. وكما يصفها فوكو: «إن الهيكلية البانوبتية هي عامل زخم بالنسبة إلى أيّ جهاز سلطوي: فهي تؤمّن له الاقتصاد (في المواد، وفي الأشخاص، وفي الوقت)، وهي تؤمّن له الفعالية بواسطة طابعها الوقائي، وشغلها المستمر وبواسطة إوالياتها الأوتوماتية» (Foucault, 1975: 240).

إن الميزة الأهم للبانوبتيكون حسب فوكو تكمن في وظيفته الانضباطية: «فالبانوبتية هي المبدأ العام في «تشريح سياسي» جديد، موضوعه وغايته لا يقومان على رابطة السيادة بل على علاقات الانضباط» (Foucault, 1975: 243). ويتولد هذا الانضباط من خلال المراقبة المستديمة وغير المنظورة للسلطة؛ «فالشخص المُخضع لحقل الرؤية، مع علمه بذلك، يمتثل آلياً لضغوطاتها»، وفي الوقت عينه تخفّف هذه البانوبتية من الأثقال الفيزيائية للسلطة؛ «فهي تنزع إلى اللاتجسد؛ وكلما اقتربت من هذا الحد، بدت مفاعيلها أثبت، وأعمق، ومكتسبة بصورة نهائية، ومتجدّدة بشكل دائم: انتصار دائم يتفادى كل صدام جسدي، والذي يلعب [يتحقق] دائماً بصورة مسبقة» (Foucault, 1975: 236).

يقترح فوكو بأنه من الأفضل تصور البانوبتية كحيلة ابتكرتها السلطة للتواري عن الأنظار وممارسة تأثيرها بشكل مختلف وأكثر فعالية، كما أنها وسيلة تتيح لها إطلاق سراح الجسد المعذّب وإظهار نفسها بشكل أكثر تهذيباً وإنسانية. بالتالي، يمثّل البانوبتيكون نموذجاً لصنع الجسد الانضباطي بدون المواجهة التقليدية والمكلفة بين السلطة وأولئك الذين تمارس عليهم.

ساهمت الفوكونية بشكل حاسم في صعود فكرة مجتمع المراقبة، وقد تأثّر العديد من العلماء بالبانوبتية الجديدة حيث هيمن مفهوم البانوبتيكون على حقل دراسات المراقبة لأكثر من ربع قرن منذ صدور كتاب المراقبة والمعاقبة (Haggerty, 2006: 24). ولكن سيطرة البانوبتية الفوكونية على الحقل الصاعد لم تكن مريحة في جميع الأحوال؛ فمنذ إعادة بعثها في منتصف سبعينيات القرن المنصرم، لم تنجُ من الانتقادات التي بدأت تشتّد تدريجياً مع مطلع الألفية الجديدة. ادّعى بعض العلماء بأن عمل فوكو كان خاطئاً بكل بساطة (Ignatieff, 1977)، وبينما لم يُخفِ آخرون إعجابهم بأفكاره، إلّا أنهم شددوا بدورهم على ضرورة تجاوز البانوبتية لفهم ديناميكا المراقبة المعاصرة (Lyon, 1994; Poster, 1990; Bauman, 1998; Gordon, 1987: 483‑511; Boyne, 2000: 285‑307). بيد أن الانتقاد الأهم يتعلق بصمت فوكو عن تكنولوجيا المعلومات الجديدة وفي مقدّمها الكومبيوتر وقواعد البيانات (Bigo, 2005: 3; Lyon, 1994: 8). إهمال فوكو للتكنومعلوماتية «يشكّل صعوبة للمحلّلين المعاصرين المتحمّسين لفهم تقننة المراقبة التي مثّلت التطوير الأكثر تميّزاً في هذا المجال خلال نصف القرن الماضي» (Haggerty, 2006: 32). ويشير بعض المحلّلين إلى مشكلة أخرى متعلقة بتركيز فوكو على مؤسسات القرنين الثامن والتاسع عشر، ممّا يجعل نموذجه غير صالح لأنماط المراقبة الإلكترونية التي تميّز المجتمعات المعاصرة. كما رأى آخرون أنه بالغ في قدرة الحكومات الوطنية على ممارسة المراقبة، وكنتيجة لذلك، أغفل حقيقة بأنها لم تنفّذ بواسطة الدولة لوحدها، بل كذلك من خلال العديد من الفواعل المجتمعية (Haggerty and Ericson, 2000: 607; Yesil, 2009: 11). يعتقد البعض بأن فوكو بقي حبيس المنطق السيادي لأنه ركّز في عمله على المعاقبة أكثر من المراقبة (Bigo and Guild, 2005: 3). لقد شكّلت هذه الانتقادات ما يشبه الإجماع بين علماء المراقبة المعاصرين على أن البانوبتية لم تعد تعكس ديناميكا مجتمعات المراقبة المعاصرة القائمة على التكنومعلوماتية، وأنّ الضرورة أصبحت تلح على برادايم جديد ما بعد – بانوبتي للمراقبة (Haggerty, 2006: 24).

تقترح دراسات المراقبة المعاصرة مقاربة سوسيوتاريخية مختلفة نوعا ما عن بانوبتية فوكو، وترتكز أساساً على إسهامات كارل ماركس وماكس فيبر. تفترض هذه الدراسات بأن أصول مجتمع المراقبة تعود إلى صعود الدولة القومية والمشروع الرأسمالي الحديث. وقد أشار أنتوني غيدنز (Anthony Giddens) في وقت مبكّر إلى أن: «المراقبة كتعبئة للقوّة الإدارية – من خلال تخزين المعلومات والسيطرة عليها – هي الوسيلة الأساسية لتركيز الموارد الموثوقة المشتركة في تشكيل الدولة القومية، ولكنّها مصحوبة بعمليات التحويل الداخلي التي تعود أصولها إلى تطور الرأسمالية الصناعية والتي يمكن تمثيلها كتهدئة داخلية منتجة» (Giddens, 1985: 181). لقد أشار فيبر إلى الطرق التي قامت من خلالها المنظمات السياسية الحديثة بتطوير وسائل لتخزين واسترجاع البيانات على شكل ملفات كعلامة على زيادة فعالية وكفاءة البيروقراطية. إن رغبة الدول الحديثة في استخراج الضرائب وإلزام التجنيد على مجتمعاتها تطلّبت منها بناء جهاز إداري قوي قادر على جمع وإحصاء وتسجيل أكبر قدر ممكن من المعلومات المفصّلة عن سكّانها. وقد ساهمت الحرب والمنظمات العسكرية في خلق «نظم التعريف» في عدّة دول حديثة، حيث كانت الحاجة إلى إحصاء فئة الراغبين والملائمين للخدمة العسكرية وكذلك التميّيز بين المواطنين والأجانب المقيمين وراء اختراع برامج التعريف الجماعية (Lyon, 2009: 52). كانت المعرفة الإحصائية ضرورية لحساب وتصنيف وإدارة السكان، وقد أدّت إلى خلق وتوسيع البيروقراطية الحديثة التي خلقت بدورها ما سمّاه ليون بـ «مجتمع الملف» (Lyon, 1994: 30).

كان لظهور الرأسمالية الحديثة دور حاسم في صعود مجتمع المراقبة؛ فقد عالج ماركس منذ زمن بعيد المراقبة كصورة منعكسة للصراع بين العمل ورأس المال، منظورة في عملية الإشراف على العمّال كوسيلة لإبقاء السيطرة الإدارية لأرباب العمل. منذ الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، كانت السيطرة على موقع العمل تصب في مصلحة الرأسمالية الصاعدة؛ فالأنماط قبل – الرأسمالية لتنظيم العمّال القائمة على الإكراه لم تعد نافعة في عهد العمل الحر في ظل النظام الاقتصادي الجديد، وبالتالي أصبح المدير الرأسمالي بحاجة إلى طرق جديدة للسيطرة على العمّال من أجل رفع الكفاءة والقدرة على المنافسة من خلال إنتاج أكبر كمية ممكنة خلال زمن قصير وبكلفة منخفضة (Lyon, 1994: 7 and 26). كانت الدوافع الرأسمالية وراء مراقبة سلوك العمّال في المصانع، كما كانت الحافز لتطوير استراتيجيات الإدارة العلمية (ممثّلة في التايلورية) (Ogura, 2009: 272‑273). ولكن شهدت المراقبة مع أواخر القرن التاسع عشر توسيع نطاقها إلى ما بعد الأداء البيروقراطي والإشراف على المصانع، حيث انتشرت إلى الحياة اليومية للسكان كنتيجة لظهور السياسات الاجتماعية، ثمّ لاحقاً ما يسمى بدولة الرفاه، التي تطورت في ظلها فكرة المجموعات الضعيفة (الفقراء والبطّالين والعاجزين … إلخ)، أي «فكرة أنه من الضروري أن يتم حراسة الضعفاء والاعتناء بهم»‏[4]. أصبحت المراقبة جزءاً من إدارة الدولة الروتينية لإحصاء وتصنيف الفئات التي تملك الحق في الاستفادة من الرعاية الاجتماعية، وكشف المستفيدين من هذه البرامج أو المتحايلين عليها.

بداية من منتصف القرن العشرين، انتقل المشروع الرأسمالي للمراقبة من المصنع إلى السوق حيث يستقر أفراد مستهلكون ذوو تفضيلات وميول مجهولة. بينما كان سلوك المستهلك مجهولاً، كانت هناك حاجة ملحة إلى تطوير تقنية للتلاعب بالسلوك وتشخيصه. أدّت حوسبة التسويق وإدراة الزبائن إلى زيادة المعلومات الخاصة بسلوك المستهلك ورفعت إمكانية التنبؤ باتجاهات السوق المستقبلية. إمكانية تصنيف البيانات بواسطة الكومبيوتر سمحت بتقسيم الأفراد إلى عدّة فئات من المستهلكين، فتحولوا إلى بيانات مجردة وصنّفوا بالتوافق مع المتطلبات التجارية (Ogura, 2009: 275‑277). طبقاً لهذا الطرح يمكن تصور مجتمع المراقبة، في أحد تمثّلاته، كنتيجة الزحف المستمر للسيطرة الرأسمالية من المصنع (العامل) إلى السوق (المستهلك).

ثالثاً: تقنَنة المراقبة

إن التأمل برهة في طبيعة المجتمع التقني الذي نعيش فيه اليوم يجعلنا ندرك بأن حلم بينتام قد تحقّق أخيراً. أصبحت السلطة الآن ترى كل شيء تقريباً، تراقب كل الأمكنة وفي جميع الأوقات، تقوم بذلك من دون أن يراها أحد، لأنها غير مرئية ومتوارية وراء عدسات زجاجية، أو رقاقات ذكية أو بطاقات ائتمان. لا نشاهد اليوم في شوارعنا أعداداً كبيرة من الشرطة، ولا نرى هياكل السجون والثكنات في وسط المدينة كما كانت في السابق، ولكن رغم انسحاب السلطة من مجال رؤيتنا اليومية، إلّا أننا نعرف يقيناً بأننا تحت مراقبتها المستمرة؛ في الشوارع، والمحال التجارية، ومراكز التسوّق، والبنوك، والمستشفيات، والمدارس، والفنادق، ومحطات النقل العام، والملاعب، والمتنزهات، والتجمعات السكنية، وحتى في بيوتنا. هنا تحققت نبوءة فوكو أيضاً: نحن مجبرون على الانضباط امتثالاً لسلطة لا نراها ولكننا نؤمن بوجودها.

إن السمة الرئيسية لمجتمع المراقبة المعاصر تكمن في بنيته التحتية المتقنَنة. إن التفاعل الحادث بين التقنية والمجتمع، كما يشير ليون، هو المادة الأساسية لمجتمع المراقبة (Lyon, 1994: 8). ويتشكّل مثل هذا المجتمع من مجموعة كبيرة ومتنوعة من التقنيات التي تحوّله، في مجموعها، إلى شكل جديد من البانوبتية. وتتراوح أنواع المراقبة المعاصرة من النوع الأكثر أولية للملاحظة البصرية وتسجيل المعلومات، إلى الأنواع الأكثر تعقيداً كالفحص الوراثي والتحليل البيوإحصائي. وتنقسم هذه تقنيات المراقبة إلى صنف يمكننا رؤيته والتعرف إليه – وبالتالي نعرف من خلاله بأننا تحت المراقبة – وصنف آخر يعمل في الخفاء من خلال البيانات التي ترصدها وتجمّعها مختلف التقنيات التي نستخدمها في حياتنا اليومية.

إن التقنية الأكثر تمثيـلاً للفئة الأولى هي كاميرات الفيديو، وقد شهدت هذه التقنية انتشاراً كبيراً في السنوات الأخيرة حيث امتدّ توظيفها من المؤسسات العمومية إلى الاستعمالات الخاصة في المحال التجارية والبيوت وحتى سيارات الأجرة. عرفت كاميرات الفيديو تطوراً تقنياً ثورياً بوصول نظام «الدائرة التلفزيونية المغلقة» (Closed Circuit Television (CCTV)) الذي يقوم على البرامج الذكية للتعرف إلى الوجه. تقوم الكاميرا في هذا النظام بالتقاط صور وجهية لأشخاص وترسل إشارة رقمية إلى البرنامج الذي يقوم بمقارنة تلك الصورة مع قاعدة بيانات الصور الوجهية للمجرمين والإرهابيين والمطلوبين إلى العدالة (Yesil, 2009: 7). إن النجاح الذي لاقاه استخدام هذا النظام في الكازينوهات وملاعب كرة القدم جعله مطلوباً بشدّة في البنوك والمطارات والموانئ ومحطّات النقل ومراكز التسوق وغيرها من مؤسسات الوصول العام. لقد شكّل نظام الدائرة التلفزيونية ثورة في مجال المراقبة المصورة، حيث أصبح آلية استباقية لاحتواء الخطر قبل حدوثه، كما ساعد في توسيع المجال المكاني للمراقبة من خلال العدسة الذكية (المتحركة) المستعملة في برامج تشغيله. هذه الشمولية في المراقبة التي يتيحها هذا النظام قادت بعض المحلّلين إلى دراسته في إطار نوع من البانوبتية الجديدة (Norris, 2009: 249‑281; Hier, Walby and Greenberg, 2009: 230‑244).

تحسّنت شمولية مراقبة كاميرات الفيديو في العقدين الأخيرين بفضل التطورات الحاصلة في مجال التقنيات المتعلقة كاستعمال العدسات الذكية، والأقراص المضغوطة (بدلاً من الأشرطة)، وبرمجيات الحاسوب الليّنة، ونظم إرسال الصور الرقمية عبر الإنترنت، وآلات التسجيل الرقمي، ومستقبلات الصور الوجهية، وتقنية التصوير الليلي، والأغلفة المضادة للرصاص وآليات الدفاع عن الكاميرات، ومكشافات الحركة التي تضع النظام في حالة إنذار قصوى عندما يتحرك أي شخص أمام آلات التصوير (Yesil, 2009: 7). إن التوسيع الأكثر إثارة في المجال المكاني لعدسة التصوير يتمثّل باستخدام الأقمار الصناعية اليوم في مراقبة ورصد الأهداف المتحركة، بما فيها تطوير التقنيات الموقعية التي تستعمل الساتل كنظام تحديد المواقع (Global Positioning Satellites (GPS)) وأنظمة المعلومات الجغرافية (Geographic Information Systems (GIS)) (Lyon, 2003: 17). تتضافر كل هذه الأجهزة القائمة على تصوير الفيديو لتشكيل حقل موسع من الرؤية يطال كل شيء يدب على الأرض تقريباً؛ ففي بريطانيا مثـلاً، يوجد أكثر من أربعة ملايين كاميرا منشورة في كل أنحاء المملكة، وأكثر من نصف مليون في لندن لوحدها، أي بمعدّل كاميرا واحدة لكل 14 شخصاً، ما يعني بأن كل شخص عادي يتم تصويره 300 مرة في اليوم‏[5]. تجسّد العديد من المدن اليوم النموذج المثالي لمجتمع المراقبة الذي طالما حلمت به السلطة، والذي يمثّل الانتقال من «عين الحارس» التقليدية إلى شكل جديد من البانوبتية القائمة على «العين الإلكترونية».

تتضمن المراقبة المعاصرة أشكالاً أكثر تعقيداً من التعقّب والمتابعة، لا تقوم على المشاهدة المباشرة للأشخاص المرغوب مراقبتهم، وإنما باقتفاء آثارهم من خلال التقنيات التي يستخدمونها أو ببناء بنوك من المعلومات حول حياتهم الطبيعية أو الاجتماعية. تسمى هذه التقنية «رصد البيانات» (Dataveillance)، وهي نوع من المراقبة الإلكترونية التي تعمل من خلال فحص ومعالجة قواعد بيانات عملاء ومستخدمي المؤسسات العمومية والخاصة. شهدت عملية رصد البيانات تطوراً كبيراً في العقدين الأخيرين كنتيجة لتحسين وتزايد الاعتماد على تقنية «البيومترية» في جمع وتخزين واسترجاع المعلومات التفصيلية عن الأشخاص المعنيّين، سواء أكانوا مسافرين أو زبائن أو سيّاحاً أو مستفيدين من البرامج الحكومية للدعم والرعاية الاجتماعية. وتطبّق البيومترية اليوم في جميع البلدان تقريباً على جوازات السفر وبطاقات الهوية ورخص الإقامة وبطاقات الائتمان والضمان الاجتماعي (Bigo, 2006: 56).

تحتوي قواعد البيانات على معلومات جسدية مفصّلة على أمور مثل زمرة الدم، وبصمات الأصابع، ومستخلص الحمض النووي، والحالة الصحية، ومعلومات اجتماعية أيضاً حول محل الإقامة، وطبيعة العمل، والشهادات المكتسبة، والوثائق الإدارية، وسجلات الهاتف، ومصادر الدخل، وأنماط الاستهلاك، ومعظم تفاصيل الحياة اليومية. يستخدم نظام المراقبة قواعد البيانات الشخصية لتصنيف السكّان طبقاً لمعايير محدّدة من أجل تقرير من سيتم وضعه في موقع الشبهة، والاستحقاق، والإدراج، والوصول (Lyon, 2003: 20). بالتالي، تعمل المراقبة كنظام للتصنيف الاجتماعي؛ فهي تساعد (السلطة) على تصنيف الفرد في الخانة المحدّدة لبرامج الرعاية والدعم الاجتماعيين، سواء كمستفيد شرعي من القروض الاستهلاكية، وإعانة البطالة، ومنحة الدراسة، ورعاية الطفولة، أو كشخص في طور الإدماج أو إعادة التأهيل، أو مهاجر غير شرعي، أو لاجئ، وهكذا (Stalder and Lyon, 2003: 77).

تستخدم المعلومات المخزنة في قواعد البيانات في معظم الأحيان لأغراض مختلفة عن تلك التي قادت إلى تجميعها؛ فغالباً ما يتم استعمال سجلات الهاتف لدى شركات الاتصالات في الممارسة الشرطية، سواء في التنصت على الأشخاص أو تحديد مواقعهم، كما تقوم شركات التسويق اليوم بتشخيص سلوك المستهلك من خلال التجارة الإلكترونية التي توفر معلومات دقيقة عن العمر، والجنس، والقدرة الشرائية، والحجم العائلي، والدخل، والتي تُستعمل بدورها من قبل السلطات (بما فيها الأحزاب والجمعيات) لاستطلاع الميول والتفضيلات السياسية. هناك أيضا اتجاه صاعد لدى أرباب العمل لاستخدام البيانات الوراثية لرفض توظيف الأشخاص الذين يحملون استعداداً وراثياً للجنوح، ورفض شركات التأمين ضمان التغطية على الأشخاص الذين يملكون بنية وراثية تزيد احتمال إصابتهم بالأمراض المزمنة (Zureik, 2003: 43).

رابعاً: تجمّعات المراقبة وعلاقات القوة

تتميز تقنيات المراقبة الإلكترونية بنوع من التكامل الوظيفي. لقد أصبحت هذه التقنيات تعمل من خلال شبكة إلكترونية مترابطة واعتمادية في مكوناتها، تتسم بلوامس تنتشر وتتوسع بشكل متزايد، وتصل إلى جميع تفاصيل الحياة الانسانية، سواء أكانت اجتماعية أم بيولوجية. هذا التقارب الذي شهدته تقنيات المراقبة الإلكترونية في السنوات الأخيرة شكّل ما دعاه كيفن هاغرتي (Kevin Haggerty) وريتشارد إيريكسن (Richard Ericson) بـ: «تجميع المراقبة» (Surveillant Assemblage). يعمل هذا التجميع من خلال فصل الأجسام الإنسانية عن الأماكن الإقليمية التي توجد فيها ويعيد تجميعها في «بيانات ثنائية» (Data Doubles) يمكن تحليلها واستخدامها بسهولة. يقول الكاتبان: «نحن نبدأ الآن فقط بتقدير أن المراقبة توجه بالرغبة في تجميع الأنظمة ودمج الممارسات والتقنيات ومكاملتها إلى كل أكبر. يسمح لنا هذا الميل بالكلام عن المراقبة كتجميع من خلال توفير هذه المجموعات لزيادات أسّية في درجة قدرة المراقبة» (Haggerty and Ericson, 2000: 610). يشبّه هاغرتي وإيريكسن توسع تجميع المراقبة بنمو الجذمور (Rhizome) (الساق الجذري)، والذي يمثّل استعارة النباتات التي تملك بنية جذرية عميقة وتنمو على طول تفرّعات الصندوق. تساعد استعارة الجذمور على فهم خاصية النمو والتوسع الهائل لتقنيات المراقبة، والتي تأتي كنتيجة للبحث عن أهداف وأشخاص جدد يُعتقد أنهم يحتاجون إلى المزيد من المراقبة (Haggerty and Ericson, 2000: 617).

يعيد تجميع المراقبة وضع الجسد في مركز التحليل؛ فهو ينزع الطابع الإقليمي عن الأجساد البشرية ويعاملها كأهداف متحركة، يفصلها عن أماكنها الثابتة، ويعيد تجميعها في سيل متدفق من البيانات. هناك العديد من تقنيات المراقبة اليوم التي تعمل على الجسد؛ فبالإضافة إلى بصمات الأصابع وبنوك معلومات الحمض النووي، نجد مدقّق الصوت، ومكشاف الكذب، والفحص الكيمياوي (للمسكِّر والمخدِّر)، ومجسّات النبض، والبصمة الشبكية، والسوار الإلكتروني، ورقاقة السيليكون المزروعة تحت الجلد، وغيرها من التقنيات البيوحيوية. إن الجسم الموضوع تحت المراقبة هو نوع من الروبوت أو الآلة (Cyborg): مزيج من اللحم والمعلومات التقنية (Haggerty and Ericson, 2000: 611)‏[6]. لا غرابة أن دايفيد ليون قد عرّف الإنسان المعاصر كـ «جسم وروح وبطاقة ائتمان» (Lyon, 1994: 3).

يحوّل تجميع المراقبة سمات مختلفة من الوجود الطبيعي إلى رموز رقمية، وحقول عددية، وصور ورسوم بيانية، وكلمات دليلية أو مفتاحية قابلة للبحث الشبكي، ما يؤدي إلى تشكيل ما يسمّيه علماء المراقبة بـ: «أنطولوجيا الجسم». يقترح بعض الباحثين بأن هذه الأنطولوجيا ستمكّننا من معرفة جوهر الاتصال المعاصر بين جسم الإنسان والتقنية، ليست ممثلة في تقنيات المعلومات فقط، ولكن تقنيات وراثية وكيميائية وجراحية أيضاً. لقد أفرزت التطورات النوعية في علوم الطب «أنطولوجيات جسمية جديدة غير مرتكزة على الأنطولوجيا التشريحية الفسلجية المألوفة للجسم الحديث، ولكن تفسّر الجسم من ناحية تدفق أنماط الاتصال والمعلومات» (Van der Ploeg, 2003: 63‑64). نحن نشهد اليوم ولادة نوع جديد من الجسد الذي يحوّل اللحم والدّم إلى معلومات محضة (Haggerty and Ericson, 2000: 514).

يجسّد مجتمع المراقبة تقسيماً جديداً لعلاقات القوة في المجتمع؛ فهوية الشخص الذي يقوم بالمراقبة، ومن يدير قواعد البيانات، ومن يستطيع أو لا يستطيع الوصول إليها، تتعلّق بمسألة توزيع القوة (Lyon, 1994: 45). كانت المراقبة البانوبتية التقليدية تقوم على مراقبة الأشخاص الموجودين في نقطة منخفضة في الهيراركية الاجتماعية؛ فكان الحرّاس يراقبون النزلاء، والأطباء يراقبون المرضى، والمشرفون يراقبون العمّال، والضباط يراقبون الجنود، والأساتذة يراقبون التلاميذ، وهكذا دواليك. ببساطة، كانت المجموعات الضعيفة (أو الخطيرة) تقع تحت الرؤية اللامتماثلة للأقوياء (Haggerty, 2006: 29). كان بضعة أقوياء يستطيعون رؤية ومراقبة عدد كبير من الخاضعين لإشرافهم بينما لا يستطيع هؤلاء رؤيتهم أو مراقبتهم.

عدّلت تقنيات المراقبة الإلكترونية من الهيراركية التقليدية للرؤية وقلبت اتجاهها من الأسفل نحو الأعلى. في البداية، توسعت فئة الأشخاص الموضوعين تحت المراقبة من الخطيرين والضعفاء نحو كامل الشعب وبكل أطيافه الاجتماعية. فبينما كانت السلطة في العصر الفيكتوري تخشى أن يتعرّف الشعب إلى تفاصيل الحياة الخاصة للأشخاص المرموقين (كرجال السياسة والنبلاء والأغنياء في عهد العائلة المالكة البريطانية مثـلاً)، عكست المراقبة الإلكترونية المعادلة، فأصبح المواطنون العاديوّن يخشون مراقبة الوكالات البيروقراطية الكبيرة والقوية لتفاصيل حياتهم الخاصة (Lyon, 1994: 14). من جهة أخرى، مكّنت هذه المراقبة الإلكترونية عامة الشعب من رؤية ومراقبة الأقوياء، فانتشار كاميرات الفيديو وآلات التصوير والإنترنت والتسجيل الروتيني للمعلومات وتحليل وفحص البيانات اليومية، جميعها ساعدت في كشف ما كان يمثّل سابقاً العالم المخفي للأقوياء – مثل وحشية الشرطة وفضائح رجال السياسة وثروات رجال الأعمال ويوميات النجوم والمشاهير، وغيرها (Haggerty and Ericson, 2000: 618).

يؤّكد العديد من علماء المراقبة أن تقنيات المراقبة ليست محايدة أو بريئة؛ فهي تكرّس توزيعاً معيناً للقوة في المجتمع، وتعكس المصالح والأهداف السياسية والاجتماعية والاقتصادية لأولئك الذين يقومون بصناعتها أو استعمالها أو الإشراف عليها. على سبيل المثال، يجادل بيلغ إيزيل (Bilge Yesil) بأن مراقبة الفيديو ليست مجرّد تقنية أو أداة للملاحظة المحايدة أو تمثيـلاً انعكاسيا للحقيقة، وإنما هي ترتيب سياسي وثقافي – معياري، يشكّل منظوراً للرؤية في نطاق مجموعة معيّنة من المعايير، لأن المعلومات البصرية المخزّنة من الأشخاص المراقبين تُستعمل كمادة لتصنيفهم ولإتّخاذ القرارات بشأنهم (Yesil, 2009: 12). ولقد أشار أيضاً غافين جون دوغلاس سميث إلى أن وظيفة العاملين على تشغيل أنظمة الدائرة التلفزيونية المغلقة تكمن في تحرير الحقيقة الموضوعية ولا تقتصر على مجرد بنائها، وبالتالي فإن عملية اتخاذ قراراتهم متحيزة من الناحية الاجتماعية (Smith, 2009: 130). وقد استشهد فيليكس ستالدر (Felix Stalder) ودايفيد ليون باستفادة من سمّوهم بـ «الفواعل الأقوياء» من تطوّر بطاقات الهوية من خلال الانتقال من الطبعة الورقية إلى نظام الدبابيس والرقاقات القابلة للبرمجة على بطاقات بلاستيكية؛ فقد كان رجال السياسة وصنّاع التقنية ومنفذو القانون أهم هؤلاء الفواعل الرابحين من وراء هذا التطوير التقني (Stalder and Lyon, 2003: 78 and 86).

لقد عدّلت تقنيات المراقبة الإلكترونية موازين القوى أيضاً بين «مهنيّي الأمن» (Security Professionals)، ممثلين في الشبكة المهنية التي تضم وكالات مثل الدرك، والجمارك، وشرطة الحدود، والشرطة الحضرية، وشرطة مكافحة الشغب، والحرس الجمهوري، وحرس السجون، والاستخبارات، ومكافحة التجسس، والحماية المدنية، والقضاة، والخبراء النفسيين. لقد منحت المعلومات المحصّلة من صور الفيديو وقواعد البيانات الأفضلية إلى بعض هذه الوكالات على حساب الأخرى، فساهمت في تبرير ادعاءاتها على احتكار «الحقيقة الأمنية» من خلال سلطة الإحصاءات (أو سلطة المعلومة حسب فوكو). هذه السلطة النابعة من قدراتهم التكنولوجية الروتينية لجمع وتصنيف البيانات، تسمح لهؤلاء المهنيّين بإنشاء حقل الأمن الذي ينصّبون فيه أنفسهم كمتخصّصين مؤهلين، في حين يجدون أنفسهم في منافسة مع جميع الوكالات الأخرى من أجل احتكار المعرفة حول ما يشكّل التهديد الأمني الوجودي‏[7].

خامساً: استنتاجات

نختم أقسام هذه الدراسة بثلاثة استنتاجات عامة: أولاً، أي محاولة لتحصيل فهم شامل للظاهرة الأمنية تبدأ بالضرورة من فهم طرق عمل السلطة. أوضحت الأقسام السابقة، بالبناء على أعمال فوكو، كيف ابتكرت السلطة تقنيات انضباطية تسمح لها بالاختفاء والتواري وتتيح لها في الوقت نفسه إمكان زيادة مفاعيل سيطرتها. زودت تقنية البانوبتية السلطة بآلية لصنع الجسد الانضباطي بدون المواجهة الصدامية (والانتقامية) مع الجسد، وبأقل حدّ ممكن من التكاليف. بيّنت الأقسام السابقة أيضاً بأن الجسد ليس تمثّلاً للسلطة فقط، وإنما هو وعاء للقوانين أيضاً. وكما ذكر ميشال دو سارتو (Michel de Certeau) في ممارسة الحياة اليومية: «لا يوجد قانون دون أن يدوَّن على الأجساد»‏[8]. هذا يعني بأن دراسة الأشكال المعاصرة للتنظيم السياسي (الدولة) والاجتماعي (المجتمع) – بما فيها المؤسسات القانونية التي تقوم بتشريع وإدامة هذه المنظمات – تقتضي تفكيك الجسد إلى أبعاده المنتجة للطاعة والسيطرة. هنا بالتحديد يكمن الدور الحاسم للمراقبة.

ثانياً، إن تطوّر تقنيات المراقبة الإلكترونية أتاح للسلطة وسيلة لتحويل المجتمع إلى ما يشبه «بانوبتيكون كبير»، حيث تستطيع السلطة الآن مراقبة جميع الأمكنة وفي كل الأزمنة، كما ساهم في زيادة قدرتها على استباق المخاطر والتهديدات من خلال المعلومات التي تتيحها هذه التقنيات. تساهم تقنيات المراقبة بشكل كبير في تعديل السلوك الاجتماعي، وهي تعمل كأحد أشكال الهندسة الاجتماعية من خلال تشريع معايّير السلوك المقبول وغير المقبول (Monahan, 2006: 12). ورغم التحفظات الكبيرة عن الدور المتوسّع لاستعمال تقنيات المراقبة (بسبب القضايا المعيارية كالخصوصية والحرية وغيرها)، إلّا أنها مرشحة لمزيد من الانتشار مع التقدّم التدريجي الذي تحرزه العديد من دول ومجتمعات العالم الثالث في اقتناء هذه التقنيات، ومن المتوقع أيضاً أن تتّسع دائرة الخاضعين لرقابتها متجاوزة الحدود القومية نحو النطاق الدولي، ما يجعلنا لا نستبعد أن نجد أنفسنا في العقود المقبلة في ما يشبه «عالم بانوبتيكي» في ظل الثورة التكنولوجية التي تشهدها صناعة الأقمار الصناعية.

يتعلق الاستنتاج الثالث ببعض الملاحظات المنهجية حول طرق تناول القضايا الأمنية في الدراسة الأكاديمية في البلدان العربية. لقد دأب المحلّلون العرب على مقاربة القضايا الأمنية من منظور التحليل الاستراتيجي الذي ينطلق من تعريف ضيّق واختزالي للأمن بوصفه حماية بقاء واستقلال الدولة – أو ما يعرف بمفهوم الأمن القومي (المشاط، 1986: 19 – 30؛ عبد المولى، 1992: 16 – 22؛ البشري، 2000: 31 – 38؛ علوي، 2000: 123 – 126؛ علوي، 2004: 14 – 17؛ الشقحاء، 2004: 14 – 16؛ بن عنتر، 2005: 56 – 57؛ الحربي، 2008: 9 – 13 و27 – 30؛ مصطفى، 2010: الفصل الأول؛ ابن عيسى، 2011: الفصل الثاني؛ أبو جودة، 2008؛ أمين، 2009، والسياسة الدولية، 2001)‏[9]. ربما كانت هذه المقاربة التصورية مبرّرة ومفهومة بالرجوع إلى السياق الذي ظهرت وتطورت فيه – في ظل معطيات بيئة دولية يخيّم عليها صراع الحرب الباردة، وبيئة إقليمية مشتعلة بالصراع العربي – الاسرائيلي والتنافسات العربية – العربية. بيد أن انتهاء الصراع الأول وتراجع حدّة الأخيرين نسبياً لم تثنِ الباحثين العرب عن الاستمرار في تعريف الأمن كحماية سيادة الدولة واستقلالها، وفي الواقع، لم يكلّف معظم هؤلاء الباحثين أنفسهم عناء مساءلة «أسطورة الأمن القومي» حتى عصفت الثورات العربية بالبرادايم السائد وكشفت لمعظمهم – ولو بشكل متأخر – بأنّ ما كانوا يعتبرونه في تصوراتهم للأمن كبقاء الدولة لم يكن في الواقع سوى «بقاء النظام»، ولكن تحت اسم مستعار (قوجيلي، 2015: 9 – 22).

في ظل هذا التركيز المفرط (وغير المبرّر) على أمن الدولة، كان من المستحيل تقريباً أن ينتبه الباحثون العرب في الدراسات الأمنية إلى طبيعة العلاقة الموجودة بين الجسد والسلطة، ناهيك بالأشكال الجديدة من المراقبة المتقننة التي تربط بينهما. ورغم أنّ هذه العلاقة تكشف البنية العميقة للظاهرة الأمنية، إلّا أنها تبرز في الآن ذاته، في سياق النظم العربية التسلّطية، الاستحواذ الكلاسيكي والعنيف للسلطة على الجسد من طريق الوسائل القديمة لإنتاج الانضباط: كممارسة التعذيب والتجسّس وانتهاك خصوصية الأفراد وحريتهم، من بين طرق أخرى عديدة. إن إهمال الدراسات الأمنية العربية لهذا التوظيف السلطوي للجسد يكاد يكون لغزاً محيّراً في ظل الدور الذي مارسه التعذيب، والأشكال الأخرى من قمع الجسد والتنكيل به، في التكوين التاريخي والمعاصر للدولة العربية‏[10].

ورغم أن الاعتبارات الأمنية كانت من بين العوامل المهمة وراء الثورات العربية، إلّا أن الدراسات الأمنية العربية فشلت في التنبؤ بحدوث هذه الثورات أو تقديم التفسيرات الملائمة لها، لأنها لم تستطع النفاذ إلى ما تحت القشرة السميكة لأمن الدولة. ما كان محل تهديد وجودي – سواء قبل الثورات أو بعدها – هو جسد المواطن العربي (من جلاد السلطة أو قنّاصيها)، وليس التخطيط الافتراضي والمجرّد للحدود. لذلك يحمل تعريف الأمن بحاجات الدولة بدلاً من حاجات المواطن في طيّاته مشاكل معيارية جدّية، لأنه يهدّد بجعل الدراسات الأمنية العربية متحيزة للسلطة.

بيد أنّ السؤال المعياري الملح الذي يجب أن يطرحه الباحث العربي هو التالي: لأي طرف تنحاز المراقبة الإلكترونية في عصر ما بعد الربيع المزعوم، النظم العربية أم المواطن العربي؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لا تحمل الكثير من التفاؤل، لأن المراقبة الإلكترونية تصب دائماً في مصلحة السلطة – في زمن تريد فيه الشعوب أن يميل ميزان القوى نحوها. قد تساعد المراقبة المتقننة في زيادة الأمن للمواطنين الأفراد، ولكنها أيضاً تحدّ من حريتهم وتحرمهم خصوصيتهم (التي تعتبر من المقدسات الثقافية في العالم العربي). في المقابل، قد تسّهل المراقبة الإلكترونية على السلطة عمليات اقتفاء الأثر والتجسّس، وتزيد تدفق المعلومات الدقيقة حول المواطنين، وتزيد فعالية مكافحة الإرهاب، وتحطّم الأنماط التقليدية للسيطرة الاجتماعية،‏[11] ولكنها تكشف في الوقت نفسه تفاصيل السلطة وأسرارها، وتولّد الرغبة الحثيثة في إبداع التقنيات الموازنة لمقاومتها وتحديد مفاعيلها (كالقرصنة والاختراق الإلكترونيين والتمويه وغيرها). باختصار، تملَّك التكنولوجيا رابحون وخاسرون، وسيحدّد مستقبل الديمقراطية في البلدان العربية هوية الطرف الرابح والخاسر، بالإضافة إلى الطريقة التي سيتمّ بها استعمال المراقبة الإلكترونية. وكيفما كانت النتائج التي سيؤول إليها التحوّل (من التسلطية أو العودة إليها)، ستسهم هذه الأنماط المتقننة من المراقبة في دعم وتعزيز الاتجاه الناتج. وهذا سبب آخر يحتّم على الباحثين في الدراسات الأمنية النزول من البرج العاجي للتحليل الاستراتيجي (المتركز على تخصص العلاقات الدولية) إلى مزيد من الاعتماد على الأطر التحليلية الموجودة في النظرية السياسية والاجتماعية.

للتلخيص، جادلنا في هذه الدراسة بضرورة مقاربة الأمن كتقنية حُكمانية (Gouvernementalité) أو تكنوستراتيجيا (Technostrategic). إن التحليل الاستراتيجي المحض الذي يبنى على معطيات حول تفاعل الفواعل الأمنية مع التهديدات والمخاطر ليس كافياً؛ فالأمن وانعدام الأمن ليسا مجرد حالات موضوعية معطاة من الخارج، وإنما هو ممارسة وصناعة في المقام الأول. إنّ الأمن هو ما تصنعه السلطة. لذلك يجب على الباحثين العرب أن يوسّعوا حدود الدراسات الأمنية إلى ما بعد تخصص العلاقات الدولية (والتمركز على الدراسات الاستراتيجية)، وضرورة إعادة النظرية السياسية والاجتماعية إلى مكانها الطبيعي في التحليل الأمني.

 

قد يهمكم أيضاً  حرّية التعبيـــر بين القانونين الدولي والداخلي: المبادئ والقيم والحدود