المؤلف: كيت إيكورن

ترجمة: عبد النور خراقي

مراجعة: ياسين عتنا

الناشر: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت

سنة النشر: 2023

عدد الصفحات: 183

 

مقدمة أوليّة

صرّح عالم الاجتماع مانويل كاستلز‏[1] (Manuel Castells) في توصيفه المجتمعات الحاليّة في مطلع القرن أنها تعيش «هيكلة شاملة وعميقة للرأسمالية من جهة، وازدهار ما يسمى المجتمع المعلوماتي من جهة أخرى، بمعنى أن هناك عالمًا أصبح فيه الإبداع والمعالجة وانتقال المعلومة يمثل المصادر الرئيسية للسلطة والإنتاجية»‏[2].

والدليل على ذلك، الكم الهائل للاعتماديّة على التقنية في ماجريات الحياة اليومية للأفراد، وهو ما زاد الرقمنة توغلًا في الحياة المعاصرة لدى الفئات الاجتماعية كافة ومن دون استثناء. على رأس هذه الفئات الاجتماعية، فئة الأطفال والمراهقين، هذه الفئة التي عاشت نوعًا من الضبط الاجتماعي والتحكم من طرف الآباء وأولياء الأمور في كيفية تمثيل الأطفال في الصور ومقاطع الفيديو قبل حلول عصر الوسائط الرقمية، لكن بحلولها، وتيسير الولوج إليها بفعل الإنترنت وما يحتويه من وسائط اجتماعية متعددة، وترتب على ذلك انتشار واسع للمواد الرقمية للأطفال التي أصابت حياتهم الخاصة أو حياة غيرهم، وهو ما جعل إزالتها الآن من التداول الرقمي صعبة وستتحول إلى أحداث مؤلمة لا تُنسى.

في هذا الباب، ساهمت الباحثة كيت

إيكهورن(*) (Kate Eichhorn) في مجال الدراسات الإعلامية والثقافية، بكتاب بعنوان نهاية النسيان: التنشئة بين وسائط التواصل الاجتماعي[3] صدر عن سلسلة عالم المعرفة (2023)، تحت ترجمة عبد النور الخراقي(**)، مُقسمًا على خمسة فصول أساسية على النحو الآتي:

أولًا: توثيق الطفولة قبل ظهور وسائط التواصل الاجتماعي وبعدها

عاشت «الطفولة» قبل التصوير الفوتوغرافي نوعًا من الصمت المُطبَق، والتأطير من طرف الكبار في الفن، وكذا عبر الخطابات التربوية والأخلاقية والطبية، إذ نادرًا ما كان يُسمح لهم بتمثيل أنفسهم وإظهار صوتهم. وعلى حدِّ تصنيف ميشيل فوكو «الأطفال إلى جانب المرضى والمجانين والسجناء باعتبارهم أشخاصًا يخضعون لتوثيق مُفرط، وباعتبارهم في الوقت ذاته، يخضعون للإسكات لأنهم أقلُّ مرتبة» (ص 39). لكن، بفعل التصوير الفوتوغرافي، انبثقت مرحلة جديدة، أخرجت الطفولة من منطقة الظل إلى منطقة الانخراط في تمثيل الذات بأنفسهم (ص 40).

في إثر هذا التحول التقني، صُنعت مجموعة من الوسائط التكنولوجية خصيصًا للأطفال «نموذج كاميرا براوني» (Brownie)‍(***) كإعلان عن فتح سوق جديد دائم التوسع، يعزز ثقافة التصوير لدى الأطفال، وهو ما جعل الطفولة أكثر ظهورًا وتوثيقًا، على نحوٍ متزايد، للانخراط في تمثيل الذات لأول مرة (ص 45). الأمر الذي ستواكبه تطورات على المستوى التقني في مجال التصوير الفوتوغرافي كنموذج بولارويد (Polaroid) وكذا ظهور تقنيات الأفلام والفيديو المنزليين في أواخر عشرينيات القرن الماضي، التي غيرت الكيفية التي تمر بها تجربة الطفولة والمراهقة ومراحلها (ص 50).

أمّا مرحلة وسائط التواصل الاجتماعي، فإنها حاولت إلى حدٍّ كبير تجاوز القيود والرقابة الاجتماعية والأخلاقية والتربوية للكبار على الطفولة، وإنتاج كمّ هائل من الصور ومقاطع الفيديوهات يوميًّا، ونشرها على نطاق واسع بأقل تكلفة ومن دون تخطيط واختيار دقيقين، بخلاف المراحل السابقة، وهو ما جعل مرحلتي الطفولة والمراهقة تُرى وتُفهم على «نحو متزايد من وجهة نظر الأطفال والمراهقين بدلًا من وجهة نظر البالغين» (ص 59).

ثانيًا: الناسي والمنسي في عصر صاحب البيانات الشخصية

استنادًا إلى هذا الانتشار المتزايد للوسائط، وما يوازيه من نشرٍ للصور والفيديوهات المتعلقة بالطفولة، عملت المفوضية الأوروبية (EC)(*) على اقتراح تشريع يدعم «الحق في النسيان» والعمل على سن قوانين تقر بمحو البيانات الخاصة بالمراهقين في كل من أوروبا وأمريكا الشمالية، بحكم الافتراض الشائع أن الأطفال والمراهقين يفتقرون إلى الحكم الرشيد (Sound jugement) (ص 61 – 62).

هذا الحق الذي تولَّد على نقيض ما دعت إليه شبكة الإنترنت، بتوفير مساحات استثنائية تحرر الأفراد من أغلال العالم المادي ومن تاريخهم، بوصفها «فضاء للنسيان» خاليًا من أية عواقب (ص 68)، ومساعدًا في خلق وتطوير هويات جديدة لدى فئة الشباب (ص 70).

لكن، اتضح في ما بعد أنّ منصات الوسائط الاجتماعية التي ظهرت في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ركزت جهودها على سد الفجوة بين الواقعي والافتراضي، وهيّ فجوة كانت في الأصل سمة مميَّزة للإنترنت، وهو ما جعل مشاركة الأشخاص في الإنترنت مرتبطة على نحوٍ متزايد بأنفسهم الطبيعية، عبر مطالبتهم باستخدام هوياتهم الحقيقية. فأضحى عالم الإنترنت الذي وعد مستخدميه بمساعدتهم على نسيان هوياتهم، عقبة أمام إمكان أن ننسى أو نُنسى (ص 72).

لقراءة الورقة كاملة يمكنكم اقتناء العدد 571 (ورقي او الكتروني) عبر هذا الرابط:

مجلة المستقبل العربي العدد 571 أيلول/ سبتمبر 2026

المصادر:

نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 571 في أيلول/سبتمبر 2026.

ياسين عتنا: باحث في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا – المغرب.

[1] Manuel Castells, La Société en réseaux-Tome 1: L’Ere de l’information (Paris: Fayard, 1998).

[2] ريمي رفيل، الثورة الرقمية، ثورة ثقافية؟، ترجمة سعيد بلمبخوت ومراجعة الزواوي بغورة، عالم المعرفة؛ العدد 462 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2018)، ص 23.

[3](*) أستاذة مساعدة ورئيسة قسم الثقافة والإعلام في الكلية الجديدة (The New School) بنيويورك، لها عدة أعمال في مجال الدراسات الإعلامية والثقافية والأدبية، تناولت من خلالها موضوعات مختلفة، من قبيل الوسائط والذاكرة، والإعلام والتحول الاجتماعي، وممارسات صناعة الإعلام لدى الشباب، ومن أشهر كتبها الحديثة: ثقافة الشباب والتاريخ الطويل لوسائل التواصل الاجتماعي والمضمون.

Kate Eichhorn, The End for Forgetting: Growing up with Social Media (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2019).

(**) باحث ومترجم مغربي، أستاذ المثاقفة واللسانيات في جامعة محمد الأول كلية الآداب والعلوم الإنسانية – وجدة، له عدة مؤلفات وترجمات منها: اللغة والهوية والحضارة ومضامينها وروح الديمقراطية. وحصل على جائزة المغرب للكتاب في سنة 2015 وجائزة الملك عبد الله العالمية للترجمة في سنة 2022.

(***) لم يكن الـ «براوني» مجرد نموذج ناجح للكاميرا، ولكنه كان يمثل مقاربة مبتكرة للتسويق، في وقت مبكر، أدرك إيستمان كوداك (Eastman Kodak) قيمة إنتاج الأجهزة بحجوم مضغوطة وألوان متعددة. وقد أصدرت شركة كاميرا براوني ستار فلاش (Brownie Starflash) ذات الحجم الصغير في عام 1957 في مختلف الألوان، بما في ذلك الأسود والأحمر والأبيض والأزرق، والمستوحاة بخاصة من فكرة «كوكاكولا»، تمامًا مثل ما حصل مع جهازَي «آيبود» (iPod) و«أيفون» (iPhone) من إنتاج شركة «آبل».


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز