قُلت ذات مرة إن مشكلة الديون هي المضاد والمقابل الدقيق لعملية التنمية. فبينما تُبنى عملية التنمية على الادخار أو الخصم من القدرات الحالية للاقتصاد بهدف الارتقاء بقدراته المستقبلية، فإن الديون تعني توسيع قدرات الاقتصاد الحالية على حساب قدراته وإمكاناته في المستقبل، في ما يمكن وصفه باستلاب المستقبل. بيد أن سلامة قولي السابق تظل مرهونة بتحقق عدة شروط وسمات في شكل وهيكل ونوعية الاستدانة. ذلك أن المشكلات المرتبطة بالديون تتباين حسب الحجم النسبي لهذه الديون أو حسب مصدرها وآجالها ووجهتها وكفاءة توظيفها. ولدينا في التجربة الدولية أمثلة تؤكد أنه إذا تحققت شروط كفاءة الاستدانة، فإنها تصبح متوافقةً مع التنمية لا مقابلًا لها أو خصمًا من قدرات الاقتصاد المستقبلية. فهل دول القارة الأفريقية تقع ضمن هذه التجارب الناجحة في الاستدانة، أم أنها تقدم مثالًا على الحالة البديلة؟!

دائمًا ما تصف التقارير الاقتصادية الدوليةُ الدولَ الأفريقيةَ، على تنوع مواردها وإمكاناتها الاقتصادية، بأنها من النوعية ثقيلة المديونية الداخلية والخارجية؛ فهل يعني ذلك أنها تعاني فقط مشاكل مرتبطة بحجم المديونية، أم أن لدى هذه الاقتصادات مشاكل أكثر عمقًا تخص النوعية والآجال وكفاءة التوظيف في الأنشطة الاقتصادية؟ وبالقدر الذي ترتفع فيه أهمية الإجابة الدقيقة عن أسئلة كهذه، فإن هناك جدوى تنموية مأمولة من تقدير أحوال ومواصفات المديونية الخارجية الأفريقية وما يتمخض عنها من نتائج مباشرة وغير مباشرة على الاقتصاد الأفريقي واتجاهاته المستقبلية.

ومن بين نتائج وتداعيات عديدة للاستدانة، ألا يمكن وصف آثارها الكلية في توازن الموازنة العامة هو الأبرز والأكثر فداحة في الآجال كافة، القصيرة والمتوسطة وحتى الطويلة؟ إن سؤالًا يخص الأثر الذي تتركه عملية الاستدانة على أداء الموازنات العامة في دول القارة الأفريقية يعني أنه من الضروري البحث في القضايا المرتبطة بالاستدامة المالية في مجموعة هذه الدول ومحدداتها. فإلى أي مدى أثرت المديونية الأفريقية وتطوراتها في قدرة الإيرادات العامة على تغطية النفقات العامة في آونة ممتدة من الزمن في هذه القارة الموصوفة بقارة المديونية الثقيلة؟ ستكون الإجابة عن كل الأسئلة السابقة وما ينبثق عنها من أسئلة تفصيلية هي موضع اهتمام الفقرات القادمة وهي هدفها ومبتغاها الأساسي.

أولًا: مؤشرات الاستدامة المالية في الموازنات الأفريقية

نظريًا، ورغم التقلّب الدائم في حجم الدولة ودورها ومكانتها في النشاط الاقتصادي في دول العالم كافة، فإن هناك اتجاهًا عامّا لنمو النفقات العامة للدولة، وفق ما أفصح عنه قانون العالِم فاغنر (Wagner Law). ولما كانت الإيرادات العامة لا تأخذ بالضرورة الاتجاه الصعودي نفسه للنفقات العامة، تزداد احتمالات البعد عن وضعية التوازن، وتقلّ فرص تحقق الاستدامة في المالية العامة للدولة.

يقصد بالاستدامة المالية قدرة الإيرادات العامة على تغطية النفقات العامة خلال آونة ممتدة من الزمن، وبما يعني أن هذه الاستدامة، في حدها الأدنى، تحدث عندما لا تنمو نسبة صافي الدين الحكومي إلى الناتج المحلي الإجمالي بشكل مستمر. ولذلك، فإن هذه الاستدامة هدف أساسي من أهداف السياسة المالية في الدول المتقدمة والدول النامية على السواء. وإذا أطلنا النظر في واقع الاقتصادات النامية، فإن هناك أسبابًا تقلل من فرص تحقق وضعية الاستدامة في ماليتها العامة. ذلك لأن التردّي في مؤشرات كفاءة الإنفاق العام، يزيد من حجم النفقات المطلوبة لإشباع الحاجات العامة والاجتماعية. وفي المقابل، فالانخفاض في الجهد الضريبي في هذه الاقتصادات، بسبب مظاهر التأخر والتهرب الضريبي لضعف كامن في برامجها وسياساتها الضريبية، يُضعف من قدرة الإيرادات العامة على تغطية إنفاقها العام المتزايد. ومن الطبيعي أن تكون الحصيلة مزيدًا من الاتساع في الفجوة القائمة بين النفقات والإيرادات العامة في الاقتصادات النامية، ومزيدًا من التقلب في العلاقة بين هذين المتغيّرين عبر الزمن. وفي غياب مقومات الاستدامة عن المالية العامة، تقلّ قدرة الدول النامية على التمويل المستدام للتنمية الاقتصادية، وتزداد حاجتها إلى الاقتراض الداخلي والخارجي للتمويل، مع ما يترتب عليها من تكاليف اقتصادية فادحة في حال الإفراط في الاستدانة الخارجية.

لنطبق الآن هذا التحليل على واقع الاستدامة المالية في اقتصادات القارة الأفريقية. فإذا كان من المعلوم أن الاقتصادات الأفريقية كافةً مصنفة ضمن الدول الآخذة في النمو، فما هي أحوال الاستدامة المالية لموازناتها العامة؟ تخبرنا بيانات البنك الدولي التجميعية عن السنوات من 2009 إلى 2020 حول الأداء المالي لاقتصادات شرق وشمال أفريقيا[2] الحقائق الآتية[3] (راجع الجدول الرقم (1) في الملحق الإحصائي):

نمت النفقات العامة منسوبة إلى الناتج المحلي الإجمالي لهذه المجموعة الأفريقية بمعدل 2 بالمئة بين عامَي 2009 و2019. فقد كانت هذه النفقات تدور حول 23.8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي المجمع لهذه المنطقة في عام 2009، لكنها وصلت لنحو 25.8 بالمئة في عام 2019. وبينما يأخذ الإنفاق العام الأفريقي الاتجاه الصاعد – كما الحال في كل اقتصادات العالم – فإن لذلك تفسيرات جمّة؛ منها ما يرجع إلى نمو الطلب الحكومي الناتج من نمو السكان، ومنها ما يرجع إلى ارتفاع مستمر في معدلات التضخم المحلي والمستورد في الاقتصادات الأفريقية. كما يتضح من تفاصيل الإنفاق العام في هذه المجموعة الأفريقية أن حصة مصروفات الفائدة على الديون آخذة في الزيادة المطردة في هيكل الإنفاق العام الأفريقي. فقد نمت من 6 بالمئة من جملة هذه النفقات في عام 2009 حتى وصلت إلى نحو 9 بالمئة منها.

لم تنمُ الإيرادات الضريبية بمعدلات معتبرة خلال السنوات 2009 – 2019. فقد كانت تدور نسبة هذه الإيرادات للناتج المحلي الإجمالي حول 17.4 بالمئة في أولها، لكنها وصلت إلى نحو 18.6 بالمئة في آخرها. ويدل ذلك دلالة مهمة على محدودية كفاءة السياسات الضريبية في رفع الجهد الضريبي في أغلبية اقتصادات القارة الأفريقية. زد على ذلك أن قدرة هذه الدول على الحصول على منح وهبات من مصادرها المختلفة قد تراجعت خلال العقد المنصرم. ذلك أن هذه المنح[4] قد بلغت نحو 20.5 بالمئة من جملة الإيرادات الحكومية بعدما كانت تساوي نحو 29 بالمئة من جملة الإيرادات العامة في إقليم شرق وجنوب أفريقيا في عام 2009.

رغم نمو الإيرادات العامة في هذه المجموعة الأفريقية فإنها ما زالت تقلّ عن النفقات العامة في المدة بين عامَي 2009 و2019. فلقد كانت نسبة الإيرادات العامة للناتج المحلي الإجمالي في هذه المجموعة تمثل 20.8 بالمئة في عام 2009، ثم زادت لتصل إلى 23.5 بالمئة في عام 2019. وفي النتيجة، فإن هناك عجزًا قائمًا في الموازنة العامة في مجموعة هذه الدول على امتداد السنوات محل التمحيص.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 541 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 541 آذار/مارس 2024

 

المصادر:

نُشرت هذه المقالة في مجلة المستقبل العربي العدد 541 في آذار/مارس 2024.

الصورة من Getty Images.

[1]محمد يوسف: خبير في التمويل والتنمية الاقتصادية.

[2]   تشمل هذه المجموعة الأفريقية على 26 دولة وهي: أنغولا، بتسوانا، بروندي، جزر القمر، الكونغو، إريتريا، أيسواتيني، أثيوبيا، كينيا، ليسوتو، مدغشقر، ملاوي، موريشيوس، موزمبيق، ناميبيا، رواندا، سيشل، ساوتومي وبرينستي، الصومال، جنوب أفريقيا، السودان، جنوب السودان، تنزانيا، أوغندا، زامبيا، زيمبابوي. كما يعيش في هذه المجموعة الأفريقية نحو 700 مليون نسمة، ويقترب الناتج المحلي الإجمالي السنوي لهذه المجموعة من حاجز ترليون دولار. لمزيد من التفاصيل، انظر الرابط التالي: «The World Bank in Eastern and Southern Africa,» <https://www.worldbank.org/en/region/afr/eastern-and-southern-africa>.

[3]   انظر في ذلك البيانات المنشورة على الرابط التالي: <https://databank.worldbank.org/reports.aspx?source=world-development-indicators#>.

[4]   يلاحظ أن هذا البند يتضمن الإيرادات الأخرى غير الضريبية، ولا تظهر المنح والهبات بصورة مستقلة.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز