مقدمة

لعلنا لا نجانب الصواب إذا قلنا إن العدل من القيـم الأساسية في الثقافـة العربية – الإسلامية. بل هو قيمة القيـم إن صـح هذا التعبير. فإذا كانت الحرية هي رقم واحد في سلـم القيم في الثقافة الليبرالية/الغربية وفي الفضاء الاجتماعي – السياسي – الاقتصادي الأوروبي، فإن للعدل مكانة خاصة عند المسلمين والعرب، فهو لم يكن مجرد شعار «العدل أساس الملك»، بل أنه كان من «.. القيـم الأساسية في الصيغة الفقهية الكلامية لنظام القيم في الثقافة العربية – الإسلامية التي أجمعت الفرق الكلامية والمذاهب الفقهية على التمسك بها، والمطالبة بوضعها في أسمى المقام»[1].

والمفارقة الغريبة، أنه رغم هذه المكانة التي يحتلها العدل في الوجدان والعقل عند المسلمين، إلا أنه لا الفقه السياسي (الماوردي مثلًا) ولا السياسة الشرعية (ابن تيمية مثلًا) ولا الآداب السلطانية (ابن أبي الربيع مثلًا) ولا الفلسفة السياسية الإسلامية (الفارابي مثلًا) ولا الاجتماع السياسي (ابن خلدون مثلًا) قاربوا هكذا موضوع حاز مكانة خاصة في الفضاء الثقافي – الاجتماعي، ونال مقامًا رفيعًا في سلّم القيـم.

النتيجة، لا نجد مفهوم العدل السياسي لا في صريح المنقول ولا في صحيح المعقول![2]. وهكـذا يمكننا القول إنه: «…لا توجد نصوص صريحة، لا نصوص الفقه السياسي مثل نصوص الماوردي، ولا في مساجلات المتكلمين، وأقاويلهم التي تملأ المجلدات، لا نجد، لا في هذه ولا في تلك، بحثًا خاصًا بالعدل بالمعنى السياسي الدنيوي للكلمة»[3]. ونحن لا نملك غير الاتفاق مع هذه الآراء والانحياز إلى هذه الملاحظات إلى حد كبير، لأنه بالفعل وبالقوة، الفكر السياسي العربي رغم امتداده التاريخي الطويل، وبالنظر إلى كثرة الفرق والمذاهب، ومع وجود كـمٍّ هائل من المِلل والأهواء والنِّحَـل في مساحة جغرافية شاسعة تمتد من حدود الصين إلى حدود فرنسا. ورغم العدد المهول من المجلدات التي غطاها الفكر السياسي، سواء في الفلسفة السياسية أو الفقه السياسي أو في علم الكلام السياسي أو في الآداب السياسية، أقول رغم كلّ ذلك، لم يقدم إلينا خطابًا سياسيًا واضح المعالم ومحدد القسمات، ولم يترك تراثًا لنا فكريًا مذهبيًا متناسقًا حول مفاهيم هي من صلب الفكر السياسي، مثل مفاهيم العدل والسلطة والدولة. وحتى لفظ الشورى لم يكن يحمل معنى سياسيًا، بل هو في الأصل، وكما ورد في القرآن الكريم، لفظ يحمل دلالات أخلاقية، يمكن أن نضعه في خانة الأخلاق الحميدة، وبقي لفظ الشورى كذلك حتى القرن التاسع عشر عندما نفخ فيه الخطاب الإصلاحي العربي روحًا أنوارية (فلسفة الأنوار) ودخل القاموس السياسي العربي في القرن العشرين مع ظهور ونشوء الحركات الإسلامية الإحيائية[4].

وبنــاءً عليـه لا ننتظر من هذا الركام من الكتابات والنصوص التراثية أن تقدم إلينا التنظير الفلسفي للعـدل. ولا الطريقة التي يتحقق بها ولا آليات تنفيـذه، وبخاصة على المستوى السياسي ونظام الحكم، لأن مفهـوم العدل الدنيوي كان غائبًا تمامًا، ليس فقط في الخطاب السياسي ولكن في الثقافة العربية – الإسلامية برمّتهـا، وعلى الضد من ذلك، كان العدل بالمفهوم الديني/اللاهوتي حاضرًا بكثافة في أدبيات المتصوفة والفقهاء وعلماء الكلام والفلاسفة.

مـن هذا المنطلـق، نـال مفهـوم العدل بالمعنى الديني حظًّا وافـرًا من النِّقاش والسِّجال والمُحـاججة. وهذا شيء طبيعي إلى حد مـا، لأن كل ذلك كان يتمُّ في مناخ ثقافي/فقهي، لم يترك أيّ مجـال للتفكيـر أو البحث أو التساؤل العقلي خارج مجال النقل (النص الديني)، أي خارج إطار سياق النظام الإبستيمي المُهيمن والمناخ الفقهي المُسيطر. وكيف يكون هناك تفكير فلسفي/عقلانـي و«… حيث للنص الديني سلطان في الناس، وحيث الفقه معرفة غالبة وسلك الفقه مشمول بالحماية وجمعهم كبير…»[5].

لهـذا لا نستغـرب أن يأخذ العدل معنى المساواة في المسؤولية والجزاء والعقاب في الآخرة تحت عنوان بارز هو العدل الإلهـي، وهو الموضوع الذي أثار جدلًا واسعًا عند جماعات الإسلام كافة والسؤال الذي نتحرك في إطاره في هذه الدراسة هو: كيف ولماذا تحول الصراع السياسي، في ما يخص مسألة العدل، إلى صراع أيديولوجي/ديني؟

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 531 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 531 أيار/مايو 2023

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 531 في أيار/مايو 2023.

مصطفى دحماني: أستاذ الفكر العربي، جامعة بشار – الجزائر.

الصورة من Getty Images.

[1] محمد عابد الجابري، قضايا في الفكر المعاصر: العولمة – صراع الحضارات – العودة إلى الأخلاق – التسامح – الديمقراطية ونظام القيم – الفلسفة والمدينة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1997)، ص 72-73.

[2] المصدر نفسه، ص 75.

[3] المصدر نفسه، ص 73.

[4] علي أومليل، الإصلاحية العربية والدولة الوطنية (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 1985)، ص 6.

[5] عبد الإله بلقزيز، حصيلة العقلانية والتنوير في الفكر العربي المعاصر: بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظّمها مركز دراسات الوحدة العربية (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2005) ص 7.


مصطفى دحماني

باحث عربي من القطر الجزائري، يشغل حالياً أستاذ ورئيس قسم بجامعة بشار جنوب غرب الجزائر.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز