مع كل أزمة سياسية يتعرض لبنان لها يتصاعد الكلام على مؤسسة الجيش فيه وعلى ضرورة تحييده عن الانقسامات السياسية بين اللبنانيين. ويطغى على هذا الكلام أحيانًا نبرة رومانسية أقرب إلى الطوباوية الرغبوية التي تمجّد مؤسسة الجيش وتضعها خارج دائرة البحث أو النقد أو الشك أو التقويم، بوصفها صمّام الأمان الذي يحمي البلد من الانزلاق إلى هوة الانقسام أو الاقتتال الداخلي، كون الجيش هو المؤسسة التي ينصهر اللبنانيون فيها بعيدًا من الانقسامات السائدة على المستويين السياسي والاجتماعي، نظرًا إلى تسلّحه بعقيدة وطنية ثابتة تحفظ له تماسكه وتحول دون انجراره إلى اصطفاف داخلي يهدد أمن البلاد وربما وحدتها.
* * * * *
لكن الرهان على الجيش اليوم، كمؤسسة وطنية تتسلّح بعقيدة وطنية ثابتة تضمن له قدرته على صون وحدة البلاد، هو أمر يستدعي البحث والمناقشة، أمام ما يتعرض لبنان له من استقطاب داخلي حاد حول قضايا مصيرية، أبرزها العدوان الإسرائيلي والمخاطر التي يحملها على مستقبل لبنان ووحدة أراضيه، واندفاع رأسَي السلطة (رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة) في المقابل نحو خيار التفاوض المباشر مع إسرائيل، تمهيدًا لتوقيع اتفاقية سلام معه، بذريعة إبعاد هذه المخاطر، وإصرارهما على السير في مشروع نزع سلاح المقاومة، بناء على برنامج عمل التزما به تجاه إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية التي كان لها الدور الرئيسي في اختيارهما وإيصالهما إلى السلطة عام 2024، عقب الحرب الإسرائيلية ضد لبنان، التي فرضت نتائجها، المترافقة مع سقوط النظام في سورية وتغير المعادلة الجيوسياسية في المشرق العربي، معادلةً جديدة في لبنان استطاعت الولايات المتحدة معها فرض وصايتها عليه من خلال الرئيسين جوزيف عون ونواف سلام مع عدد كبير من الوزراء والسفراء والمدراء والمسؤولين الذين عُيِّنوا في مراكز حساسة في معظم أجهزة الدولة، العسكرية منها والأمنية والمالية وغيرها.
وفي مقابل هذا الاندفاع الذي تسير السلطة به باتجاه نزع سلاح المقاومة وحصر السلاح بيد الدولة، أي الجيش والمؤسسات الأمنية، والاستعجال في إطلاق المفاوضات المباشرة مع إسرائيل في ذروة العدوان الإسرائيلي ضدَّه، يعرف البلد مشهدًا نقيضًا يتمثل بالمواجهة البطولية التي تخوضها المقاومة في جنوب لبنان التي تحول دون نجاح إسرائيل في تنفيذ غزو بري للأراضي اللبنانية تراوح أهدافه بين فرض منطقة عازلة بعرض عشرة كيلومترات في جنوب لبنان على الحدود الشمالية للكيان الإسرائيلي، أو احتلال الأراضي الواقعة جنوب نهر الليطاني تمهيدًا لقضم جزء منها وبناء مستوطنات صهيونية عليها، وصولًا إلى احتلال كل الأراضي اللبنانية في سياق الاندفاع الجامح لإسرائيل نحو تحقيق مشروع إسرائيل الكبرى، الذي يمثّل أحد أهداف الحرب الأمريكية – الإسرائيلية ضد إيران ولبنان ومحور المقاومة، وهذه أهداف يتوقف تحديد سقفها على نتائج الميدان في النهاية، الذي أظهرت ماجرياته، بعد مرور نحو ستة أسابيع على هذه الحرب، أن المقاومة هي العامل الرئيسي والأفعل لمواجهة العدوان الإسرائيلي – الأمريكي ومشاريعه التوسعية في لبنان والمنطقة.
ومع كل ذلك، تصر السلطة في لبنان على السير في مشروع نزع سلاح المقاومة والقضاء عليها، دافعًة البلاد باتجاه انقسام داخلي خطير بين خيار الدفاع عن لبنان ضد العدوان ومشاريعه التوسعية وبين رفض خيار المقاومة والسير في خيار الاعتراف بإسرائيل وتوقيع اتفاقية “سلام” استسلامية معها، والالتحاق بالمشاريع الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. وهو في الحقيقة انقسام ليس وليد اللحظة، بل هو تعبير عن انقسام جوهري في الهوية السياسية قام عليه لبنان منذ تأسيس دولة لبنان الكبير في عشرينيات القرن الماضي كنتاج استعماري لاتفاقية سايكس – بيكو، وهو انقسام متجذّر في بنية لبنان مجتمعًا ودولة – رغم أن الكثير من اللبنانيين يرفضون الاعتراف بهذه الحقيقة – يقوم على قاعدة التناقض الجوهري، في الثقافة السياسية وفي المصالح، بين نزعة التبعية للغرب والاستعمار من جهة والنزعة التحرّرية من الاستعمار من جهة أخرى، بغض النظر عن الأثواب الطائفية أو الدينية أو الحزبية أو الأيديولوجية، الثابتة والمتغيرة، التي يرتديها هذا التناقض في كل حقبة أو مرحلة مفصلية يمر بها لبنان أو المنطقة لا يلبث هذا الانقسام أن يصعد معها إلى الواجهة.
* * * * *
وهكذا تضع السلطةُ في لبنان بخياراتها وإجراءاتها السياسية الأخيرة الجيشَ اللبنانيَّ أمام مأزق حقيقي وأمام امتحان طالما رفض اللبنانيون وضع جيشهم أمامه؛ ففي الوقت الذي تصر السلطة في لبنان على نزع سلاح المقاومة وعلى حصر السلاح في يد الدولة، أي الجيش تحديدًا كمؤسسة مهمتها الأولى هي الدفاع عن أمن لبنان ووحدة أراضيه ومواجهة أي عدوان على أرضه وشعبه ومؤسساته، تضع السلطة الجيش في موقع المتفرِّج على ما يحدث من عدوان إسرائيلي على لبنان تنفرد المقاومة وحدها في مواجهته، وهذا أمر ينزع الشرعية عن سلاح الجيش الذي وُجد في المبدأ لكي يُستخدم في لحظة كهذه دفاعًا عن لبنان في وجه أي عدوان خارجي؛ فحين لا يُستخدم سلاح الجيش في مواجهة عدوان كالذي يتعرض له لبنان اليوم تصبح شرعيته موضع شك، ويصبح البحث في سردية وجود عقيدة وطنية ثابتة لدى هذا الجيش مسألة ضرورية في هذه المرحلة المفصلية من تاريخ لبنان، وهذا أمر يفرض اليوم طرح تساؤلات خطيرة لكنها مشروعة: هل الجيش اللبناني موجود لمهمة أخرى غير الدفاع عن لبنان في وجه عدوان خارجي على أرضه وشعبه ومؤسساته، وما هي هذه المهمة غير الدفاع عن النظام والسلطة، بغض النظر عن بنية هذا النظام وعن المواقف والسياسات الداخلية والخارجية التي تعتمدها السلطة، وبالتالي أين هي العقيدة الوطنية الثابتة للجيش اللبناني إذا كان هدفه حماية السلطة لا حماية الوطن؟ وماذا سيكون موقف الجيش في أي مواجهة يمكن أن تحدث بين السلطة والمقاومة في ظل التصادم الحاد بين سياسات السلطة المرتبطة بالمشاريع الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة، وبين المقاومة التي تصر على تأدية دورها التحرُّري، الدفاعي والتحريري، في مواجهة العدوان الإسرائيلي والمشروع الصهيوني ومشاريعه التوسعية؟ وما هو مصير الجيش إذا ما زُجَّ به فعلًا في مواجهة مباشرة ضد المقاومة وجمهورها؟
* * * * *
تستدعي الإجابة عن هذه التساؤلات مراجعة نقدية تحرُّرية للتجربة التاريخية للجيش اللبناني في نصف القرن الأخير لاستكشاف مدى اعتماده على عقيدة وطنية ثابتة حدَّدت وتحدِّد دوره الوطني في حماية لبنان من الاعتداءات الخارجية، وبخاصة الاعتداءات الإسرائيلية منذ نصف قرن حتى اليوم وفي المستقبل، ودوره في مواجهة الأزمات السياسية الحادة والصراعات المسلحة الداخلية والحروب الأهلية المرتبطة بانقسامات الهوية السياسية المذكورة أعلاه.
وفي هذا السياق لم تُظهر التجربة التاريخية في لبنان وجود عقيدة عسكرية وطنية ثابتة لدى الجيش اللبناني، لأن عقيدة هذا الجيش تتغيّر وفقًا لعدة عوامل وظروف، أهمها:
أولاً: تغيُّر موازين القوى الإقليمية
تؤثر تركيبة لبنان السياسية مجتمعًا ودولة، وانقسام الهوية السياسية المتجذِّر فيه المشار إليه أعلاه، فضلًا الإرث التاريخي المتعاقب والمتنوع، وعن سماته الجيوسياسية، لناحية صغر مساحته وانكشافه والاقتصادي والثقافي، وموقعه الجغرافي على الحدود الشمالية للكيان الصهيوني، أي فلسطين المحتلة، وبوصفه بوابة دمشق والمشرق العربي على البحر المتوسط، كل هذه الأمور وغيرها، تؤثر في مدى انكشاف لبنان ونظامه السياسي للخارج؛ فمع كل تحول جيوسياسي كان يحدث في المنطقة كان يخرج من رحم الانقسام في الهوية السياسية وتناقض المصالح في لبنان من يلاقي هذا التحوُّل محاولًا توظيفه في إعادة صوغ المعادلة الداخلية، وهذا أمر طبيعي وموضوعي في علم السياسة، لكن لا بد من قراءته في ضوء موقع تلك التغيُّرات الخارجية وانعكاساتها المحلية في سياق التناقض والصراع التاريخي بين مشروعين أو مقاربتين في العالم، المقاربة الاستعمارية والمقاربة التحرُّرية، وهما مقاربتان تجدان من يتماهى مع كل منهما في تركيبة الهويات والقوى السياسية وأرباب المصالح في لبنان. وبالتالي كل ذلك يؤثر في التوجهات السياسية للسلطة، وبالتالي في العقيدة الوطنية لديه. هكذا أثرت الناصرية والمعسكر الاشتراكي مثلًا في المعادلة الداخلية لناحية إسقاط مشروع الرئيس اللبناني كميل لضم لبنان إلى حلف بغداد عام 1958، وإلحاق لبنان في موجة حركة التحرر العربية والعالمية؛ وهكذا سعى اليمين اللبناني بعد هزيمة عام 1967 ووفاة عبد الناصر عام 1970 وبعد خروج مصر من الصراع العربي – الإسرائيلي منذ منتصف السبعينيات، إلى ضرب المد التحرري العربي في لبنان، وإدخال البلاد في حرب أهلية؛ وهكذا أثرت الثورة الإسلامية في إيران في تعزيز قدرات حركات المقاومة العربية في فلسطين ولبنان والعراق واليمن.
وفي ظل نظام سياسي في لبنان يحصر قرار الحرب والسلم في يد السلطة التنفيذية، ممثلة برئيسها، وهو رئيس الجمهورية قبل اتفاق الطائف (وثيقة الوفاق الوطني)، وبمجلس الوزراء مجتمعًا بعد ذلك الاتفاق، يغدو قرار الجيش وخياراته الدفاعية وعقيدته الوطنية محكومةً بالسلطة التنفيذية لا بقيادة الجيش؛ وبالتالي مع كل تغيّر في الخيارات السياسية للسلطة في لبنان منذ نصف قرن على الأقل حتى اليوم، سواء لعوامل خارجية أو لعوامل داخلية، كان يحدث تحوّل في مواقف الجيش وفي عقيدته “الوطنية”.
خلال الحرب الأهلية التي اندلعت في لبنان عام 1975 على خلفية الأزمات الاجتماعية والطبقية وسعي اليمين اللبناني إلى ضرب المقاومة الفلسطينية التي تمدَّد دورها في لبنان عقب اتفاق القاهرة عام 1969 وأحداث أيلول الأسود في الأردن عام 1970، ظهرت هشاشة العقيدة الوطنية للجيش، الذي اتخذ موقفًا مساندًا للسلطة السياسية ولميليشيات حزب الكتائب والجبهة اللبنانية اليمينية المسيحية ضد القوى الوطنية والمقاومة الفلسطينية، وهو ما أدى إلى انقسام الجيش بين عقيدتين وجبهتين: عقيدة يمينية مسيحية ذات توجهات غربية ودعم غربي بقيادة حنا سعيد، أو حتى ذات توجهات إسرائيلية تمثلت بجيش لبنان الجنوبي بقيادة سعد حداد، الذي ظل يتقاضى رواتب جنوده من الجيش اللبناني حتى عام 1990؛ مقابل عقيدة وطنية عروبية – إسلامية ذات توجهات مساندة للحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية بقيادة أحمد الخطيب. ولم تنجح إعادة توحيد الجيش بعد دخول الجيش السوري إلى لبنان لوقف الحرب وانتخاب الياس سركيس رئيسًا للجمهورية عام 1976 في صهر هذا الجيش في ظل عقيدة وطنية ثابتة وواضحة تحدد من هو الصديق ومن هو العدو، الإسرائيلي أم الفلسطيني أم السوري، بل كان توحيدًا شكلانيًا يحتفظ تحت أثوابه الموحَّدة لونًا بالانقسامات السياسية والطائفية والعقيدية الطاغية على الساحة السياسية وفي المجتمع اللبناني.
ثم جاء الغزو الإسرائيلي للبنان عام 1982 ليجد الجيش اللبناني نفسه مجدّدًا في موقع المتفرج على ذلك الغزو، ثم منخرطًا في الجولة الجديدة من الحرب الأهلية، بعد وصول أمين الجميل إلى رئاسة الجمهورية، بدعم من جيش الاحتلال الإسرائيلي، الذي اجتاح لبنان في حزيران/ يونيو من ذلك العام بالتنسيق مع اليمين المسيحي في لبنان بقيادة بشير الجميل، الذي عمل جيش الاحتلال على تسليمه السلطة وفرض انتخابه رئيسًا للجمهورية في 24 آب/ أغسطس من ذلك العام بهدف القضاء على المقاومة الفلسطينية و«تنظيف» لبنان من الوجود الفلسطيني والسوري وحتى من القوى اليسارية والعروبية والإسلامية اللبنانية نفسها، وأخذ لبنان إلى حضن المعسكر الأمريكي – الإسرائيلي ومشاريعه الاستعمارية والتوسعية في المنطقة، تمهيدًا لتطبيع العلاقة بين لبنان وإسرائيل.
ومع اغتيال بشير الجميل في 14 أيلول/ سبتمبر من ذلك العام، ارتكبت ميليشيا القوات اللبنانية التابعة له مجازر صبرا وشاتيلا بدعم إسرائيلي، في غياب كلي للجيش اللبناني عن مشهد القتل والذبح التي أصابت آلاف الشبان والفتيات والأطفال والنساء والشيوخ الفلسطينيين واللبنانيين في كلا المخيمين. وبعد إيصال إسرائيل أمين الجميل، شقيق بشير، إلى رئاسة الجمهورية ليستكمل الدور نفسه في السلطة، مستخدمًا الجيش اللبناني كأداة لتمرير المشروع الأمريكي – الإسرائيلي في لبنان، عبر اتفاق 17 أيار/ مايو (1983)، والعمل على بسط نفوذه ونفوذ ميليشيا القوات اللبنانية على المناطق اللبنانية المختلفة، زج أمين الجميل الجيش في مواجهات عسكرية دموية ضد الشعب اللبناني في أكثر من منطقة، وبخاصة في بيروت، التي قُصفت أحياؤها بمدفعية الجيش وانتُهكت فيها حريات الناس وحرية الصحافة والرأي، كما في جبل لبنان الذي ارتُكبت فيه المجازر، وبخاصة في قرى الشحار، على أيدي القوات اللبنانية وعلى مرأى من الجيش اللبناني نفسه وبحضوره الميداني.
كل ذلك أدى في نهاية المطاف إلى انقسام الجيش عقب انتفاضة السادس من شباط/ فبراير الشعبية عام 1984 التي أرغمت سلطة أمين الجميل على إلغاء اتفاق 17 أيار، في ظل استمرار الحرب الأهلية والمواجهات العسكرية في جبل لبنان التي بلغ الانقسام بين ألوية الجيش فيها حد المواجهة العسكرية بين طرفيه على جبهات القتال، على قاعدة الانقسام في «العقيدة الوطنية» للجيش بين عقيدة ذات توجُّه غربي موالٍ للمعسكر الأمريكي – الإسرائيلي ومعادٍ لعروبة لبنان وللقضية الفلسطينية وللوجود السوري، وعقيدة ذات توجُّه وطني عروبي رافض لهيمنة مشروع المارونية السياسية المرتبطة بأمريكا وإسرائيل على السلطة.
وظل الجيش منقسمًا ومتصارعًا حتى نهاية الحرب الأهلية في لبنان، عام 1990، ودخوله في مسار اتفاق الطائف الذي ثبّت عروبة لبنان وأقر مبدأ المناصفة والتوافقية بين المسلمين والمسيحيين وأعاد توزيع صلاحيات السلطة السياسية بينهم من خلال تقليص صلاحيات رئيس الجمهورية التنفيذية وتعزيز صلاحيات مجلس الوزراء وصلاحيات مجلس النواب ورئيسه، وإعادة بناء العقيدة الوطنية للجيش.
وبالفعل، مثّلت تجربة ما بعد الطائف، مع وصول العماد إميل لحود إلى قيادة الجيش، ثم انتخابه رئيسًا للجمهورية، فرصة تاريخية لإعادة توحيد هذه المؤسسة العسكرية ودمج ألويتها على أسس وطنية لاطائفية، وتم التشديد في عهده، سواء قائدًا الجيش أو رئيسًا للجمهورية، على أن إسرائيل هي العدو الرئيسي للبنان في العقيدة الوطنية للجيش. وما ساعد على تحقيق ذلك هو تبدل موازين القوى في لبنان عقب الحرب الأهلية لمصلحة التوجه العروبي فيه، واندحار المشروع الإسرائيلي وأدواته المحلية على أيدي القوى والمقاومة الوطنية والإسلامية، وهذا ما تم تكريسه في وثيقة الوفاق الوطني نفسها التي أُقرت في الطائف بوصفها اتفاقًا لإنهاء الحرب الأهلية في لبنان وخريطة طريق للجمهورية الثانية التي سيوضع للبنان دستور جديد او معدّل بناء على توجهاتها.
ثانيًا: بنية النظام اللبناني ذي الصيغة الطائفية
العامل الآخر الذي لا يقل أهمية في التأثير في العقيدة الوطنية للجيش هو الصيغة الطائفية للنظام السياسي في لبنان، القائمة منذ تأسيس دولة لبنان الكبير في ظل الانتداب الفرنسي في عشرينيات القرن الماضي، وهو أمر أعيد تكريسه في عهد الاستقلال الأول في ميثاق عام 1943 ثم أعيد تعميقه أكثر فأكثر نصًّا ونهجًا في الجمهورية الثانية عقب اتفاق الطائف. لكن هذه الصيغة الطائفية السياسية للنظام اللبناني لا تعكس، في الواقع، معادلة توافقية للتنوع الديني والطائفي في لبنان، كما يحلو لخطاب السلطة وكثير من النخب ووسائل الإعلام تصويرها، بقدر ما تغطي انقساماتٍ حادَّة في المصالح الطبقية وفي الهوية السياسية التي تتخطى حدود الطوائف وتندرج في الأبعاد الثقافية والجيوسياسية والاقتصادية السياسية للاستقطابات والتناقضات العالمية.
وانكشاف الجيش اللبناني، كمؤسسة وطنية جامعة، على الميكانيزمات الطائفية والانقسامات الهويتية السياسية السائدة في المجتمع والدولة، جعل ويجعل هذا الجيش عرضة للتمزُّق مع كل صراع مسلح أو حرب أهلية تدخل البلاد فيهما كما رأينا، فضلًا عن أن الصيغة الطائفية التي تحكم ميكانيزمات النظام اللبناني وخضوع آليات الالتحاق بالجيش، أو حتى الترقيات والتعيينات من رأس قمة الهرم إلى أسفله، المحكومة بآليات المحاصصة والمحسوبية والوساطة، تجعل الولاء البدائي أو الهوية السياسية لعناصر الجيش، جنودًا وقادة، مرتبطَين أو متأثرَين بزعماء الطوائف الممسكين بآليات المحاصصة والمحسوبية والوساطة وبالهويات السياسية السائدة في البلد، لا بالعقيدة الوطنية المزعومة أو المتخيَّلة للجيش التي يُفترض أن تكون عامل الانصهار الوطني الأساسي لعناصر الجيش كافة بغض النظر عن خلفياتهم الدينية والطائفية والحزبية والمناطقية والطبقية، وعن التغيرات التي تحدث في البلاد مع تغير الظروف الإقليمية، أو حتى مع تغير رئيس الجمهورية أو الحكومة أو قائد الجيش أو الاتجاهات السياسية الظرفية في الداخل.
ثالثًا: برامج المساعدات
يضاف إلى العاملين أعلاه مجموعة عوامل أخرى تؤثر في العقيدة الوطنية للجيش، منها برامج المساعدات المالية والعسكرية والضغوط الدبلوماسية التي تنتهك سيادة لبنان وجيشه وتؤثر في هوية المؤسسة العسكرية وفي عقيدته الوطنية. ومن الواضح دور المساعدات المالية والعسكرية الأمريكية وتأثيرات استقلالية الجيش وتوجهاته، سواء لناحية منع الجيش من تلقي مساعدات عسكرية من دول من خارج المعسكر الغربي وتوابعه، كالصين وروسيا، أو لناحية منع الجيش من حيازة أسلحة متطورة، ولو دفاعية، يمكن أن تعيق أو تمسّ أي عدوان عسكري إسرائيلي على لبنان. أما المساعدات المالية الأمريكية للجيش اللبناني، التي تمثّل إحدى أدوات القوة الناعمة للولايات المتحدة وإحدى وسائل التدخل في شؤون الدول الأخرى وانتهاك سيادتها، فقد بلغت حدًا من الانتهاك الواضح لحرمة الجيش وكرامته ربما لم تحدث مع أي جيش آخر في العالم، من تقديم دعم مالي لرواتب عناصر الجيش تُدفع مباشرة من وزارة الدفاع الأمريكية إلى جنود الجيش اللبناني عبر مراكز خدمة تحويل الأموال من المرور بوزارة المالية أو حتى بقيادة الجيش، فكيف تريد أن تبني عقيدة وطنية لعناصر جيش يتلقون جزءًا من رواتبهم من دولة أخرى مباشرة!!!
* * * * *
هذا هو واقع الجيش اللبناني الذي تدّعي السلطة الحالية في لبنان أنه سيكون قادرًا على حماية الوطن من أي عدوان خارجي، وبخاصةٍ إسرائيلي، وقادرًا على مواجهة أي انهيار أمني في الداخل يمكن أن يجرّ البلاد إلى حرب أهلية تهدِّد وحدة أراضيه. في الواقع لا يبدو الأمر كذلك، فكل الانتكاسات التي أصابت الجيش على مدى نصف قرن مضى، ما يزال الجيش غير محصنٍ من الوقوع فيها مرة أخرى، نظرًا إلى توافر كل أو معظم الشروط اليوم التي أدت إلى وقوعه في تلك الانتكاسات. وأخطر هذه الشروط سعي السلطة اللبنانية إلى إلحاق لبنان بالمعسكر الأمريكي – الإسرائيلي، وهذا ما أحدث انفجارًا في الوضع الداخلي وأخذ لبنان إلى حروب أهلية بغض النظر عن طولها الزمني وعن انتشارها الجغرافي، كما حصل ضد كميل شمعون عام 1958، وكما حصل مع بشير وأمين الجميل في ثمانينيات القرن الماضي. والشرط الآخر الذي لا يقل خطورة هو إصرار السلطة على زجّ الجيش في مواجهة عسكرية مباشرة مع طرف داخلي رئيسي في البلد يقوم بمهمة الدفاع عن أرض لبنان وشعبه منذ أكثر من أربعة عقود، نيابة عن الجيش اللبناني، الغائب دومًا عن حماية الوطن من العدوان الخارجي والحاضر دومًا في حماية السلطة من أي تهديد شعبي.
كتب ذات صلة:
تاريخ لبنان الحديث والمعاصر 1516-2026
اقتصاد لبنان السياسي وإعاقة التنمية: جدلية الخارج والطائفية السياسية والاقتصاد غير المنتج
المصادر:
نشرت هذه المقالة في صحيفة الأخبار (بيروت)، بتاريخ 18/4/2026.
فارس أبي صعب: باحث ومدير التحرير في مركز دراسات الوحدة العربية.
فارس أبي صعب
مدير قسم التحرير ومدير تحرير مجلة المستقبل العربي
فارس أبي صعب مدير التحرير في المركز ومدير تحرير مجلة المستقبل العربي منذ عام 2012. باحث في العلوم الاجتماعية، نشر عدداً من الدراسات في دوريات عربية، أو فصولاً في كتب، حول قضايا عربية أو عالمية معاصرة، كتجارب الأحزاب السياسية في العالم العربي، والثقافة السياسية للفساد، والانتخابات وأزمة الديمقراطية في لبنان، والعرب والحداثة، والقضية الفلسطينية، والثورات العربية في عالم متغير ومستقبل الشرق الأوسط… فضلاً عن مجموعة من الدراسات والمقالات حول موضوعات متنوعة نشرت في صحف لبنانية أو عربية، وعن غيرها من الأبحاث غير المنشورة.
منذ بداية التسعينيات حتى اليوم، أدار الباحث على التوالي أقسام التحرير والنشر أو الدراسات في عدد من مراكز الدراسات العربية، منها مركز دراسات الوحدة العربية (2012-2018)، والمركز اللبناني للدراسات (1993-2006)، ومركز الخليج للأبحاث (2009-2006)، والمعهد المالي – بيروت (2011-2009). وهو ساهم في تأسيس مجلة أبعاد الفصلية (بيروت) وأدار تحريرها (1997-1993)، كما ساهم في تأسيس مجلة السادسة الفصلية (بيروت) ورَأَس تحريرها (2011).
حائز دبلوم الدراسات العليا في علم اجتماع التنمية من الجامعة اللبنانية.
بدعمكم نستمر
إدعم مركز دراسات الوحدة العربية
ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.



