تمهيد

تعكسُ هذه الكلمات التطوّرَ العِلمي والتفاعُلَ التقنيّ والتواصُلَ الجغرافيّ الذي نعيشُه. هذا التطوّرُ الذي تَحَقّق بِجُهودٍ عِلميّة لِقرون، ووَصَلَنا نتيجةً لسَعي باحثين وتجارب دارسين، تكلّلت بالنجاحِ والانتشارِ عندما احتَجْنا إلى تَفعـيلِها والعملِ بِها على أرضِ الواقع، فتابَعنا بِفضلِه مَسيرتَنا. وتعلّمنا لُغتَه وفَهِمنا مُصْطَلَحاتِه، وها نحن نَندمجُ مع العالَمِ الافتراضيّ في ندوات يُنظّمها مركز دراسات الوحدة العربيّة العتيد.

لِمَركزِ دِراساتِ الوِحدةِ العربيّة مَكانةٌ في ذاكرتي، حيث حظيتُ بِمُتابعةِ نَشاطِه وإصداراتِه مع الوالد – أحمد صدقي الدجاني – رحمه الله – الذي «واكَبَ تأسيسَه عام 1975، ثمّ شارَكَ في عدد مِن أنشطته، وتابَعَ تَطوّرَه ونُموَّه وإنجازاتِه. وأجدُها مُناسبةً تستحقّ في حديثِنا عن اللغةِ والهُويّةِ والانتماء للإجابةِ عن أسئلةِ ندوتِنا حول اللغةِ العربيّة ودَورِها في التجدّدِ الحضاريّ والثقافيّ ومشروع النهضة، مِن ثنايا دَعوتِه إلى «تجديدِ الفكرِ استِجابةً لتحدّيّاتِ العَصر»، لنشحذَ الهِممَ ونأخذَ بما وَرَدَ في «تفاعلاتٍ حضاريّة وأفكارٍ للنهوض»، مُنمّقة حديثي بما اكتسبتُه مِن تعليمِ لُغتِـنا الجميلة لأبنائها وللراغبين باكتشافِ آفاقها مِن أبناءِ اللغاتِ الأخرَى في رِحلةِ عَقدين ونِصف.

أولًا: اللغةُ العربيّةُ مفتاح الهُويّةِ والتنمية

ما زلنا – اليوم – نقرأ ونفهم ما قاله أبو العتاهية (130– 213هـ / 747– 826م) قبل نحو ألف عامٍ وعَقدين، بالحروف التي صمدت بِفضلِ وَعي الحكماء مِن أصحاب الرأي أمام مُطالباتِ تغييرِها واستبدالِها وتطويرِ رَسمِها، ونستذكر ما أنشده قائلاً:

كُلٌّ لَهُ سَعيُهُ وَالسَعيُ مُختَلِفٌ

وَكُــلُّ نَفسٍ لَها في سَعيِها شـــاءُ

لِكُلِّ داءٍ دَواءٌ عِندَ عــــــالِمِهِ

مَن لَم يَكُن عالِمًا لَم يَدرِ ما الداءُ

أستهلّ حديثي بمِحورٌ رئيسيّ مُركّزةً على شُموليّةِ عِلمِ اللغةِ الذي به تُدرَسُ كلُّ التخصّصات، وبه تُتداولُ كلُّ الأمور، وبه يتحقّقُ العُمرانُ في كلِّ مُجتمعٍ إنسانيّ. وقناعتي كبيرة بما قرأته في كتاب عرب ومسلمون وعولمة لأحمد صدقي الدجاني: أنّ «الإبداعَ لا يكونُ إلّا بِتَوطين العِلمِ، وتَوطينُه لا يكونُ إلّا باللغةِ القوميّة». ونضعُ نصبَ أعينِنا نظريّةَ مؤسّسِ عِلم الاجتماع ابنِ خَلدون «إنّ غلبةَ اللغةِ بِغَلبةِ أهلِها، وإنّ مَنزلتَها بين اللغاتِ صُورةٌ لِمَنزلةِ دَولتِها بين الأُمم».  فهم يبذلون جَهدَهم، ونحن نجتهدُ بِعَملِنا، والعِبرةُ بالقَولِ الفَصل.

فمع كلِّ ما واجهته وتُواجِهُه لُغتُنا العربيّة خلال القرن العشرين، ومع ما واجَهه ويُواجِهُه أبناءُ وطننا العربي، فإنّ الإقبالَ على تعلُّمِها في تزايدٍ عالميّ، وكذلك يزداد الوَعيُ بقيمةِ حُصولِ أبنائها على ملكةِ اللسان والكفايةِ اللغويّة.

ولأنَّ «اللغاتِ كلَّها ملكاتٌ شبيهةٌ بالصناعةِ، إذ هي ملكاتٌ في اللسانِ للعبارةِ عن المعاني، وجَودتها وقُصورُها بسببِ تمامِ الملكةِ أو نقصانِها» وِفقًا للنظريّةِ الخَلدونيّة، فواجبُنا تحسينُ إنتاجِ لُغـتِنا العربيّة الواحدة والمُوَحِّدة، والحثّ على تعليمِها بمناهج جاذبة وبمنهجيّةٍ سليمةٍ، ومُحاسبة المخالفين مثلما تفعلُ الدولُ في شؤونها العامّة.

ثانيًا: اكتسابُ اللغة، وتَعَلُّم اللغة، والمَلكة اللغويّة، وثقافةُ اللغة والسياسة اللغويّة

لنتعرّف إلى مُصطلحاتُ عِلمِ اللسانيّات التي نـتـناولها واقعيًّا مِن خلال ظواهر اجتماعيّةٍ لافتة:

اكتساب اللغة وثقافتها: ظاهرة أبناء العاملين الأجانب في بلدانٍ عربيّة كبلدان الخليج العربي واكتسابهم لُغتهم الأمّ (لغة الوالدين أو أحدهما المتّفق عليها) وتعلّمهم اللُغة العالميّة المعاصرة. ماذا عن لُغةِ بلدٍ يعيشون فيه عُقودًا… يترعرعون ويدرسون ويعملون فيه؟

تعلّم اللغة: ظاهرة أبناء المهاجرين العرب في بلدانٍ أجنبيّة سواء في قارّة أوروبا، الأمريكيتين الشماليّة والجنوبيّة، أستراليا، وأبناء المدارس الدوليّة في البلدان العربيّة، واكتسابهم لُغة بلدِ السكن واللغة العالميّة المعاصرة.  ماذا عن تعلّمهم لغة الوالدين والأجداد.. وتواصلهم مع إرثهم المادّيّ والمعنويّ؟

الملكة اللغويّة: ظاهرة تعدّديّة اللغات الرسميّة في بلدانٍ يتعلّم تلاميذُ مدارِسها لُغتين منذ المرحلة الابتدائيّة. مثال كندا.

السياسة اللغويّة وثقافة اللغة: ظاهرة استخدام لُغةٍ رسميّة في بلدانٍ استخدامًا واقعيًّا من دون نَصٍّ دُستوريّ. نموذج الولايات المتّحدة الأمريكيّة. وانتشار لغاتِ الأعراق في ذاك المجتمع.

السياسة اللغويّة: ظاهرة فَرض لُغةٍ عالميّة للدراسةِ والعملِ و«اكتساب المهارات الحياتيّة» للحصولِ على جنسيّةٍ ما. آيلتس.  معلومة: يَعتمدُ آيلتس عالميًّا أكثر مِن 3800 جامعة ودائرة حكوميّة ومركز حول العالم، ويُعتمدُ في أكثر مِن 120 بلد، ويتقدّم إلى الامتحان أكثر مِن نصف مليون شخص سنويًّا.

1 – تفاعل اللغات واغتناء مُعجمها بالتواصل

نعي جيَدًا أنّ الجماعةَ اللغويّة تمرّ بِمراحل في علاقتِها بِلِسانِها والألسن الأخرَى، وتتعايشُ مع حالاتٍ مُتباينة مِن التأثّرِ والتأثير تـنتجُ منها استعارةُ مُفرداتٍ مِن هذه اللغةِ أو تلك، وإدراج أساليب لُغويّة، واستعارة قَوالب فكريّة… ولنتّفق على أنّه لا بدّ للألسن أن تتواصلَ كي تعيش، وأنّ اللغاتِ تتطوّرُ مثل كائن حيّ يتصارعُ للبقاءِ والسيطرة، إلّا أنّ الأمرَ يعودُ إلى وعي قياداتِ المُجتمعِ وأولياءِ الأمورِ بارتباطِ اللغةِ بالهُويّة وشموليّة استخدامها في كلّ مجال. ولنفيد مِن تَجارِب الآخرين، فقد ظَهَرَ على مَشارِفِ القرنِ الحادي والعشرين التقريرُ الأمريكي الشهير عن التعليم (أمّةٌ في خطر) الذي يدقّ ناقوسَ الخطر لأمريكا، وفيه يدعو قسمُ تحصيل الطلبة والمواطنة إلى أن تزدادَ نسبةُ الطلبةِ القادرين على إثباتِ كفاءةٍ في أكثر مِن لُغةٍ زيادةً ملحوظة، وأن يُصبحَ جميعُ الطلبةِ على علمٍ بِجوانب التراثِ المتنوّع لِهذه الأمّة وبأوضاع العالم، كاشفًا عن تأكيدِ الولاياتِ المتّحدة لِهُويّتها الوطنيّة. وهي التي تستثمرُ في التعليمِ أكثر مِمّا تُـنـفـقه على الدفاع[2]!

2 – على مَن تقع مسؤوليّة تعلّم اللغة واكتساب ثقافتها؟

تقع المسؤوليّةُ على عاتقِ الأسرةِ أوّلاً، والمجتمعِ ثانيًا، فالتعليمِ المدرسيّ والجامعيّ، فالإدارات الحكوميّة في الوطن العربيّ… الجميع مسؤول عن إدراك الطلبة لقيمةِ لُغتِهم الأمّ (الفصحَى ولهجاتها) وإتقانها؛ وكيفيّة النظر إلى اللغة: هل هي لُغةٌ صعبة، سهلة، جميلة، مُعقّدة؟ وكيفيّة النظر إلى ثقافتِها؛ غنيّة، مُمتِعة، مُفيدة؟ وذلك بِزِراعةِ الحرصِ على التفكيرِ باللغة العربيّة بدايةً، والتشديد استعمالِها على نحوٍ سليمٍ في المجالاتِ المختلفة، والالتزام كتابةً بِحَركاتِ التشكيلِ لِتيسيرِ القراءةِ والاستيعاب، مع تَوضيحِ أهمّيّةِ الجَمعِ بينها وبين لُغاتٍ عالميّةٍ أخرَى في مراحل الدراسةِ كلِّها، وهو ِمّا يثير حَماسَة الطلبةِ على مُمارسةِ فنّ الترجمة، وتحفيز قُدراتِهم الفرديّة الإبداعيّة بالخوضِ فيه. وحين ينشأ الطلبةُ على ثِقةٍ بِأهمّيّة لُغتِهم الأمّ وتمكّنهم منها، يسهُل أمرُ تطويرِها عليهم، ومُواكبتها لِمُفردات العصر. فإنّ حِرصَ الأسرةِ ووَعيها بأهمّيّةِ اللغةِ الأمّ ومَكانتها واحترامها، مِن شأنِه خلق أهمّيّة خاصّة للغةِ الأمّ مَهما تعلّم الطفلُ مِن الألسن الأخرَى. كذلك بالنسبةِ إلى مُختلفِ المؤسّسات التعليميّة، فيجب أن يقتصرَ الحديثُ بالعامّيةِ على الحوارِ خارج إطارِ التعلّمِ وفي مَهارتيّ المحادثة والاستماع، ولكن بِمجرّد دُخول الطلّاب الصفّ، يجب احترام التحدّث باللغةِ الفصيحة واستعمالها في مهارتي الكتابة والقراءة.

كما أنّ عدم توافر المواد اللازمة للاستخدام التعليميّ الترفيهيّ في مرحلةِ الطفولة باللغة العربيّة؛ أي لغة ومصطلحات الهواتف الخلويّة وآيباد، ولغة فيسبوك وواتساب، له أثر بالغ في تراجع مستويات اللغة العربيّة لدى الأجيال الحديثة، فالطفل يستخدم لغة ألعابه، ويعمل فكره بلغة الخيال العلميّ الذي يشاهده ويتابعه.

لذلك مِن المهمّ تخطيط مناهج ذات رؤى متكاملة تقدم تدريجًا بخطوات واضحة المداخل والمخارج في مراحل التعليم التمهيديّة الأساسيّة إلى الثانويّة، وبتوعية الأسرة بدورها الأساسي في التنشئة اللغويّة وتقدير مكانة اللغة ومهاراتها التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالهويّة.

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 532 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 532 حزيران/يونيو 2023

المصادر:

نُشرت هذه الورقة في مجلة المستقبل العربي العدد 532 في حزيران/يونيو 2023.

قُدمت هذه الورقة بالأصل ضمن أعمال ندوة «اللغة العربية وأسئلة الهوية والتنمية» التي عقدها مركز دراسات الوحدة العربية عبر تطبيق زووم في 24 آب/أغسطس 2022.

[1]بسمة أحمد صدقي الدجاني: أستاذة اللغة العربيّة وثقافتها في جامعة حمد بن خليفة وفي الجامعة الأردنيّة.

[2]   صبري حافظ، «وثاقة العلاقة بين المعرفة والقوّة،» وجهات نظر، السنة 6، العدد 64 (أيار/مايو 2004)، ص 6.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز