مقدمة:

هل ثمة حاجة إلى التوسّع في النقاش الفكري بشأن التنمية العربية والأسباب التي تجعلها أمرًا مستحيلًا؟ هل ترافقت الانتفاضات العربية منذ 2011 مع نقاش فكري جدي حول البديل التنموي؟ أوَليست المقاربات النيوليبرالية للتنمية لا تزال طاغية في النقاش الاقتصادي إلى درجة احتلال المشهد كله؟ أوَليس ثمة حاجة ملحّة إلى النظر في ما تقوله التيارات الفكرية التي لا تحتلّ قلب المشهد، لكنها تقدم الحلول الأكثر منطقية لمعضلة التنمية؟

يعرض النص التالي أفكار ثلاثة تيارات معاصرة تناولت دور الدولة في التنمية بوصفها تحويلًا صناعيًا، ودور النظام الدولي وامتداداته في كل بلد من البلدان النامية في إعاقة هذا التحويل. وهي تيار المؤسساتية المقارنة (Comparative Institutional Approach) وتيار البنيوية الجديدة (New Structuralism) وتيار ما بعد الكينزية (Post-keynesianism).

والأشهر في تيار المؤسساتية التاريخي هو كارل بولانيي. وقد عرضت أفكار هذا التيار من خلال أعمال جيل الثمانينيات والتسعينيات من المؤسساتيين، ممثلًا ببيتر إيفانز من جامعة باركلي وتيدا سكوكبول وديتريش ريشماير. وهي أعمال وضعت هذا التيار على مسافة من الماركسية الجديدة الذي سادت بعد الحرب العالمية الثانية، والنفعيين الجدد (New Utilitarianissts) الذين وفّروا للنيوليبرالية قاعدتها الفكرية منذ ثمانينيات القرن العشرين.

واعتُمدت أعمال الإسكوتلندي ريموند هينبوش لتعريف البنيوية الجديدة وتمييزها من القديمة. وهذه الأخيرة تنصّب «النظام الدولي» مسؤولًا وحيدًا عن مصائر بلدان العالم الثالث. أما الجديدة فتأخذ في الحسبان دور النخب المحلية في جعل التبعية واقعًا قائمًا. واعتُمدت مساهمات توني سميث ورونالد روبنسون لوضع التبعية في سياقها التاريخي.

واعتُمدت أعمال الباحثين في التيار ما بعد الكينزي، وخصوصًا ماريو سيكاريسيا ومارك لافوا، للتعريف بفكر كينز وعلى نحو مغاير لما سوّقته عنه المدرسة النيوكلاسيكية، وللتعريف بـ «كينزية ما بعد الحرب» (1945 – 1980)، وللتعريف بالأساسيات في فكر كينز. وأهمّ هذه الأساسيات، أسبقية الطلب الاستثماري وليس الادخار في تحقيق النمو، ومسؤولية الدولة في الحلول محل القطاع الخاص إذا استنكف هذا الأخير عن الاستثمار. يحصل ذلك إذا تحوّل أفراد هذا القطاع إلى «أصحاب ريوع مالية» (Financial Rentiers). ويقول كينز إن على الدولة، في هذه الحال، أن تذهب إلى «تأميم الاستثمار»، وتتنكّب مسؤولية التحوّل إلى «المستثمر الأول» في الاقتصاد.

تتكامل هذه التيارات الثلاثة في تقديم جواب عن معضلة التنمية. وإذا كانت المؤسساتية المقارنة تقدم الدليل على أن لا مناص من دور الدولة في التنمية وما هي شروط هذا الدور، فإن ما بعد الكينزية تسهب في عرض السياسات التي تتولى الدولة اعتمادها، في حين تعيّن البنيوية الجديدة العوائق التي تتأتى من طبيعة النظام الدولي وتمنع الدولة من تنكّب دورها.

أولًا: التنمية كـ «تصنيع متأخر»

شهدت البلدان الغربية بدءًا من النصف الثاني من القرن الثامن عشر انطلاق الثورة الصناعية. تحقّق ابتداءً من ذلك التاريخ تقدم تكنولوجي لم تشهد الإنسانية مثله من قبل. انقسم العالم نتيجة لذلك إلى نوعين من الدول: الأولى التي باتت قادرة على تطوير أساليب (Process) تكنولوجية وسلع (Goods) جديدة بواسطة الاختراع (Invention)، والثانية التي لم تتمكن من ذلك. باتت هذه الأخيرة فريسة للأولى التي استعمرتها منذ القرن التاسع عشر، وجعلتها في حالة تبعية لها حتى اليوم.

عرضت الباحثة أليس أمسدن خصائص الثورتين الصناعيتين الأولى والثانية اللتين حصلتا خلال الحقبة الممتدة من أواخر القرن الثامن عشر حتى أواخر القرن التاسع عشر. في الثورة الأولى، كان ثمة مخترعون أفراد تولّوا وضع الأساليب الجديدة موضع التنفيذ، وأنتجوا سلعًا لم تنوجد سابقًا ضمن مؤسسات صغيرة.

في الثورة الصناعية الثانية، التي شملت بلدانًا غربية غير إنكلترا، وخصوصًا ألمانيا والولايات المتحدة، أصبح ابتكار (Innovation) طرائق وسلع جديدة منوطًا بشركات كبرى‏[1]. تمكّنت هذه الأخيرة من أن تخصّص موارد بشرية وفرقًا بحثية كبيرة لأنشطة البحث العلمي والتطوير‏[2]. وحين كتب جوزيف شومبيتر عن الابتكار بوصفه محرّك النمو الاقتصادي والأساس فيه، كان يصف واقع التنافس بين الشركات الكبرى على إنتاج مخترعات جديدة وتسويقها‏[3].

سُمّيت كل حالات التصنيع التي حصلت بعد التجربة الأولى في إنكلترا حالات «تصنيع متأخّر». واستخدم ألكسندر غرشنكرون هذا التعبير لوصف تجربة أوروبا الشرقية، وبالتحديد التجربة الروسية في «التصنيع المتأخّر». واستخدم المتخصّصون في اقتصاد التنمية هذا التعبير لتوصيف عملية التصنيع التي جرت في شرق آسيا، وبالتحديد في اليابان وكوريا وتايوان بعد الحرب العالمية الثانية.

شرحت أمسدن خصائص «التصنيع المتأخّر» الآسيوي بوصفه سيرورة جديدة مختلفة عمّا سبقها، ورأت أنه يقوم على «شراء طرائق الإنتاج الأجنبية وتكييفها وتحسينها بالقدرات المحلية»‏[4]، وفسّرته بوصفه قائمًا ليس على الاختراع وإنما على «التعلّم من خلال الممارسة» (Learning by Doing)، الذي يتيح إنتاج السلع ذاتها أو ماركات جديدة منها وبيعها في الأسواق الدولية.

انتقدت الباحثة النظرية النيوكلاسيكية التي تقول إن استخدام التقنيات ذاتها يولّد إنتاجية متشابهة لدى المؤسسات المعنية كائنًا ما كانت شروط البلد الذي تعمل فيه. وبيّنت أن المعرفة التكنولوجية لا يمكن أن تكون كاملة، ما يعطي للمؤسسات هامشًا كبيرًا لتطوير وتحسين ما تستخدمه من تقنيات‏[5]. أي يكون ممكنًا خلق ميزات نسبية للسلع المعدّة للبيع في الأسواق الدولية، بواسطة «التعلّم من خلال الممارسة» وأنشطة البحث والتطوير (R&D).

وفي قراءة مختصرة للتجربة العربية خلال نصف القرن المنصرم، رأى المؤرخ الاقتصادي روجر أوين أنه يمكن وضع هذه الأخيرة تحت عنوان واحد هو التبعية للريع‏[6]. ليس فقط الريع البترولي، ولو أنه الأكثر أهمية، بل ريع الموقع الجغرافي أو الجيوسياسي، وغير ذلك من الريوع كمداخيل السياحة. رسم الباحث صورة للوطن العربي، حيث كل التجارب تنطوي بصورة أو بأخرى على منع تحقّق سيرورة «تصنيع متأخر» وبناء اقتصاد منتج في أي منها.

أعطى أوين مثالًا عن العراق، حيث الصراع على الريع داخل النخبة، يمنع تطوير قطاع زراعي جعلته أعمال البنى التحتية المحقّقة التي منعت الفيضانات، قادرًا على إنتاج الخضر والفواكه بديلًا من الحبوب، وتطوير الصناعات الغذائية الملحقة بها‏[7]. وأشار أوين إلى انخراط بلدان غير عربية في الشرق الأوسط، كإيران وتركيا وإسرائيل، في مشاريع «تصنيع متأخّر»، كل على طريقته، وإلى غياب سيرورة من هذا النوع في أي بلد عربي‏[8].

لماذا توقّفت سيرورة «التصنيع المتأخّر» في مصر، ومن الذي كان وراء وقفها منذ غياب عبد الناصر. ما الذي منع متابعة استراتيجية «تصنيع متأخّر» في سورية قبل اندلاع الأحداث فيها؟ هذه الأسئلة هي الغائبة في النقاش العام. وغيابها هو أحد أسباب فشل التنمية العربية.

ثانيًا: التيارات الفكرية

سوف يصار إلى الإضاءة على التيارات الفكرية الثلاثة، لجهة الدور الذي تقترحه للدولة في التنمية والتحويل الصناعي.

1 – المؤسساتية المقارنة

يمكن استخدام تعبير «الاقتصاد السياسي المقارن» بدلًا من «المؤسساتية المقارنة». لكن تعبير المؤسساتية ساد في كل العلوم الاجتماعية منذ التسعينيات ونحّى التسميات الأخرى. المؤسساتية المقارنة هي المقاربة التي تدرس الدولة كمؤسسة، وتدرس دورها في التحويل الصناعي وفق منهجية مقارَنة وتاريخية (Historical and Comparative Perspective).

2 – كتاب 1985 والرد على فصل الاختصاصات

كانت مجموعة من الباحثين الأمريكيين قد تصدّت في مطلع الثمانينيات لعملية انفصال الاختصاصات الأكاديمية التي تعنى بدور الدولة والإدارة العامة في التنمية، وتصدت للامتناع عن دراسة الدولة الذي كان القاعدة في الولايات المتحدة. مثّلت الأجندة البحثية التي اقترحتها هذه المجموعة نقيضًا لهذا المسار، وعبّرت عن نفسها في الكتاب الشهير الذي صدر عام 1985 تحت عنوان استعادة الدولة كموضوع للتحليل‏[9].

تتبّع الباحثان الفرنسيان بيزاس وبيارّو في مساهمة طويلة مسار الاختصاصات الأكاديمية التي تعنى بدور الدولة والإدارة العامة في التنمية، وهي العلوم السياسية والإدارة العامة وتحليل السياسات العامة في الولايات المتحدة وفي فرنسا، وذلك في مؤتمر عقد عام 2009‏[10]. وما حصل بدءًا من مطلع حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية هو انفصال الإدارة العامة كاختصاص عن العلوم السياسية. وقد انفردت كل من الاختصاصات الأكاديمية الثلاثة بتطوير مقاربة نظرية على حدة‏[11]. أضعف هذا الأمر القيمة العلمية لهذه الاختصاصات إن لم يكن قد انتزعها. وبالنسبة إلى الباحثَين، فإن كتاب 1985 مثّل أفضل رد على مسار فصل الاختصاصات وتسطيح وتسخيف الدراسات حول الدولة. كما مثّل مانيفستو فكريًا لتيار المؤسساتية الجديدة أو المؤسساتية المقارنة.

أجرى المساهمون في كتاب 1985 مسحًا شاملًا للدراسات حول الدولة منذ مطلع حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية. قدمت الباحثة سكوكبول مسحًا شاملًا للدراسات حول الدولة في الولايات المتحدة والعالم الأنكلو – ساكسوني‏[12]. وقد أظهرت الباحثة تركيز هذه الدراسات على دور المجتمع (Society-Centered) أو كيف يتحكّم المجتمع في الدولة، وإغفالها دراسة دور الدولة كإدارة عامة.

3 – من أين تأتي قدرة الدولة على الفعل؟

هذا هو السؤال الذي طرحه المؤسساتيون على أنفسهم منذ كتاب 1985. تأتي قدرة الدولة على الفعل من استقلاليتها ومن طبيعة الإدارة الحكومية التي تتوافر عليها. وهناك في مساهمة الباحثة سكوكبول التأسيسية ثلاثة محددات لقدرة الدولة على الفعل في ميدان التنمية والتحويل الصناعي، هي استقلاليتها (Autonomy)، ومقدرتها الإدارية (Capacity)، وصورة انخراطها في العلاقات الدولية (Transnational Linkages)‏[13].

أ – الاستقلالية

عرّفت الباحثة استقلالية الدولة بأنها مقدرتها على اعتماد سياسات يمكن أن تتعارض مع مصالح القوى النافذة في المجتمع وتمثّل نقيضًا لها. وعرضت إسهامات ألفرد ستيبان وألن تريمبرغر التي رسمت صورة «استقلالية مفرطة» مورست على يد الدولة في اليابان خلال حقبة الميجي، وفي تركيا الكمالية، ومصر الناصرية، والبيرو بعد انقلاب 1968 العسكري، والبرازيل بعد انقلاب 1964 العسكري. كان ثمة في كل مرّة نخبة إدارية مدنية وعسكرية موحدة الأهداف، ومتماسكة داخليًا، تستخدم إمكانات الدولة لإجراء تغيير شامل للواقع القائم. أظهر ستيبان أن الإجراءات المعتمدة هدفت أحيانًا إلى دمج القوى الاجتماعية المهمّشة، كما في حالة البيرو، وكانت في حالات أخرى إقصائية تجاه هذه القوى كما في حالة البرازيل‏[14].

لم تكتفِ سكوكبول بعرض الأدبيات التي تتناول تجارب غير دستورية، بل عرضت تلك التي تظهر استقلالية الدولة في النظم السياسية الدستورية الغربية. أظهرت هذه الأدبيات، على سبيل المثال، دور الدولة كبيروقراطية في وضع أسس السياسة الاجتماعية في دولتين كالسويد والولايات المتحدة، ودور البيروقراطية في هذا البلد الأخير في ربط إنتاج المواد الأولية خارج الولايات المتحدة بالمصالح الاستراتيجية لها كدولة «مسيطرة»، ولو تعارض ذلك مع مصالح الشركات الكبرى الأمريكية‏[15].

ب – «المؤسساتية المقارنة» بديلًا من النيوماركسية

عرضت الباحثة سكوكبول كتابات التيار النيوماركسي الذي ركّز على المشترك بين البلدان التي تنتمي إلى «نمط إنتاج» بعينه، الأمر الذي جعله يعجز عن إظهار التمايز بين دولة وأخرى لجهة مساهمتها في التنمية والتحويل الصناعي ضمن «نمط الإنتاج الرأسمالي»‏[16]. وأظهرت أن «استقلالية الدولة النسبية»، التي ركّز عليها النيوماركسيون، كنيكوس بولانتزاس، تحوّلت إلى تمرين نظري يفتقر إلى وقائع تعطيه صدقية.

وكان لا بد لتيار «المؤسساتية المقارنة» من أخذ مسافة مع النيوماركسية التي طغت في ميدان اقتصاديات التنمية، عبر «نظرية التبعية» (Dependency Theory) حتى مطلع الثمانينيات.

واستعاد الباحثان إيفانز وستيفانز، في نص صدر عام 1988، الأدبيات حول التنمية منذ الستينيات، والمواقف التي عبّر عنها النقاش آنذاك بين مدرسة التحديث (Modernization Approach) ومدرسة التبعية‏[17]. طغى حضور شخصيتين فكريّتين في ذلك النقاش. أخذت المدرسة الأولى من ماكس فيبر تركيزه على البنى الفكرية، واستنتجت أن الأفكار والبنى الفكرية التقليدية هي سبب التخلّف‏[18]. واستندت المدرسة الثانية إلى الماركسية، ووجدت في الشروط المادية الممثلة بالتقسيم الدولي للعمل على أساس مركز وأطراف، والذي فرضته الإمبريالية في مرحلتي الاستعمار وما بعد الاستعمار، سبب التخلّف.

ذهبت المدرسة الأولى إلى أن على الدول المتخلفة أن تنسج على منوال الدول المتقدمة للخروج من التخلّف. وذهبت المدرسة الثانية إلى أن سبب التخلّف هو علاقة دول الأطراف بدول المركز، وأن على الأولى أن تقيم قطيعة مع النظام الرأسمالي الدولي كشرط للخروج من التخلّف‏[19].

بيّن الباحثان أن الصيغة القديمة لـ «نظرية التبعية» التي كانت متداولة خلال الستينيات والسبعينيات أصبحت متقادمة، ولا يمكن الأخذ فيها لدراسة العلاقة بين شمال العالم وجنوبه، وذلك لسببين: السبب الأول هو أنها «اقتصادوية»، لا ترى العلاقة بين هذين الطرفين إلا بوصفها تعكس سيطرة الشركات الاحتكارية الغربية على دول العالم الثالث‏[20]. والسبب الثاني هو أنها تنفي إمكان تحقيق أي اختراق تنموي من جانب دول بعينها في العالم الثالث.

وكان ألبرت أوتو هيرشمان قد أجرى هو الآخر عام 1981 مسحًا للأدبيات في ميدان «اقتصاد التنمية» الصادرة من الخمسينيات إلى السبعينيات. وصنّف هذه الأدبيات ضمن ثلاث مجموعات، تقف على طرف منها المدرسة المسيطرة (Economie orthodoxe) وتقف على الطرف الآخر، المدرسة النيوماركسية‏[21]. الأولى لا ترى وجود بنى مختلفة في البلدان المتخلّفة تقتضي سياسات مختلفة نوعيًا للتعاطي معها (Mono-économisme)، وترى أن ثمة منفعة متبادلة من التعاون بين شمال العالم وجنوبه. أما المدرسة النيوماركسية فهي تؤكد وجود اختلاف جوهري في بنى الطرفين يمنع دول الأطراف من النسج على منوال المركز، ولا ترى أي إمكان للتعاون بين طرفي العالم هذين لتحقيق التنمية.

ج – التركيز على البنى الإدارية للدولة

لكن تحقيق اختراق تنموي حصل بالفعل في دول شمال شرق آسيا، أي كوريا الجنوبية وتايوان بالتحديد، التي أعادت صوغ علاقتها ببلدان المركز. لم ينفِ الباحثان إيفانز وستيفانز أهمية الأسباب الجيوسياسية في تفسير النجاح الذي تحقّق لكوريا وتايوان‏[22]. أي كونهما في مواجهة النموذج الشيوعي، واستفادتهما الكبيرة من فتح الأسواق الأمريكية أمام صادراتهما. إلا أنهما ركّزا في الوقت عينه على الشرط الأكثر أهمية في تفسير نجاح البلدين، ألا وهو مقدرتهما على إقامة بنى إدارية جديدة للدولة كان لها الفضل الأول في تحقّق هذا النجاح.

اختار الباحثان النأي عن القراءات النيوماركسية للدولة، لمصلحة القراءة الفيبرية لها؛ فقد رأيا أن الانتقال بالنقاش من مسألة كون الدولة ساحة صراع إلى التركيز على دراسة تكوين الإدارة العامة فيها، أي تعريفها بوصفها بنى إدارية ومؤسسات إدارية، هو شرط تقديم شيء جديد ذي فائدة لدراسة دورها في التنمية‏[23].

نجح فيبر في تعيين مواصفات الإدارة الحكومية في البلدان الصناعية الغربية، إلى حد أن هذه الإدارة صارت تسمّى على اسمه، أي صارت تُعرف بـ «الإدارة الفيبرية». واختار الباحثان أن يدرسا الدولة بوصفها فاعلًا جماعيًا (Corporate Actor)، بدلًا من يستمرّا في النسج على منوال من يرون الدولة منصّة تتبارز فوقها القوى والمصالح الاجتماعية المختلفة. وكان مايكل مان قد انتقد بدوره هذه الخاصية للأدبيات حول الدولة التي راجت حتى مطلع الثمانينيات وحصرت همها بتعريف الدولة كساحة صراع‏[24].

د – حالة آسيا

سوف يأخذ بيتر إيفانز على عاتقه دراسة استقلالية الدولة وفاعليتها في تجربة الدول التنموية الآسيوية ممثلة باليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، وذلك في مساهمات صدرت بدءًا من عام 1987‏[25]، وأعيد نشرها عام 1995‏[26]. وقد رسم صورة استقلالية للدولة في هذه النماذج مختلفة عن تلك التي عيّنها ماكس فيبر في تعريفه للإدارة الحكومية الغربية. الفارق بين تجربة الغرب وتجربة شرق آسيا هو أنه في الحالة الأخيرة كان على الدولة أن تخلق نخبًا استثمارية وتنشئ معها مشاريع مشتركة.

أعطى فيبر صفة ملازمة للبيروقراطية هي عزلتها النسبية (Insulation) التي تجعلها قادرة على التصدي للضغوط التي تمارس عليها من طرف النخب الاستثمارية وقوى الضغط. وأطلق إيفانز صفة «الاستقلالية المنغرسة» (Embedded Autonomy) على الإدارة الحكومية الآسيوية التي كانت تتواصل يوميًا مع النخب الاستثمارية للتشاور معها وتعيين الأهداف، من دون أن يترتب على ذلك خضوعها للمصالح الخاصة، أو تخلّيها عن الأهداف العامة المرسومة، أو قبول أفرادها الرشوة لتمرير مصالح خاصة.

وخلُص الباحث إلى إثبات وجود «فيبرية معزّزة» (Reinforced Veberianism) كصفة للإدارة العامة الآسيوية. وهو ما أعطى الدولة التنموية في هذه البلدان فاعليتها. وتكون الإدارة فيبرية إذا قامت على قاعدة الاستحقاق، وطبّقت قاعدة المباريات الوطنية في تنسيب العاملين فيها، ووفرت لهؤلاء العاملين إمكان أن يمضوا عمرهم المهني في الوظيفة، أي ثبّتتهم. وتكون هناك «فيبرية معزّزة» إذا مارست السلطة السياسية ضغطًا إضافيًا على الإدارة العامة من أجل مزيد من الفاعلية. وهو ما تحقّق من خلال دور الجيش في كوريا ودور الكيومنتانغ في تايوان. هذا ما سمّاه إيفانز وريشماير «الأسس غير البيروقراطية للأداء البيروقراطي» (Non-bureaucratic Foundations of Bureaucratic Functioning).

هـ – «المؤسساتية المقارنة» بديلًا من «النفعيين الجدد»

وكان لا بد من أخذ مسافة أخرى مع التيار الثاني الذي سيطر على أدبيات التنمية منذ أواخر السبعينيات الممثّل بـ «النفعيين الجدد». وهم الذين وفّروا النظرية التي استندت إليها سياسات التنمية النيوليبرالية، الرائجة منذ ذلك التاريخ.

وفي نصه التأسيسي الصادر عام 1995، أقام إيفانز تعارضًا بين مقاربتي «النفعيين الجدد» و«المؤسساتية المقارنة» في ميدان تعريف الدولة بوصفها إدارة‏[27]. راجت المقاربة الأولى منذ منتصف السبعينيات، وأسهمت في بلورتها جمهرة من الاقتصاديين النفعيين الجدد، وكان لها الأثر الكبير منذ مطلع الثمانينيات، لأنها شكلت المرجعية الفكرية التي استندت إليها سياسات التنمية النيوليبرالية الطابع، تحت اسم «توافق واشنطن». وهي أقامت تعارضًا بين الدولة والسوق، ورأت أن تدخل الدولة في الاقتصاد يعوق عمل قوى السوق، وعدّت انكفاء الدولة وانسحابها من الاقتصاد شرطًا لتمدّد علاقات السوق. وقد وفر تيار النفعيين الجدد للنيوليبرالية الأسس الفكرية التي استندت إليها في اكتساحها العالم في الفكر وفي الممارسة.

«شيطن» (Demonization) هذا التيار الدولة ودورها في التنمية. ودأب منظّروه منذ السبعينيات على نقد الدولة بوصفها تجمعًا للباحثين عن ريوع (Rent Seeking)، أي بوصفها مأهولة بأناس يعملون على تحقيق منفعتهم الخاصة ومنفعة الأطراف من خارج الدولة التي تدعمهم. وبات الشائع أن تحجيمها وخفض عديدها ونزع صلاحياتها هو أفضل ما تقوم به كل بلدان العالم.

أظهر إيفانز في استعراضه أفكار أعلام هذا التيار، من كرييجر إلى بوكانان وتوليسون وتيلوك، الطابع الأيديولوجي وغير العلمي لهذه القراءة لطبيعة الدولة. فقد قدموا نموذجًا للدولة مصرّين على أنه قائم في كل زمان ومكان. وهذا غير مقبول. ورأى إيفانز أن دولة مأهولة بالباحثين عن ريوع لا تستطيع التنكب للمهمات التي وضعها النفعيون الجدد أنفسهم على عاتقها، ومنها حفظ النظام وفرض تطبيق القانون في التعاملات الاقتصادية الاعتيادية.

و – المؤسساتيون والدولة

إحدى أهم المساهمات التي قدمتها النظرية الاقتصادية للتنمية، إظهارها بالاستناد إلى الوقائع التاريخية، أن العامل الأساس في تحقيق التنمية، هو وجود إدارة حكومية فاعلة. تولى بلورة هذه المقاربة رهط من المفكرين منذ مطلع القرن العشرين. وثابر آخرون على ذلك، مثّلوا بعد الحرب العالمية الثانية تيار «المؤسساتية المقارنة»، الذي تمثّل منذ الثمانينيات بجيل جديد من الباحثين الذين درسوا التجربة الآسيوية.

أظهرت إسهامات المفكرين المؤسساتيين منذ مطلع القرن العشرين حاجة اقتصاد السوق لتدخّل الدولة لجعله ممكنًا. وذلك بدءًا من ماكس فيبير، مرورًا بكارل بولانيي وبمنظّرين رئيسيين ضمن «اقتصاد التنمية» كألكسندر غرشنكرون وألبرت أوتو هيرشمان، وصولًا إلى الباحثين الذين عملوا على جمع الوقائع حول نموذج شمال شرق آسيا للتنمية، وبلورة مفاهيم جديدة انطلاقًا من هذا الواقع، ومنهم أليس أمسدن وروبرت واد وبيتر إيفانز نفسه.

وفي قراءة إيفانز لأفكار أعلام هذا التيار، بيّن مساهمة كل منهم في تفسير الدور الذي أدّته الدولة لتسهيل النمو الرأسمالي. أظهر بولانيي دور السياسات التي اعتمدتها الدولة في الغرب والتي لم يكن ممكنًا من دونها أن تتوسّع علاقات السوق. وأظهر ماكس فيبر دور البنى المؤسسية الممثلة بالإدارة العامة في خلق الشروط التي أتاحت النمو الرأسمالي. أما غرشنكرون وهيرشمان فقد تناولا علاقة الدولة بالنخب الاستثمارية الذي اختصره إيفانز بمفهوم «علاقة الدولة بالمجتمع» (State-society Relation). وقد وجد إيفانز أن أفضل تعريف لدور الدولة لدى المؤسساتيين هو الذي اختصره هيرشمان بتعبير «تعظيم الدولة لقدرة النخب الاستثمارية على اتخاذ القرار الاستثماري».

ورأى إيفانز أن نجاح التنمية كما أثبتت تجارب القرنين التاسع عشر والعشرين مرهون بهذه العلاقة بالذات التي تنسجها الدولة مع النخب الاستثمارية. وقد بيّن هو وغيره من الباحثين المختصين بالدولة التنموية في شمال شرق آسيا دور السياسات المعتمدة من جانبها، والبنى الإدارية التي توافرت عليها، وعلاقة الدولة بالنخب الاستثمارية التي تميّزت بها، في إنجاح تجربة التصنيع المتأخر أو التحويل الصناعي فيها. وبيّنوا خصوصًا وجود إدارة عامة، أو بيرقراطية حكومية فعّالة، على نقيض الصورة التي رسمها لها النفعيون الجدد. وهي إدارة عامة بقيت مستقلة عن النخب الاستثمارية التي أسهمت هي نفسها في خلقها، وتمكَّن أفرادها من إعطاء الأولوية للأهداف العامة المرسومة وتصدوا لمحاولات رشوتهم وامتنعوا عن التفتيش عن منافع خاصة.

ز – البنيوية الجديدة

صاحب هذه التسمية هو الباحث الكبير في العلاقات الدولية، الأسكوتلندي ريموند هينبوش. فقد رأى الأخير أن البنيوية بصيغتها الماركسية القديمة التي تضع اللوم على الخارج حصرًا، غير كافية لتفسير التبعية ولقراءة التراتبية الدولية تحت سلطة «دولة مسيطرة» (Hegemon). قال إنه يقتضي الأخذ في الحسبان لدور النخب المحلية في تسويغ وجود دول مستزلَمة للولايات المتحدة كدولة مسيطرة، وخاضعة للهيمنة الجماعية التي يمارسها الغرب‏[28].

ح – إهمال دور الشروط الداخلية في «نظرية التبعية»

وقد نشأت التبعية من حاجة البلدان الصناعية الغربية للتحكّم في مصير بلدان العالم الأخرى، لتوفير مواد أولية لصناعاتها وأسواق لمنتجاتها. عرّف دو سانتوس التبعية بأنها حالة بلد ما تكون خياراته الاقتصادية وهيكليته وليدتا حاجات بلد أو بلدان أخرى، وموجّهة لتلبية هذه الحاجات‏[29]. وهي تبعيّة اتخذت أشكالًا مختلفة تبعًا للمراحل التاريخية المتعاقبة.

انتقد الباحث توني سميث في قراءة مسهبة، الطريقة الاختزالية التي قرأت بها «نظرية التبعية» علاقة بلدان العالم الثالث بالغرب. بدت هذه الاختزالية في تركيز الماركسيين على النظام الدولي بوصفه المسؤول عن تخلّف العالم الثالث، من دون إظهار الدور الذي تضطلع به القوى المحلية والنخب المحلية في إرساء حالة التخلّف هذه‏[30]. بدت أيضًا، في تجاهل وجود أنظمة حكم وإدارات حكومية يختلف بعضها عن بعض في العالم الثالث، وفي قدرة البعض منها على إحداث فرق في علاقة بلدانها بالنظام الرأسمالي الدولي‏[31].

أعاب الباحث على بول باران، أنه عزا النجاح التنموي لليابان إلى عدم اهتمام القوى الاستعمارية به، وأنه أغفل دور الشروط الداخلية التي كانت وراء نجاح عملية «التصنيع المتأخّر» فيه‏[32].

أخذ الباحث أمثلة متعددة من الهند وجنوب شرق آسيا وشبه الجزيرة العربية وأفريقيا السوداء، يجمعها قاسم مشترك، هو أن الاستعمار الذي تعرّضت له، كان يرتكز على وجود شريك محلي، مثّلته القوى والنخب التقليدية المحلية. أدت هذه الأخيرة دور الوكيل المحلي للاستعمار الأجنبي، وحافظت على السلطة التي كانت لها، بفضل السيطرة الاستعمارية التي وقعت بلدانها تحتها‏[33].

ط – «إمبريالية تحرير التبادل»

ارتبط استخدام تعبير الإمبريالية بحقبة «الإمبراطورية الرسمية» أو الاستعمار المباشر. ورأى الباحث فرد هاليداي، أن مناهج العلوم الاجتماعية المختلفة في الجامعات، كعلم الاجتماع وعلم السياسة وعلم الاقتصاد، تجنّبت استخدام المصطلح. واكتسب استخدامه في المقابل، شرعية في ميدان الدراسات التاريخية‏[34].

وأطلق الباحثون اسم «إمبريالية تحرير التبادل» (Free Trade Imperialism) على الحقبة الأولى من التوسّع الغربي في أنحاء العالم. وهي تجسّدت في استراتيجية إنكلترا في استتباع مناطق العالم بواسطة «الاتفاقيات التجارية غير المتكافئة»‏[35]. كان موقعو تلك الاتفاقيات يلتزمون، برضاهم أو بالقوّة، فتح أسواقهم أمام المنتجات الغربية، ويتحوّلون إلى إنتاج المواد الأولية التي يحتاج إليها الغرب في صناعاته. امتدت تلك الحقبة بين عامي 1820 و1870.

وكان الباحث رونالد روبنسون قد بيّن، في نصه الصادر عام 1972، كيف أن العلاقة بين المستعمِر الغربي والمناطق المستتبعة، اتخذت غالبًا شكل «الحكم غير المباشر» (Indirect Rule Systems of Collaboration)، حيث تولّت النخب المحلية السلطة في إطار من التبعية للمركز الغربي‏[36]. واستخدم مفهوم «آلية التواطؤ» (Collaborative Mechanism) لعرض كيفية بناء علاقة التبعية بين القوى الاستعمارية الغربية وبين دول ونخب الأطراف‏[37].

وخلال الحقبة الأولى الممتدة من 1820 إلى 1870، اكتفت إنكلترا بـ «اتفاقيات تحرير التبادل» التي فرضتها على بلدان العالم. لكن الاحتلال المباشر لهذه البلدان أصبح ضرورة، في المرحلة الثانية بعد عام 1870، فرضها عجز هذه الأخيرة عن تسديد ديونها للغرب، ونشوب ثورات وحركات احتجاج رفضت الخضوع لإملاءات الدائنين الغربيين.

وفي الحقبة الأولى كما في الحقبة الثانية من التجربة الاستعمارية، كانت القوّة المستعمِرة تُرضي النخب المتواطئة معها بحوافز ومكافآت أغلبها حكومي. وذلك بمعنى حصول هذه الأخيرة على مواقع في السلطة والإدارة وإفادتها من مظاهر التكريم ومن العقود الحكومية… إلخ. لكن الأهم في كل هذا هو التوافقات غير المعلنة بين السلطة المستعمِرة وبين النخب المحلية، على أن تتولى الأخيرة إدارة الشأن المحلّي وألّا تتدخّل الأولى في شؤونها‏[38].

ي – الإمبراطوريات الرسمية

أعقبت ذلك حقبة «الإمبراطوريات الرسمية» (Formal Empire) أو الاستعمار المباشر (Colonialism). أظهر روبنسون أن عدم إمكان حمل الوسطاء التجاريين لإنكلترا إلى الحكم، في مرحلة «الإمبراطورية غير الرسمية» (Informal Empire)، حتّم على هذه الأخيرة أن تعتمد في المجال السياسي، على الأوليغارشيات الحاكمة والنخب شبه الإقطاعية المحلية‏[39]. وحين كانت «اتفاقات التعاون» غير الرسمية تتعرّض للثورة عليها، كانت إنكلترا تضطر إلى إعادة هيكلة هذا التعاون مع القوى المحلية، من خلال الاحتلال المباشر للبلدان المعنيّة.

تمدّد الاستعمار المباشر إلى أنحاء العالم بسبب تسابق القوى العظمى الغربية إلى احتلال مناطق العالم المختلفة ليس لأسباب اقتصادية فقط، وإنما لأسباب استراتيجية أيضًا. استمرّ هذا الاستعمار من الربع الأخير من القرن التاسع عشر حتى نهاية الحرب العالمية الثانية.

ك – الإمبريالية غير الرسمية

تساءل الباحث روبنسون حول إمكان استخدام تعبير الإمبريالية خلال حقبة ما بعد الاستعمار‏[40]. ورأى روبنسون أن المساعدات الغربية والقروض ذات المنشأ الغربي التي تخصّص للبلدان النامية، تهدف إلى خلق «تعاون» مع النخب المحلية في ميادين السياسة الداخلية والسياسة الخارجية والسياسة الاقتصادية، وأنها تؤول إلى إفساد الإدارة العامة والجسم السياسي في هذه البلدان. كما رأى أن شروط ممارسة «إمبريالية غير رسمية» (Informal Imperialism) قد ازدادت كثيرًا خلال حقبة ما بعد الاستعمار‏[41].

ل – التراتبية

قدم هينبوش عرضًا لموقع «الشرق الأوسط» في التراتبية الدولية، تحت عنوان «الإمبريالية والمقاومة»، مستخدمًا في ذلك المقاربة البنيوية في ميدان العلاقات الدولية، بعد إضافة اقتباسات وعناصر من نظريات أخرى. واستخدم هذه المقاربة البنيوية «المحدثة» لتعيين موقع بلادنا، كأرض مستهدفة بالعدوان الخارجي الدائم، منذ القرن التاسع عشر وحتى الآن.

بيّن هينبوش أن النظرية الواقعية التي ترى العالم والعلاقات الدولية كناية عن فوضى عارمة، لا تعكس واقع العالم الفعلي، بل إن هذا الأخير ينم عن وجود تراتبية داخل الفوضى تتمثّل بالتحديد في وجود بلدان مسيطرة تقود العالم، مثّلتها بريطانيا من التاسع عشر إلى الحرب العالمية الثانية كما سبقت الإشارة، ثم الولايات المتحدة مذ ذاك.

تعتمد «البنيوية» مفهوم الإمبريالية ونظرية المركز والأطراف ونظرية التبعية، لفهم الطريقة التي تم بها استيعاب مناطق الأطراف، ومنها المنطقة العربية، ضمن منظومة التراتبية الدولية‏[42]. ويعود لها استخدام مفهوم التراتبية لإظهار حالة عدم التكافؤ الجوهري بين الدول على المستوى العالمي، التي تعود إلى عدم تكافؤهم في التحكم بالفائض الاقتصادي الذي يحقّقه العالم‏[43].

حالة عدم التكافؤ هذه تعود إلى الاختلاف الحاسم على صعيد اكتساب المقدرة التكنولوجية وتطوير القدرة الإنتاجية بين دول المركز ودول الأطراف. وقد نجم عن ذلك انعدام توازن فادح على الصعيد العسكري بينهما. أتاح انعدام التوازن هذا لدول المركز أن تسيطر على المجتمعات التقليدية وتنهبها. عيّنت «نظرية المنظومات العالمية» مع فالرشتاين دور الدولتين المسيطرتين اللتين كانتا تباعًا إنكلترا والولايات المتحدة، في استيعاب مناطق الأطراف ضمن المنظومة الرأسمالية، بالقوة العسكرية أولًا، وباستقطاب (Cooptation) النخب المحلية. تم ذلك على أساس تقسيم دولي للعمل، احتكرت فيه دول المركز إنتاج السلع المصنّعة، وفرضت على الأطراف التخصّص بإنتاج المواد الأولية التي تحتاج إليها. ونجم عن ذلك تفاوت فادح في الثروة بين الطرفين.

رأى هينبوش أن ضعف المقاربة «البنيوية» جاء في السابق من أنها، مثلها في ذلك مثل النظرية الواقعية، جعلت الخارج العنصر الوحيد المحدّد لمصائر بلدان العالم النامي، وتجاهلت الدور الذي تؤديه القوى المحلية، أي النخب والدول المحلية وسياساتها، في رسم صورة الواقع. اقتضى بالتالي إيلاء العنصر الآخر في التراتبية على المستوى العالمي، أي ارتباط نخب ودول العالم الثالث بعلاقة استزلام تجاه القوى العظمى (Client State)، والأدوار التي تؤديها هذه النخب (Client Elite)، الأهمية التي تستحقها‏[44]. إحتاجت هذه النخب، التي جعلها استتباعها من جانب القوى العظمى تفقد شرعيتها عند شعوبها، إلى الحماية التي توفرها لها دول المركز. أصبح بقاؤها في السلطة منوطًا بذلك. ولجأت الدولة المسيطرة إلى استخدام القوة على الدوام لحماية هذه النخب، وللتصدي للقوى التي تناوئها، ولمنع تشكّل قوى إقليمية تتحدى سيطرتها‏[45].

لم أكن متنبهًا ما فيه الكفاية إلى دور التبعية في رسم صورة ماضينا وحاضرنا كعرب. وقد وقعت على سلسلة مقالات هينبوش المنشورة بعد 2006، وأهمها ذلك المقال الصادر عام 2011 والذي سبق عرض محتواه، وهو بمنزلة مانيفستو قومي عربي.

أما العبرة من كل هذا فهي أنه لا بد من الكتابات المصنّفة في خانة البنيوية المحدثة لفهم واقعنا العربي، وفهم الخضوع للسيطرة واللاتكافؤ اللذان يسمان علاقتنا كعرب بالعالم المعاصر.

م _ ما بعد الكينزية

لم يكن الاقتصاديون، على اختلاف مشاربهم، يتوقعون أن تكون حقبة ما بعد الحرب العالمية الثانية مختلفة كثيرًا عن حقبة الثلاثينيات، لجهة استمرار الكساد وضعف معدلات النمو. كانت «الثلاثون المظفّرة» بين 1945 و1975، مفاجأة للجميع لجهة معدلات النمو المرتفعة التي عرفتها البلدان الغربية، مترافقة مع انعدام التضخّم وعمالة كاملة. وقد مارست كتابات كينز الإصلاحية الراديكالية تأثيرًا كبيرًا على متخذي القرار بعد الحرب العالمية الثانية.

ذهب كينز إلى أن التناقض الرئيسي داخل النظام الرأسمالي هو ذلك القائم بين «أصحاب الريوع المالية» (Financial Rentiers) من جهة، وبين الفئات غير الريعية في الاقتصاد، ممثلة بالرأسماليين الصناعيين والعاملين بأجر. وهو من جهة ثانية أظهر أن سيطرة أصحاب الريوع المالية هي التي تسبّبت على مدى الثلاثينيات بحالة الكساد الكبير آنذاك. كما أظهر أن سيطرة هؤلاء جعلت المستثمرين يتخلّون عن الاستثمار المنتج ويتحوّلون إلى المضاربة في البورصة‏[46]. ذهب كينز في كتاباته أواخر الثلاثينيات إلى حد القول إنه إذا أضرب المستثمرون عن الاستثمار المنتج، فإن على الدولة أن تحل محلّهم في هذا المجال. وذلك من خلال تخطيط الاستثمار، وأن تتولاه بنفسها محل القطاع الخاص‏[47].

ن – «كينزية ما بعد الحرب»: الوجه الإيجابي

عكست السياسة الاقتصادية المتّبعة في البلدان الغربية بعد الحرب العالمية الثانية هذا الأمر. حلّت الدولة محل القطاع الخاص في القطاعات الإنتاجية الرئيسية وفي التمويل، من خلال التأميمات التي أصابت المصارف والشركات الإنتاجية الكبرى في بداية الحقبة. كانت «الثلاثون المظفّرة» حقبة سيطرة تحالف جمع الدولة والنقابات العمالية والأحزاب المعبّرة عنها، في تجربة من النمو لم يسبق أن عرفها النظام الرأسمالي في أي وقت.

طبّقت الحكومات الغربية الرئيسية مقولة كينز في ضرورة أن تؤدي الدولة دور «المستثمر الأول» (Entrepreneur en Chef) إذا ثابر رأس المال الخاص على الإضراب عن الاستثمار. بنت الدولة في الغرب اقتصادًا منتجًا كان نقيض اقتصاد «أصحاب الريوع المالية» الذي ساد بين الحربين. مثّل تعاطيها مع الاقتصاد ردّ فعل على تلك الحقبة.

ص – النقص في «كينزية ما بعد الحرب»

لم يكن استخدام الاقتصاديين لإرث كينز النظري بمستوى الكفاءة التي عبّر عنها تعاطي الدولة مع تحديات ما بعد الحرب. أخذ الاقتصاديون النيوكلاسيكيون بضعة أفكار من كينز، لعل أهمّها إعطاء شرعية لتدخّل الدولة عبر السياسة النقدية وسياسة الإنفاق العام، للحد من تقلبات الظرف الاقتصادي في المدى القصير. وأعطى الباحث الكندي الكبير ماريو سيكاريسيا سببين للضعف الذي عبّرت عنه «كينزية ما بعد الحرب» أمام هجمة النيوكلاسيكيين، وخصوصًا فريدمان ولوكاش خلال السبعينيات. فهي أولًا عكست الأخذ بالنموذج الاسكندنافي في تدخل الدولة والإنفاق العام لتأمين الاستخدام الكامل للقوى العاملة. وكان غونار ميردال قد اقترح في مطلع الثلاثينيات أن يرتفع الإنفاق العام في المدى القصير عندما يكون هناك انحسار في الظرف الاقتصادي (Business Cycle) وينخفض في مرحلة الانطلاق، بحيث يتعادل الاثنان ولا يبقى شيء من الإنفاق العام المتراكم في المدى الطويل‏[48]. وهو ما اعتمدته دول أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية. والسبب الثاني هو أن «كينزية ما بعد الحرب» أغفلت التمييز بين الإنفاق الاستثماري الحكومي والإنفاق الاستهلاكي الحكومي، وبحيث انطوت التجربة على إعطاء الأولوية للثاني على حساب الأول‏[49].

وأسهم الباحثون المحسوبون على الكينزية في هذا الاختزال لفكر كينز. أهملوا العناصر التي تجعل من فكر كينز ملهمًا لسياسات اقتصادية مختلفة جذريًا عن سياسات النيوكلاسيكيين. يقول الباحث جون سميثين إن ميلتون فريدمان، الأشهر بين الاقتصاديين النيوكلاسيكيين، اكتسب الصدارة فكريًا منذ 1968، وبات مرجعية لدى هؤلاء الكينزيين بديلًا من كينز‏[50].

ع – «كينزية ما بعد الحرب» خلال السبعينيات

خلال السبعينيات، وجدت الكينزية كما هي مطبّقة، أي بوصفها روشتّة لإخراج الاقتصاد من حالات الانكماش الظرفي، بواسطة أدوات السياسة النقدية والإنفاق العام، نفسها محاصرة كفكر وممارسة، وتمّت «شيطنتها» على مدى الحقبة اللاحقة. أدّى التضخم «الكبير» خلال السبعينيات الدور الأساس في نزع صدقية «كينزية ما بعد الحرب» المتداولة.

وأعاب النيوكلاسيكيون على السياسة المسماة كينزية تركيزها على تحريك الطلب بواسطة السياسة النقدية وسياسة الإنفاق العام وإهمالها عناصر التكلفة التي تقف في وجه زيادة العرض، كارتفاع الأجور وانخفاض إنتاجية العمل وزيادة أسعار المواد الأولية كأسعار البترول بعد 1973‏[51]. ورأى فريدمان في نصه لعام 1977 أن زيادة الطلب بواسطة السياسة النقدية وسياسة الإنفاق العام تؤدي إلى ارتفاع معدل التضخم الذي يؤدي بدوره إلى ضرب الفاعلية الاقتصادية للبلدان المعنية. وذلك لأنه يضرب صدقية الأسعار كمؤشر يحتاج إليه المستثمرون لاتخاذ قراراتهم الاستثمارية، الأمر الذي يجعل هؤلاء يتردّدون في اتخاذ هذه القرارات‏[52]. ثم أضاف النيوكلاسيكيون دور التوقعات التضخمية بوصفها سببًا قائمًا بحد ذاته لارتفاع معدلات التضخم‏[53].

ف – الاستثمار السياسي للتضخم

استثمرت أحزاب اليمين التضخم للتعبئة ضد الدولة ونزع شرعية حضورها وتدخّلاتها بواسطة الإنفاق العام. استخدمت الدعاية الانتخابية لتلك الأحزاب على مدى السبعينيات التضخم المتفاقم حجة رئيسية في نقدها للسياسات الكينزية القائمة على حفز الطلب. وتوجّهت إلى الشرائح المحافظة في المجتمع كالمتقاعدين لإظهار أن التضخم يأكل معاشاتهم ولتحميل الدولة وسياساتها مسؤولية ذلك‏[54].

أوصل تزايد التضخم على مدى حقبة السبعينيات أصحاب القرار إلى تصنيف هذا الأخير كالعدو رقم واحد للاقتصادات الغربية. واستخدموا رفع أسعار البترول للمرة الثانية عام 1978 لإعطاء شرعية لانخراطهم في «حرب صليبية» ضد التضخم بعد 1979.

ق – النيوماركسيون والكينزية

لم تجد تلك الكينزية من يدافع عنها. وقف النيوماركسيون بدورهم موقفًا سلبيًا منها. رأى هؤلاء أن الاستخدام الكامل للقوى العاملة الذي عملت له «كينزية ما بعد الحرب» كهدف، لا يتلاءم مع الرأسمالية كنظام. فهذه الأخيرة تحتاج في رأيهم على الدوام إلى كتلة عاطلين من العمل مهمّة لضبط الأجور‏[55]. وقد أدانوا سياسات رفد الطلب كونها تؤدي إلى التضخّم. وأطلقوا حكمًا مبرمًا على هذه الكينزية، إذ رأوا أن انخفاض معدل الربح كان العائق أمام الاستثمار، وأنه انخفاض ناجم عن ارتفاع الأجور بأكثر من ارتفاع إنتاجية العمل.

بل أظهر الباحثون ما بعد الكينزيين التشابه الكبير بين ما يقوله النيوماركسيون الممثلين بـ «مدرسة التنظيم» (École de la Régulation) الفرنسية وباليسار الماركسي الأمريكي وبين ما تقوله المدرسة النيوكلاسيكية في قراءة الأزمة آنذاك. رأى النيوماركسيون أن الأزمة انطلقت من ارتفاع الأجور الحقيقية في مطلع السبعينيات أكثر من ارتفاع إنتاجية العمل، وذلك بسبب ضغط النقابات العمالية. وهو ما تسبّب بانخفاض أرباح الرأسماليين وصرَفَهم عن متابعة الاستثمار‏[56]. وفي هذا تماثل مع القراءات النيوكلاسيكية التي رأت أن منطلق الأزمة هو في سوق العمل وفي ارتفاع الأجور الحقيقية. وظهر التماثل بين الاثنين في التحليل الذي يعطي الأولوية لدراسة العرض ومكوناته على حساب دراسة الطلب.

لم يهمل النيوماركسيون دراسة الطلب، بل أنحوا باللائمة على الحكومات الغربية التي سهّلت حصول الشركات الصناعية على تسليفات لتمويل الاستثمار تعويضًا لها عن انخفاض أرباحها. وقد أدى ذلك بالنسبة إليهم إلى دفع التضخم صعدًا خلال السبعينيات. بل ثمة لدى بعض المنتمين إلى «مدرسة التنظيم» تقييم إيجابي للدور الذي أدّته المصارف المركزية بعد 1979 في رفع أسعار الفائدة لضبط التضخم، كون ذلك يمثّل ردّ فعل صحّيًا من جانب الأسواق المالية لحفظ قيمة ثرواتها النقدية‏[57].

يفسر مارك لافوا موقف النيوماركسيين المعادي لكينزية ما بعد الحرب بوصفهم، بالعودة إلى ماركس، أن اشتغال النظام الرأسمالي يتطلّب وجود كتلة عاطلين من العمل كبيرة تتيح للرأسماليين ضبط الأجور، وأن الكينزية بوضعها العمالة الكاملة (Full Employment) هدفًا لها وإعطائها للنقابات دورًا رئيسيًا في تحديد الأجور، نقضت أحد مرتكزات النظام الرأسمالي‏[58]. الأمر الثاني هو أن النيوماركسيين مثلهم مثل النيوكلاسيكيين لم ينظروا إلى الأجور الحقيقية إلا بوصفها عبئًا يعوق الاستثمار. وهم في ذلك يقفون على طرفَي نقيض من كينز وكالسكي (Kalecki) اللذين كانا يريان في الأجور عنصرًا رئيسيًا في الطلب الاستهلاكي الذي يحفّز الاستثمار ويزيد أرباح الرأسماليين‏[59].

بقراءات من هذا النوع، لم يكن مستغربًا أن ينكفئ اليسار على امتداد العالم الغربي منذ بدء الحقبة النيوليبرالية. فأي بديل يمكن اقتراحه ما دامت القناعة هي أنه ينبغي خفض الأجور لتستعيد الأرباح حصتها في الدخل الوطني ويتحقّق مزيد من الاستثمار؟ وأي بديل يمكن اقتراحه ما دام النيوماركسيون انضموا إلى الإجماع تحت راية النيوكلاسيكيين الذي يجرّم أي لجوء لحفز الطلب لتحسين معدلات النمو، ويحصر اهتمامات السياسة الاقتصادية بنواحي العرض فقط؟

ر – ما بعد الكينزيين وإعادة تصويب النقاش حول كينز

أعاد الباحثون ما بعد الكينزيين منذ مطلع الثمانينيات الاعتبار لكينز الحقيقي من خلال شرح وتفسير نتاجه والبناء في ما يقترحون على هذا النتاج. وهو أراد إصلاح النظام الرأسمالي من داخله بدءًا من نقطة الانطلاق الجوهرية التي سبقت الإشارة إليها، وهي التمييز بين «رأسمالية أصحاب الريوع المالية» أو الرأسمالية الريعية وبين «رأسمالية أصحاب المشاريع» أو الرأسمالية الصناعية.

ش – الأساسيات في فكر كينز

(1) الاستثمار: يضع كينز الاستثمار في المنزلة الأولى كمحرّك للطلب والنمو الاقتصادي. بلور مفهومي «مفاعل الإنفاق» (Multiplier) والمسرّع (Accelerator) للربط بين الإنفاق والناتج وبين الناتج والاستثمار. في حالة المفاعل، يؤدي مطلق إنفاق إلى رفع للإنتاج ينجم عنه توزيع مداخيل تعود بدورها لتضخّ إنفاقًا جديدًا في الاقتصاد. ويربط المسرّع بين حجم الناتج وحجم الاستثمار، كون الأول محدّدًا للثاني.

جعل كينز الاستثمار سبّاقًا على الادخار وليس العكس‏[60]. وهو ما أغفلته التفسيرات النيوكلاسيكية لفكره بعد الحرب. ليس حجم الادخار عنده هو ما يحدّد الاستثمار، بل إن الادخار يكون نتيجة للاستثمار. كان كينز يقف موقفًا سلبيًا من الادخار بحد ذاته، ويرى أن هذا الأخير عبء على الاقتصاد وأنه لا ينبغي تشجيع المدّخرين برفع الفائدة المعطاة لهم.

وما يحدّد الاستثمار هو عدم اليقين (Incertitude) عند المستثمرين، أي عدم تأكدهم من أنهم سيجدون طلبًا كافيًا على منتجاتهم إذا تحمّلوا مخاطر الاستثمار. وما يحدّده هو الرغبة في الربح أو ما يسميه كينز «روح الكسب» (Esprits animaux) عند المستثمرين‏[61]. يمثّل تراجع هذه الرغبة معضلة رئيسية في الرأسمالية. ليس الإدخار إذًا، بل التفاؤل في أوساط المستثمرين بإمكان تحقيق أرباح مجزية هو ما يحدّد الاستثمار.

ويمكن، مع أخذ ما تقدّم في الحسبان، تعريف دور الدولة في كل هذا. تقع على الدولة مهمّة إزالة عنصر عدم اليقين وجعل التشاؤم تفاؤلًا في أوساط المستثمرين. تحقق الدولة ذلك حين تقف إلى جانب المستثمرين، وتوفّر ضمانات لهم أمام مخاطر الاستثمار. يمثّل الاستثمار وتعريفه ودور الدولة على هذا الصعيد، أهم ما في الكينزية.

(2) الاستهلاك: يأتي الاستهلاك في المرتبة الثانية بعد الاستثمار كمحدّد للطلب. جعل كينز في الأساس من الميل الحدّي لاستهلاك الدخل، أي نسبة الدخل المخصّصة للإنفاق الاستهلاكي، العنصر الأساس في تعريف «مفاعل الإنفاق». انتقد الباحثون ما بعد الكينزيين التركيز في سياسات ما بعد 1980 على رفع معدل الربح كحافز للاستثمار، وإغفال دور الطلب الاستهلاكي كحافز لهذا الأخير. يمكن أن يتحسّن معدل الربح في خلال خفض نسبة الأجور في الناتج، من دون أن يؤدي ذلك إلى تحسين معدل النمو، بسبب ضعف الطلب الاستهلاكي. رأى الباحثون أن الأغلبية الساحقة من الاقتصادات الغربية هي من الفئة التي يحدد فيها الطلب الاستهلاكي معدل النمو‏[62]. وحين يكون الأمر على هذا النحو، لا يعود كافيًا التعويل على رفع نسبة الأرباح كحافز للاستثمار.

ورأى الباحثون في التيار ما بعد الكينزي أن الطلب على العمل لا يتحدّد في سوق العمل، بل يكون محكومًا بمستوى الطلب الإجمالي. واستندوا إلى إسهامات كالسكي (Kalecki) لتبيان أن ارتفاع الأجور يرفع الطلب الإجمالي وأرباح المؤسسات ويشجع هذه الأخيرة على الاستثمار. وبلوروا في نهاية المطاف مقاربة تقف على طرف نقيض من المقاربة النيوكلاسيكية وتربط بين ارتفاع الأجور وارتفاع الطلب على العمل وارتفاع معدلات النمو‏[63].

وينظر ما بعد الكينزيين نظرة إيجابية إلى دور النقابات ووجود حد أدنى للأجور. وهي في المقاربة النيوكلاسيكية عناصر يسيء وجودها إلى مرونة الأجر، وينبغي إزالتها. أما ما بعد الكينزية فترى وجود عناصر عدم المرونة هذه كشأن جيد. فهي تكبح مقدرة المؤسسات على خفض الأجور، وتمنع بذلك الطلب الإجمالي من النزول إلى الحضيض، وتتيح للمؤسسات أن تزيد أرباحها واستثماراتها، وتسهم في تحقيق العمالة الكاملة‏[64]. أي أن أفضل ما تقوم به الدولة في المقاربة الكينزية هو تشجيع نشوء النقابات، لأن ذلك يمنع أرباب العمل من النزول بالأجور إلى مستويات تضرب الطلب الإجمالي وتنشئ كسادًا اقتصاديًا.

(3) الإنفاق العام: المحدّد الثالث للطلب الفعلي هو الإنفاق العام. أغفل النيوكلاسيكيون الذين استعانوا بفكر كينز، الأهمية التي أعطاها هذا الأخير للتمييز بين الموازنة الحكومية العادية التي تشتمل على الإنفاق الجاري للحكومة، وبين الموازنة المخصّصة للاستثمار. فلم يمانع كينز في أن تكون الأولى متوازنة، لكنه أعطى الثانية دورًا رئيسيًا في رصد الموارد لرفع مستوى إنتاجية الاقتصاد‏[65]. تقع على الدولة مسؤولية تخطيط الاستثمار على المدى الطويل بهدف تحسين فاعلية القطاعات الإنتاجية. أي ينبغي أن يتوصّل الاستثمار الحكومي إلى إضافة مخترعات جديدة وتحقيق نتائج في ميدان أنشطة البحث والتطوير وفتح آفاق جديدة في ميدان البحث العلمي. في الولايات المتحدة التي لطالما كانت نموذجًا لاقتصاد تؤدي فيه الدولة دور «المحفّز الأول للاستثمار»، تعوّل المؤسسات الخاصة التي تنتج المخترعات الجديدة على التمويل الحكومي لإطلاق أبحاث جديدة.

وأظهرت إسهامات ما بعد الكينزيين المتعددة أن مقولة النيوكلاسيكيين بأن الإنفاق العام يؤدي إلى رفع معدلات الفائدة، الأمر الذي من شأنه «طرد» الاستثمار الخاص، هي مجرّد موقف أيديولوجي. وقد عبّر فريدريش فون حايك، ممثل المدرسة النمسوية الأكثر عداء لتدخّل الدولة في الاقتصاد عن هذا الموقف في الأساس. أظهر هؤلاء الباحثون أن الدولة ممثّلة بالمصرف المركزي هي من يحدّد معدل الفائدة، وأن قدرتها على خلق النقد أي تعزيز العرض له من شأنها خفض معدلات الفائدة لا رفعها‏[66].

تصدّت الكتابات ما بعد الكينزية للمواقف النيوليبرالية «المشيطنة» للدولة وللإنفاق العام، وجعلت من هذا الأخير أحد عناصر الطلب الإجمالي وعاملًا حاسمًا لتعزيز ربحية المؤسسات الإنتاجية الخاصة. رأت أن مستوى الإنفاق العام وعجز الموازنة لا ينبغي أن تحددهما مقولات كتلك التي تجعل العجز نسبة من الناتج لا ينبغي تجاوزها. ولاحظت أن حاجة الاقتصاد هي ما ينبغي أن يحدد حجم هذا الإنفاق‏[67].

نشأ الدين العام بعد 1980 في الغرب من سياسات رفع الفائدة النيوليبرالية الطابع بحجة كبح التضخم. رتبت هذه الفوائد عبئًا ضريبيًا كبيرًا على كاهل دافعي الضرائب. برّرت مشاكل المالية العامة هذه، المطالبات بخفض حجم الدولة وإنفاقها، وبرّرت التقشف في الإنفاق على مدى الحقبة. نجحت سياسة الفوائد المرتفعة من خلال العبء الضريبي الذي رتبته لتمويل عجز الموازنة والدين العام، في إطلاق عداء دافعي الضرائب تجاه الدولة.

تمثّل كتابات التيار ما بعد الكينزي موقفًا مناقضًا لموقف المؤسسات الدولية، كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، بشأن الإنفاق العام وضرورة الحد منه. وتوفّر حججًا قوية لمتّخذي القرار في البلدان النامية إذا ما قرروا التصدي للترهيب الذي يخضعون له على يد مسؤولي هذه المؤسسات وخبرائها.

(4) التصدير: يأتي التصدير إلى الخارج كواحد من العناصر الأربعة للطلب الإجمالي ضمن اقتصاد مفتوح. يؤدي التصدير دورًا رئيسيًا في كثير من الاقتصادات الغربية، ويُلزمها بالحفاظ على تنافسية منتجاتها من خلال منع أسعار هذه الأخيرة من الارتفاع، ومن خلال منع سعر صرف عملاتها من التحسّن. تمنع الحاجة إلى التصدير الكثير من البلدان الصناعية من «التفرّد» بمواقف تمثّل خروجًا على الإجماع.

رأى الباحثون ما بعد الكينزيين أن الإصلاح الذي قدمه كينز للنظام الرأسمالي انطلق من فكرة أن الأخذ فيه يكون على مستوى الدول الصناعية كمجموعة، وليس على مستوى بلد بمفرده. طرح هذا الأمر مسألة «إمكانية الكينزية في بلد واحد»‏[68]. أظهرت حقبة ما بعد 1980 خشية البلدان الصناعية من التفرّد بسياسات ليست موضع إجماع، وأظهرت نكوص البعض منها، كما الاشتراكيين في فرنسا في مطلع الثمانينيات، عن سياسات تتعارض مع تلك التي أجمعت عليها البلدان الصناعية الأخرى. تبقى إمكانية «التفرّد» والخروج على الإجماع ممكنة لأي بلد، شرط أن يكون لديه برنامج استثمار حكومي يحقق له سبقًا تكنولوجيًا وفاعلية فائقة.

(5) التقدم التقني: إلى محدّدات الطلب الأربعة التي سبقت الإشارة إليها، ينبغي إضافة محدّدين آخرين، يصنفهما الباحث مارك لافوا في فئة الأسباب الهيكلية لنقص الطلب، هما التقدم التقني وتوزيع الدخل‏[69]. المقصود هنا بالتقدم التقني، إحلال ماكينات وآلات جديدة محل اليد العاملة. يمثّل التقدم التقني بهذا المعنى مصدرًا لرفع إنتاجية الاقتصاد الوطني، لكنه يمكن أن يؤدي إلى خفض الطلب الإجمالي إذا ترتبت عليه إزالة مواقع عمل عديدة وحرمان من كانوا يشغلونها من مداخيل تعزّز الطلب الاستهلاكي. يلقي التقدم التقني على عاتق الدولة مسؤولية زيادة الطلب الإجمالي لتعويض الأثر السلبي الذي ينجم عنه في سوق العمل.

(6) توزيع الدخل: أما توزيع الدخل كمحدّد للطلب الإجمالي، فالمقصود به عند كينز، توزّع هذا الأخير بين المستثمرين الذين يمثّل الربح دخلهم والعاملين الذين يمثل الأجر دخلهم من جهة، وبين أصحاب الريوع المالية، الذين تمثل الفوائد دخلهم، من جهة ثانية. يمثّل المستثمرون والعاملون بأجر الفئة المنتجة في المجتمع، في حين يمثّل «أصحاب الريوع المالية» فئة من يحصّلون مداخيل من دون تقديم تضحيات فعلية. سمّاهم كينز في نصه لعام 1936 فئة «المستثمرين بدون وظيفة» (Functionless Investor)‏[70]. أغفل النيوكلاسيكيون الذين استثمروا أفكار كينز، إصرار هذا الأخير على التمييز بين الربح كدخل للمستثمرين والريع المالي أو الفوائد كدخل لأصحاب الريوع المالية. تعمّدوا الخلط بين الإثنين.

جعل كينز من التناقض داخل الرأسمالية بين أصحاب الريوع المالية وبين الرأسماليين الصناعيين مسألة مركزية في فكره. قدم بذلك الإضافة الأهم في مجال فهم أزمات الرأسمالية.

في الكينزية لا تعكس حركة الفوائد تغييرات في عرض النقد والطلب عليه. ليست آلية السوق هي ما يحدد الفوائد. يحدد المصرف المركزي الفوائد، استجابة منه للآراء السائدة في أوساط المتعاملين في الأسواق المالية. يستطيع المصرف المركزي أن يتحكّم في معدلات الفائدة بصورة كاملة في المدى القصير. وحين ترتفع هذه المعدلات، كما حصل بعد 1980، فهي تكون مجرّد واسطة لنقل الثروة والدخل من فئتي المستثمرين والعاملين بأجر إلى فئة أصحاب الريوع المالية. وقد أتاح رفع معدلات الفائدة بعد 1980 لهؤلاء الأخيرين أن «يثأروا» من تجربة «الثلاثين المظفّرة» التي حرمتهم الإفادة من معدلات فائدة عالية.

يحصل كساد كبير إذا انزاحت الثروة والمداخيل بقوة لمصلحة أصحاب الريوع المالية؛ لأن هؤلاء لا يستثمرون ويستهلكون نسبة ضئيلة من مداخيلهم العالية. يؤدي الموقع المهيمن الذي يحظى به هؤلاء إلى انخفاض الطلب الإجمالي وإلى التسبّب بانعدام النمو وبحالات الكساد الطويل الأجل. مثّل كينز استمرارًا لنهج المدرسة الكلاسيكية العريقة في الاقتصاد السياسي. أظهرت هذه الأخيرة أن ملّاك الأرض، أي أصحاب الريوع العقارية، كانوا يقتطعون من أرباح الرأسماليين ويتسبّبون بتوقّف الاستثمار والنمو. حلّ أصحاب الريوع المالية في الكينزية محل أصحاب الريوع العقارية كسبب لتوقّف النمو.

استعاد ماركس النقاش الكلاسيكي القديم بطريقة مختلفة، من خلال إقامة تعارض بين الأرباح والأجور. رأى أن التقدّم التقني المتمثل بحلول الآلات محل الناس، يضعف فائض القيمة ويخفّض معدل الربح، الأمر الذي يضعف، أو يزيل، رغبة الرأسماليين بالاستثمار. درجت الأحزاب والتيارات التي تستوحي الماركسية على إظهار التفاوت في توزيع الدخل بين الأرباح والأجور، لتقديم حجج حسية تغذي بها «حرب الطبقات».

مثّل كتاب بيكتي الصادر عام 2014، الذي بيع منه على ما يقال مليونا نسخة، إضافة إلى النقاش حول توزّع الدخل وأثر ذلك في النمو. رأى بيكتي، بخلاف ماركس، أن معدّل الربح قد ارتفع على امتداد العصر الحديث بأكثر من ارتفاع الناتج في البلدان الصناعية. أدى ذلك إلى تركّز كبير للدخل والثروة أثر سلبًا في النمو. يمكن تفسير الحفاوة التي حظي بها الكتاب بتزامن صدوره مع التظاهرات التي كانت تنطلق ضد وول ستريت، وتدين تركّز الثروة الذي رافق الحقبة النيوليبرالية. حظي الكتاب بقراءتين على الأقل بالعربية. كتب عنه عامر محسن (الأخبار، 19/9/2014)، وغسان ديبه (الأخبار، 15/6/2017). قرّظ النيوكلاسيكيون الكتاب وعرّضه الاقتصاديون من خارج التيار المهيمن لنقد شديد. أثبت هؤلاء أنه غير صحيح أن حصة الأرباح كانت ترتفع على الدوام خلال القرن العشرين. فهي انخفضت نسبيًا خلال «الثلاثين المظفّرة». أعابوا على الكاتب خلوّ تتبعه للنمو في المدى الطويل من أي دراسة جدية لدور التقدم التقني خلالها. وجدوا أن استخدامه للمقاربة النيوكلاسيكية في تعريف مداخيل عوامل الإنتاج يعكس مشكلة منهجية كبيرة في عمله‏[71]. تناول النقد أخيرًا تعريفه للربح. هناك في كتابه مداخيل من مصادر شتى لا يصح جمعها تحت هذا التعريف‏[72]. وهو كتاب لا يؤسس لكيفية اعتماد سياسات اقتصادية بديلة. وجد الباحثان سيكاريسيا ولافوا أن العودة إلى كينز في تعريف الفئات التي يمثل الريع المالي والربح والأجر مداخيلها تقي من الالتباسات التي وقع فيها بيكتي.

(7) الكينزية لإغناء «اقتصاد التنمية»: لم يكتب كينز حرفًا واحدًا عن البلدان النامية، ولا اهتم بموضوع التنمية كموضوع على حدة. لكن سجالاته في شأن أسبقية الاستثمار على الادخار، وعدم إمكان التعويل على القطاع الخاص لتحقيق النمو والعمالة الكاملة، ومسؤولية الدولة في أن تكون «المستثمر الأول»، أمور جعلت منه أهم منافح عن دور الدولة في الاقتصاد.

رصد الكاتب جون توي العلاقة بين كينز وبين الباحثين الأوائل في التنمية. أظهر تأثر ميندلبوم وروزنستين رودان المباشر به، وذهاب هذين الأخيرين إلى أبعد منه في تعيين دور الدولة في الاقتصاد‏[73]. كما أظهر أن «اقتصاد التنمية» يدين لكينز بالإطار الإحصائي الذي بلوره لكي يستخدمه الفنيّون في ميدان تخطيط التنمية‏[74].

وأظهر هيرشمان الدور الكبير الذي أدّته الكينزية في إطلاق مقاربات جديدة في ميدان «اقتصاد التنمية» تمثّل خروجًا عن النموذج الاقتصادي النيوكلاسيكي السائد، الذي لا يعترف بتمايز بين بلدان صناعية وبلدان متخلفة (Mono-économisme)، ويتعاطى مع الاثنين بالأدوات المعرفية ذاتها‏[75]. وقد أطلق كينز ثورة فكرية في عقر دار الرأسمالية المالية المهيمنة آنذاك، وأعطى مثالًا في الجرأة على الخروج عن السائد. واتخذ الباحثون الأوائل في «اقتصاد التنمية» من فكرة عدم الاستخدام الكامل للقوى العاملة التي ركّز عليها كينز كآفة للرأسمالية، منطلقًا لدراسة نقص استخدام القوى العاملة في ريف بلدان العالم الثالث‏[76].

لكن أروع ما قدمته الكينزية إظهار أن الاستثمار الخاص هو في الأساس غير ملائم وغير كافٍ، وأن ذلك يفرض على الدولة أن لا تكتّف أيديها، بل أن تحل محل هؤلاء المستثمرين. وهو ما عبّرت عنه مقولة «تأميم الاستثمار» (Investment Socialization) التي نادى بها كينز، وخصّص لها كتابه الشهير لعام 1936، وأخذت فيها البلدان الصناعية بعد الحرب العالمية الثانية‏[77]. وقد أخذت فيها بلدان شرق آسيا تحت عنوان «تأميم مخاطر الاستثمار» (Risk Socialization).

هناك تماثل بين أفكار هيرشمان، وهو الأفضل في قراءة دور الدولة في البلدان النامية، وأفكار كينز في تعريفه لهذا الدور. يتمثّل هذا الدور عند الأول بـ «تعظيم القدرة على اتخاذ القرارات الاستثمارية لدى النخب الاستثمارية» كما سبقت الإشارة‏[78]. الاستثمار هو الأساس عند هيرشمان كما كان عند كينز. تعظّم الدولة قدرة النخب الاستثمارية على الاستثمار من خلال الحوافز التي تقدمها لهم وإدارتها المباشرة لمشروع التنمية.

يفاجأ الداخل حديثًا إلى عالم كينز الحقيقي وليس ذلك الذي تقدمه كتب التدريس النيوكلاسيكية. ينطبع في ذهنه تأكيد كينز أن الاستثمار الخاص هو غير ملائم كقاعدة عامة، وأن ذلك يحتّم على الدولة أن تندفع إلى الحلول محل القطاع الخاص أو إلى تشجيع هذا الأخير على الاستثمار. يكون الحلول محل القطاع الخاص من خلال «تأميم الاستثمار»، ويكون تشجيع القطاع الخاص من خلال «تأميم مخاطر الاستثمار».

هذا ما حققته التجربة الآسيوية التي يمكن إرجاع نتائجها التنموية الباهرة إلى أمر واحد هو «تأميم مخاطر الاستثمار» من جانب الدولة. والمقصود بذلك أن يتحمّل المجتمع بكامله مخاطر الاستثمار مع المستثمرين. ويمكن أن يصل الأمر إلى حد إلغاء ديون المؤسسات الصناعية المنخرطة في صراع من أجل البقاء ومن أجل التصدير إلى الأسواق الخارجية. هذا ما فعله الجنرال بارك في كوريا عام 1972.

(8) الموقف من المؤسسات الدولية: تمثّل ما بعد الكينزية الزاد الفكري الذي ينبغي أن يتزوّد به مثقفو البلدان النامية واقتصاديوها للخروج من كنف صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والتمكّن من صوغ سياسات تحقق النمو وتزيل البطالة وتُخرِج بلدانهم من التخلّف.

يكفي أن ندرك حقائق من مثل أن الاستثمار يسبق الادخار، أي أن الادخار يكون نتيجة الاستثمار وليس النقيض، لتصبح كل الأدبيات النيوكلاسيكية منذ ماك كينون في أواخر الستينيات حول إصلاح القطاع المالي كمدخل للتنمية بلا أي قيمة. انتقد النيوكلاسيكيون من خلال مفهوم «القمع المالي» انخفاض أسعار الفائدة الذي تميّزت به تجربة «بدائل الواردات». لكن كينز رأى أن أفضل سعر فائدة ممكن هو الذي يساوي صفرًا.

اقترح النيوكلاسيكيون تحرير القطاع المالي، أي خصخصة المصارف وإنشاء بورصات للأسهم والأوراق المالية والانفتاح الكامل على الخارج، أي تحرير حركة الرساميل، كون كل ذلك يجعل الادخار العالمي يسهم في التنمية ويحقق النمو. وتصدّى الباحثون ما بعد الكينزيين لهم في اقتراح آليات لحماية البلدان النامية من عملية تحرير حركة الرساميل ذاتها‏[79]. ذلك بأنه يكفي إطلاق شائعات ليسارع المودعون الأجانب إلى إخراج رساميلهم من البلدان النامية، والتسبب بأزمات مالية فادحة التكلفة لهذه البلدان.

أصبح الإنفاق العام منذ تقرير البنك الدولي لعام 1981 عن أفريقيا المسمى تقرير برغ، «الـبعبع» الذي ينبغي التصدي له في البلدان النامية. فكّك الباحثون ما بعد الكينزيين المقاربات النيوكلاسيكية التي يصول ويجول بها خبراء المؤسسات الدولية في أنحاء العالم، من مثل أن الإنفاق العام يرفع سعر الفائدة و«يطرد» الاستثمار الخاص. أظهروا من خلال دراستهم المتأنية لآليات خلق النقد ودور المصرف المركزي وعلاقة هذا الأخير بالدولة بطلان هذا التحليل.

وتشكل هذه المواقف أفضل رد على المقاربات البائسة والسقيمة التي تتحف بها المؤسسات الدولية بلدان العالم الثالث ومسؤوليها. وهي تقوم على تدمير قدرة الدولة على الفعل. تفرض هذه المؤسسات على البلدان النامية أن تعمل وفق مقولة «دولة الحد الأدنى»، وتدأب على إقناع مسؤوليها بتكتيف الأيدي في انتظار مجيء الاستثمار الأجنبي المباشر.

وقد ذكّرت الباحثة أليس أمسدن بتقرير الباحث في البنك الدولي إليوت برغ المذكور أعلاه. وهو عكس الإصرار على أن الإصلاح المطلوب للبلدان النامية هو إصلاح سياسات الاقتصاد الكلي فيها، أي ضبط التضخم من خلال ضبط الإنفاق العام وخفض عجز الموازنة، وليس مساعدتها على بناء اقتصادات منتجة‏[80]. وجد هذا التصوّر ترجمته في أجندة الإصلاح الاقتصادي النيوليبرالية لأفريقيا التي اعتمدها البنك الدولي منذ عام 1981. ووضعت الباحثة تحوّل البنك الدولي في ظل رئاسة وولفنسون (1995 – 2005) إلى هدف مكافحة الفقر، ضمن إطار سعيه للهرب من مسؤولية دعم البلدان النامية لتحقيق تصنيعها المتأخر‏[81]. ووضع الباحث روبرت واد تجربة البنك الدولي منذ مطلع الثمانينيات تحت عنوان الالتزام الواضح والثابت بتنفيذ أجندة «توافق واشنطن»، لجهة تحرير كل الأسواق وخفض حجم الدولة‏[82]. أي أن الأمر الذي لم يتغيّر هو امتناع البنك الدولي الصارم والصريح عن توفير الدعم لبلدان العالم الثالث لبناء اقتصادات منتجة وتحقيق التصنيع فيها‏[83].