مقدمة

لا تحظى جميع الجرائم بالدرجة نفسها من الظهور أو الإدانة داخل الفضاء العمومي؛ ففي جين تتصدر وسائل الإعلام، بصورة شبه يومية، أخبار العنف والاعتداءات المرتبطة بالطبقات الاجتماعية الهشة، تظل أنماط أخرى من الجرائم أشد خطورة وتأثيرًا حبيسة الظل، لا لأنها نادرة أو هامشية، بل لأنها متجذرة في بنى السلطة والنفوذ والامتياز. ويعدُّ الاتجار الجنسي بالأطفال من أكثر هذه الجرائم تعبيرًا عن هذا الاختلال البنيوي في ترتيب الأولويات الأخلاقية والقانونية للمجتمعات المعاصرة.

لا يمكن مقاربة ظاهرة إبستين بوصفها سلسلة من الانحرافات الفردية أو الحالات الاستثنائية، بل بوصفها نتاجَ شبكات منظمة عابرة للحدود، تتداخل فيها المصالح الاقتصادية، والحصانات السياسية، والفراغات القانونية، وآليات الإفلات من العقاب. في هذا السياق، لا يُنتهك جسد الطفل فحسب، بل يعاد إنتاجه رمزيًّا كموضوع للهيمنة، ويُدرَج داخل اقتصاد إجرامي تدار فيه الأجساد بمنطق العرض والطلب، لا بمنطق الحق والحماية.

تكتسب دراسة الاتجار الجنسي بالأطفال أهمية علمية مضاعفة حين يرتبط هذا النمط من الجرائم بنخب المال والسلطة، بما يفرض الانتقال من التفسير الأخلاقي أو النفسي الضيِّق إلى تحليل سوسيولوجي نقدي يربط بين الجسد، والسلطة، والامتياز، وآليات التستُّر المؤسسي. من هذا المنطلق، تسعى هذه الدراسة إلى تفكيك الأسس البنيوية التي تسمح باستمرار هذا الشكل من العنف، وإلى مساءلة الأطر القانونية والسياسية والرمزية التي تحوّل الطفولة إلى الحلقة الأضعف في نظام عالمي غير متكافئ.

أولًا: الاتجار الجنسي بالأطفال بين السلطة والصمت البنيوي

ليست كل الجرائم متساوية في درجة ظهورها داخل الفضاء العمومي، ولا في الكيفية التي يتعامل بها المجتمع معها؛ ففي حين تتصدر واجهة الإعلام جرائم العنف اليومي المرتبطة بالطبقات الاجتماعية الهشة – من سرقة واعتداءات وصراعات بين المهمَّشين – تظل جرائم أخرى أشد فتكًا وخطورة حبيسة الظل، لا لأنها أقل أثرًا، بل لأنها أكثر التصاقًا بالبنى العميقة للسلطة والنفوذ. ويُعدُّ الاتجار بالأطفال لأغراض جنسية النموذج الأوضح لما يمكن تسميته الجريمة البنيوية غير المرئية، أي تلك التي تُرتكب داخل النظام الاجتماعي لا على هامشه، وتستمد قدرتها على الاستمرار من موقعها داخل علاقات قوة غير متكافئة[1].

إن لامَرئية هذه الجريمة لا تعني غيابها، بل تعني وجود شروط اجتماعية لإخفائها. فالصمت هنا ليس فراغًا، بل هو ممارسة اجتماعية نشطة تنتج الاستمرار، وتحمي الجناة، وتعيد توزيع المسؤوليات بعيدًا من مراكز القرار. بهذا المعنى، لا تقع الجريمة خارج النظام، بل في قلبه، مستفيدة من أدواته نفسها: المال، والقانون، والعلاقات السياسية، والحصانة الرمزية، وهو ما يجعل مقاربتها كتعبير عن انحراف فردي أو خلل أخلاقي مقاربة اختزالية تخفي أكثر مما تفسر[2].

في هذا السياق، يتحول الطفل من ذات اجتماعية يُفترض حمايتها إلى موضوع قابل للتداول داخل اقتصاد إجرامي منظم، حيث تدار الأجساد بمنطق العرض والطلب، لا بمنطق الحق والحماية. لا يتم هذا التحوُّل عبر العنف المباشر فقط، بل عبر آليات أكثر تعقيدًا: التطبيع، والإخفاء، وإعادة التعريف الرمزي، وتجريد الفعل من بُعده الإنساني. فالطفل، داخل هذه الشبكات، لا يُنظر إليه كضحية، بل كوحدة استعمال أو مورد نادر أو خدمة خاضعة لمنطق السوق، وهو ما يتقاطع مع ما يسميه باومان (Bauman) تشييء الإنسان داخل الحداثة السائلة[3].

وتكشف المعطيات الدولية[4] أن الاتجار بالأطفال يمثل أحد أكثر أنماط الجريمة المنظمة ربحًا وأقلها تعرضًا للمحاسبة، لا بسبب ضعف آليات التتبُّع فقط، بل نتيجة تواطؤ بنيوي صامت بين الفاعلين الإجراميين ومراكز النفوذ. فكلما ارتفع موقع الجناة داخل الهرم الاجتماعي، تقلصت احتمالات تسميتهم، وازدادت قابلية الجريمة للاختفاء أو إعادة التأويل أو التسويف القضائي، لتتحول العدالة من مبدأٍ كونيٍ إلى ممارسة انتقائية.

من هنا، لا ينصبُّ السؤال السوسيولوجي المركزي على عدد الضحايا أو فظاعة الأفعال فحسب، بل على طبيعة الشروط الاجتماعية التي تسمح بتكرار هذه الجرائم من دون أن تتحول إلى فضائح دائمة. لماذا يسلَّط الضوء باستمرار على عنف الفقراء، في حين يدار العنف النخبوي في الخفاء؟ ولماذا يقدّم الانحراف داخل الطبقات الشعبية كخطر على النظام، في حين يعامَل الانحراف داخل دوائر السلطة كسقوط أخلاقي فردي؟ يتيح هذا التمييز فهم الجريمة بوصفها بناءً اجتماعيًا غير متكافئ: هناك جرائم يُطلب من المجتمع رؤيتها، وأخرى يطلب منه نسيانها[5].

من هذا المنظور، لا يصبح الاتجار الجنسي بالأطفال جريمة ضد أفراد فقط، بل اختبارًا بنيويًا لقدرة المجتمع على مساءلة ذاته. فحين تعجز المنظومة القانونية والإعلامية والسياسية عن حماية أكثر الفئات هشاشة، لا يكون الخلل في الأخلاق الفردية، بل في البنية التي تنتج الصمت، وتكافئ الإفلات من العقاب، وتعيد توزيع العنف على نحو غير مرئي، ولكن ممنهج.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 570 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 570 آب/أغسطس 2026

أوراق ذات صلة:

لماذا تستهدف إسرائيل عمدًا الأطفال والنساء في غزة؟

انعكاسات الصدمة النفسية المرتبطة بالحرب على الأطفال (دراسة حالات- جبل عامل “جنوب لبنان” نموذجًا)

المصادر:

نُشرت هذه الدراسة في مجلة المستقبل العربي العدد 570 في آب/أغسطس 2026.

هشام بوقشوش: باحث في علم الاجتماع – المغرب.

الصورة من ShutterStock.

[1] ميشيل فوكو، تاريخ الجنسانية، الجزء الأول: إرادة المعرفة، ترجمة محمد عبد الله (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2003)، ص 140.

[2]        Pierre Bourdieu, La Domination masculine (Paris: Seuil, 1998), p. 95.

[3] Zygmunt Bauman, Wasted Lives: Modernity and Its Outcasts (Cambridge, UK: Polity Press, 2004), p. 83.

[4] United Nations Office on Drugs and Crime (UNODC), Global Report on Trafficking in Persons 2022 (Vienna; New York: UNODC, 2022), p. 41.

[5] Loïc Wacquant, Punishing the Poor: The Neoliberal Government of Social Insecurity (Durham, DC: Duke University Press, 2009), p. 41.

 


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز