مقدمة
[1]عقب الحرب العالمية الثانية وحصول معظم البلدان النامية على استقلالها، وجدت هذه البلدان نفسها في واقع اجتماعي واقتصادي متخلف بكل المقاييس العالمية والمحلية، وهو ما جعلها تسرع وتخطط وتعمل لتحقيق التنمية بأسرع وقت ممكن، وبما أن البناء الاجتماعي لهذه البلدان تقليدي وموروث من عهود قديمة فقد أصبح يفقد لحمته وروابطه التقليدية ويتفكك بسبب عدد من العوامل الداخلية المتمثلة بحركة المجتمع وديناميته الداخلية، وكذلك بفعل العوامل الخارجية الدولية المتمثلة بالعولمة وتأثيرها ووسائل الإعلام والعملية التعليمية وهجرة الشباب داخل البلاد النامية وخارجها سواء كانت للدراسة أو العمل، وكذلك بفعل حركة التنمية ذاتها التي استحدثت مشروعات اقتصادية واجتماعية وثقافية غيّرت ولا تزال تغيّر القيم والمفاهيم المتعلقة بالفرد ودوره ومكانته في المجتمع. ولعل كل هذه العوامل المتداخلة والمتشابكة في واقعها ونتائجها هي التي دفعت ساسة ومفكري التنمية في البلدان النامية إلى الاقتناع بأن الإشكالية لا تكمن في رأس المال ولا في الموارد ولا التشريعات وإنما تكمن في قدرات الناس ومؤهلاتهم ومهارتهم لبناء اقتصاد حديث يستطيع أن يحقق التنمية. وعليه، بدأت المعطيات والقناعات تدفع باتجاه التنمية المستدامة، التي تقوم على التوازن بين الجانب الاقتصادي والجانب الاجتماعي والجانب البيئي.
هنا يبرز البعد الاجتماعي من بين أبعاد التنمية المستدامة (الاقتصادي، الاجتماعي، والبيئي)، كبعد جديد لقياس مستوى التنمية من خلال التركيز على زيادة الإنتاج الذي لا يتحقق إلا بتوفير فرص عمل مناسبة لطالبيه الذين هم في تزايد مستمر. لذلك اهتمت كل دول العالم وبعض الهيئات الدولية بدراسة وتحليل الاقتصادات من خلال أهم المؤشرات الكمية، ألا وهي قياس البطالة والفقر للحكم على الحالة الراهنة للتنمية المستدامة، وسيكون التركيز في هذه الورقة المتواضعة التي تجاوزنا فيها بعض القيود الأكاديمية، على كيفية تحقيق التقدم والرخاء الاجتماعي بليبيا، وما أهمية التحكم في ظاهرتَي البطالة والفقر في تحقيق التنمية المستدامة بليبيا؟ وقبل أن نبدأ في طرح الموضوع يجب ملاحظة أنه بانخفاض ظاهرة البطالة تتحسن معيشة أفراد المجتمع وتزيد رفاهيتهم، الأمر الذي يمكِّن من تحقيق التنمية المستدامة.
سيتم التركيز على البعد الاجتماعي كبعد جديد لقياس مستوى التنمية المستدامة، من خلال تحليل الواقع الليبي وتحديد أسباب البطالة والفقر وآثارهما في ليبيا وطرح طرق علاجهما، لتحديد دور البعد الاجتماعي في التنمية المستدامة بليبيا من خلال وصف ظاهرتَي البطالة والفقر وصفًا دقيقًا والتعبير عنهما كيفيًا وكميًا.
أولًا: إطار نظري: التطور الفكري لمفهوم التنمية
أدى التطور الفكري في مفهوم التنمية إلى ظهور فلسفتين: فلسفة التنمية الاجتماعية، وفلسفة التنمية البشرية، ومن خلال تطور السياسات العالمية والبحوث العلمية المختلفة لوحظ أن التنمية الاجتماعية ترتبط بالسياسات الاجتماعية والتشريعات والمؤسسات والبرامج الاجتماعية المرتبطة بها، التي تنفذها عمليًا في إطار فلسفة اجتماعية للمجتمع الذي يعتمدها لرعاية مواطنيه. أما التنمية البشرية فهي تهتم بضمان تمكين الإنسان من المشاركة الإيجابية في مجتمعه، ومن ثم فهذان المصطلحان ينتميان إلى جنس واحد، فهما يتعلقان بنمو المجتمع وتقدم الإنسان. فبعدما سيطرت فكرة التنمية الاجتماعية على الرأي العام العالمي وبخاصة في البلدان النامية، منذ منتصف القرن العشرين حتى نهايته، وظهر نتيجة لذلك مصطلح التنمية الاقتصادية والاجتماعية الذي يعني باختصار تنمية الأرض وما عليها، ومع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، تحول الرأي العام العالمي إلى مفهوم التنمية البشرية بناء على فرضية أساسية وهي أنه لا يمكن تحقيق التنمية الاجتماعية والاقتصادية ما لم تتم تنمية الإنسان، لأنه هو صانع التنمية وهو المستفيد منها (هو الوسيلة والغاية في آن واحد)، وبذلك كانت التنمية الاجتماعية وحماية البيئة كحجر أساس للوصول إلى التنمية المستدامة.
1 – التطورات الدولية وتغيُّر مفهوم التنمية
منذ نهاية القرن الماضي حدثت تحولات وتطورات كثيرة في العالم، وضعت العامل البشري (الإنسان) في موقع يسبق الاقتصاد، ومن أهم هذه التطورات العالمية ما يلي:
– التحولات السياسية في الاتحاد السوفياتي السابق، وانهيار المنظومة الشيوعية.
– ظهور تشريعات ومواثيق حقوق الإنسان والتصديق عليها من جانب المجموعة الدولية في الأمم المتحدة.
– ظهور الحركات الاجتماعية ومطالبتها بمشاركة أوسع للناس في المجتمع وحركته الاقتصادية.
– الحركات النقابية والمهنية والاعتراف بالحقوق الاجتماعية والسياسية للعمال.
– حركات التحرر في العالم واستقلال بلدان العالم الثالث وسعيها للنمو والتنمية.
– الحوار العالمي وسعيه لتحقيق التنمية والتصدي للفقر والجوع والمرض والبطالة والأمية وبخاصة في البلدان النامية.
– ظهور تيارات فكرية وسياسية متعاطفة مع بلدان العالم الثالث.
– التقدم العلمي والتكنولوجي الذي أثر في جميع مجالات الحياة الفردية والجماعية.
2 – مفهوم التنمية البشرية والتنمية المستدامة
يعَدّ مفهوم التنمية من الناحية العلمية مفهومًا واسعًا جدًا، ومن خلال التطور الذي مر هذا المفهوم به نتج منه الكثير من المفاهيم المتداخلة والمتقاطعة وفقًا للتصورات والتخصصات العلمية المختلفة، منها مثلًا: التنمية الاجتماعية، التنمية الاقتصادية، تنمية الموارد البشرية، واستراتيجية التنمية والتمكين، وغيرها، وسيتم التركيز هنا على المفاهيم التالية:
أ – مفهوم التنمية البشرية
لقد كان الاقتصاديون حتى منتصف القرن العشرين يحددون النمو والتنمية بتوافر الثروات الطبيعية أو توافر المال والادخار القومي، ولكن مع نهاية ذلك القرن تغيّر تحليلهم وتحديدهم للنمو والتنمية بإضافة رأس المال البشري، أي بالاهتمام بالإنسان وإعداده وتعليمه وتربيته. وهذا يعني تمكين الإنسان من خلال تهيئة كل الظروف والمعطيات التربوية والاجتماعية والثقافية والسياسية له لكي يتحوّل إلى طاقة مبدعة ومبتكرة وعاملة. وهكذا بشّر القرن الحادي والعشرون برؤية جديدة للنمو والتنمية أساسها ومحورها الإنسان، لهذا اكتسب مفهوم التنمية البشرية اهتمامًا كبيرًا مذ تبنى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي هذا المفهوم عام 1990 وبدأ بإصدار تقرير التنمية البشرية، فهذا المفهوم كان يستند إلى:
بناء القدرات البشرية من خلال التمتع بمزايا الحياة صحيًا ومعرفيًا وتعليميًا للوصول إلى رفاه إنساني راقٍ.
الحرية واكتساب المعرفة.
تمكين البشر بتوظيف قدراتهم في الأنشطة الإنسانية كافة.
ووفقًا لهذه المعايير صُنفت دول العالم استنادًا إلى مدى نجاحها في تحسين مستوى دخل الفرد وزيادة العمر المتوقع عند الولادة، ومحو الأمية وزيادة نسبة المقيدين في المدارس.
وفي عام 2002 جاء تقرير التنمية البشرية وأضاف إلى مؤشرَي العمر المتوقع عند الولادة، ومستوى التعليم، أربعة مؤشرات جديدة هي:
الحرية.
تمكين النوع (مركز المرأة).
درجة الاتصال بشبكة المعلومات الدولية (الإنترنت).
تلوث البيئة أو درجة النظافة.
أولت ليبيا منذ أواخر ستينيات القرن العشرين وحتى الوقت الحاضر، اهتمامًا كبيرًا بعملية التنمية، وبخاصة التنمية البشرية، وبخطط التنمية الاجتماعية والاقتصادية المتتالية. اشتقت هذه الخطط الإنمائية أهدافها من الفلسفة السياسية والاجتماعية للمجتمع الليبي وتراثه العربي – الإسلامي، وكذلك من المواثيق الدولية والقوانين التي أصدرتها الأمم المتحدة، التي التزمت ليبيا بتنفيذها ومراعاتها في كل خططها ومشروعاتها، إلا أن ما تم تحقيقه من إنجازات قد واجه تحديات أفرزتها خصوصية المجتمع الليبي الداخلية، وكذلك التطورات الدولية والإقليمية في آن واحد، وبخاصة تطور العلم والمعرفة وحركة الاقتصاد العالمي[2].
ب – مفهوم التنمية المستدامة
في عام 1987 أشار تقرير مستقبلنا المشترك الصادر من اللجنة العالمية للتنمية والبيئة وبصفة رسمية ولأول مرة، إلى مفهوم التنمية المستدامة، ومن ثم كثر استخدامه في الوقت الحاضر، وتعرف التنمية المستدامة وفقًا للتعريف الشمولي بأنها التنمية التي تلبي حاجات البشر في الوقت الحاضر من دون المساس بقدرة الأجيال القادمة على تحقيق أهدافها، وتركز على النمو الاقتصادي المتكامل المستدام والإشراف البيئي والمسؤولية الاجتماعية. لذا جاء مفهوم التنمية المستدامة تلبية لحاجة الحفاظ على الموارد الطبيعية القابلة للنضوب، وعلى البيئة والتوازنات الجوهرية في الأنظمة البيئية. وبما أن تحديات العولمة تتيح الفرصة لتطوير رؤية وطنية للتنمية البشرية تتمكن من استيعاب معطيات الواقع بصورة تمكن الإنسان وترفع درجة تنافسيته ليكون شريكًا فاعلًا في التنمية المستدامة محليًا ودوليًا. بناءً على ذلك تعاملت خطط التنمية المختلفة في ليبيا وفقًا لإطارها الكلي مع محور أساسي وهو قهر التخلف وتحقيق التقدم، ومن خلاله تحقق رصيد تنموي تحول به المجتمع من وضع كان فيه بين المجتمعات الأشد فقرًا في العالم، إلى مجتمع ذي أداء عالمي متوسط في التنمية[3] وذلك بحسب البيانات الرسمية لتقرير التنمية البشرية لعام 1999، حيث جاء ترتيبها 65 من بين 174 دولة، واستمر تقدم الترتيب حتى وصل إلى 58 بحسب تقرير عام 2004. وهكذا، فوفقًا للمقاييس الدولية للتنمية البشرية، ومقياس الفقر البشري، ومقياس تمكين النوع الاجتماعي، فإن الإنجاز الذي حققته ليبيا في مجال التنمية البشرية كان فاعلًا[4] كما هي موضحة في جدول بالمؤشرات القياسية للأداء التنموي في ليبيا بحسب تقرير 2006.
ولتنفيذ برنامج التنمية المستدامة انتهجت ليبيا نهجًا يقوم على أساس تجربتها في العمل على أهداف التنمية للألفية، حيث سعت وزارة التخطيط المختصة بوضع سياسات وخطط التنمية لتهيئة إطار مؤسسي لمتابعة تنفيذ أهداف التنمية المستدامة من خلال تشكيل لجنة التنمية المستدامة. وتبنت ليبيا خطة تنمية ثلاثية لمختلف قطاعات الدولة للأعوام (2020-2021-2022) تستهدف إدماج أهداف التنمية المستدامة من خلالها، مثل الاستراتيجية الوطنية للطاقات المتجددة وكفاءة الطاقة (2030)، وكذلك خطة النهوض بقطاع الموارد المائية في ليبيا (2020-2022)[5].
ثانيًا: البعد الاجتماعي في التنمية المستدامة
لم يكن الاهتمام بمفهوم التنمية المستدامة جديدًا بل يرجعه المهتمون إلى القرن التاسع عشر، لكن التركيز على قضية الاستدامة هو ما يعَدّ حديثًا، وتعني الاستدامة من المنظور الاقتصادي استمرارية النمو لأطول مدة ممكنة، ويكون قياس النمو عادة بمعدلات الدخل والاستهلاك وكذلك الكثير من مقومات الحياة مثل: الدخل، الطعام؛ المسكن؛ الملبس؛ الصحة والتعليم. أما من المنظور الاجتماعي فالاستدامة تعني الاهتمام بتوفير فرص العمل والخدمات العامة وبخاصة التعليم والصحة والعدالة، لذلك يرى البعض أن فكرة الاستدامة تعتمد على مؤشرين هما: الأول، بيئي (البصمة الإيكولوجية)؛ والثاني، اجتماعي (مؤشر التنمية الاجتماعية) ويشمل الفقر والبطالة.
ولكي تؤدي السياسات التنموية إلى إنماء قابل للاستمرار، يجب أن تقوم على مشاركة كل الفئات الاجتماعية وأن تحترم مقومات البيئة التي يعيش فيها الإنسان، فلم تعد الدولة ترتهن بقدرتها على فرض إرادة مؤسساتها على المجتمع بالقوة المادية، بل بقدرتها على تحديد الأولويات وتحقيق الأهداف المجتمعية بسبب المقدرة على التكيف والاستجابة لاستحقاقات العولمة.
1 – دور التشريعات في تضمين حقوق المكونات الاجتماعية ببرامج التنمية المستدامة
أدّت النظم الرسمية في جميع بلدان العالم أدوارًا متباينة في سياق التنمية البشرية، واختلفت النظرة إلى المكونات الاجتماعية (المرأة، والشباب) بين توجهات كمية إحصائية وأخرى نوعية تركز على القدرة التنافسية والكفاءة. وفي ظل هذا الحراك تغيرت معطيات الواقع الاجتماعي بوتيرة سريعة، زادت من قوة تأثيرها معطيات ومستجدات عصر العولمة والمعرفة الرقمية، الأمر الذي جعل حقوق المكونات الاجتماعية تواجه تحديات كبيرة، وهو ما تطلب وجود تشريعات (محلية، ودولية) تضمن حقوق هذه المكونات[6]. وليبيا مُذ بدأ إنتاج النفط فكرت في وضع خطط للتنمية بهدف الارتقاء بمستوى معيشة الفرد برفع مستوى الخدمات العامة، ووضعت لذلك القوانين والتشريعات اللازمة وبما يتمشى مع التشريعات الدولية.
أ – التشريعات المحلية
في إطار تنامي منظومة الاقتصاد العالمي، وتزايد حدة المنافسة، وتعدد التحديات التي تواجه الاقتصاد الليبي محليًا ودوليًا، صار خلق اقتصاد متوازن تتنوع فيه مجالات الاستثمار والإنتاج وفرص العمل من ضمن المحاور الرئيسية لكل الخطط والاستراتيجيات التنموية والرؤى المستقبلية الساعية للنهوض بمستوى حياة الإنسان ماديًا ومعنويًا. وبالرغم من عدم وجود دستور خاص بليبيا منذ عام 1977، إلا أنه وُجدت مجموعة من الوثائق التي أكدت (من الناحية النظرية) المساواة بين جميع المواطنين أمام القانون. منها ما يلي:
وثيقة إعلان قيام سلطة الشعب عام 1977 أكدت المساواة بين الرجل والمرأة في الممارسة السياسية والدفاع عن الوطن.
الوثيقة الخضراء الكبرى لحقوق الإنسان عام 1988 أكدت أن أبناء المجتمع رجالًا ونساء متساوون في كل ما هو إنساني.
قانون رقم (9) لعام 1993 بشأن تعديل بعض أحكام القانون رقم (10) لعام 1984 بشأن الزواج والطلاق وآثارهما.
وثيقة حقوق وواجبات المرأة في المجتمع الليبي عام 1997 أكدت ضرورة مشاركة المرأة في العملية السياسية، والمشاركة في الدفاع عن الوطن، والتمتع باستقلاليتها المالية، وحقها في تولي المناصب السياسية. وعلى الرغم من وجود هذه الوثائق التشريعية الخاصة بالمرأة إلا أنه يوجد فيها الكثير من الجوانب السلبية، وتحتاج إلى إعادة النظر فيها كقانون الجنسية، والعقوبات، وكذلك تفتقر إلى عدم وجود آليات تضمن عدم التمييز ضد المرأة وبخاصة في تقليد المناصب السياسية، وتقييدها بمناصب معينة (كالتعليم، والصحة، والإعلام). وعلى الرغم من بروز بعض المبادرات الإصلاحية التي تم تبنيها في ليبيا، إلا أن هذه المبادرات لم تترجم في شكل برامج عملية واضحة تكون قابلة للتطبيق على أرض الواقع. وبعدما انتهت حقبة الحصار الاقتصادي الذي فُرض خلال التسعينيات من القرن الماضي، احتاجت ليبيا إلى الاندماج من جديد في المجتمع الدولي وتطبيع العلاقات مع الغرب. وحيث إن الاقتصاد الليبي كان يعاني اختلالات هيكلية متعددة، لذلك كان النظام السياسي مضطرًا إلى الشروع في عملية إصلاح اقتصادي، فوضع الاستراتيجية الاقتصادية والاجتماعية الشاملة لتحرير الاقتصاد وتطوير بيئة الأعمال، مع تشجيع الأنشطة التجارية الخاصة وريادة الأعمال، وإيجاد أفق جديد للعمل السياسي من خلال إنشاء ودعم تنظيمات وجمعيات أهلية وغير حكومية مثل: جمعية العدالة لحقوق الإنسان، مركز الديمقراطية، لفسح المجال أمام الشباب، وتوسيع دائرة المشاركة السياسية، وتمكين المرأة، وتم أيضًا إطلاق مشروع الديمقراطية الإلكترونية الذي قدم مبادرات في مجالات تحفيز الشباب والتعليم والإعلام والمرأة. وعلى الرغم من تنفيذ بعض عناصر المشروع الإصلاحي إلا أنه لم يؤدِّ إلى إيجاد صلة بين الإصلاحين الاقتصادي والسياسي، ومن ثم لم تتحسن مستويات معيشة الليبيين[7].
وعليه، فمن الملاحظ أن الدولة الليبية طوال حكم النظام السابق كانت قابضة بالكامل على الأنشطة في المجتمع.
وبعد عام 2011، وإيمانًا من دولة ليبيا بأهمية التنمية المستدامة واحتسابها شأنًا وطنيًا يتطلب مساهمة جميع الفئات المعنية بأهداف التنمية المستدامة في تحقيقها، عملت الدولة على تشجيع منظمات المجتمع المدني والقطاع الخاص لتبني مفهوم الاستدامة. فمن خلال وزارة التخطيط وبرعايتها انطلقت الوكالة الليبية للتنمية كمؤسسة غير حكومية بمشاركة المجتمع المدني والقطاع الخاص للمساهمة في تحقيق أهداف التنمية، كما تم تشجيع ريادة الأعمال في المشروعات الصغرى والمتوسطة، وبذلك شارك رواد الأعمال الشباب وكذلك المرأة في الأنشطة الاقتصادية بطريقة مستدامة، وأُنشئت منصة وطنية لريادة الأعمال لتعزيز مساهمة رواد الأعمال الشباب وسيدات الأعمال لتحفيز النمو الاقتصادي[8].
ب – التشريعات الدولية
في ظل عصر العولمة الذي تطلب نموذجًا جديدًا من التنمية يحقق الأمن الإنساني ويلائم التزاماته ويركز على محاربة الفقر بمستوى عالمي، وفي سياق هذا التوجُّه بذل الكثير من الجهود الدولية والعالمية التي تعهد المشاركون فيها بالتقيد والالتزام بكل ما صدر عنها، وكان أهمها:
– مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة البشرية عام 1972م.، في شأن وضع برنامج أممي لمشكلات البيئة البشرية.
– تقرير مستقبلنا المشترك الصادر رسميًا عن اللجنة العالمية للتنمية البيئة عام 1987 حيث ظهر فيه ولأول مرة مفهوم التنمية المستدامة.
– مؤتمر قمة الأرض عام 1992 وفيه أدرك القادة السياسيون أهمية فكرة التنمية المستدامة فتم التصديق عليها رسميًا.
– مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة عام 2002، في شأن استعراض التقدم المنجز في تنفيذ جدول أعمال القرن الحادي والعشرين المتفق علية في عام 1992.
– مؤتمر الأمم المتحدة للتنمية المستدامة عام 2012، صدر عنه تقرير المستقبل الذي نصبو إليه.
– قرار الجمعية العامة عام 2015، الذي ذكرت فيه أهداف التنمية المستدامة (17 هدفًا) التي تبنتها الأمم المتحدة وأدرجتها فيما بعد بخطة التنمية المستدامة لعام 2030. وفي سياق التفكير بالتنمية المستدامة انعقد في عام 1998 المؤتمر العالمي حول التعليم العالي في مقر منظمة اليونسكو، وكذلك المؤتمر العالمي للتعليم العالي عام 2009 تحت شعار (دينامية التعليم العالي والبحث العلمي من أجل التغيرات المجتمعية والتنمية). وكانت ليبيا من ضمن المشاركين بهذا المؤتمر الذي كانت أهم نتائجه أن التعليم العالي والبحث العلمي هو من الأدوات المهمة لمكافحة الفقر، وللوصول إلى التنمية المستدامة والتقدم.
هذا وقد صادقت ليبيا خلال القرن العشرين على 25 اتفاقية دولية ذات علاقة بحقوق الإنسان، ابتداء من اتفاقية حظر الاتجار بالأشخاص لعام 1949، واتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة القاسية أو المهينة للإنسان، بتاريخ 15/6/1989، واتفاقية حقوق الطفل، بتاريخ 16/5/1993 [9]. وخلال القرن الحادي والعشرين صادقت ليبيا أيضًا بوصفها عضوًا في الأمم المتحدة على كل ما صدر عن المنظمة الدولية في ما يتعلق بالتنمية المستدامة.
2 – أثر التكامل الاجتماعي في دعم برامج التنمية المستدامة
تعد الثقافة مدخلًا حقيقيًا للتنمية الشاملة، ويتطلب إحداث تطور جوهري في نمط الثقافة السائدة وفي وعي أفراد المجتمع وطموحاتهم ورؤيتهم لدورهم في الحياة، استثمارَ الوعي الثقافي بوصفه طاقة تنموية فاعلة. وتعَد القيم والتوجهات التي تهيئ مناخًا ثقافيًا منتجًا يدفع بالطاقات الكامنة الملبية لرغبة الرفاء، وتؤكد قدرات الابتكار والإبداع والتنافسية وتحتكم إلى الكفاءة معيارًا للأداء ووسيلة لإحداث التحول الاجتماعي الذي يمكّن من تنفيذ برامج التنمية المستدامة.
وبما أن التنمية المستدامة بحاجة إلى أعداد كبيرة من المؤهلين القادرين على المشاركة في الفعل الاجتماعي والاقتصادي، فإن التعليم والتدريب يمثلان أهم الروافد التي تغذي هذا الفعل في الشباب، فهما يزودان الشباب بالمهارات اللازمة للإنجاز في مختلف المجالات، وإذا ما أحرز الشاب المكانة الاجتماعية والاقتصادية بفضل خبراته ومهاراته ومؤهلاته، يقبل في ساحة الإنتاج وبذلك يتحرر من مصيدة الفقر، وبخاصة أن التوجه الذي تفرضه التقنيات الحديثة والاتصالات المتطورة، تحمل الشباب على تغيير أنماط تفكيرهم وعملهم وحياتهم، وتدفعهم إلى الاستقلالية والاعتماد على أنفسهم. غير أن كل هذا لن يأتي إلا بمبادرة مجتمعية جماعية حكومية وشعبية تأخذ بيد الشباب وتفسح لهم في المجال لكي يكتسبوا القدرة على تولي المسؤولية الجديدة، والقيام بالأدوار التي لم تكن معروفه عند الشباب[10].
وحيث إن المجتمعات البشرية ذات الثقافات المختلفة تمر بمراحل وتجارب تحديثية مختلفة، التي بدورها تؤدي إلى أنواع متعددة من النتائج من بينها التشكيلات الاجتماعية، وبما أن التحديث يعَدّ أحد أنواع التغير الاجتماعي، لذلك يمكن قياسه على مستوى المجتمع على أنه مسيرة أو حركة تغيير، وعلى مستوى الفرد (الشخصية) على أنه أنواع الأفعال والتصرفات وطرائق التعامل مع الآخرين ومع الأحداث. تشتمل عملية قياس التحديث على خصائص وصفات كمية وأخرى كيفية، وبما أن ما حدث في ليبيا مع الخبرة التنموية السابقة كان محاولة لتغيير المجتمع من دون فهمه، حيث هاجم النظام السابق في أواخر سبعينيات القرن الماضي الملّاك والملكية فأعلن عن تطبيقه لمقولتين هما «البيت لساكنه، والسيارة لمن يقودها». ورحب المستفيدون من هذا القرار ولم يراعوا المبادئ الشرعية ولا القيم التي حافظ عليها الليبيون لعقود من أجل احترام الملكية الخاصة وصونها، وبذلك أبيح الاعتداء على حقوق الآخرين وشاعت أنماط سلوكية غريبة عن المجتمع الليبي مثل: الرشوة، الغش، النفاق، الواسطة، والخوف. في المقابل أدى تطوير هذه الأنماط السلوكية الجديدة إلى تقوية الروابط الاجتماعية القديمة مثل: العائلة واللحمة والقبيلة. ووجد الفرد الحماية في هذه الروابط التقليدية بدلًا من المؤسسة والقانون[11].
وبقدر ما كانت هذه الروابط وما تقدمه من مساعدات إكرامًا من هذه الجهات للفرد نحو عيشه ورفاهيته، وبقدر ما كان لها من إيجابيات، فقد كانت لها أيضاَ نتائج اجتماعية سلبية، إذ إنها تسببت في خفض درجة اعتماد الفرد على النفس وقللت من محاولة الابتكار والتفكير في أي مشروع عملي فردي أو جماعي[12].
ووفقًا لذاك لن يؤدي التكامل الاجتماعي بالمجتمع الليبي أي دور في دعم التنمية المستدامة بالمستوى المتعارف عليه في بقية المجتمعات، إلا بعد أن تزول أو تضعف مجموعة القيم المضادة للتطور والتنمية المستدامة، منها نموذج الاقتصاد الريعي، وتخلف التعليم، وترييف المدينة، وبرامج ذوبان شخصية الفرد في الجماعة.
ثالثًا: واقع الاقتصاد الليبي (البطالة والفقر)
شهدت ليبيا منذ عام 1969 أنماطًا مختلفة من النظام الاقتصادي راوحت من الاقتصاد الحر غير المنظم، إلى نظام التخطيط المركزي ذي التوجهات الاشتراكية، إلى نظام الاقتصاد المختلط الذي يجمع ما بين الاقتصاد الحر من جهة والاقتصاد الموجّه الذي يسيطر عليه القطاع العام من جهة أخرى. ففي المرحلة الأولى (1977-1969) الاقتصاد الحر- أُطلقت مشاريع اقتصادية تنموية قادها القطاع الخاص. ولكن في المرحلة الثانية (1977-2000) الاقتصاد الاشتراكي – حصلت تغييرات سياسية أثرت في النهج الاقتصادي الحر وعطلت تلك المشاريع، حيث اتجهت الدولة إلى النهج الاشتراكي الذي تم بموجبه تأسيس الشركات المملوكة للقطاع العام ومنحها مزايا تنافسية في أولوية تنفيذ المشاريع وتوريد السلع والخدمات، وبذلك شرعت الدولة في توفير جل الخدمات للمواطنين مجانًا، معتمدة في ذلك على إيرادات النفط كمصدر أساسي ووحيد للدخل، وكان لهذه السياسة أثارها السلبية في بيئة الأعمال الوليدة حيث تسببت في هجرة عدد كبير من رؤوس الأموال إلى الخارج، وانهيار القطاع الخاص ولا سيّما في المجال الصناعي، وكذلك انكماش الاقتصاد خلال تسعينيات القرن الماضي نظرًا إلى انخفاض أسعار النفط والحصار الاقتصادي. وفي المرحلة الثالثة بعد حقبة الحصار (2000 – 2010) الاقتصاد المختلط – تغير الاتجاه العام نحو الاقتصاد المختلط حيث شرعت الدولة في التركيز على بيئة الأعمال والانفتاح نحو الاستثمار والأجنبي ودعم القطاع الخاص، كما سعت لإجراء تغيير في السياسة العامة من خلال إصدار عدد من القوانين والتشريعات الداعمة لبناء القطاع الخاص والمقلّصة لدور الدولة. إلا أن انتشار الفساد كان عائقًا رئيسيًا أمام هذه التغييرات، الأمر الذي أدى إلى استمرار نهج النظام المختلط نفسه بعد عام 2011، أي المرحلة الرابعة؛ فبالرغم من تغير نظام الحكم كليًا إلا أن الدولة ظلت تقوم بالتوزيعات النقدية والدعم السلعي والخدمات المجانية في التعليم والصحة من جهة وفسح المجال للقطاع الخاص في التملك والتوسع في التجارة والاستثمار من جهة أخرى، أي أن الحكومة الليبية خلال المراحل ما قبل عام 2011 وحتى اليوم تنتهج سياسة إدارة شؤون الدولة بالتركيز على الإنفاق الاستهلاكي من دون الاهتمام بعملية التنمية، وهذا بدوره جعل القطاع العام هو الجهة الجاذبة للباحثين عن العمل، وتأثر الخدمات العامة بتذبذب أسعار النفط وعدم الاستقرار الأمني والسياسي، ومن ثم ساهم في رفع معدلات البطالة والفقر[13].
1 – البطالة أسبابها وآثارها وطرائق علاجها
أ – مفهوم البطالة
– المعنى اللغوي: بحسب هذا المعنى تعبِّر كلمة البطالة عن الحالة التي لا توجد فيها وظائف.
– المعنى الاصطلاحي: يعبِّر عن وجود أفراد في المجتمع لديهم القدرة على العمل وبحثوا عنه بكل السبل المتاحة للحصول على فرصة عمل مناسبة لقدراتهم، ولكنهم لم يتمكنوا من ذلك.
ب – أسباب البطالة
تعَد ظاهرة البطالة من أخطر الظواهر التي تواجه المجتمعات العربية وبخاصة المجتمع الليبي، وتشكل لها عامل تهديد اقتصادي واجتماعي وأخلاقي وثقافي. لذلك لا بد من الوقوف على أسباب هذه الظاهرة التي تختلف باختلاف ظروف كل مجتمع. وفي ليبيا التي بلغت نسبتها بحسب البيانات الصادرة عن منظمة العمل الدولية في جنيف عام 2016 20.7 بالمئة، وتتمثل الأسباب الأساسية لهذه الظاهرة بليبيا بالآتي:
– استمرار القطاع العام في استقطاب الباحثين عن العمل، وتوظيف ما يصل إلى 85 بالمئة من الليبيين الموجودين في سوق العمل.
– ضعف دور القطاع الخاص في الاقتصاد الليبي (قدرة محدودة على التوظيف).
– ضآلة دور السلطة السياسية وعدم تدخلها السريع والمناسب للحد من هذه الظاهرة.
– سوء الإدارة والتوجيه غير السليم للموارد المالية وهدر المال العام.
– فشل برامج التنمية الاقتصادية في العناية بالجانب الاجتماعي المكمل لها، وانصبّ الاهتمام على المشاريع ذات الطابع الدعائي السياسي.
– غياب الخطط السنوية والخماسية لتطوير أسواق العمل في البلاد، وبحث الحاجات من مختلف التخصصات وهو ما قلل من القدرة على التوظيف.
– فشل الكثير من برامج التخطيط الاقتصادي وإخفاق عمليات التصحيح وغياب الشفافية والرقابة.
– الكثير من الخطط والمشاريع الحالية تحاول تشتيت الانتباه عن القضايا والمسائل الجوهرية أو تتعارض معها.
– استمرار تدفق العمالة الأجنبية من جميع المستويات والحقول الفنية والعلمية.
– أزمة الحرب وهشاشة الوضع الأمني التي قيدت الحكومة عن دعم قطاع الأعمال([14]).
ج – آثار البطالة
تمثل البطالة أحد التحديات الكبرى التي تواجه الأقطار العربية بعامة وليبيا بخاصة لآثارها الاجتماعية والاقتصادية الخطيرة التي جعلتها مشكلة على الأمن القومي، وتتلخص هذه الآثار بالآتي:
(1) الآثار النفسية والاجتماعية: تعد الحاجة والعوز من أثقل الأشياء على نفس الإنسان فهي تنال من كرامته وثقته بنفسه وبخاصة عندما يكون الفرد مسؤولًا عن أسرة ويعجز عن توفير مستلزمات العيش الكريم، وحيث إن الشباب في ليبيا يمثّل نسبة كبيرة من عدد السكان ومن ثم فمعظم الشعب الليبي يعانون الفقر والحرمان والحاجة، وتخلف أوضاعهم الصحية، وتأخرهم عن الزواج. إضافة إلى الآثار السيئة للبطالة في الصحة النفسية فهي لها آثارها في الصحة الجسدية أيضًا، فنسبة كبيرة من العاطلين من العمل يسيطر عليهم الملل، ويشعرون بالفشل، ويفتقدون تقدير الذات. وتنعكس هذه الآثار على العلاقات الاجتماعية والزوجية، فتزداد المشاكل العائلية، وكراهية المجتمع، وإهدار الموارد المالية التي استثمرها المجتمع في تعليم هؤلاء الشباب، وتزداد نسبة الجريمة، ويضعف الانتماء إلى الوطن.
(2) الآثار الأمنية والسياسية: في بعض الأحيان تقوم نسبة من الفئات العاطلة من العمل التي ملّت الوعود بالتمرد على الحكومات، وبما أن أهم أركان الحكم الصالح والعدالة الاجتماعية تملي على الجميع تكريس حق إبداء الرأي والمطالبة السلمية المشروعة، كما أنها تلزم الحكومة باحترام هذه الحقوق، لا أن تواجه بسياسة العنف المفرط كما حصل في ليبيا في مطلع عام 2011، التي لم تنتج إلا المزيد من العنف والثورة.
(3) الآثار الاقتصادية: تتعدد هذه الآثار وتتجسد في الآتي:
– تعطيل أهم مورد اقتصادي ألا وهو المورد البشري وهدر طاقاته.
– تباطؤ في النمو الاقتصادي، حيث فاقت القوى العاملة في ليبيا فرص التوظيف، فارتفعت معدلات البطالة.
(4) طرائق علاج ظاهرة البطالة: تتمثل أهم الحلول لعلاج ظاهرة البطالة بما يأتي:
قيام الدولة بدورها في الاقتصاد، وذلك بإصلاح القطاع العام من خلال تطهيره من الفساد ودعمه ماليًا وفنيًا وبشريًا.
تحسين الوضع الاقتصادي العام للدولة من خلال مراجعة التشريعات والقوانين المنظمة للنشاط الاقتصادي التي تعزز بدورها من دور القطاع الخاص وتزيد من فرص الاستثمار الداخلي وبخاصة في المجالات الاقتصادية الواعدة، الأمر الذي يسهم في خلق فرص عمل.
تنفيذ المشاريع الصغرى والمتوسطة للشباب ودعمها، وتبني مبادرات إرساء صناعة البرمجيات وتقنية المعلومات (التخلص من الثقافة الريعية).
تطوير قطاع التعليم بما يتمشى مع التقدم التكنولوجي، لكي يتمكن الشباب من تعلم المهارات التقنية التي تتطلبها سوق العمل في عصر العولمة.
تسهيل شروط الاستثمار الخارجي وإبرام اتفاقيات اقتصادية واستثمارية مع الدول المجاورة.
2 – الفقر: أسبابه وآثاره وطرائق علاجه
أ – مفهوم الفقر
تحدد معظم الدراسات الدولية الفقرَ وفقًا لمؤشرات ومقاييس مادية ترتبط أساسًا بالدخل، ومن ثم ترتبط بالقدرة الشرائية للفرد، فإذا قلّت هذه القدرة عن دولارين في اليوم عُدَّ الفرد فقيرًا أو تحت خط الفقر ويتطلب مساعدة وإعانة اجتماعية[15]، وبناءً على ذلك يمكننا أن نحدد مفهوم الفقر المادي في الآتي:
– المعنى اللغوي للفقر: يعني العوز والحاجة.
– المعنى الاصطلاحي للفقر: يعني عدم قدرة الفرد على الإيفاء بمتطلبات حياته الضرورية مثل الطعام، والدواء، والكساء، والمسكن.
إضافة إلى خط الفقر العالمي الذي يقف عند 1.9 دولار، حددت تقارير البنك الدولي خط الفقر في الوقت الحالي على أساس أنه يراوح ما بين 3.2 و 5.5 دولار في اليوم، إلا أن الشريحة العليا من البلدان المتوسطة الدخل تعتد بخط الفقر العالمي الذي يقف عند 1.9 دولار، ولا ترغب في استبداله[16]. وبحسب هذا التعريف فإن ليبيا من البلدان النفطية الغنية والقليلة السكان، ويزيد متوسط دخل الفرد فيها على 5 آلاف دينار سنويًا. وعليه، لا تعاني ليبيا الفقر المادي ولكنه الفقر الثقافي والاجتماعي (الفقر البشري)، أي فقر المهارات والمسؤولية الاجتماعية، هذا الفقر الذي كان سبب ونتيجة للفقر المادي وانحدار مستوى المعيشة والعكس صحيح، فربما لا يكون المرء فقيرًا بمعايير المال، ولكنه يشعر بآثار الفقر إذا كان حُرم الحصول على الحاجات الأساسية كالرعاية الصحية والمياه النظيفة والتعليم[17].
ب – أسباب الفقر
تتجسد الأسباب الأساسية لظاهرة الفقر في ليبيا في الآتي:
إدارة سياسية واقتصادية سيئة أهدرت مليارات الدنانير على مشاريع متسرعة وغير ذات جدوى اقتصادية.
ضعف الرقابة على المال العام، الذي ساهم في استنزافه وتهريبه، كما منع المنافسة الشريفة في العمليات الاقتصادية.
تفشي الفساد والمحسوبية وانكماش الإنفاق العام، وهو ما أدى إلى تفاوت في معدلات الدخل بين السكان (عدم وجود عدالة اجتماعية في توزيع الثروات)، ومن ثم اتساع الهوة وانقسام المجتمع إلى فقير وغني.
الاعتماد على النفط كمصدر أساسي للعملة الصعبة، وهذه السلعة معرضة لتقلبات السوق العالمية (الاقتصاد الريعي).
الخصخصة التي تسببت في انتشار الفقر، فقد نتج من بيع شركات القطاع العام وانخفاض الجهود المبذولة لتحسن الإنتاج وزيادته إلى رفع معدل البطالة وانتشار الفقر.
عدم وجود منظومة لحماية المستهلك بسبب انتشار الفساد في أجهزة الدولة، وشرائح واسعة من الليبيين تعاني أضرار التضخم المرتفعة[18].
نقص السيولة الذي أدى دورًا مهمًا في تفاقم الوضع.
عدم توافق التعليم مع متطلبات سوق العمل، وهو ما انعكس على الاقتصاد في قلة الكفاءة وجهل الفرد بسبب فقره.
الفقر المعنوي (أي فقدان المثل والأخلاق) الذي يؤدي إلى الاستغلال والفساد اللذين يترتب عليهما إهدار لموارد الدولة وارتفاع معدلات الفقر.
عدم استقرار الأوضاع السياسية واستمرار الاضطرابات الأمنية التي تعيشها البلاد، وهما ساهما في زيادة نسبة الفقراء[19].
ج – آثار الفقر
وسط ظروف سياسية ومعيشية صعبة سجلت ليبيا معدلات قياسية بأعداد الفقراء خلال الأعوام العشرة الأخيرة، فازدادت آثار الفقر في المجتمع والفرد التي يمكننا أن نحددها في الآتي:
– تلاشي الطبقة الوسطى، حيث ارتفع معدل الأسَر الليبية التي تعيش تحت خط الفقر من29 بالمئة في عام 2009 إلى نحو 45 بالمئة عام 2019.
– تراجع دخل الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من 12 ألف دولار عام 2010 إلى 6.5 ألف دولار فيما بعد عام 2011.
– تدهور الخدمات العامة بما فيها الصحة والتعليم وتوفير مياه الشرب وخدمات الصرف الصحي والنظافة الصحية.
– تفاقم المعاناة الإنسانية التي يواجهها السكان، حيث أصبح ما يقارب ثلث سكان ليبيا البالغ عددهم 6.8 مليون نسمه بحاجة إلى مساعدات إنسانية.
– الفقر والشعور بالغبن وعدم العدالة والمساواة في توزيع الدخل، وهو ما يتحول مع مرور الوقت إلى دافع للاحتجاج والتظاهر فالثورة[20].
د – طرائق علاج ظاهرة الفقر
يعد القضاء على الفقر من أول أهداف خطة التنمية المستدامة لعام 2030، ولكي تحقق ليبيا هذا الهدف عليها اتباع الخطوات التالية:
– وضع تصور لتحديد هوية وطنية للاقتصاد الليبي يكون أساسها التنوع والعدالة والرفاه لأبناء الوطن، وهي قد تساهم في رأب الصدع وخلق سلم اجتماعي عادل ومستقر.
– إصلاح السياسة العامة للدولة وبخاصة الاقتصادية (القضاء على التشوهات التي يعانيها الاقتصاد الوطني) للنهوض بمختلف المجالات.
– وضع المناهج والتخصصات التعليمية في المعاهد والجامعات بما يتناسب مع سوق العمل.
– تشجيع ومساعدة أفراد المجتمع على تحسين ظروفهم المعيشية.
– توسيع دائرة نظام الحماية الاجتماعي لبعض الأسَر وبخاصة الذين لا معيل لهم مثل: المرضى، كبار السن، الأيتام.
– تطبيق نظام الرقابة على أسعار السلع، وطريقة العرض والطلب في السوق.
– العمل على الاستغلال الأمثل للثروات الطبيعية المتوافرة في البلاد من أجل إنعاش الاقتصاد (إعادة هيكلة الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل).
– محاولة الاستفادة من المساعدات الدولية التي تقدمها الجهات المختصة (مجموعة البنك الدولي، صندوق النقد الدولي، وغيرها) في جمع وتحليل البيانات المهمة والضرورية توجيه البرامج التنموية، وتمويل المشروعات التي يمكن أن تكون لها آثار تحويلية على المجتمعات المحلية[21].
خـاتمة
في ضوء ما تم التطرق إليه بهذه الدراسة يتبيَّن لنا أنه آن الأوان لليبيا بوصفها دولة عربية نامية ونفطية تطمح إلى إحداث نقلة نوعية في حركتها نحو التقدم ومواكبة التطورات العلمية وإعادة هيكلة اقتصادها وإصلاحه، القيام بتهيئة الظروف الملائمة لعملية إصلاح مؤسسي تضمن الاستمرار في عملية التنمية الاقتصادية، وهذا يلزم التحول من دون القطيعة من حسابات النمو الاقتصادي، إلى تعزيز مكانة الإنسان وتحسين مستوى معيشته وأدائه، من طريق البناء المعرفي الحديث والمنهجية العلمية الموضوعية. ولأهمية ذلك لا بد من تطوير رؤية مستقبلية تأخذ في الحسبان حاضر الإنسان الليبي وتؤكد حق الأجيال القادمة في التنمية واستدامتها في إطار برنامج يتضمن الآتي:
– تحديد هوية اقتصادية واضحة تضمن استمرار السلم الاجتماعي والإدارة الرشيدة للعوائد وثروات البلاد وتوفير الرفاء والأمان لمواطنيها.
– الاهتمام بالتنمية المستدامة باختيار التنمية البشرية كمنهج أو استراتيجية لتحقيق التقدم الاجتماعي والاقتصادي.
– وضع شبكة من الحماية الاجتماعية للتخفيف من الآثار الناجمة عن الإصلاحات على الفئات الهشة من أفراد المجتمع خاصة الواقعين تحت خط الفقر.
– تشجيع المشاريع الصغرى والمتوسطة، الذي يساهم في حل مشاكل البطالة والفقر وكذلك إيجاد تنمية مستدامة.
– اقتناع الدولة على مختلف مستوياتها بدور الشباب وعدم تهميشهم، المدخل الحقيقي لتعبئة طاقات الأجيال الصاعدة وتجديد الدماء في شرايين النظام السياسي والاجتماعي والمساهمة في حركة التنمية المستدامة.
– إيجاد بناء قانوني وقضائي لحماية حقوق الملكية والنشاط الاقتصادي نيابة عن الأفراد. فهناك علاقة وثيقة بين التنظيم القانوني والقضائي، والتنمية الاقتصادية، والحد من الفقر، ففي ظل اقتصاد السوق وتغيُّر دور الدولة من الضمانة إلى الراعية.
– أن يكون للدولة والقطاع الخاص دور جديد يمنحهما القيام بمهمات من شأنها أن تعظم من قدرات المجتمع التنافسية، من دون الجور على حقوق المواطنة أو التنصل من مسؤولية توفير السلع ذات الجدارة الاجتماعية.
دراسات ذات صلة:
الجزائر بين ثنائية إمدادات الغاز والأمن الغذائي في ظل تداعيات الحرب الروسية – الأوكرانية
المياه في المغرب العربي: معضلة الأمن المائي ورهان التنمية المستدامة
المصادر:
نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 515 في كانون الثاني/يناير 2022.
محمد سالم بلوط: أستاذ في العلوم السياسية.
الصورة من غيتي.
[1](*) قدّمت هذه الورقة في المؤتمر الدولي المغاربي الأول لمستجدات التنمية المستدامة المنعقد في تونس بتاريخ 16-21 آذار/مارس 2021.
[2] علي الحوات، التنمية البشرية في عالم متغير: دراسة في المجتمع الليبي، ط 2 (طرابلس: منشورات الجامعة المغربية، 2012)، ص 15، 19، 26 و62 و65.
[3] رؤية ليبيا 2025: التقارير القطاعية (بنغازي: مركز البحوث والاستشارات، [د. ت])، ص 84.
[4] المصدر نفسه، ص 29-31.
[5] التقرير الاستعراضي الطوعي الأول حول أهداف التنمية المستدامة: ليبيا 2020 (طرابلس: وزارة التخطيط، لجنة التنمية المستدامة، 2020)، ص 1.
[6] علي الحوات، الاستراتيجية الوطنية لإدماج الشباب (طرابلس: مجلس التخطيط الوطني، 2013)، ص 5.
[7] آمال سليمان محمود، «بوادر الإصلاح السياسي وأثره على سياسات تمكين المرأة في ليبيا،» ورقة قدمت إلى: مؤتمر السياسات العامة، مركز البحوث والاستشارات، جامعة قاريونس، بنغازي، 12-14 حزيران/يونيو 2007، ص 358-367.
[8] التقرير الاستعراضي الطوعي الأول حول أهداف التنمية المستدامة: ليبيا 2020، ص 1.
[9] فتحي محمد البعجة، «ما لم ينتبه إليه تقويم التنافسية في الجماهيرية،» ورقة قدمت إلى: مؤتمر السياسات العامة، مركز البحوث والاستشارات جامعة قاريونس، بنغازي، 12-14 حزيران/يونيو 2007، ص 331.
[10] الحوات، التنمية البشرية في عالم متغير: دراسة في المجتمع الليبي.
[11] مصطفى عمر التير، صراع الخيمة والقصر: رؤية نقدية للمشروع الحداثي الليبي (بيروت، منتدى المعارف، 2014)، ص 87-88 و204.
[12] الحوات، الاستراتيجية الوطنية لإدماج الشباب، ص 6-7.
[13] عبد الله الحاسي، هوية الاقتصاد الليبي (طرابلس: مجلس التخطيط الوطني، 2020)، ص 2، 3، 6 و9.
[14] انظر: علي مرزا، ليبيا الفرص الضائعة والآمال المتجددة (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2012)، ص 363 – 364.
[15] الحوات، التنمية البشرية في عالم متغير: دراسة في المجتمع الليبي، ص 95.
[16] مرزا، المصدر نفسه، ص 375.
[17] الحوات، المصدر نفسه، ص 98 – 99.
[18] يوسف محمد الصواني، ليبيا: الثورة وتحديات بناء الدولة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 2013)، ص 57-61.
[19] مصطفى عمر التير، الأوضاع المعيشية لذوي الدخل المحدود في المجتمع الليبي (طرابلس: دار مداد للطباعة والنشر والإنتاج الفني، 2013)، ص 200-207.
[20] أحمد الخميسي، «الطبقة الوسطى تتلاشى.. 45% من الأسر الليبية تعيش تحت خط الفقر،» بوابة الوسط، 9 آذار/مارس 2019، <http://alwasat.ly/news/libya/238164>.
[21] انظر: التقرير الاستعراضي الطوعي الأول حول أهداف التنمية المستدامة: ليبيا 2020، ص 1-2.
مركز دراسات الوحدة العربية
فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



