مقدمة:

تطلق تسمية «أوراسيا» على الكتلة الأرضية المكوِّنة لقارتَي أوروبا وآسيا، والممتدة على مساحة 54.000.000 كم2، تشكلت هذه الأخيرة قبل حوالى 350 مليون سنة، واعتبرها الجغرافيون قارة واحدة مثلها مثل الأمريكتين وأفريقيا. بما أن قارتَي أوروبا وآسيا غير منفصلتين طبيعياً بمحيط أو بحر. نجد أن الإغريق قسموا العالم إلى ثلاث مناطق: آسيا، أوروبا وأفريقيا، هناك من يقسم «أوراسيا» نفسها إلى غربية تشمل أوروبا والشرق الأوسط، يضيف إليهما البعض شمال أفريقيا لكون المنطقة منفصلة عن بقية أفريقيا بواسطة الصحراء الكبرى، والشرقية تشمل بقية آسيا عدا منطقة الشرق الأوسط منها. تربط «أوراسيا» وتجمع بذلك بين شرق أوروبا وغربه فهي بذلك تشكل قلب العالم ومحور صراعاته منذ فجر التاريخ‏[1].

تمتد حدود أوراسيا غرباً من حدود أوروبا الغربية على المحيط الأطلسي، وتمتد حتى ضفاف الصين وروسيا على المحيط الهادئ في الشرق، لقد عرفت أهمية هذه المنطقة منذ فجر القرن العشرين وتحديداً مع بداية انهيار الخلافة العثمانية في عشرينيات القرن الماضي. وهذه الأهمية لم تكن فقط لهذا الموقع الجغرافي المتميز بل زاد على ذلك كون هذه المنطقة هي مخزن الطاقة العالمي بدءاً من نفط الشرق الأوسط في إيران والعراق ودول الخليج. كما يمتد المخزن إلى منطقة بحر قزوين. الإشكالية المتعلقة بهذا البحث هي: ما حقيقة التوسع الأوروبي نحو الشرق وما مضمون التوجهات الأوراسية المنتهجة للتنافس على المنطقة لتحقيق النفوذ الاستراتيجي؟ وهل للانسحاب البريطاني تأثيراته في ترتيبات الاتحاد الأوروبي؟

أولاً: أوراسيا في الفكر الاستراتيجي الغربي

يعود الفكر الاستراتيجي الغربي تجاه «أوراسيا» إلى «نيكولاس سبيكمان»، الذي قسم جغرافيا أوراسيا إلى: «قلب قاري» (Heart Land) وهو روسيا والتي لها امتداد بري يتجاوز 17 مليون كم2، وهلال كبير من الدول الساحلية سماها «أرض الحافة» (Rim Land)، ويشمل أوروبا وشبه الجزيرة العربية، العراق، وآسيا الوسطى، إيران، أفغانستان، الهند، جنوب شرق آسيا، الصين وكوريا. كلها دول تمتاز بأهمية مواقعها ومواردها الطبيعية والاقتصادية المتنوعة والمهمة. رأى «سبيكمان» أن الحرب العالمية الثانية حدثت للسيطرة على هذا النطاق الساحلي، ومن ثم فهي «منطقة الارتطام» (Crush zone)، أي المنطقة تشهد صراعاً من أجل السيطرة على مواردها، وممراتها المائية‏[2]. اعتباراً من العقد الأول للقرن الحادي والعشرين، ظهر نمط جديد من التحالفات الدولية، التي تتسم بخاصتين: أنها لا تماثل النمط التقليدي للأحلاف العسكرية في القرن التاسع عشر، ولكنه يتخذ شكل «تحالفات ومشاركات استراتيجية» ذات أبعاد متعددة تدور حول التزامات عسكرية وسياسية واقتصادية ترقى إلى نمط الأحلاف المعروف باسم «أحلاف الوفاق»، أما الخاصية الثانية، فهي تمركز أغلبية هذه التحالفات وقيامها في أوراسيا أو حول أوراسيا‏[3].

التغلغل الأوروبي في «أوراسيا» انطلق بتفكك الدولة العثمانية واستمر مع الحرب العالمية الثانية وظهور الثنائية القطبية. ببداية الصراع الأيديولوجي تشتت المنطقة بين نظامين (الرأسمالي ليبرالي والاشتراكي)، لتقسيم المنطقة. بعد حسم الحرب الباردة بتفوق الغرب على الشرق تغيرت المنطقة وباتت مركزاً للصراع الدولي بامتياز خاصة بين الثلاثية المتكونة من الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي الذي لا يتوقف عن التوسع شرقاً وروسيا الطموحة لمجد جديد‏[4]. تعتبر «أوراسيا» القارة الأكبر في العالم، فهي مرتكز مجال الجيوبوليتيكا، تضم 75 بالمئة من سكان العالم، ومعظم ثروات العالم الباطنية والظاهرة، كما تحوي 60 بالمئة من الإنتاج القومي العالمي، و3/4 أرباع مصادر الطاقة في العالم، تقع فيها الدول الأكثر دينامية ونشاطاً‏[5].

عرف عالم ما بعد الحرب الباردة في ظل التسابق على المنطقة ولادة «الاتحاد الأوراسي» القائم على أربعة مبادئ: المنفعة الاقتصادية، التكامل المتعدد الجوانب؛ التحرك من الأصغر إلى الأكبر، بمعنى توحيد المنظمات السابقة لإقامة الاتحاد؛ التنظيم التدريجي، أي توحيد البلدان تبعاً لجاهزية كل منها. وفق «ألكسندر دوغين»، تعد روسيا دولة أوراسية عظيمة، وبمجيء بوتين أعطيت كل المقترحات الأوراسية فرصتها، وصولاً إلى إعلان قيام الشراكة الاقتصادية التي دعا إليها «نزارباييف» رغم التعثر نتيجة «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. ومن مؤشرات انحياز روسيا إلى المشروع الأوراسي إعلان بوتين في 1 تشرين الأول/أكتوبر 2000، أن روسيا دولة أوراسية وتم التوقيع في 2011 على الاتحاد الجمركي بين روسيا وبيلاروسيا وكازاخستان، بالتوافق مع الشراكة الاقتصادية الأوراسية، وخلال الأشهر التي تلت، تطورَ التبادل التجاري بين هذه الدول بنسبة 43 بالمئة، وأعلن تاريخ 1 كانون الثاني/يناير 2012 كبداية للفضاء الأوراسي المشترك بين بيلاروسيا وكازاخستان وروسيا بالعمل فعلياً، إذ أُلغيت التأشيرات بين هذه البلدان، والإجراءات الجمركية، وسيتم لاحقاً اعتماد عملة موحدة، ليكون المشروع كفيـلاً بالوقوف في وجه لعبة المصالح الغربية‏[6].

ثانياً: واقع شرق أوروبا بعـد الحرب الباردة

حدد «ماكنيدر» و«ماهان» نظريتهما الجيوبوليتكية لمنطقة البلقان كمركز الصراع بين الشرق والغرب، إذ إنها تربط آسيا وأوروبا، (من اسكندينافيا، البيرينيه، آبين، البلقان إلى الشرق الأوسط فالهند وبورما، وإندونيسيا فالصين إلى اليابان). ينظر إلى المنطقة تاريخياً على أنها مركز كل أحداث القرون الثلاثة الماضية، منذ انهيار الإمبراطورية العثمانية. يقال بأن الخط الأول الرئيسي للصراع ما بين الشرق والغرب يمتد من سهوب روسيا إلى بولونيا والنمسا عبر الأطلسي. أما الخط الثاني فيمر من أوروبا الغربية باتجاه الجنوب الشرقي عبر البلقان، من سولون سالونيك إلى إسطنبول ويتابع سيره إلى الشرق الأوسط حتى المحيط الهندي.‏ كانت روسيا فيما مضى مسيطرة على القارة بعد تقسيم بولونيا. ثم في العهد السوفياتي سيطرت على كل أوروبا الشرقية وقسم من ألمانيا، وتوسعت الهيمنة تدريجياً مع الزمن. كانت روسيا – وبقيت – حساسة تجاه الثغور البحرية للمتوسط، وأظهرت حساسيتها مراراً في حروب القرم (1852/1856) والمسألة الشرقية (1875/1878) إذ لم يكن لها منفذ على المتوسط لمواجهة القوة الإنكليزية المسيطرة، فحاولت الوصول إلى «المياه الدافئة» منذ عهد بطرس الأكبر. كتب الجنرال الروسي «نوفيتسكي»، مطلع القرن العشرين، أن لروسيا اتجاهين في السياسة الخارجية: إما أن تترك موقعها الدولي، إذا ما رأت بأنها ليست بحاجة إلى أسطول بحري‏ أو أن تحافظ على موقعها الدولي كقوة كبرى فيه، وعليه لا بد من أن تمتلك أسطولاً بحرياً قوياً‏‏[7].

لفهم علاقات الاتحاد الأوروبي بجواره الشرقي، ننطلق من دراسة أوجه شبه والاختلاف بين الكتلتين، إذ يتجسد ذلك على الأقل في مستويات ثلاثة‏[8]:

المستوى الأول: يجمع بين بُعدين نظري وميداني، تولد عنه إشكاليتان: حساسية التفرقة بين الكتلتين (الشرقية والغربية)، لأن التفريق بين أوروبا وشرقها أدّى إلى ترسيخ فهم خاطئ أن دول الشرق الأوروبي لا تنتمي إلى الدول الأوروبية. كما نجد صعوبة الجمع بين الكتلتين والتعامل معهما بالمعايير نفسها، ومن هنا تتبين مسيرة سعي دول الشرق الأوروبي للانتماء إلى الاتحاد الأوروبي، ما يدعم فرضية الاختلاف.

المستوى الثاني: يتعلق بالبعد التاريخي بين أوروبا وشرقها وما يشكله من تباين بفعل اختلافات تاريخية وسياسية وإثنية. إضافة إلى السياق الجغرافي لهذا الشرق كوحدة جغرافية مستقلة في مجموعها، وتمتلك حدّاً أدنى من المشتركات التي تسمح بتصنيفها ضمن خارطة موحدة تختلف من الناحية النوعية عن التصنيف الذي ينطبق على دول الاتحاد الأوروبي‏[9].

المستوى الثالث: يتضمن علاقات الشرق الأوروبي مع دول الاتحاد، العلاقات الإثنية في عدد من دول البلقان، وما يرتبط بها من خصوصيات الدول الشرقية (الإثنيات والديانات واللغات) الذي يحكم مجموع المجتمعات المنتظمة في نوع من الوحدة السياسية، (كونفدرالية، فدرالية أو دولة بسيطة غير مركبة)، مقارنة بالاتحاد الأوروبي الذي يمثل وحدة (سياسية، اقتصادية…). أما من ناحية التقدم الاقتصادي والتقني فإن بين هاتين الكتلتين اختلافات عميقة في الفعالية، مما يخلق معادلة تجمع بين ثنائية (الانسجام والاختلاف)، ويخلق مشاكل في التعامل بين الكتلتين.

من نماذج الانتشار الثوري الإقليمي ما حدث في شرق أوروبا، يتعلق الأمر بالثورة التي تكون عادة محكومة بحركة الداخل، واتصالها بالخارج أو ارتباطها وتأثيرها به يكون محدوداً إلا في حالات الانتشار لنموذج ثوري في مجتمعات إقليم معين، تجمعها أوضاع ثقافية وسياسية واحدة أو مشتركة فتكون الثورة في مجتمع «أ» نموذجاً يحتذى به ويتكرر في مجتمعات «ب» و«ج» في إقليم واحد. فالثورة التغيرية التي تقوم في مجتمع معين ضمن إقليم متجانس، تمثل نموذجاً يقتدى به في بلد جار معين، وهو ما حدث في تسعينيات القرن العشرين في أوروبا الشرقية، عندما انهارت المنظومة الشيوعية أو الاشتراكية عبر حركة من الثورات المتتابعة زمانياً في دول أوروبا الشرقية التي كانت تشكل حلف وارسو بقيادة الاتحاد السوفياتي سابقاً. لم ينتصف عقد التسعينيات من القرن العشرين، إلا وكانت كل بلاد الشرق الأوروبي قد خضعت للتجربة الثورية التي أسقطت أنظمة شيوعية دكتاتورية، لتحل محلها أنظمة ليبرالية ديمقراطية‏[10].

بدأ كل شيء في أوروبا الشرقية منذ إسقاط جدار برلين في 1989، وتفكك جبهة أوروبا الشرقية التي كانت تجسد تهديداً لأوروبا الغربية منذ نهاية الحرب، وتسارعت الأحداث منذ 1991 لمصلحة غرب أوروبا، بتفكك الاتحاد السوفياتي؛ وهو ما شكّل ما يعادل نصف قرن من الحرب الباردة عصر السلام والمجد الأوروبي، الذي لم يدم طويـلاً باندلاع حرب البلقان والبوسنة، بمعزل عن دعم المجتمع الدولي والأوروبي الذي أضحى عاجزاً عن التدخل وتقديم الحلول السياسية أو الإنسانية. وبعد أن حارب البوسنيون قدرهم وحدهم لمدة عامين تدخل حلف شمال الأطلسي، الذي قرر استهداف المواقع الصربية، وتبقى مأساة «سريبري نيتشا» وراء عقدة النقص الأوروبي.

التحولات السياسية والاقتصادية التي شهدتها دول شرق أوروبا منذ نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات، استهدفت عملية الانتقال من شمولية يتعاظم فيها دور الدولة في عملية التخطيط المركزي والعملية الإنتاجية إلى أنظمة ليبرالية تعتمد على آليات السوق الحر وانتهاج الديمقراطية الليبرالية. فبعد مرور نحو عقد من الزمان على التحول، هل تحققت أحلام السلام والرخاء والحرية في شرق أوروبا على النحو الذي كان يتصوره أنصار الهروب من الاشتراكية‏[11]؟ تأثرت عملية التحول في أوروبا الشرقية بعوامل داخلية وخارجية، منها الضغوط الشعبية وبروز الحركات الاجتماعية والقوى السياسية المناوئة لها، وعقد انتخابات أدت إلى جعل الأحزاب الشيوعية في موقف المعارضة لا القيادة،‏[12] لعل من محددات التطور الديمقراطي في شرق أوروبا ما يتعلق بطبيعة الثقافة السياسية السائدة في مجتمعاتها، ونوع القيادات الموجودة في السلطة السياسية، وشكل الأداء الاقتصادي، كذلك ما هو مرتبط بـ «البيئة الإقليمية الحاضنة لعملية التحول» والتي وفرتها دول أوروبا الغربية مما لا بد من أن يلقي بآثاره الإيجابية في صورة تشجيع وحفز النمو الاقتصادي والاجتماعي‏[13].

يرى علي الصاوي في عملية الإصلاح البرلماني في دول وسط وشرق أوروبا القفزة السياسية التي انعكست نوعياً على أوروبا الشرقية. فمن منظور المدرسة التاريخية، ساهمت التحولات البرلمانية الجديدة التي تولدت عن العملية الانتخابية في بروز تيارات حزبية جديدة وتغييرات في الأنظمة الدستورية والقوانين وظهور برلمانات أكثر سلطة‏[14]. تشير ابتسام كامل وولاء حفني سيد إلى البعد الاقتصادي والاجتماعي لهذه التحولات في أوروبا الشرقية، والتي تسببت فيها انخفاض الكفاءة الإنتاجية وعدم القدرة على المنافسة الدولية وانخفاض مستويات المعيشة. ترتب على ذلك بحلول التسعينيات التوجه نحو التحرر الاقتصادي، ومن أهم خطواته تحرير الأسعار، تحرير التجارة الخارجية، إصلاح القطاع المالي وذلك أمـلاً منها في تحقيق التكامل مع الاتحاد الأوروبي، وتحسين الأوضاع الاقتصادية، بعد تحقيق قدر من الاستقرار في معظم هذه الدول منذ 1992‏[15]. ويركز مصطفى أحمد مصطفى على تأثير الاستثمار الأجنبي المباشر في التحول الاقتصادي في أوروبا الشرقية بعد الحرب الباردة، إذ أصبح الاستثمار الأجنبي المباشر بارز الأهمية من خلال حاجة الدول إليه كمصدر خارجي لتمويل ومعالجة العجز الداخلي. لقد عرفت أوروبا الشرقية استقطاباً كبيراً للاستثمار الأجنبي، كان متزامنا مع تزايد التنافس الأوروبي الأمريكي على المنطقة في ظل سياسة توسعية لكل من الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي شرقاً مما يفسر هذا الاستقطاب الذي يعكس الإغراءات الغربية لهذه الدول بنسب متفاوتة‏[16] وفقاً لترتيبات وأولويات. لقد لعب الاستثمار الأجنبي المباشر دوراً حاسماً في تسريع عملية الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي عبر موجات متتالية، كما خدم الأمر هذه الدول داخلياً من خلال الإصلاحات المؤسسية والتشريعية والقانونية‏[17].

ثالثاً: توسع الاتحاد الأوروبي نحو الشرق

ننطلق من تحديد خريطة الدول الأوروبية ونأخذ الانضمام في الاتحاد الأوروبي معياراً في التصنيف، ونجد بذلك: مجموعة الدول الأعضاء، ومجموعة الدول المرشحة للانضمام، والدول المستبعدة، مما يشكل ثلاث كتل أوروبية:

– كتلة الدول العضوة: تمثل ثماني وعشرين دولة عضواً في الاتحاد الأوروبي: (ألمانيا، إيطاليا، بلجيكا، فرنسا، لوكسمبورغ، هولندا، الدنمارك، بريطانيا، إيرلندا، اليونان، إسبانيا، البرتغال، السويد، النمسا، فنلندا، إستونيا، بولندا، التشيك، سلوفيكيا، سلوفانيا، قبرص، لاتفيا، لتوانيا، مالطا، المجر، بلغاريا، رومانيا، كرواتيا).

– كتلة الدول المرشحة للعضوية: تمثل الدول التي تسعى للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي من خلال قبولها استيفاء الشروط المطلوبة وتلبية متطلبات الانضمام نقصد تلك التي في طريق إكمال إجراءات الانضمام، تتمثل بكل من جمهورية مقدونيا، وتركيا.

– كتلة الدول التي لا تطمح في العضوية: الدول التي لم تعلن أي رغبة في الانضمام لا جهراً ولا ضمنياً، مما يوحي بعدم اهتمامها (على الأقل لحدّ الآن) بدخول الاتحاد الأوروبي، يبلغ عددها عموما تسع عشرة دولة، كل من روسيا سويسرا، ألبانيا، إندورا، بيلاروسيا، البوسنة والهرسك، آيسلندا، النرويج، ليشتينشتاين، مولدافيا، موناكو، الجبل الأسود، سان مارينو، صربيا، أوكرانيا، الفاتيكان، أرمينيا، أذربيجان، جورجيا.

مر الاتحاد الأوروبي في توسعه، عبر عملية مرحلية طويلة من طريق إجراءات الانضمام، منذ تشكل النواة الأولى المؤسسة للاتحاد. كما عرف مسار التوسع عملياً ثلاث محطات تمكنت من بناء اتحاد أوروبي بلغ مكانة قوة إقليمية، على النحو التالي:

– الموجة التوسعية الأولى: تمتد من السبعينيات إلى منتصف التسعينيات، كانت مخصصة لدول أوروبا الغربية. تبدأ بالتحاق كل من المملكة المتحدة والدنمارك بالاتحاد (1973)، ثم اليونان (1981)، وإسبانيا والبرتغال (1986)، إيرلندا (1993)، فالسويد وفنلندا والنمسا (1995).

– الموجة التوسعية الثانية: موجهة نحو دول أوروبا الشرقية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي واستكمال الاتحاد الأوروبي الغربي. إذ امتد الاتحاد في 2004 ليضم عشر دول شرقية (إستونيا، بولونيا، جمهورية التشيك، سلوفاكيا، سلوفينيا، لاتفيا، ليتوانيا، المجر). كما انضمت في السنة نفسها قبرص ومالطا.

– الموجة التوسعية الثالثة: موجة استكمالية انطلقت في 2007 نحو شرق الاتحاد، لضم رومانيا وبلغاريا وكرواتيا ليصبح الاتحاد الأوروبي 28 دولة.

بصفة عامة، عملية توسع الاتحاد الأوروبي، مرت بخمس مراحل أو محطات أساسية‏[18]:

  • محطة الخمسينيات، بدأ الاتحاد الأوروبي في 1951 بست دول مؤسسة (فرنسا، ألمانيا، بلجيكا، لوكسمبورغ، هولندا وإيطاليا)، اجتمعت هذه الدول بعد الحرب العالمية الثانية لبحث وسيلة لمنع حدوث حرب جديدة قد تجر أوروبا وتحمِّلها خسائرها، فرأت أن الوسيلة هي التعاون في مجال إنتاج الفحم والصلب كونه السبب في إشعال الحروب؛ لذا تم الاتفاق على تشكيل الجماعة الأوروبية للفحم والصلب (1951). في 1 و2 حزيران/يونيو 1955 عرض اتحاد البنيلوكس (بلجيكا، هولندا ولكسمبورغ) فكرة مناقشة إمكان تحقيق المزيد من تعاون الدول الأوروبية فتقرر أن تكون الأولوية للمجالين الاقتصادي والسياسي، وذلك لضرورة ارتباط اقتصادات الدول الأعضاء لإقامة مؤسسات اقتصادية وخلق سوق موحدة من شأنها أن تحقق التآلف السياسي والاجتماعي. وفر التكامل الاقتصادي سبباً منطقياً لإتمام التكامل الأوروبي، كما نجحت التجربة في صناعة مسيرة تراكم وحدوي عبر التفاعلات السياسية والاجتماعية والثقافية. كانت الانطلاقة من تأسيس سوق أوروبية تضم ست دول في عام 1957 يصل للاتحاد الحالي، وفق دستور أوروبي موحد يراعي خصوصيات كل دولة ولا يلغيها‏[19].

 

  • محطة الستينيات، عرفت التوقيع على تأسيس «المجموعة الاقتصادية الأوروبية» في 1965، وهي عبارة عن تجمع العناصر المتفرقة للاتفاقيات السابقة.

 

  • محطة السبعينيات، عرفت توسيع المجموعة الاقتصادية الأوروبية، إذ التحقت مطلع 1973 الدانمارك، أيرلندا في 1975، وأجرت بريطانيا استفتاء حول عضويتها وصوَّت الشعب لمصلحة بقاء بريطانيا ضمن المجموعة، في 1979 تم التصويت في أول انتخابات مباشرة للبرلمان الأوروبي.

 

  • محطة الثمانينيات، إلتحقت اليونان في1981، كما احتفل الأوروبيون في قمة ميلان 1985 بيوم أوروبا في 9 أيار/مايو وذلك كدليل على وحدة أوروبا، ثم التحقت بعدها كل من إسبانيا والبرتغال في 1986.

 

  • محطة التسعينيات، منعرج هام في المسيرة الأوروبية الموحدة، ففي اجتماع ماستريخت 1991 تمت مناقشة الأدوار والمسؤوليات الأوروبية، وهو الاجتماع الذي نتج منه اتفاقية الاتحاد الأوروبي وجمع مختلف الهيئات الأوروبية التي أطلقت على نفسها اسم الاتحاد الأوروبي والتي بدورها وضعت جدولاً للوحدة الاقتصادية والتنفيذية (اليورو)‏[20]. توسع فيها الاتحاد إلى السويد وفنلندا والنمسا (1995).

 

  • محطة الألفية الجديدة، امتد الاتحاد الأوروبي في 2004 نحو أوروبا الشرقية وانضمت: إستونيا وبولندا وجمهورية التشيك وسلوفاكيا وسلوفينيا ولاتفيا وليتوانيا والمجر، كما انضمت قبرص ومالطا في السنة نفسها، ثم في 2007 كل من رومانيا وبلغاريا وبعدهما كرواتيا في نيسان/أبريل 2013 ليصبح عدد الأعضاء 28 دولة.

 

يشير بشارة خضر، في قراءة نقدية، إلى أن المتمعن في خريطة توسع الاتحاد الأوروبي، يميز بين عدة دوائر توسعية والمحتملة مستقبلاً، والمرتبطة بسياستها الجوارية، كالتالي‏[21]:

– الدائرة الأولى: تضم دول الاتحاد الأوروبي المتبنية عملة اليورو مثل (فرنسا، ألمانيا، بلجيكا، هولندا، لكسمبورغ، إيطاليا، إسبانيا، البرتغال، النمسا، فنلندا، اليونان).

– الدائرة الثانية: تضم الدول التي قررت الحفاظ على عملتها الوطنية مثل (المملكة المتحدة، الدنمارك، إيرلندا والسويد، كرواتيا)‏[22].

– الدائرة الثالثة: الدول التي ضمها توسيع 2004 (قبرص، مالطا، التشيك، سلوفاكيا، سلوفينيا، هنغاريا، بولندا، لاتفيا، إستونيا، ليتوانيا).

– الدائرة الرابعة: تضم البلدين الملتحقين في توسيع 2006 (رومانيا وبلغاريا).

– الدائرة الخامسة: تضم بلدان الفضاء الاقتصادي الأوروبي (آيسلندا، النرويج، ليشتنشتاين).

– الدائرة السادسة: تضم سويسرا التي تشارك في منطقة التبادل الحر الأوروبي.

– الدائرة السابعة: تضم البلدان المرشحة للانضمام مثل تركيا.

– الدائرة الثامنة: تضم دولاً بإمكانها أن تلتحق مستقبـلاً (مقدونيا، صربيا، مونتينيغرو، البوسنة، ألبانيا، وربما كوسوفو).

– الدائرة التاسعة: تضم جيران الاتحاد الأوروبي من الشرق (أوكرانيا، بيلاروسيا، مولدافيا).

– الدائرة العاشرة: تضم جيران الاتحاد الأوروبي في القوقاز (أرمينيا، جورجيا، أذربيجان).

– الدائرة الحادية عشرة: تضم جيران الاتحاد الأوروبي في المتوسط.

– الدائرة الثانية عشرة: التي قد تضم روسيا في إطار «الشراكة الاستراتيجية».

اعتبر معهد الدراسات الأمنية ببروكسل، الثورات الديمقراطية والتحولات التاريخية نحو الديمقراطية التي حدثت خلال نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات وتفكك حلف وارسو، عجّلت بنهاية الحرب الباردة، وقلصت بشدة خطر المواجهة الشاملة لتؤدي إلى بروز مدخلات جديدة في المسار التكاملي الأوروبي، وكذا الإرث التاريخي والثقافي المشترك لأوروبا والوضع السياسي الجديد في القارة، وهذا ما يجب أن ينعكس على الإطار الأمني الأوروبي الجديد‏[23]. كما أسهم توسع الاتحاد الأوروبي منذ التسعينيات، بعد 1990 نحو الجهة الشرقية، في إيجاد حل سلمي لعديد من المشاكل التي تولدت عن الوضع الدولي المتكون عن تفكك الاتحاد السوفياتي. لأن زوال هذه الأخيرة أدى إلى فراغ كبير في أشكال التعاون مع أوروبا الشرقية والجنوب، وهو ما جعل هذه المناطق في حالة من اللااستقرار، بفعل الأوضاع السياسية والاقتصادية السائدة. فمن أوكرانيا إلى روسيا البيضاء وحتى منطقة القوقاز ووسط آسيا لا نجد مجالاً مستقراً لبناء التكامل والأمن، وهذا نتيجة اختلال التوازن في منطقة الشرق الأوروبي‏[24]. كما نجد سياسة توسع الاتحاد الأوروبي مرتبطة بجملة من الشروط المتزايدة تدريجياً مع توسع الاتحاد ذاته وعدد أعضائه وتعقيدات أوضاعه. هذه الشروط هي‏[25]:

 – شروط مبدئية وأساسية: تتعلق بالأسس والمبادئ التي تبناها الاتحاد في مرحلته الأولى بمعنى احترام شروط الانضمام والعضوية المتبناة في اتفاقية تأسيس الاتحاد (ماستريخت).

– شروط سياسية: تسمى «شروط كوبنهاغن» متعلقة بضرورة معالجة المفارقات في المستويات الاقتصادية والسياسية بين دول أوروبا الوسطى والشرقية ودول الاتحاد الأوروبي. وضع مجلس الاتحاد في 1993 مقاييس محددة للعضوية على الدولة المترشحة أن تلتزم بها وتضمن الديمقراطية، ودولة القانون واحترام حقوق الإنسان والأقليات.

– شروط تشريعية: مرتبطة بتعديل التشريعات والقوانين.

– شروط اقتصادية: توفر الظروف الاقتصادية الملائمة للانضمام والاندماج في كتلة الاتحاد، أي وجود نظام اقتصادي صلب وفعال يعتمد على أسس اقتصاد السوق الحر وقادر على الاندماج والتعامل مع المنافسة الموجودة ضمن كتلة دول الاتحاد أو خارجها.

بصفة عامة يتخاطب الاتحاد الأوروبي في مجمل سياساته بمنطق مفاده أن الرقي لمصاف الاتحاد الأوروبي مرهون بقبول معاييرها، مقابل بلوغ فكرة المكسب الجماعي، في المقابل يطالب الاتحاد الأوروبي شركاءه أن لا يكتفوا بمبادئ حقوق الإنسان واستقلالية العدالة، بل تطبيقها في الحياة اليومية، من طريق سياسة الجوار المدعمة لسياسة الاتحاد الأوروبي لنقل المعايير. هذا النوع من الأساليب بواسطتها تكون المعايير الأوروبية محل استقبال مع التزام الاتحاد الأوروبي تعزيزها ونشرها، هي مرتبطة بمدى انسجام وتلاحم الخيارات التي يفضلها شركاء الاتحاد الأوروبي في ظل التحديات التي تواجههم. لأن واقع سياسة الاتحاد الأوروبي لنقل المعايير تسعى لإقحام كل إمكانات انسجام الأنظمة الاجتماعية، وتطبيق كل شيء من شأنه أن يأخذ جزءاً من البنية الاجتماعية خلال عملية التبادل، وكأمثلة، الحماية الاجتماعية، نظام المساواة في الملكية، الحقوق الشخصية، النظام التربوي، حماية البيئة، وغيرها من القضايا‏[26].

يمكن الحديث عن دافعَين يحكمان طموحات دول الشرق الأوروبي، التي طالما ظلت خارج الاتحاد الأوروبي، أحدهما قومي والثاني اقتصادي، ووجب اعتبار هذين الدافعين على القدر نفسه من الأهمية بحيث يسمحان بتحقيق الأهداف القومية لتلك الدول ويخرجانه من أزمتها الاقتصادية، على النحو التالي‏[27]:

– تسعى كتلة الشرق الأوروبي لإعطاء دفعة قوية لهويتها القومية وتحقيق البرامج المتعلقة بها والمتفرعة، بمعنى أن الأهداف الرئيسية لهذه الدول وطموحها المركزي في دخول النادي الأوروبي مبني على طموحات وتوقعات شعوب تلك الدول ولا سيّما توقها إلى تأكيد هويتها القومية ولغتها القومية وثقافتها القومية وبرنامجها القومي، وهو ما يخالف جملة وتفصيـلاً أسس قيام الاتحاد الأوروبي وقيمه التي بُنِي عليها. يبقى على الاتحاد الأوروبي والدول الراغبة في الانضمام إليه، العمل على التخفيف من هذا الشعور القومي ومحاولة تخطّيه بحذر لبلوغ هذه البلدان مستوى الانتظام في الاتحاد الأوروبي، وبخاصة أن الاتحاد يؤكد أنها لن تضم دولاً يغلب على شعوبها طابع قومي متشدّد.

– الوضع الاقتصادي المتردي الذي تواجهه الدول الشرقية منذ الحقبة الشيوعية، والذي جعل سقف توقعات شعوبها عالياً، وزاد رغبتهم في الالتحاق بالاتحاد الأوروبي لتجاوز أزمتهم الاقتصادية، ورأوا في عضويتهم ملاذاً آمناً يحقق لهم ازدهاراً اقتصاديّاً سريعاً. باتت الدوافع الاقتصادية للشعوب والدول الشرقية أكثر أهمية وأولوية من دوافعهم السياسية التي تحرّك رغبتهم في الانتماء إلى المنظمة الأوروبية.

بصفة عامة، وبغض النظر عن الاختلافات البينية القائمة بين دول المحيط الشرقي ودول الاتحاد الأوروبي، فإن رغبتها قوية في تأكيد هويتها القومية والثقافية وتحسين أوضاعها الاقتصادية، وهو السبب الأساسي الذي جعلها توحد رغبتها في الالتحاق بالاتحاد الأوروبي كهدف مركزي تسعى لتحقيقه.

رابعاً: السياسات الشرقية للاتحاد الأوروبي

بعد انهيار الستار الحديدي الذي كان يشكله جدار برلين في 1989، تعرضت أوروبا الغربية لتحديات كبيرة وجديدة، بفعل تسرب بعض التهديدات الشرقية نحو الغرب الأوروبي أبرزها ظاهرة الهجرة غير الشرعية. فتحولت الحدود الشرقية إلى مصدر للقلق والتوتر الذي لا بد من احتوائه بكل السبل‏[28]، وهو ما يبرر إطلاق سياسة الجوار، التي جاءت لتحقيق الاستقرار في المحيط الأوروبي، ثم تلتها عروض الانضمام على دول أوروبا الوسطى والشرقية ليتحول الفكر الأوروبي إزاء شرقه من مفاهيم «الجوار» إلى «حلقة الأصدقاء» ثم «الأعضاء الجدد». فقد أسهم توسع الاتحاد الأوروبي بعد 1990 نحو الشرق في إيجاد حلول سلمية لبعض المشاكل الناجمة عن تفكك الاتحاد السوفياتي. لكن هذا لا يعني أن المنطقة الشرقية لأوروبا في معزل عن الصراعات المحتملة مستقبـلاً، فأي اختلال للتوازنات في المنطقة يمكنه أن يؤدي إلى صراعات كبيرة من الصعب حلها ولو في ظل توسع الاتحاد الأوروبي لخصوصية المنطقة وطبيعة توازناتها، رغم كون منظمة الأمن والتعاون الأوروبي من بين الأطر التي يمكن أن تؤدي دوراً في إحلال الأمن والاستقرار.

1 – سياسة الجوار الشرقية

ظهرت السياسة الأوروبية للجوار مطلع 2003، ثم تم تدعيمها في 2006، لتستجيب لمتطلبات الاتحاد الأوروبي والدول المعنية بها. تم تطوير سياسة الجوار لتجنب نشوء خط تقسيم جديد بين الاتحاد الأوروبي الموسع وجيرانه‏[29]، والعمل بدلاً من ذلك على تعزيز الاستقرار والأمن والرفاه لجميع الأطراف. تقدم سياسة الجوار الأوروبية علاقات امتيازية مع جيران الاتحاد استناداً إلى الالتزام بالقيم المشتركة في مجالات سيادة القانون، الحكم الراشد، حقوق الإنسان، تشجيع علاقات الجيرة الحسنة، مبادئ اقتصاد السوق والتنمية المستدامة. كما تعمل سياسة الجوار لإقامة «حلقة من الأصدقاء» وبخاصة بعد توسيع الاتحاد الأوروبي في 2004 ولتعزيز الاستقرار والرفاه وتحسين العلاقات الاقتصادية وتحقيق تعاون أوثق مع جواره ومحيطه‏[30].

بالنسبة إلى الاتحاد الأوروبي «الجيران» هم شركاء أساسيون في مواجهة تحديات يمكنها أن تشكل مصادر عدم استقرار وتهديد على مشارف أبواب الاتحاد الأوروبي، وهذا ما دفع الأخير إلى تحديد سياسة متماسكة تجاه جيرانه مبنية على تجنب قيام حدود فصل جديدة في أوروبا، وتشجيع الاستقرار والملكية داخل وخارج حدود الاتحاد الجديدة. حددت المفوضية الأوروبية في11 آذار/مارس2003، مجموعة البلدان المشكلة لهذه الحدود الجديدة وهي روسيا، أوكرانيا، مولدافيا، بيلاروسيا، بلدان البلقان الغربية (أعيد تأكيد وجهتها الأوروبية)‏[31].

يبقى الهدف المعلن لسياسة الجوار الشرقي الأوروبي هو «خلق فضاء مستقر ومزدهر»، من خلال معالجة جذور اللاستقرار السياسي والاقتصادي، هذا من خلال‏[32]:

– التقليل من الفوارق في التنمية؛

– خلق فضاء قيم متبادلة مبنية على الاندماج الاقتصادي، العلاقات السياسية والثقافية المكثفة، من جراء زيادة التعاون العابر للحدود، والمشترك القاضي بتجنب التورط في النزاعات؛

– على صعيد الإصلاح السياسي والاقتصادي، الربط بين مزايا العلاقات التفضيلية وتقدم البلدان الشريكة؛

2 – برامج الشراكة الشرقـية

الشراكة الشرقية خطوة متقدمة للارتقاء بالعلاقات الاتحاد الأوروبي مع جيرانه في الشرق وجنوب القوقاز. تحوي على جيل جديد من اتفاقيات الشراكة واندماج بعيد المدى للبلدان الشرقية المجاورة ضمن اقتصاد الاتحاد الأوروبي، لانتقال مواطنيه بشكل أسهل داخل الاتحاد شريطة تلبية المتطلبات الأمنية، ولتعزيز اتفاقيات الأمن والتزود بالطاقة بما يخدم مصالح الأطراف كافة، وزيادة المساعدات المالية. لقد تم إطلاق برنامج «الشراكة الشرقية» للاتحاد الأوروبي‏[33]، في 7 أيار/مايو 2009 في العاصمة التشيكية (براغ) الذي جاء موجهاً لست دول مكونة للجمهوريات السوفياتية سابقاً، وهي كل من أوكرانيا وبيلاروسيا ومولدافيا وأذربيجان وأرمينيا وجورجيا.

خصص الاتحاد الأوروبي للدول الشريكة مبلغ 600 مليون يورو حتى 2013، إذ تشمل قائمة النفقات تعزيز مؤسسات السلطة والمساعدة في تطوير قطاع الأعمال. كما أن الاتحاد الأوروبي بحاجة إلى دول كأوكرانيا، أرمينيا، أذربيجان، بيلاروسيا ومولدافيا من المنطلقات الاقتصادية، السياسية، الأمنية والطاقية. أما الدول فهي بدورها تحتاج إلى الاتحاد الأوروبي باعتباره نموذجاً ومستقبـلاً لها. لقد تعطلت العديد من الدول الأوروبية عن انطلاق المبادرة. يشير رئيس الوزراء التشيكي الذي ترأس الاتحاد الأوروبي في النصف الأول لعام 2009، إلى أن برنامج الشراكة الشرقية يعتبر ذا منفعة في شتى المجالات، للاتحاد الأوروبي أو جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، الواضح أن مشروع «الشراكة الشرقية» لا يعجب روسيا التي ترى فيه محاولة في توسيع الاتحاد الأوروبي نفوذه وإلحاق ضرر بمصالح روسيا. لكن الاتحاد الأوروبي يؤكد أن مصلحته تكمن في رغبته في تقوية الاستقرار الداخلي في الدول الواقعة شرقه‏[34].

يستند الاتحاد الأوروبي في علاقته بالجوار الشرقي إلى جملة من الآليات، أوجدت لتنظيم العلاقة القائمة والمتوقعة مستقبلياً، كما تأخذ بالحسبان الأولويات الإقليمية والبعد الحدودي، لعل أبرزها:

  • مبادرة (INTERREG): أداة مالية جاءت في إطار استحداث الصناديق البنيوية للاتحاد الأوروبي، الداعمة للتعاون العبر حدودي بين الاتحاد الأوروبي والدول الجوارية؛

 

  • أداة (PHARE): آلية تعمل من أجل تأهيل الدول المرشحة للانضمام، لمساعدة هذه الدول للاستعداد لأن تكون قابلة لبلوغ مستوى العضوة في الاتحاد الأوروبي،

 

  • آلية (CARDS): هذه الآلية تعد نوعاً من الطيف من النشاطات في البلقان الغربي؛

 

  • آلية المساعدة الفنية لرابطة الدول المستقلة (TACIS): تعمل على تدعيم التعاون العابر للحدود في المناطق الحدودية الغربية لروسيا وأوكرانيا ومولدافيا وبيلاروسيا. تولي توفير المساعدة الفنية لبلدان «رابطة الدول المستقلة» (1994/2006). من الدول المستفيدة من البرنامج نجد أرمينيا، أذربيجان، روسيا البيضاء، جورجيا، مولدوفا، أوكرانيا وروسيا. حصلت هذه الأخيرة على ما يقارب نصف قيمة التمويلات منذ كانون الثاني/يناير 2007. لقد تم استبدال آلية المساعدة الفنية لرابطة الدول المستقلة بآلية الشراكة والجوار الأوروبية والتي تركز على الأولويات الاستراتيجية وتسهم مع الدول الشريكة في تمويل المشاريع‏[35]؛

 

  • آلية الشراكة والجوار الأوروبية: افتتحت نشاطها في 1 كانون الثاني/يناير 2007 وتمثل نتيجة إصلاحات أجرتها المفوضية في شأن آليات المساعدات الفنية لفائدة رابطة الدول المستقلة «تاسيس» (TACIS)، وأدوات مالية أخرى متنوعة حيث تم توحيدها في الآلية الأوروبية للجوار والشراكة (IEVP). صممت لدعم التنمية المستدامة، دعم تنفيذ الأولويات المتفق حولها في خطط عمل سياسة الجوار الأوروبية وكذلك دعم الشراكة الاستراتيجية مع روسيا والتي كانت تحظى بمساعدة آلية «تاسيس». وتقدر موازنة الآلية الأوروبية للجوار والشراكة بقيمة 12 بليون يورو وتدعم الإصلاحات في البلدان الشريكة المجاورة خلال الفترة 2007/2013‏[36]. الآلية الأوروبية للجوار تسمح بتجسيد التمويل والتعاون لمساعدة دول الشراكة الشرقية وكذا روسيا، ولقد جاء مشروع العمل المقرر لعام 2012، جزءاً على مراحل تغطي طوال السنة، الشطر الأول منه وحده يبلغ 22 مليون أورو، من مجموع الميزانية المخصصة التي تبلغ حوالى 23249500 أورو، وتغطي أربعة محاور‏[37]:

 

– دعم البعد المتعدد الأطراف الخاص بالشراكة الشرقية؛

– المشروع النموذجي في ميدان الإدارة الاندماجية الحدودية المتضمنة تقديم المستلزمات والهياكل القاعدية للمراكز الحدودية، خاصة الواقعة بين أرمينيا وجورجيا (Bagratashen-Sadakhlo)، لأجل دعم إمكاناتها الحمائية والأمنية لتنقل الأشخاص والسلع؛

– المشروع النموذجي الحدودي المتعلق بالإدارة الإلكترونية الحدودية، وتبادل المعلومات بين السلطات الجمركية لكل من جمهورية بيلاروسيا وأوكرانيا؛

– تمويل النشاطات الإعلامية والتحضيرية للبرنامج.

  • آلية تسهيل الاستثمارات: أداة مالية مبتكرة لسياسة الجوار الأوروبية تمزج بين القروض والمنح لتمويل الاستثمارات في الجوار، هدفها الأساسي هو إطلاق مشاريع البنية التحتية الأساسية التي تتطلب موارد مالية كبيرة، فضـلاً عن دعم تنمية القطاع الخاص في منطقة الجوار‏[38]؛

 

  • آلية السلامة النووية:تغطي الآلية المشاريع التي تم تنفيذها في وسط وشرق أوروبا من خلال المساعدة الفنية لرابطة الدول المستقلة، وسخر الاتحاد الأوروبي قيمة 524 مليون يورو لدعم البرنامج خلال الفترة 2007/2013‏[39].

 

صرح المحافظ المكلف بشؤون التوسعة وسياسة الجوار الأوروبية «ستيفان فيول» أن «ترقية فعالية الحدود لا تساهم فقط في تأمين الدول المعنية، بل تفتح كذلك آمالاً مستقبلية متعلقة بالتجارة والعمالة…» ويضيف: «يسعدني كون هذه الإجراءات ستقدم لسكان دول الشراكة الشرقية إمكانات جديدة لكسب حياتهم اليومية من خلال ما تقدمه الحركية الحدودية».

تشكل اتفاقيات الشراكة والتعاون الأساس القانوني لعلاقات الاتحاد الأوروبي مع الجوار الشرقي. وتهدف هذه الاتفاقيات التي أبرمت منذ أواخر التسعينيات، إلى توفير إطار مناسب للحوار السياسي مع البلدان الشريكة، دعم الإصلاحات الديمقراطية وتحقيق الانتقال إلى اقتصاد السوق وتشجيع التجارة والاستثمار. وتهدف اتفاقيات الشراكة والتعاون أيضاً إلى توفير أساس للتعاون في المجالات التشريعية والاقتصادية والاجتماعية والمالية والعلمية والمدنية والتكنولوجية والثقافية. كما تمكِّن اتفاقية الشراكة والتعاون مع روسيا من خلق بيئة مناسبة لإقامة منطقة التجارة الحرة المستقبلية. من بين الأطر التعاونية، نجد التعاون في البحر الأسود، وتهدف إلى تشجيع الإصلاحات السياسية والاقتصادية وخلق بيئة تكون أكثر ملائمة لحل النزاعات. ويتركز التعاون في البحر الأسود حول مبادرات ملموسة تمنح أولويات العمل في مجالات النقل، الطاقة، البيئة، الإدارة البحرية، المصايد، الهجرة، محاربة الجريمة المنظمة، مجتمع المعلومات والتعاون الثقافي. كما أنشأ الاتحاد الأوروبي برنامجاً جديداً للتعاون العابر للحدود تشارك فيه السلطات المحلية في الدول المحيطة بالبحر الأسود ويدعم نشاطات منظمات المجتمع المدني. كما يتحدد مجال التعاون الإقليمي في الشرق من خلال ورقة الاستراتيجية الإقليمية الشرقية للفترة بين (2007/2013) المجالات ذات الأولوية للتعاون الإقليمي والتي اعتمدتها المفوضية الأوروبية (آذار/مارس 2007)‏[40]. نجد أن الاتحاد الأوروبي يعقد مؤتمرات قمة كل سنتين على الأقل في الظروف العادية، تقوم هذه الاجتماعات بتوفير الزخم السياسي من أجل تطوير الشراكة الشرقية والمضي قدماً فيها. كما جاء لدعم هذا التعاون ما سمي بمؤتمر السلطات الإقليمية والمحلية للشراكة الشرقية (CORLEAP) الذي تقرر في2011، يرمي إلى إضفاء البعد الإقليمي والمحلي على الشراكة الشرقية (EAP) ويشكل منبراً للحوار المنتظم بين السلطات المحلية والإقليمية من الاتحاد الأوروبي وبلدان الشراكة الشرقية، إذ يساعد إشراك المستويين المحلي والإقليمي للحكومة في تنفيذ الشراكة الشرقية على تعزيز الحكم الذاتي المحلي والإقليمي في الدول الشريكة ويقرب الشراكة أكثر الى المواطنين‏[41].

يبقى ما يعاب على سياسة الجوار الأوروبية وغيرها من المبادرات تقويتها الارتباطات الثنائية‏[42]. وهذه الصيغة بعيدة من تحقيق الهدف الأساسي المراد تحقيقه ألا وهو الاستقرار. لذا تنص الآلية الجديدة للتمويل على جملة من النقاط المتعلقة بتمويل برامج تعاون إقليمي أو ما دون إقليمي بين بلدين شريكين أو أكثر بمشاركة هذه الأخيرة، وتمويل برامج تعاون تعني بلداناً في الاتحاد الأوروبي، هذا يعني إشراك البلدان الأعضاء كـلاً في فضائها.

خامساً: تداعيات الاستراتيجية الشرقية للاتحاد الأوروبي

عملية توسيع حدود الاتحاد الأوروبي نحو الشرق واندماج دول الفلك السوفياتي، حمل في طياته مكاسب إيجابية استراتيجية على عدة مستويات. لكن الأمر لا يخلو من المخاوف، التي يمكن اعتبارها معوقات قد تهدد طبيعة الاتحاد الجديد، يمكن إجمالها في ما يلي‏[43]:

  • المؤثرات السياسية: تعد الهجرة الشرقية نحو أوروبا شبيهة بمثيلتها المتوسطية‏[44]، رغم فوائدها الاقتصادية كعمالة رخيصة التكلفة. إلا أنها تعد ظاهرة لها تأثيرها في المستوى السياسي، إذ جلبت مشاكل داخلية للدول الأوروبية مثل فرنسا التي يقف اليمين المتطرف بالمرصاد لكل حكومة متسامحة، وفي ألمانيا ترفض أحزاب الحكم فيها منح الجنسية لمستحقيها خصوصاً الأتراك والأكراد، رغم أنهم يمثلون جزءاً كبيراً من القوة العاملة المنتجة في ميادين الصناعية المختلفة. أما إيطاليا فتلعب الأحزاب ورقة المهاجرين لإحراز تفوق سياسي في بلد لا يصل أي حزب فيه لتحقيق الأغلبية المطلقة، ناهيك بالمشكلات العرقية الناجمة بين الأعراق المهاجرة ذاتها، أو وجود تجمعات سياسية معارضة لبلاد تربطها بأوروبا أو بنظم الحكم فيها علاقات طيبة.

 

  • المؤثرات الاقتصادية: أبرزها مسائل انتشار الفساد المرتبط بتجارة الممنوعات والمخدرات والسلاح، فضـلاً عن تجارة وتهريب البشر. إذ وجدت العصابات الشرقية في الدول الأوروبية مسؤولين مستعدين للانخراط في عملياتهم للربح السريع. فقد اكتُشفت شبكات لعمليات الفساد في كل من إيطاليا وألمانيا وفرنسا. يعتقد البعض أن الأوروبيين يقفون خلف تجارة البشر لمصلحتهم لشركات كبرى تعتمد على العمالة الرخيصة في عملياتها الإنتاجية أو الخدمية. هذا ما يفقد الاتحاد الأوروبي صدقيته أمام العالم.

 

  • المؤثرات الاجتماعية والثقافية: يتعلق الأمر بمسائل الجريمة المنظمة العابرة للحدود، وانتشار الأمراض المعدية، التي تكلف الخزينة الأوروبية مليارات الدولارات، بالإضافة إلى الاختلافات العرقية والدينية، إذ يخشى الاتحاد الأوروبي من المهاجرين رغم حاجته إليهم. الأمر الذي دفعه إلى تبني سياسة انتقامية في التعامل مع الأعراق وبخاصة المسلمين (الأتراك والألبان والسنجق والبوشناق). فالاتحاد الأوروبي رغم أنه مكون من مزيج عرقي متباين، إلا أن معاملته الخشنة لم تظهر إلا عندما يبدو في الأفق ارتفاع عدد المهاجرين المسلمين. يمكننا ملاحظة ذلك في موقعين: الأول، تصريحات الكاردينال الإيطالي «جياكومو بيفي» الذي دعا السلطات الإيطالية إلى تفضيل الكاثوليك على المسلمين، وقال: «إن معظم المسلمين الذين جاؤوا أوروبا لم يحاولوا الانصهار في مجتمعاتنا أو تقليدنا، بل جاؤوا على أمل أن يجعلونا مثلهم»، هذه التصريحات أثنى عليها سيلفيو برلسكوني رئيس الوزراء السابق. الثاني، تصريحات عمدة مدينة «نيس» الفرنسية «جاك بيرات» حين رفض إعطاء تصريح ببناء مسجد، وقال: «إن الجوامع لا يصح أن تقام في دولة علمانية»، وحين طلب منه فريق من الأطباء مساعدات للكوسوفيين، قال: «من الأولى تقديم المساعدات للمسيحيين في أوروبا».

 

لمواجهة هذه المخاوف، قام الاتحاد الأوروبي بإجراءات وقائية، أبرزها‏[45]:

– الجانب المؤسسي: تقديم دعم قضائي وإداري لدول المنبع، على رأسها بلقان ألبانيا والتي يعتقد الأوروبيون أنها الثقب الذي يتسرب منه المهاجرون. يتمثل الدعم في برامج تدريبية، تعليمية، أمنية، قضائية لملاحقة مهربي البشر، والمساعدة في إبقائهم في دولهم.

– الجانب السياسي: بمراجعة قوانين الهجرة وحق اللجوء السياسي، ومراجعة معاهدة شنغن بعدما اشتكى الأوروبيون من ثغرات بها تُمكِّن المهربين من استمرار عملياتهم، هذا ما حدث في سويسرا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا. كذلك الاحتواء السياسي من خلال التشجيع على الديمقراطية والتحول إلى دولة المؤسسات كسبيل للإصلاح الاقتصادي ونيل الدعم الأوروبي، مثال ما حدث في سلوفينيا وكرواتيا، وما تم سابقاً في بولندا والمجر وبلغاريا ورومانيا، أو على شكل اتفاقيات وبرامج شراكة، مثلما حدث مع دول البلقان إذ يتم بموجبها إقامة مشاريع استثمارية واقتصادية وبرامج تدريب وتأهيل للعمالة الوطنية بدلاً من اضطرارها إلى الهروب إلى الاتحاد الأوروبي.

– الجانب الأمني: يتمثل بالاحتواء العسكري ضمن حلف الأطلسي أو البرامج المرتبطة به مثل الشراكة من أجل السلام، ومن خلالها يمكن رفع مستوى الأداء العسكري والأمني في برامج مشتركة لمكافحة الجريمة المنظمة، وتستفيد هذه الدول من الخبرة الأمنية لحلف الأطلسي، بإضافة الطوق الأمني أو السياج الحديدي؛ فإسبانيا وفي محاولة منها لوقف تسرُّب المهاجرين إلى أراضيها قامت بنشر مشروع مراقبة حدودي إلكتروني، يتمكن من رصد كل التحركات على الشواطئ الإسبانية عبر سلسلة من الرادارات المزروعة على طول الشواطئ، كما أوكل الاتحاد الأوروبي إلى اليونان وإسبانيا وإيطاليا مهمة حراسة حدود أوروبا الجنوبية من المهاجرين.

الجانب الاقتصادي: الدعم الاقتصادي في البرامج القائمة على محاولة سد بؤر الخلل في المشكلات التي تعانيها دول البلقان والشرق الأوروبي، وبخاصة تلك المتعلقة بالبعد الاقتصادي، إلا أن هذا لا يعني بالضرورة انعدام هذه المساعدات المقدمة للشرق الأوروبي في محاولة لتقليص فجوات العجز الاقتصادي وغيره.

سادساً: تأثيرات الانسحاب البريطاني في ترتيبات الاتحاد الأوروبي

اختار 52 بالمئة من البريطانيين يوم الخميس 23 حزيران/يونيو 2016، الخروج من الاتحاد الأوروبي‏[46]. وتباينت اتجاهات الناخبين بشكل واضح من منطقة لأخرى في المملكة المتحدة، إذ اختارت إنكلترا وويلز الخروج من الاتحاد، فيما اختارت اسكتلندا البقاء، وكانت المحصلة النهائية هي إنهاء عضوية بريطانيا في الاتحاد التي استمرت 43 عاماً‏[47].

إن أبرز هواجس الانسحاب البريطاني من الاتحاد الأوروبي مرتبطة بتخوفات انتشار «عدوى الانسحاب»، لأنه من شأن خروج بريطانيا أن يشجع دولاً أخرى على أن تسلك المنحى نفسه. كما سجلت مخاوف أخرى لها علاقة بصعود التيار اليميني المتشدد والذي من شأنه ممارسة المزيد من التضييق على المهاجرين، وبخاصة المهاجرين العرب والمسلمين.

من بين التداعيات الآنية المتعلقة بالانسحاب البريطاني‏[48]، أن هذا القرار أحدث زلزالاً عالمياً عكسته ردود الفعل الإقليمية والدولية، والهلع الكبير الذي سجلته أسواق المال، التي سجلت جراء هذه الهزة انخفاضاً طاول البورصات الآسيوية وسعر الجنيه الإسترليني الذي بلغ أدنى مستوى له منذ 1985 وارتفاع الين. صرح جو راندل المحلل في مجموعة «آي تي إكس كابيتال» أنها «واحدة من أكبر الصدمات في الأسواق في التاريخ». وأضاف أن «كل العالم سيشعر بالانعكاسات»، وأكد أن «حجم الأضرار يصعب تقييمه؛ لكنه سيكون الأكبر على الأرجح منذ إفلاس مصرف ليمان براذرز في 2008». كما تأثر النفط بالأجواء العامة، إذ خسر برميل النفط الخفيف (لايت سويت كرود) 3.11 دولار أي 6.21 بالمئة من قيمته ليسجل 47.77 دولاراً. كما تراجع برميل البرنت النفط المرجعي الأوروبي أيضاً تسليم آب/أغسطس بـ 3.14 دولاراً أي 6.17 بالمئة ليسجل 47.77 دولاراً‏[49].

إلا أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، بالإضافة إلى الأخطار الاقتصادية، نجد سياسياً التهديد بانقسام بريطانيا نفسها المكوّنة من أربعة شعوب. فاسكتلندا تهدد، بطرح مسألة الاستقلال عن بريطانيا، بعد فشل استفتاء 2014. وسيكون خروج بريطانيا بالنسبة إلى داعمي الاستقلال الاسكتلندي الفرصة الذهبية التي لا تضيع، فهم يعلنون على الملأ رغبتهم في البقاء داخل الاتحاد الأوروبي، لكن خروج بريطانيا نفسها سيعكس تماماً هذه المعضلة، وقد يضع حداً للاتحاد مع بريطانيا الذي أسس عام 1707. أضف إلى ذلك خطر عودة مشاكل الحدود، بين إيرلندا الشمالية، وهي جزء من بريطانيا، والجنوبية وهي دولة مستقلة وعضو في الاتحاد الأوروبي. و40 بالمئة من اقتصاد إيرلندا الشمالية الفقيرة نسبياً يتم مع إيرلندا الجنوبية، وعودة الحائط الجمركي، سيعيق حركة المواصلات والأشخاص والتبادل التجاري بشكل كبير‏[50].

كذلك لعل من أخطر التداعيات على الاتحاد الأوروبي، نجد تصاعد الأصوات اليمينية في بلدان أخرى التي أرادت أن تحذو حذو بريطانيا، بل إن عدداً من ساستها دعوا، من دون انتظار، إلى إجراء استفتاء مماثل. على سبيل المثال صرحت مارين لوبان زعيمة الجبهة الوطنية في فرنسا، أن الفرنسيين أيضاً من حقهم التصويت على علاقة بلادهم بالاتحاد، وأن فرنسا لديها ألف سبب للخروج منه، كما أبدى نائب زعيمة الجبهة الوطنية اليمينية الفرنسية، فلوريان فريبون، ترحيبه بنتائج الاستفتاء، قائلاً إنه سعيد جداً بترجيح البريطانيين كفة الانفصال، إذ يرى في ذلك أن «حرية الشعوب تنتصر في نهاية المطاف، حسناً فعلتم، لقد حان دورنا». أما النائب اليميني المتطرف في البرلمان الهولندي، خيرت فيلدرز زعيم حزب «الحرية»، فدعا إلى تنظيم استفتاء في بلاده على غرار بريطانيا لتقرير مصير العضوية في الاتحاد الأوروبي. الأمر نفسه ذهب إليه ماتيو سلفيني، زعيم «رابطة الشمال» في إيطاليا، الذي عبَّر عن إعجابه بما وصفه «بشجاعة المواطنين الأحرار» في بريطانيا‏[51]. في المقابل نجد أن دول شرق أوروبا، مثل بولونيا وهنغاريا، رغم التصريحات النارية لقياداتها ضد الاتحاد، إلا انه يستبعد انفصالها لأنها تتسلم حالياً المليارات من اليوروات القادمة من ذلك الاتحاد، وهو ما يمنعها من أي تفكيرٍ بالخروج‏[52]. مقابل ارتفاع المد اليميني في دول الاتحاد الأوروبي نجد أن الهجرة بدورها تشكل عامـلاً مؤثراً في الانشقاق الأوروبي، ومتأثراً به، وبخاصة أمام موجات اللاجئين المهاجرين من دول الشرق الأوسط وأفريقيا إلى دول الاتحاد الأوروبي، زاد داخل الرأي العام من منسوب الشعور بخطر تضرر التركيبة الاجتماعية والاقتصادية. مما ينعكس على إجراءات الاستقبال للمهاجرين واللاجئين وظروف إقامتهم، خاصة في ظل بعض الملامح السلبية المسجلة في سلوكات مهاجري اللجوء.

لعل الانشغال الأكبر مرتبط بمدى تضرر التجربة الوحدوية الأوروبية وكذا ترتيبات توسيع الاتحاد الأوروبي ستتضرر جراء الانسحاب البريطاني. إن الأمر يبقى نسبياً بالنسبة إلى هذه النقطة بالذات إذ إن الاتحاد الأوروبي كان دائماً يرى في بريطانيا حليفاً للسياسات عبر أطلسية أكثر منها للقضايا القارية، بذلك بريطانيا كانت دوماً عنصر شقاق أوروبي وعائقاً لتجسيد سياساتها الوحدوية. لذلك فإن الأضرار قد تكون في أكثريتها اقتصادية مما قد تكون سياسية، وهو ما يرمي على عاتق دول النواة الأوروبي مسؤولية وعبء بناء توازن جديد.

خاتمة

يرى دانيل كولار في زوال الثنائية القطبية وبروز الأحادية بروز حركية جديدة في النظام الدولي مبنية على تفاعل ثلاثي بين (النظام، الفوضى، الانتقائية). فعلى المستوى الإقليمي فرضت نهاية الحرب الباردة (1989/1991) على الدول الأوروبية توجهات مشتركة حيال هذه الأوضاع الجديدة، في إطار فجر نظام عالمي جديد ذي طبيعة إيجابية بعد انهيار جدار برلين، بشكل يأخذ بالاعتبار الانسياب الجذري للتهديدات والأعباء التي أفرزتها التطورات على القارة الأوربية في مواجهة عالم ما بعد الحرب الباردة. فدشن الاتحاد الأوروبي هذه الفترة من خلال مشروع وحدوي يسعى من خلال سياسة توسعاتها نحو الشرق والجنوب بالموازاة مع مشروع توسع الناتو إلى التأثير في الخارطة الدولية، إذ يعدّ من بين القوى الدولية المؤهلة للقيام بدور القطبية في العلاقات الدولية، بحيث يملك عناصر القوة الاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية التي تعمل على فرض إرادتها من طريق المشاركة في صنع القرار الدولي.

تشكل أوراسيا، من جهتها، منطقة اهتمام ذات بعد عالمي تحرك القوى العالمية والإقليمية الكبرى بحثاً عن الهيمنة والتوسع، وهو ما يعزز منطق التنازع على هذا المجال الحيوي العالمي، قد يصل إلى تصادم الإرادات في المنطقة بين اللاعبين الجيوستراتيجيين كما يسميهم بريجنسكي. وتبقى أوراسيا استناداً إلى الأطروحات الكلاسيكية للمدارس الجيوبوليتكية حاضرة بقوة في القرن الحادي والعشرين. لعل أهم ما طرح في فترة ما بعد الحرب الباردة لمناقشة المدارس الجيوبوليتكية الكلاسيكية وإحياء مفاهيمها، كتاب زبيغنيو برجنسكي، المعنون رقعة الشطرنج الكبرى‏[53]، الذي يركز على أهمية منطقة «أوراسيا» كمحور أساسي للسيادة العالمية، وتمتد رقعة الشطرنج الأوراسية البيضاوية الشكل، من ليشبونة إلى فلاديفوستوك.

نجد جوهر التسابق للسيطرة على منطقة «أوراسيا» يجسد تكريس السيطرة العالمية بامتلاك قلب العالم الذي يحقق للطرف الدولي الذي يفوز بها مكاسب هائلة ولا تحصى على كل المستويات السياسية والاستراتيجية والاقتصادية. لذا نجد أن الطرف الأوروبي مستعد للتضحية بعلاقته عبر الأطلسية لأجل بلوغ مقاصده الأوراسية التي ستمكنه بتحقيق مكانته الدولية من خلال التعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية لأجل محاصرة روسيا الاتحادية للحد من قدراتها المتنامية في مرحلة تثبيت قوتها الرادعة منذ حقبة بوتين الأولى، محاولة الحد من قدرات الصين الصاعدة وأيضاً الهند. تقاسم منابع الطاقة في الشرق الأوسط وبخاصة دول الخليج والعراق، الوصول إلى مخزن الطاقة القزويني ليكون بديـلاً من طاقة الشرق الأوسط الخليجية.

أما بالنسبة إلى تأثيرات الانسحاب البريطاني في ترتيبات الاتحاد الأوروبي، فتعد بريطانيا هي الخاسر الكبير من خروجها من الاتحاد الأوروبي وعلى لائحة خساراتها فقدانها مكانتها الدولية، وأبرزها دورها في مكافحة الجماعات الإرهابية والمتطرفة في إطار الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها «داعش». أضف إلى ذلك الدور الذي تلعبه كمتحدث باسم أوروبا وكأحد الأعضاء الخمس الدائمين في مجلس الأمن الدولي. هذا بالإضافة إلى التداعيات الداخلية على بريطانيا اقتصادياً وسياسياً التي ستهدد استقرارها بما سبق الإشارة إليها.

لعل من أبرز المستفيدين من الانسحاب هو روسيا بالذات التي تعد جزءاً من استراتيجية الاتحاد الأوروبي الطامح في نهاية توسعه شرقاً بلوغ روسيا وتحقيق الحلم الأوراسي الأكبر الولايات المتحدة الأوروبية، لموقف بريطانيا المعارض حيال روسيا على خلفية أزمة ضم القرم، فهي الداعم الرئيس لتوقيع العقوبات ضد موسكو. أما بالنسبة إلى المشروع الأوروبي الموحد والمتوسع شرقاً، فيعد خروج بريطانيا تحرراً من الوصاية الأطلسية التي ترعاها بريطانيا، وهو ما يعد سياسياً واستراتيجياً بانطلاقة جديدة على المدى المتوسط وبعد تجاوز تداعيات الانفصال البريطاني الاقتصادية.