المؤلف: محمد عابد الجابري

مراجعة: حمزة بوحدايد

الناشر: دار النشر المغربية، الدار البيضاء

سنة النشر: 1973

عدد الصفحات: 154

 

توطئة

قدم المفكر المغربي محمد عابد الجابري، رؤية نقدية لمشكل التعليم في المغرب، وذلك من خلال كتاب أصدره سنة 1973 بعنوان: أضواء على مشكل التعليم بالمغرب، الذي أصدرته: دار النشر المغربية. نحاول في هذه المقالة أن نسلط أضواء مقتضبة على بعض القضايا التي انتبهنا إليها، بأن نسلط عليها الأضواء بالتعبير نفسه الذي قدمه محمد عابد الجابري: أضواء على أضواء مشكل التعليم بالمغرب، وذلك من خلال مقاربة نقدية تفاعلية مع بعض المقتطفات التي جاءت في سياق الكتاب. وقبل أن ندخل في صلب الموضوع لا بأس من أن نضع الجابري في سياقه الفكري والسياسي الذي كان يشغله.

أولًا: مقتضب: الجابري ونظريات التربية

سنحدد الخلفية الفكرية والسياسية لرؤية الجابري من خلال كلام يبين نظرته إلى التعليم التي تحكمت فيها مرجعيته الفكرية والسياسية:

أشار الجابري في العدد 13 من السلسلة التي كان يصدرها باسم مواقف إلى فكرة تثير الانتباه حول «نظريات علوم التربية»؛ فقد رأى أن نظريات التربية تتحرك في فضاء الفكر الليبرالي الأوروبي، وهذا الأمر دفع أوساط في الفكر التقدمي الفرنسي بمحاولة استنباط نظرية اشتراكية في التربية[1]. غير أن هذا لم يمنع نظريات تربوية جمّة من أن تستقي مفاهيم ومبادئ كثيرة من الفكر الماركسي؛ على سبيل المثال: النظرية السوسيو بنائية[2]. ثم إن الجابري طرح موضوعين جديدين سنة 1975، الأول بعنوان: «الخلفيات الأيديولوجية للنظريات التربوية» والثاني بعنوان: «المدرسة المغربية ووظيفتها الإيديولوجية»[3]. كما أن الجابري صرح بكل موضوعية بقوله: «كان كتاب «أضواء على مشكل التعليم في المغرب» حصيلة واضحة للتداخل بين التربوي والسياسي والثقافي في مساري الفكري»[4].

ولد الجابري من جلباب المدرسة المغربية غداة الاستقلال، وعمل مدرسًا في المدرسة المغربية، ويقول: «فمن جهة يبدو وكأن الجانب المتعلق بـ«التربوي والتعليمي» في مسارَي العام قد حظي بنوع من الأولوية»[5].

ثانيًا: مقتطفات وتفاعلات

يستهل الجابري حديثه في أضواء على مشكل التعليم بالمغرب، الذي هو ـــ كتيّب جمع فيه مجموعة من المقالات ــــ بالحديث عن طبيعة التعليم في المغرب في ظل حقبة الحماية الفرنسية[6]، بحيث إن التعليم كان فئويًا إلى درجة أنه كان حكرًا على أبناء النخبة من العائلات الأرستقراطية والتجار، وهذه الفئة هي التي ستقود الحركة الوطنية المغربية.

ينتقد الجابري فكر هذه الحركة لتناقضاتها الفكرية كما يعبر دائمًا، فبالقدر الذي احتجت فيه الحركة الوطنية على لاقومية التعليم في المغرب، كانت النخبة نفسها تدفع أبناءها إلى التعلم في المدارس الأوروبية[7]. وهو ما يحيل على خلفية اجتماعية لدى نخبة الحركة الوطنية ورؤية استشرافية رأتها هذه النخبة التي تقول بتعبير الجابري: «فتلميذ اليوم هو حاكم الغد، وهو ما وعته الجماهير الشعبية أخيرًا»[8].

فهمت النخبة الوطنية الطريق المستقبلية نحو الترقّي الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، وبه لكي تدفع أبناءها نحو مستقبل مشرق نحو مغرب المستقبل، يجب أن تزيح السلم الذي يمكن أن تتسلق منه باقي الفئات الشعبية[9]. على أرضية هذا الصراع ولدت المدرسة العمومية المغربية، بعدما بدأت الأطر والإدارة الأجنبية الفرنسية الانسحاب من المغرب غداة عصر الاستقلال.

غابت المدرسة العمومية الحديثة في المغرب في ما مضى، لسبب جوهري متعلق بالحداثة والدولة، اللتين تُعدّان خلاصتين أوروبيتين بتعبير مصطفى المرابط[10]؛ فالدولة خلاصة التجربة التاريخية لأوروبا والمدرسة الحديثة من أسسها، في حين كان التعليم في المغرب عصر ما قبل الحماية تعليمًا عتيقًا. نلاحظ ذلك من خلال ما قاله الجابري أيضًا في مرجع آخر بعنوان: «العصبية والدولة»، صفحة، 37، حيث قال[11]: «…أُغلق باب الاجتهاد في الفقه واقتصر الناس على اتباع الأئمة الأربعة مالك وأبي حنيفة والشافعي وابن حنبل، ووقف التقليد في الأمصار، عند هؤلاء الأربعة ودرس المقلدون لمن سواهم» وهذا انطلاقًا من القرن الرابع عشر للميلاد. كما ركز النشاط الفكري على جانبين اثنين: الدراسات الفقهية الجامدة التي اقتصر العمل فيها على الملخصات وشروح الشروح والتصوف الذي انقلب من تجربة وذوق ومشاهدة إلى شعوذة وتضليل[12].

من الأمور التي أخذها الجابري على طبيعة التعليم الذي توافر للمغاربة غداة الاستقلال الطريقة المعتمدة في التدريس، فقد ظلت الطرائق التقليدية العتيقة تهيمن على القطاع على الرغم من ظهور طرائق حديثة في التدريس، فاللغة العربية مثلًا تدرس نحوًا وصرفًا وكتابة بطريقة فوضوية وبالطرائق العتيقة والقديمة نفسها (ص 88)، في حين أن الكتب المدرسية أيضًا كانت منعدمة والمعلمين أشخاص يحسنون القراءة والكتابة ويحفظون شيئًا من القرآن والفقه وأشعار العرب (…) هذا في أحسن الأحوال. أما التكوين البيداغوجي/والتدريس وفق الأساليب العصرية، فذلك ما كانوا يجهلونه بالمرة. وكان يطلب من التلاميذ أن يحضروا ويحفظوا (…) وكثيرًا ما كان المطلوب منهم حفظه يفوق مستواهم الفكري كثيرًا (ص 46)[13].

قدّم الجابري من خلال كتاب أضواء على مشكل التعليم بالمغرب الخلفية التاريخية للمشاكل التي نخرت قطاع التعليم في المغرب، التي يمكننا حصرها في الخلفية التاريخية لولادة التعليم المعاصر بالمغرب الذي ارتبط في بداياته بالنخبة الوطنية التي ستتولى قيادة المغرب بعد الاستقلال، بحيث ستنهج بعدًا قوميًا لمغرب ما بعد الاستقلال وتجلى ذلك في المبادئ الأربعة رغم تناقض النخبة مع ذاتها ثم الطرائق التي وظفت في التعليم غداة الاستقلال والتي ظلت على عهدها العتيق.

تتجلى خلاصة القول في بنيوية مشكل التعليم في ماضي المغرب وحاضره، فما لم نتجاوز السياسة لن نتجاوز مشاكل التعليم، فالأمراء حسب كانط لا يرون في رعاياهم سوى أدوات لأغراضهم[14] وبتعبير الجابري الذي هو ضيف كبير على هذه المقالة: «… والمشاكل أيا كان نوعها ليست بنت ساعتها، بل هي نتيجة عملية تطور ونمو: نمو الأجزاء في إطار الكل ونمو الكل من خلال الأجزاء»[15].

أوراق ذات صلة:

محمد عابد الجابري: مسـارات مفكـر عربـي

محمد عابد الجابري: ونقد العقل العربي

المصادر:

نُشرت هذه المراجعة في مجلة المستقبل العربي العدد 538 كانون الأول/ديسمبر 2023.

حمزة بوحدايد: باحث مغربي.

[1]    محمد عابد الجابري، قضية التعليم في مسار متعدد الأوجه، سلسلة مواقف، العدد 13 (الدار البيضاء: دار النشر المغربية، 2013)، ص 13.

[2]   Lev Vygotsky, Thought and Language, edited and translated by Eugenia Hanfmann, Gertrude Vakar and Alex Kozulin (London; Cambridge, MA: The MIT Press, 2012), p. 36.

[3]    الجابري، قضية التعليم في مسار متعدد الأوجه، ص 14.

[4]     المصدر نفسه، ص 17

[5]    المصدر نفسه، ص 9. تتقاطع رؤية كانط للتراث الحضاري الأوروبي مع رؤية رجل معاصر قرأ الفلسفة الإسلامية كما كان ضليعًا في الفلسفة الأوروبية والمناهج الحديثة، ألا والأمر يتعلق بمحمد عابد الجابري، الأستاذ ومفتش الفلسفة والمفكر فيما بعد. إن قارئ سيرتَي الرجلين سيلحظ ذلك التقاطع في المسارات والكتابات: توجهات دينية في المهد وعودة إلى الدين في اللحد ثم اهتمام بالتربية والاشتغال في التعليم وعناوين في النقد نقد العقل الخاص ونقد العقل العربي… فالأحرى أن نقول ونحن المعاصرين أن الثاني تأثر بالأول بمعنى الجابري المفكر المغربي الراهن تأثر بسيرة كانط الألماني ابن القرن السابع عشر لكن الأكيد أن تشابه المسار لا يعني بالضرورة التقليد، فكيف قلد الجابري كانط في تكوينه وهو طفل، لا شيء قد يحملنا للقول بالتقليد لكن يمكن أن نقر أن الرجلين حقًا تقاطعا في أشياء كثيرة من بينها اهتمام الرجلين بحقل التربية.

[6]    المصدر نفسه، ص 43.

[7]    المصدر نفسه، ص 45. انتمى جل رواد الحركة الوطنية المغربية إلى البرجوازية المتوسطة التي تخرجت من المدارس العتيقة كالقرويين، في حين درس البعض الآخر في المشرق. انظر: خالد طحطح، «نشأة الحركة الوطنية في المغرب،» مجلة كان التاريخية، السنة 2، العدد 4 (2009)، ص 30.

[8]    المصدر نفسه، ص 63.

[9]   يتجلى ما قامت عليه النخبة الوطنية المغربية التي تولت زمام البلد ما سيكون خارطة طريق بناء قطاع التعليم بمغرب ما بعد الاستقلال ويتجلى ذلك في ما نعت بالمبادئ الأربعة: التعميم والتعريب والتوحيد ومغربة الأطر (ص 65). يشير عبد الله العروي إلى فكرة مهمة في هذا المنحى بقوله: «الوطنية تقوم على قاعدة غلبة الماضي على الحاضر، وتسعى بوجه أخص إلى الحفاظ زمن المتغيرات على المصالح الثابتة للجماعات المهيمنة. ولا يقتصر سعيها فقط على تكريس المصالح الاقتصادية، إنما كل ما له صلة بالعناصر المؤسسة للهيمنة». انظر: عبد الله العروي، الأصول الاجتماعية والثقافية للوطنية المغربية، 1830-1912، ترجمة محمد حاتمي ومحمد جادور (الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي، 2016)، ص 597.

[10]   «حوار في التعليم والتحديات الإنسانية مع مصطفى المرابط،» سكاي نيوز عربية، 3 شباط/فبراير 2017، <https://www.youtube.com/watch?v=cy1aA3lzFDE>.

[11]   محمد عابد الجابري، العصبية والدولة: معالم نظرية خلدونية في التاريخ الإسلامي، ط 5 (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، 1994)، ص 37.

[12]   المصدر نفسه، ص 30.

[13]   نعلق على هذا الواقع، بنظرية تربوية لم تعيها المنظومة التربوية المغربية آنذاك، وهي النظرية السوسيوبنائية. فيغوتسكي، رائد النظرية لا يتحدّث عن النمو الفعلي وفقط بل يتعداه إلى ما يسميه النمو الممكن، الذي يمثّل القدرات والخبرات التي في طور التشكل التي يتوقع أن يستبطنها ويستدمجها الطفل في المستقبل القريب وبين المستويين النمو القريب المدى. انظر: Vygotsky, Thought and Language, p. 198.، أي حتى وإن قدمنا إلى الى الطفل معارف أكبر من مستواه، فإنها تحقق تعلمًا قريب المدى مقارنة بطفل لم يتلق معرفة أكبر من مستواه، ولعل الجابري يزكي عن غير وعي هذا بقوله أثناء استعداده لـ«شهادة الكفاءة في التعليم»: لقد كان على المترشح أن يجتاز امتحانًا كتابيًا في «التربية وعلم النفس»، وبالتالي كان عليه أن يقرأ أكثر ما يمكن من هاتين المادتين (…) ولم يكن يوجد في المكتبات في ذلك الوقت من كتب التربية وعلم النفس غير تلك التي كانت تأتي من مصر وكانت خاصة بطلبة كلية التربية في الجامعات المصرية (…) لقد كان علي، إذن، قراءة هذه الكتب والاجتهاد في تحصيل ما تعرضه من معلومات في علم التربية وعلم النفس (مثل كتاب: علم النفس من تأليف حامد عبد القادر ومحمد عطية الأبراشي وكتاب: الاتجاهات الحديثة في التربية لمحمد عطية الأبراشي ثم كتاب: التربية وطرق التدريس لصالح عبد العزيز وعبد العزيز عبد المجيد) وإذا كان من غير المعقول أن أدعي إني كنت استوعب على نحوٍ جيد ما كنت أقرأ، فمن المؤكد أني قد استفدت منها (…)». انظر: الجابري، قضية التعليم في مسار متعدد الأوجه، ص 10.

[14]   إمانويل كانط، تأملات في التربية، ماهي الأنوار؟ ما التوجه في التفكير؟، تعريب محمود بن جماعة (صفاقس: دار محمد علي للنشر، 2005)، ص 19.

[15]   الجابري، قضية التعليم في مسار متعدد الأوجه، ص 17. وإن جاز القياس وجازت الاستعارة رغم اختلاف السياق، نرى أن عبارة الجابري يمكن أن نقيس بها نظريتين تربويتين وهما: النظرية البنائية (بناء التعلم من الجزء إلى الكل) ثم الجشطالتية (الكل إلى الجزء)، انظر: مصطفى ناصف، نظريات التعلم، عالم المعرفة؛ العدد 70 (الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1973)، ص 199، 200 و289، لنقول إن كانت هذه فكرة الجابري عن الطريقة التي تتطور بها المشاكل ومن ضمنها مشاكل التعليم، فلا تقوم التعلمات من وجهة نظرنا إلا من خلال النظريتين التربويتين السالفتين لنجاح أي منظومة تعليمية فنحتاج إلى الاستعانة بمصادر نظرية متعددة.


مركز دراسات الوحدة العربية

فكرة تأسيس مركز للدراسات من جانب نخبة واسعة من المثقفين العرب في سبعينيات القرن الماضي كمشروع فكري وبحثي متخصص في قضايا الوحدة العربية

مقالات الكاتب
مركز دراسات الوحدة العربية
بدعمكم نستمر

إدعم مركز دراسات الوحدة العربية

ينتظر المركز من أصدقائه وقرائه ومحبِّيه في هذه المرحلة الوقوف إلى جانبه من خلال طلب منشوراته وتسديد ثمنها بالعملة الصعبة نقداً، أو حتى تقديم بعض التبرعات النقدية لتعزيز قدرته على الصمود والاستمرار في مسيرته العلمية والبحثية المستقلة والموضوعية والملتزمة بقضايا الأرض والإنسان في مختلف أرجاء الوطن العربي.

إدعم المركز