مقدمة

تقدم هذه الدراسة قراءة نقدية لدينامية العمل بالسياسات الاقتصادية النيوليبرالية (الليبرالية الجديدة) في العراق بتعليق فخ الإنفاق الاستهلاكي الحكومي المفرط واستمرار تدفق الاستيراد والتحويلات المالية الخارجية الممثلة حصرًا بريع صادرات النفط الخام وتجاوز تأثيراتها بزيادة الدين العام وتقييد التوسع في الطاقات الإنتاجية المنافسين. تتمثل هذه الدينامو بأمريكا حيث يتم تعليق فخ الإنفاق الاستهلاك الحكومي المفرط الممول أيضًا من ريع الدولار العالمي بجذب الاستثمار الأجنبي المباشر في شراء سندات الحكومة وأسهم وسندات الشركات الأمريكية في تغطية الدين العام المحلي والخارجي وتراجع التوسع في الطاقات الإنتاجية المنافسين. وتكشف الدراسة بروز نماذج الرأسمالية الوطنية والتخلص من فرضيات السياسة المالية والنقدية الكلية.

أولًا: نماذج اقتصادية مختلفة
وسياسات اقتصادية واحدة

إن النظرية الاقتصادية الرأسمالية المعاصرة والعمل بالسياسات الاقتصادية «الليبرالية الجديدة» المشتقة منها، ليست مؤهلة وناجحة «دائمًا» في مختلف الاقتصادات الوطنية لمنحها «الثقة» المهنية والنظرية المطلقة باستدامة النمو الاقتصادي، وتوفير فرص العمل، وتحسين رفاهية الناس والمجتمعات، وفي تراكم الثروات الوطنية. فالواقع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي في الدول والمجتمعات، لا يتلاءم «دائمًا» مع هذه السياسات، كما نشهد في معالجة أزمات الاقتصاد الأمريكي «المتقدم جدًا» بالانتفاع من «ريع» الدولار، كما في معالجة الأزمة الاقتصادية الهيكلية المزمنة بالانتفاع من «ريع» صادرات النفط في اقتصاد العراق «الضعيف».

ومن الواضح أن محاولات معالجة هذه الأزمات موقتًا بإجراءات «التحايل» لترميم السياسة المالية والنقدية، لن يَفيد كثيرًا في التخفيف من فعل أسباب هذه الأزمات الناشئة من التمسك بفرضيات فرادة ريادة القطاع الخاص وآليات اقتصاد السوق في مقابل نَبذ دور الدولة (الحكومات) في إدارة الاقتصاد والتنمية الاجتماعية. وفي إطار أوسع، تكشف الدراسة أن تراجع العمل ببعض فرضيات السياسات الاقتصادية «الليبرالية الجديدة»، ولا سيَّما تقييد المنافسة بين الاقتصادات الوطنية، سيُساهم في انتشار نموذج اقتصاد «الرأسمالية الوطنية» وتراجع منافع الاستثمار الأجنبي المباشر.

وللبدء في الأساسيات، نَعْلَمُ أن السياسة الاقتصادية في العراق وفي أمريكا، وكما في أية دولة أخرى، هي أداة لإدارة نموذجيهما الاقتصادي المناسب للظروف السائدة والموارد المتاحة فيهما‏[1].

وبرغم التباين الواسع جدًا في سمات هذين النموذجين، فإن أصولهما واحدة في السياسات الاقتصادية «الليبرالية الجديدة» المعاصرة (Neoliberal Economic Policies) المستمدة من النظرية الاقتصادية «الكلاسيكية الجديدة» (Neoclassic Economic Theory) حيث تتحدد دينامية نظام الإنتاج والتوزيع بمستوى «المنشأة» الإنتاجية (Micro Economics) بعوامل العمل، ورأس المال، والأرض، والمنظم، ومن ثُمَ تجميعها ونقلها إلى مستوى التحليل «الاقتصادي الكلي» (Macro Economics) لتحديد أهداف وأدوات السياسات الاقتصادية بتحرير التجارة والمعاملات المالية الخارجية والإفادة من المنافسة بين الاقتصادات الوطنية في زيادة النمو وتحسين الكفاءة في استخدام الموارد، وتوسيع خيارات المستهلك، وخصخصة القطاع العام، وخفض إنفاق الحكومات، ومرونة سوق العمل، والاندماج بتيار العولمة الرأسمالية، وتجريد السياسة (الحكومات) من التدخل الاقتصادي المباشر. هكذا يصبح للسياسة المالية والنقدية الكلية دورًا رئيسيًا في تأمين الاستقرار المالي والنقدي ولتمكين قطاع الأعمال والشركات وآليات السوق الحرة بإنجاز مهمات تحديد الأسعار وتعبئة وتوزيع الموارد الاقتصادية المتاحة «المحدودة» من أجل زيادة الإنتاج تلبية لحاجات الأفراد والمجتمع «المتزايدة»، وللاستمرار في مراكمة الثروات من خلال زيادة فائض الاستثمار.

في أمريكا، تزداد أهمية «ريع» الدولار العالمي بوصفه أحد الأسباب في «تفاقم» الأزمة المالية الراهنة و«معالجتها»، لدوره في تغطية تراكم الدين العام بإخفاء تأثير إنفاق الاستهلاك الحكومي المُفْرَطْ‏[2]، وأيضًا، لأن مآل التوسع بِهَيمَنة الدولار العالمية (Dollarization) كما تحبذ الدولة‏[3]، يُهدد استقلالية السياسة النقدية للاحتياطي الفدرالي والقدرة لمعالجة أزمات الركود الدورية في الاقتصاد‏[4]، بما يناقض السياسة الاقتصادية الأمريكية الجديدة‏[5]. لذلك، لم يَعُد صالحًا التمسك بإيجابية تأثير السياسات المالية والنقدية الكلية في زيادة النمو الاقتصادي والتشغيل ولتأمين الاستقرار المالي والنقدي في الاقتصاد.

تكشف التجربة الاقتصادية العراقية خلال الحقبة 2003 – 2025، أن التحول القَسري والمُفتعل من نظام التخطيط الاقتصادي الشامل نحو اقتصاد السوق والعمل بالسياسات المالية والنقدية بهدف زيادة النمو الاقتصادي والتشغيل وتأمين الاستقرار المالي والنقدي، قد أسهمَ في إخفاء التأثيرات السلبية لإنفاق الاستهلاك الحكومي المُفْرط المقترن بحرية تدفق الاستيرادات والتحويلات المالية الخارجية المُمَولة جميعها حصرًا من «ريع» الإيرادات النفطية الوفيرة، بدليل تباطؤ النمو الاقتصادي وضآلة الطاقات الإنتاجية، وانخفاض إنتاجية العمل ورأس المال، وانتشار الفقر، وزيادة البطالة الحقيقية والمقنَّعة، وتفشي الفساد، وتراكم الدين العام، وتَكريس الأزمة الاقتصادية الهيكلية المزمنة.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 567 (ورقي أو الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 567 أيار/مايو 2026

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 567 في أيار/مايو 2026.

صبري زاير السعدي: خبير ومستشار اقتصادي عراقي.

الصورة من غيتي.

[1] برغم الشواهد العملية المُغايرة، ولأغراض التحليل، نفترض إدراك السلطات السياسية الحاكمة لخصائص النموذج الاقتصادي الوطني ولأبعاد السياسة الاقتصادية الرأسمالية بنتائج تطبيقها.

[2] أثار التحول الجذري في السياسة الاقتصادية الأمريكية، اهتمام الدوريات الاقتصادية العالمية، ومنها مجلة الإيكونوميست اللندنية الرأسمالية الشهيرة (The Economist) وصحيفة الفايننشال تايمز (Financial Times) ودورية الشؤون الخارجية السياسية الأمريكية (Foreign Affairs). انظر على سبيل المثال: «Trump’s Economic Delusion, America and the World Will Suffer,» The Economist (8 March 2025), p. 10.

ومنذ عام 2023 حين بدأت حرب روسيا في أوكرانيا، تزايد نشر الكثير جدًا من المعلومات والبيانات والتحليلات الاقتصادية والمالية والسياسية والعسكرية عن هذه التحولات وتأثيراتها الفعلية والمتوقعة، وبخاصة في عام 2025.

[3] تعني الدولرة، توسيع نشر التعامل بالدولار بربط عملات الاقتصادات المتقدمة والناهضة والنامية مع بقيمة الدولار الذي يستند إلى أصول إنتاجية أمريكية واسعة وراسخة ومؤمنة، بهدف جذب الاستثمار الأجنبي المباشر. انظر: «Dollarization: «Too Much of a Good Thing America Should Not Push Other Countries to Adopt the Dollar,» The Economist (8 November 2025).

[4] هذه الآراء صادرة من أبرز المصادر الفكرية والمهنية الداعمة للنظام الرأسمالي والمعنية بسبل معالجة أزمات الاقتصادات الرأسمالية المتقدمة بخاصة. للمزيد من التفاصيل عن نتائج توسيع استخدام عملة الدولار في الاقتصادات الوطنية الخارجية، انظر:         Ibid.

[5] تؤكد استراتيجية الأمن القومي الأمريكية الجديدة، أولوية توسيع هَيمنة الاقتصاد الأمريكي في العالم، انظر الهامش الرقم (30) في هذه الدراسة.


صبري زاير السعدي

خبير ومستشار اقتصادي عراقي.

مقالات الكاتب
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز