سرت بين العرب، نخباً وجماهير، حفنة من مقولات، بعضها عشعش لردح من الزمان، لكن كثيرها وجد طريقه إلى تلافيف الذهن الجمعي خلال سنوات الزلزال العربي الكبير، الذي بدأت رجّاته عند مفصل 2010 – 2011، ثم راحت تشتد على مقياس ريختر إلى أن أرست رقماً غير مسبوق على مِشعر غينيس.

نبدأ بهذه المقولات واحدة واحدة:

1 – «إن فشل الدولة الوطنية داء لا شفاء منه إلا باستعادة الاستعمار وصيّاً»

تبدو المقولة على السطح مغلفة بورق السيلوفان من فرط ما في وسع أي عربي قوله في حق من تبوّأ سدة الحكم في أوطان أمته عبر العقود الأربعة الفائتة، لكنَّ تبصراً متمعناً يلقي نظرة طائر على حوليات القرن العشرين، ويمدها إلى مطلع الحادي والعشرين، يستطيع بيسرٍ تبيّن الملامح الآتية:

(أ) إن أحوال المرشحين لإعادة الاستعمار هي غيرها الآن عما كانت عليه عبر القرنين المنصرمين، فكثير مما أصاب الدولة الوطنية العربية من علل الفساد والإفساد والهدر وسوء توزيع الثروة والتوريث السياسي نال من دول الغرب ما نال، وإنْ بقدر أمهر من التمويه والحذاقة، فما حققه الاستعمار البريطاني في السودان مثلاً من تحديث مشهود لن يكون في وسع بريطانيي اليوم إعادة انتاجه.

(ب) إن سجل الاحتلال الأمريكي للعراق ماثل أمامنا بكلِّ ما حفل به من سوءات الفساد والهدر ما نافس مهارات أهل الفساد المحلي، بل ولقنهم دروساً فيه ما زالت بعقابيلها معنا.

والحاصل أن عودة الاستعمار إلى العراق لم تفض إلى إنهاضه من كبوته بل إلى انفجاره شظايا مذهبية وطائفية وإثنية، ناهيك بمقتلة أزهقت أرواح ما ينوف عن نصف مليون ضحية انضافوا إلى نصف مليون قبلهم أفنتهم سنوات الحصار الثلاث عشرة.

(ج) إن الدولة الوطنية العربية قامت في خمسينيات وستينيات القرن العشرين بدور نهضوي خالٍ من مظنات الفساد والهدر، تمثل باختراق تنموي فارق أرست معه دعائم نهضة صناعية وزراعية مشهودة، معطوفةً على توسع كثيف في التعليم وقفزة ملموسة في الخدمات، وعلى تقريب الفوارق بين الطبقات وإحقاق تكافؤ الفرص. لا تقاس أحوال مصر والعراق وسورية حينها بما هي عليه اليوم بأي حال من الأحوال.

(د) إن خراب الدولة الوطنية العربية بدأ رويداً في إثر حرب أكتوبر وولوج المنطقة حقبة النفط، فقد عمّت مذّاك الثقافة الريعية، واهترأ مفهوم طهرانية القدوة الحاكمة وشاعت مكانه مفاهيم التهليب والفهلوة واستباحة المال العام، ثم بلغ الأمر مبلغ أن اقترنت السلطة بالثروة، بل وابتدعت الرسمية العربية نهج توليد الثروة من السلطة. ضاع تكافؤ الفرص، وتحولت ضرورات التمكين لمن تعثر حظهم في الماضي إلى ضرب من التمييز الانتفاعي، وامّحت الحدود بين عام وخاص، لحدّ أن 3 تريليونات دولار تسللت إلى جيوب ألوف من حكامٍ وتبعّهم عبر عقود أربعة.

أخلص إلى القول إن حكاية «الاستعمار هو الحل» أضلولة مردودة على مردديها بامتياز.

2 –
«إن العروبة أسّ لما عليه العرب اليوم من بلوى، فعلى قاعدتها حكمت أنظمة طغت ونهبت وهُزمت، وتلواً فالتنصل منها بوابة الانعتاق من ثوب تمزق إلى حلل جديدة»

والحال أن المغالطة الأولى في هذه المقولة كون العروبة هوية أمة وليست صرعة زيٍ نرتديه ونخلعه حسب المزاج.

لم أسمع، مثلاً، إيرانياً أو تركياً أو إثيوبياً يتحدث بهذه الطريقة عن «قوميته»، رغم أنهم الثلاث أممٌ فوق قومية، ثم إن سجل الأنظمة التي حكمت تحت شعار العروبة لم يكن مطلق الخير أو الشر.

وثانياً، فالأنظمة تلك لم تمارس «عروبتها» وفق منطق ومقتضيات العروبة (الأمن القومي العربي) في أحيان كثيرة، ومن ثم فلا تحاسَب العروبة على فعلاتها في قليل أو كثير.

وثالثاً، فلم تنازلها قوى الخارج إلا لما فيها من بقايا عروبة لم تتكفل كل سوءاتها – على عِظَمها – بطمسها، فمكثت سبباً لاستهدافها على تلك البقايا.

3 – «إن العروبة تفتَئِتُ على حقوق الإثنيات غير العربية»

أقول:

أ – لجهة زنج جنوب السودان، والتي امتدت قضيتهم ما بين استقلال 1955 وانفصال 2011، فإن كل العهود التي تتالت على السودان، من سودانوي، إلى عروبي، إلى إسلامي، فشلت في حل القضية المستعصية إلى أن انتهت بالانفصال.. إذاً فالفشل سوداني محض بصرف النظر عن المنظومة الفكرية الممسكة بالحكم.

وإن ذهب المرء أبعد لاستطاع القول إن النظام ذو المرجعية الإسلامية هو من وصل بالصراع عام 1992 إلى حد التكبير على «الجهاد»، وهو الذي على يده قُضي الأمر بالانفصال… والحاصل أن واحدة من أكثريتين في السودان هي لناطقي العربية – فيما الثانية للزنجية، ومن ثم فلا تستطيع واحدة دحر أخرى، ولا سيما أنَّ الإسلام وشاج بين الأولى وأكثرية الثانية.

ب – أما لجهة أمازيغيي المغرب العربي الكبير، فمسألة اللغة هي فصل الخطاب، إذ العروبة والأمازيغية والإسلام ثالوث سبيكة الانتماء. لكن العنصرية المؤيدة فرنسياً تبغي فصم عراها، وفصل الأمازيغ عن مواطنيهم العرب ذهناً ومشاعر، عبر اعتماد أبجدية لاتينية من حرف التيفيناغ، فيما الحرف العربي هو المخرج المنطقي من استعصاء لغوي غير مبرر، اللهم إلا برغبة التماهي مع المستعمر السابق بدعوى الحداثة.

ومن بدهي الأمر أن يُتمّ التعريب مشواره، فليس من تعارضٍ بين اللغة القومية وامتلاك ناصية العصر، كما أنها اللغة العالمية التي يحتاجها الأمازيغ، أم غيرهم من أقوام تعيش بين العرب، للتعبير عن ذواتهم بأقدر مما تستطيعه كل لغات العالم سواها.

يروى عن الشاعر الكبير أمين نخلة هول مفاجأته باستقبال قبائل أمازيغ الريف المغربي لعبد الناصر في جولته فيه في كانون الثاني/يناير 1961 – وهو كان في عداد مرافقيه – إذ وجد حشوداً لا نهاية لها، ومعظمها ممن لا يعرف العربية، وهم يهزجون وينشدون حداءً لرجل رأوا فيه رمزاً للشرق وعزته.

ج – نأتي إلى الكرد ومسألتهم: وبعلم أنني أحتاج أن أفرد مقالاً خاصاً لهذه المسألة، فإن طلّة مكثفة تنفع في تبيان الآتي:

(1) إن مرجعية العرب القومية في خمسينيات وستينيات العشرين، أي عبد الناصر، كانت الأكثر عطفاً وتفهماً لمطالب كرد الشمال العراقي، طالما هي في إطار وحدة الكيان العراقي.

(2) إن بعث العراق الحاكم، بعد 30 تموز/يوليو 1968، هو من صك أول عقد للحكم الذاتي لإقليم الشمال الكردي، في 11 آذار/مارس 1970. وأسباب عدم تجذر الاتفاق، وانتهاجه دليل عمل، مسؤولية مشتركة بين النظام وقيادة الكرد، إذ أدمنت الأخيرة على الاستقواء بالخارج المعادي للعرب، مع تزيدٍ في المطالب، فيما استسهل الأول العودة إلى القوة عند كل منعطف أزمة.

(3) إن التطبيق الصحيح للحكم الذاتي في محافظات الشمال العراقي الكردية الثلاث كفيل بإيفاء كل ذي حق حقه دون افتعال لمطالب أو شطط طامح، فلا الفدرالية بمفضية إلى انفصالٍ لاستحالته، ناهيك بكونها وصفة تفككٍ في ذاتها.

أما في سورية، فالحال مغاير بحكم اللاتناظر الجغرافي/الديمغرافي، وتوزع كردها على ساحات ثلاث في الشمالين الشرقي والغربي وفي العاصمة، لذا فليس من مبرر لإقليم حكم ذاتيٍ، ناهيك بكارثية الفدرالية. من ثم فرشاد المنطق يعني محصلة حقوق ثقافية خاصة، منضافةً إلى حق المواطنة المتساوية.

واللافت أن إدمان الاستقواء بالخارج صار الآن ماركة مسجلة عند الكردية السياسية في سورية، وكأن أهلها يحسبون أنْ وقت اهتبال الفرصة قد أزف وإلا تلاشت.

4 – «إن قضية فلسطين كانت وبالاً على العرب»

لو أدرك قائلها أنها ليست قضية الفلسطينيين، بل كل العرب، وأن جوهرها هو الإجابة عن سؤال: لمن هذه المنطقة؟، لما تفصّح ونطقَ.

والشاهد أن قضية فلسطين هي من دفع ثمن العجز العربي العام عن اختطاط طريقٍ موصلٍ إلى تحريرها، ناهيك بالاقتراب من هذا الهدف، فضلاً عن عظم الالتزام الأمريكي بامتداده المتقدم الإسرائيلي وجموحه.

ومن يراجع سجل حرب 1948 يدرك كم تركّز التنافس «العربي» على شريحة أكبر من حصة «الدولة العربية» في خريطة تقسيم 1947، كما أن عقدي ما بين النكبة والنكسة شهدا سكوناً مفهوماً للصراع مدعاته إدراك المرجعية القومية وقتها، أي عبد الناصر، أن التعجل في صدام عسكري واسع النطاق مع إسرائيل، وخلفها الولايات المتحدة، سابق لأوانه والعرب لم يصلوا بعد العتبة النووية ولم يبنوا بعد قدرة صناعية وعلمية وتنموية وازنة.

أما سجل ما بعد هزيمة 1967، وبالأخص إثر رحيل عبد الناصر، فحافل بما ألحقته رسميات عربية – بينها ربيبتهم الفلسطينية – من ضرر بالقضية، وأمثلةٌ ككامب ديفيد ووادي عربة وأوسلو تكفي للدلالة.

والحل أن نكوص القضية الفلسطينية عن مرتبتها المركزية هو أخطر عرَضٍ للداء العربي المستفحل، وفي المقابل فإن أول أعراض البرء منه هو في عودتها إلى مركز الاهتمام.

5 – «إن خطر الجوار الإقليمي على العرب أكبر من ذاك الإسرائيلي»

ولكم تردد كلام من هذا الصنف حول إيران وتركيا وإثيوبيا، لكن الحاصل هو أنه في صلبه ينوس بين كلام حق يراد به باطل وكلام باطل يراد به باطل أكبر. ولست هنا في معرض المرافعة دفاعاً عن أي من هؤلاء الجيران،ولا سيما أن فَهْم قانون الصراع هو مشعر تقييم الصلة بأحدٍ في الخارج، ومنه توقع أن يتدافع الكل في سبيل تأمين مداهم الحيوي بمن فيهم نحن العرب.

عن إيران: هي جارٌ يجب اعتباره عمقاً استراتيجياً إسلامياً للأمة العربية، والتعامل معها عربياً كصديق محتمل لا كعدو محتمل، على الرغم من موقفها غير المقبول من احتلال العراق.

وعن تركيا: فهي جارٌ عانت علاقات العرب معه كثيراً في رحلة قرن، إلا أن التاريخ والجغرافيا والديمغرافيا ترغم العاقل أن يبتدع للأزمات مخارج إلى الحلول.

وعن إثيوبيا: فهي جارٌ لا مندوحة عن اعتبار مصالحه، والتعامل معه بندية تبعده عن طلب العون على العرب، بل وتحضه على الحرص على مبادلتهم بأحسن

6 – «إن الفكر القومي العربي خشبي وخارج العصر»

وأول ما يفند به المرء هكذا مقولة هو أن مصطلح الفكر شيء ومصطلح الخطاب شيءٌ آخر تماماً. وللناظر أن يستعرض سيل ما كُتب فكراً عبر العقود الأربعة الفائتة، في الصدارة منه ما نشره مركز دراسات الوحدة العربية من دراسات ومباحث فكرية، ليدرك كمْ تطور هذا الفكر واكتسى بسمات التطبيقية، والتكيف مع العصر والعلمية، وكم مردودٌ على أصحابه تقوّل التخشب والتكلس والتقادم.

أما الخطاب فهو ما يحتاج إلى مقاربة تجمع الجدة بالجدية بالجاذبية، وإلى أن تتسلل مفرداته برونقٍ أخاذٍ إلى جموع الشباب – وهم خمس الأمة – قبل الكهول.

7 – «الأعراب والعربان ما يستحقه العرب من أوصاف»

والحق أن جلد الذات مفضٍ في أحايين كثيرة إلى كُرهها بمازوشية لا تعرف حرمة. ولكم سمعنا ونسمع عرباً يستسهلون لوك قذفٍ من الصنف أعلاه وهم يمطّون شفاههم تيهاً، فيما هم بالإدراك كله أم بعدمه عربٌ قبل كل شيء، فلا محلّتهم ولا عشيرتهم ولا مذهبهم ولا طائفتهم بقادرة على توفير هوية أمانٍ في حوض عربي السمات، إن لم تَرفد هويةً عربيةً جامعةً، لا عبر الوطن الأكبر فحسب، بل في كلٍّ من أوطانه.

هي حزمة أراجيف وأسمار علقت كالغبار على سطح الحياة العربية لعقود أربعة، وآن أوان أن ننفض ذلك الغبار و…. ننهض.